كتاب ذم الدنيا

كتاب ذم الدنيا

وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي عرف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها حتى نظروا في شواهدها وآياتها ووزنوا بحسناتها سيئاتها فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها ولا يفي مرجوها بمخوفها ولا يسلم طلوعها من كسوفها ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها ثم هي فرارة عن طلابها شحيحة بإقبالها وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها إن أحسنت ساعة أساءت سنة وإن أساءت مرة جعلتها سنة فدوائر إقبالها على التقارب دائرة وتجارة بنيها خاسرة بائرة وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة فكل مغرور بها إلى الذل مصيره وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره شأنها الهرب من طالبها والطلب لهاربها ومن خدمها فاتته ومن أعرض عنها واتته لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات ولا ينفك سرورها عن المنغصات سلامتها تعقب السقم وشبابها يسوق إلى الهرم ونعيمها لا يثمر إلا الحسرة والندم فهي خداعة مكارة طيارة فرارة لا تزال تتزين لطلابها حتى إذا صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها وشوشت عليهم مناظم أسبابها وكشفت لهم عن مكنون عجائبها فأذاقتهم قواتل سمامها ورشقتهم بصوائب سهامها بينما أصحابها منها في سرور وإنعام إذ ولت عنها كأنها أضغاث أحلام ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس تمنى أصحابها سرورا وتعدهم غرورا حتى يأملون كثيرا ويبنون قصورا فتصبح قصورهم قبورا وجمعهم بورا وسعيهم هباء منثورا ودعاؤهم ثبورا هذه صفتها وكأن أمر الله قدرا مقدورا والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا وعلى من كان من أهله وأصحابه له في الدين ظهيرا وعلى الظالمين نصيرا وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فإن الدنيا عدوة لله وعدوة لأولياء الله وعدوة لأعداء الله أما عداوتها لله فإنها قطعت الطريق على عباد الله ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها وأما عداوتها لأولياء الله عز وجل فإنه تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها وأما عداوتها لأعداء الله فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها فاقتنصتهم بشبكتها حتى وثقوا بها وعولوا عليها فخذلتهم أحوج ما كانوا إليها فاجتنوا منها حسرة تتقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد فهم على فراقها يتحسرون ومن مكايدها يستغيثون ولا يغاثون بل يقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون أولئك الذي اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وإذا عظمت غوائل الدنيا وشرورها فلا بد أولا من معرفة حقيقة الدنيا وما هي وما الحكمة في خلقها مع عداوتها وما مدخل غرورها وشرورها فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ويوشك أن يقع فيه ونحن نذكر ذم الدنيا وأمثلتها وحقيقتها وتفصيل معانيها وأصناف الأشغال المتعلقة بها ووجه الحاجة إلى أصولها وسبب انصراف الخلق عن الله بسبب التشاغل بفضولها إن شاء الله تعالى وهو المعين على ما يرتضيه.

بيان ذم الدنيا

الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرآن مشتمل على ذم الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة بل هو مقصود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة فقال أترون هذه الشاة هينة على أهلها قالوا من هوانها ألقوها قال والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء حديث مر على شاة ميتة فقال أترون هذه الشاة هينة على صاحبها الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من حديث سهل بن سعد وآخره عند الترمذي وقال حسن صحيح ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المستورد بن شداد دون هذه القطعة الأخيرة ولمسلم نحوه من حديث جابر وقال صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر حديث الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان منها حديث الدنيا ملعونة ملعون ما فيها أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي هريرة وزاد إلا ذكر الله وما والاه وعالم ومتعلم وقال أبو موسى الأشعري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى حديث أبي موسى الأشعري من أحب دنياه أضر بآخرته الحديث أخرجه أحمد والبزار والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وقال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا رأس كل خطيئة حديث حب الدنيا رأس كل خطيئة أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان من طريقه من رواية الحسن مرسلا وقال زيد بن أرقم كنا مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه وسكتوا وما سكت ثم عاد وبكى حتى ظنوا أنهم لا يقدرون على مسألته قال ثم مسح عينيه فقالوا يا خليفة رسول الله ما أبكاك قال كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئا ولم أر معه أحدا فقلت يا رسول الله ما الذي تدفع عن نفسك قال هذه الدنيا مثلت لي فقلت لها إليك عني ثم رجعت فقالت إنك إن أفلت مني لم يفلت مني من بعدك حديث زيد بن أرقم كنا مع أبي بكر فدعا بشراب فأتى بماء وعسل فلما أدناه من فيه بكى الحديث وفيه كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يدفع عن نفسه شيئا الحديث أخرجه البزار بسند ضعيف بنحوه والحاكم وصحح إسناده وابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه بلفظه وقال صلى الله عليه وسلم يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور حديث يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي جرير مرسلا وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلة فقال هلموا إلى الدنيا وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال هذه الدنيا حديث إنه وقف على مزبلة فقال هلموا إلى الدنيا الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان من طريقه من رواية ابن ميمون اللخمي مرسلا وفيه بقية بن الوليد وقد عنعنه وهو مدلس وهذه إشارة إلى أن زينة الدنيا ستخلق مثل تلك الخرق وأن الأجسام التي ترى بها ستصير عظاما بالية وقال صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون إن بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت تاهوا في الحلية والنساء والطيب والثياب حديث إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد دون قوله إن بني إسرائيل والشطر الأول متفق عليه ورواه ابن أبي الدنيا من حديث الحسن مرسلا بالزيادة التي في آخره وقال عيسى عليه السلام لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يا معشر الحواريين إني قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي فإن من خبث الدنيا أن عصى الله فيها وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها واعلموا أن أصل كل خطيئة حب الدنيا ورب شهوة ساعة أورثت أهلها حزنا طويلا وقال أيضا بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها فلا ينازعنكم فيها الملوك والنساء فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لن يعرضوا لكم ما تركتموهم ودنياهم وأما النساء فاتقوهن بالصوم والصلاة وقال أيضا الدنيا طالبة ومطلوبة فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنقه وقال موسى ابن يسار قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها حديث موسى بن يسار إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا وأنه منذ خلقها لم ينظر إليها أخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه بلاغا وللبيهقي في الشعب من طريقه وهو مرسل وروي أن سليمان بن داود عليهما السلام مر في موكبه والطير تظله والجن والإنس عن يمينه وشماله قال فمر بعابد من بني إسرائيل فقال والله يا ابن داود لقد آتاك الله ملكا عظيما قال فسمع سليمان وقال لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطى ابن داود فإن ما أعطى ابن داود يذهب والتسبيحة تبقى وقال صلى الله عليه وسلم ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت حديث ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالي مالي الحديث أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الشخير وقال صلى الله عليه وسلم إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادي من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا يقين له حديث الدنيا دار من لا دار له الحديث أخرجه أحمد من حديث عائشة مقتصرا على هذا وعلى قوله ولها يجمع من لا عقل له دون بقيته وزاد ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه ومال من لا مال له وإسناده جيد وقال صلى الله عليه وسلم من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال هما لا ينقطع عنه أبدا وشغلا لا يتفرغ منه أبدا وفقرا لا يبلغ غناه أبدا وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا حديث من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء وألزم الله قلبه أربع خصال الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر دون قوله وألزم الله قلبه وكذلك رواه ابن أبي الدنيا من حديث أنس بإسناد ضعيف والحاكم من حديث حذيفة وروي هذه الزيادة منفردة صاحب الفردوس من حديث ابن عمر وكلاهما ضعيف وقال أبو هريرة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها فقلت بل يا رسول الله فأخذ بيده وأتى بي واديا من أودية المدينة فإذا مزبلة فيها رءوس أناس وعذرات وخرق وعظام ثم قال يا أبا هريرة هذه الرءوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل كأملكم ثم هي اليوم عظام بلا جلد ثم هي صائرة رمادا وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم قذفوها في بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت والرياح تصفقها وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا فليبك قال فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا حديث أبي هريرة ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها قلت بلى يا رسول الله فأخذ بيدي وأتى بي واديا من أودية المدينة فإذا مزبلة الحديث لم أجد له أصلا ويروي أن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى الأرض قال له ابن للخراب ولد للفناء وقال داود بن هلال مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم إني قذفت في قلوبهم بغضك والصدود عنك وما خلقت خلقا أهون علي منك كل شأنك صغير وإلى الفناء يصير قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد ولا يدوم لك أحد وإن بخل بك صاحبك وشح عليك طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم والملائكة حافون بهم حتى أبلغهم ما يرجون من رحمتي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى لم ينظر إليها وتقول يوم القيامة يا رب اجعلني لأدني أوليائك اليوم نصيبا فيقول اسكتي يا لا شيء إني لم أرضك لهم في الدنيا أرضاك لهم اليوم حديث الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله لا ينظر إليها الحديث تقدم بعضه من رواية موسى بن يسارمرسلا ولم أجد باقيه وروي في أخبار آدم عليه السلام أنه لما أكل من الشجرة تحركت معدته لخروج الثقل ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلا في هذه الشجرة فلذلك نهيا عن أكلها قال فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكا يخاطبه فقال له قل له أي شيء تريد قال آدم أريد أن أضع ما في بطني من الأذى فقيل للملك قل له في أي مكان تريد أن تضعه أعلى الفرش أم على السرر أم على الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى ههنا مكانا يصلح لذلك اهبط إلى الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم ليجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار قالوا يا رسول الله مصلين قال نعم كانوا يصلون ويصومون ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه حديث لجيئين أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم الي النار الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث سالم مولى أبي حذيفة بسند ضعيف وأبو منصور الديلمي من حديث أنس وهو ضعيف أيضا وقال صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه فليتزود العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار حديث المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيه انقطاع وقال عيسى عليه السلام لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد وروي أن جبريل عليه السلام قال لنوح عليه السلام يا أطول الأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر قيل لعيسى عليه السلام لو اتخذت بيتا يكنك قال يكفينا خلقان من كان قبلنا وقال نبينا صلى الله عليه وسلم احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت حديث احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه من رواية أبي الدرداء الرهاوي مرسلا وقال البيهقي أن بعضهم قال عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة قال الذهبي لا يدرى من أبو الدرداء قال وهكذا منكر لا أصل له وعن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على أصحابه فقال هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ألا إنه من رغب في الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد في الدنيا وقصر فيها أمله أعطاه الله علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ولا المحبة إلا باتباع الهوى إلا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صديقا حديث الحسن هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه هكذا مرسلا وفيه إبراهيم بن الأشعث تكلم فيه أبو حاتم وروي أن عيسى عليه السلام اشتد عليه المطر والرعد والبرق يوما فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه فوقعت عينه على خيمه من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال إلهي جعلت لكل شيء مأوى ولم تجعل لي مأوى فأوحى الله تعالى إليه مأواك في مستقر رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام يوم منها كعمر الدنيا ولآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن مريم وقال عيسى ابن مريم عليه السلام ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها وما فيها وتغره ويأمنها ويثق بها وتخذله وويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبون وجاءهم ما يوعدون وويل لمن الدنيا همه والخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى مالك ولدار الظالمين إنها ليست لك بدار اخرج منها همك وفارقها بعقلك فبئست الدار هي إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار هي يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاء بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء قالوا أجل يا رسول الله قال فأبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم حديث بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاء بمال من البحرين فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة متفق عليه من حديث عمرو ابن عوف البدري وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض فقيل ما بركات الأرض قال زهرة الدنيا حديث أبي سعيد إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الدنيا الحديث متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا حديث لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا أخرجه البيهقي في الشعب من طريق ابن أبي الدنيا من رواية محمد بن النضر الحارثي مرسلا فنهى عن ذكرها فضلا عن إصابة عينها وقال عمار بن سعيد مر عيسى عليه السلام بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال يا معشر الحواريين إن هؤلاء ماتوا عن سخطة ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا فقالوا يا روح الله وددنا أن لو علمنا خبرهم فسأل الله تعالى فأوحى إليه إذا كان الليل فنادهم يجيبوك فلما كان الليل أشرف على نشز ثم نادى يا أهل القرية فأجابه مجيب لبيك يا روح الله فقال ما حالكم وما قصتكم قال بتنا في عافية وأصبحنا في الهاوية قال وكيف ذاك قال بحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي قال وكيف كان حبكم للدنيا قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا بها وإذا أدبرت حزنا وبكينا عليها قال فما بال أصحابك لم يجيبوني قال لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم قال لأني كنت فيهم ولم أكن منهم فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أأنجوا منها أم أكبكب فيها فقال المسيح للحواريين لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة وقال أنس كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق فجاء أعرابي بناقة له فسبقها فشق ذلك على المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم إنه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه حديث أنس كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق الحديث وفيه حق على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه أخرجه البخاري وقال عيسى عليه السلام من الذي يبني على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا وقيل لعيسى عليه السلام علمنا علما واحدا يحبنا الله عليه قال ابغضوا الدنيا يحبكم الله تعالى وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة حديث أبي الدرداء لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة أخرجه الطبراني دون قوله ولهانت وزاد ولخرجتم إلى الصعدات الحديث وزاد الترمذي وابن ماجه من حديث أبي ذر وما تلذذتم بالنساء على الفرش وأول الحديث متفق عليه من حديث أنس وفي أفراد البخاري من حديث عائشة ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راجع إليها إلا ما لابد لكم منه ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين الله ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا تناصحون في أمر الآخرة ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الآخرة لأنها أملك لأموركم فإن قلتم حب العاجلة غالب فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها تكدون أنفسكم بالمشقة والاحتراف في طلب أمر لعلكم لا تدركونه فبئس القوم أنتم ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم فإن كنتم في شك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فائتونا لنبين لكم ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم وتأخذون بالحزم في أموركم ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم حتى يتبين ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم وتسمونها المصائب وتقيمون فيها المآتم وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم ولا يتغير حالكم إني لأرى الله قد تبرأ منكم يلقى بعضكم بعضا بالسرور وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله فاصطحبتم على الغل ونبتت مراعيكم على الدمن وتصافيتم على رفض الأجل ولوددت أن الله تعالى أراحني منكم وألحقني بمن أحب رؤيته ولو كان حيا لم يصابركم فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا وبالله أستعين على نفسي وعليكم وقال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا وفي معناه قيل أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا وما أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدين وقال عيسى عليه السلام يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب حديث لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب لم أجد له أصلا وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى لا تركنن إلى حب الدنيا فلن تأتيني بكبيرة هي أشذ منها ومر موسى عليه السلام برجل وهو يبكي ورجع وهو يبكي فقال موسى يا رب عبدك يبكي من مخافتك فقال يا ابن عمران لو سال دماغه مع دموع عينيه ورفع يديه حتى يسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا الآثار قال علي رضي الله عنه من جمع فيه ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا أولها من عرف الله وأطاعه وعرف الشيطان فعصاه وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتقاه وعرف الدنيا فرفضها وعرف الآخرة فطلبها وقال الحسن رحم الله أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ثم راحوا خفافا وقال أيضا رحمه الله من نافسك في دينك فنافسه ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره وقال لقمان عليه السلام لابنه يا بني إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير فلتكن سفينتك فيه تقوى الله عز وجل وحشوها الإيمان بالله تعالى وشراعها التوكل على الله عز وجل لعلك تنجو وما أراك ناجيا وقال الفضيل طالت فكرتي في هذه الآية إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا وقال بعض الحكماء إنك لن تصبح في شيء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك وسيكون له أهل بعدك وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم فلا تهلك في أكله وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار وقيل لبعض الرهبان كيف ترى الدهر قال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويقرب المنية ويبعد الأمنية قيل فما حال أهله قال من ظفر به تعب ومن فاته نصب وفي ذلك قيل ومن يحمد الدنيا لعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها إذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثيرا همومها وقال بعض الحكماء كانت الدنيا ولم أكن فيها وتذهب الدنيا ولا أكون فيها فلا أسكن إليها فإن عيشها نكد وصفوها كدر وأهلها منها على وجل إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة أو منية قاضية وقال بعضهم من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق لكنها إما أن تزيد وإما أن تنقص وقال سفيان أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها قد وضعت في غير أهلها وقال أبو سليمان الداراني من طلب الدنيا على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر ومن طلب الآخرة على المحبة لها لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر وليس لهذا غاية وقال رجل لأبي حازم أشكو إليك حب الدنيا وليست لي بدار فقال انظر ما آتاكه الله عز وجل منها فلا تأخذه إلا من حله ولا تضعه إلا في حقه ولا يضرك حب الدنيا وإنما قال هذا لأنه لو آخذ نفسه بذلك لألعبه حتى يتبرم بالدنيا ويطلب الخروج منها وقال يحيى بن معاذ الدنيا حانوت الشيطان فلا تسرق من حانوته شيئا فيجيء في طلبه فيأخذك وقال الفضيل لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقى وقال أبو حازم إياكم والدنيا فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظما الدنيا فيقال هذا عظم ما حقره الله وقال ابن مسعود ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية فالضيف مرتحل والعارية مردودة وفي ذلك قيل وما المال والأهلون إلا ودائع ولا بد يوما أن ترد الودائع وزار رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها فقالت اسكتوا عن ذكرها فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره وقيل لإبراهيم بن أدهم كيف أنت فقال نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع فطوبى لعبد آثر الله ربه وجاد بدنياه لما يتوقع وقيل أيضا في ذلك أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ونال من الدنيا سرورا وأنعما كبان بنى بنيانه فأقامه فلما استوى ما قد بناه تهدما وقيل أيضا في ذلك هب الدنيا تساق إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء أظلك ثم آذن بالزوال وقال لقمان لابنه يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا ولا تبع آخرتك بدنياك تخسرهما جميعا وقال مطرف ابن الشخير لا تنظر إلى خفض عيش الملوك ولين رياشهم ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم وقال ابن عباس إن الله تعالى جعل الدنيا ثلاثة أجزاء جزء للمؤمن وجزء للمنافق وجزء للكافر فالمؤمن يتزود والمنافق يتزين والكافر يتمتع وقال بعضهم الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب وفي ذلك قيل يا خاطب الدنيا إلى نفسها تنح عن خطبتها تسلم إن التي تخطب غدارة قريبة العرس من المأتم وقال أبو الدرداء من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها وفي ذلك قيل إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق وقيل أيضا يا راقد الليل مسرورا بأوله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت منعمة كر الجديدين إقبالا وإدبارا كم قد أبادت صروف الدهر من ملك قد كان في الدهر نفاعا وضرارا يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسي ويصبح في دنياه سفارا هلا تركت من الدنيا معانقة حتى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها فينبغي لك أن لا تأمن النارا وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أتت إبليس جنوده فقالوا قد بعث نبي وأخرجت أمة قال يحبون الدنيا قالوا نعم قال لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث أخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه وإمساكه عن حقه والشر كان من هذا نبع وقال رجل لعلي كرم الله وجهه يا أمير المؤمنين صف لنا الدنيا قال وما أصف لك من دار صح فيها سقم ومن أمن فيها ندم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها افتتن في حلالها الحساب وفي حرامها العقاب ومتشابهها العتاب وقيل له ذلك مرة أخرى فقال أطول أم أقصر فقيل قصر فقال حلالها حساب وحرامها عذاب وقال مالك بن دينار اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء يعني الدنيا وقال أبو سليمان الداراني إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزاحمها فإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة لأن الآخرة كريمة والدنيا لئيمة وهذا تشديد عظيم ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح إذ قال الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعا له وقال مالك بن دينار بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك وهذا اقتباس مما قاله علي كرم الله وجهه حيث قال الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى وقال الحسن والله لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا وقال رجل للحسن ما تقول في رجل آتاه الله مالا فهو يتصدق منه ويصل منه أيحسن له أن يتعيش فيه يعني يتنعم فقال لا لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ويقدم ذلك ليوم فقره وقال الفضيل لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علي حلالا لا أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه وقيل لما قدم عمر رضي الله عنه الشام فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على الناقة مخطومة بحبل فسلم وسأله ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله فقال له عمر رضي الله عنه لو اتخذت متاعا فقال يا أمير المؤمنين إن هذا يبلغنا المقيل وقال سفيان خذ من الدنيا لبدنك وخذ من الآخرة لقلبك وقال الحسن والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبهم الدنيا وقال وهب قرأت في بعض الكتب الدنيا غنيمة الأكياس وغفلة الجهال لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فلم يرجعوا وقال لقمان لابنه يا بني إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها أقرب من دار تباعد عنها وقال سعيد بن مسعود إذا رأيت العبد تزداد دنياه وتنقص آخرته وهو به راض فذلك المغون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر وقال عمرو بن العاص على المنبر والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزهد فيه منكم والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له حديث عمرو بن العاص والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزهد فيه منكم الحديث أخرجه الحاكم وصححه ورواه أحمد وابن حبان بنحوه وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى فلا تغرنكم الحياة الدنيا من قال ذا قاله من خلقها ومن هو أعلم بها إياكم وما شغل من الدنيا فإن الدنيا كثيرة الأشغال لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب وقال أيضا مسكين ابن أدم رضي بدار حلالها حساب وحرامها عذاب إن أخذه من حله حوسب به وإن أخذه من حرام عذب به ابن آدم يستقل ماله ولا يستقل عمله يفرح بمصيبتة في دينه ويجزع من مصيبته في دنياه وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز سلام عليك أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات فأجابه عمر سلام عليك كأنك بالدنيا ولم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل وقال الفضيل بن عياض الدخول في الدنيا هين ولكن الخروج منها شديد وقال بعضهم عجبا لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح وعجبا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك وعجبا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها وعجبا لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب وقدم على معاوية رضي الله عنه رجل من نجران عمره مائتا سنة فسأله عن الدنيا كيف وجدها فقال سنيات بلاء وسنيات رخاء يوم فيوم وليلة فليلة يولد ولد ويهلك هالك فلولا المولود لباد الخلق ولولا الهالك ضاقت الدنيا بمن فيها فقال له سل ما شئت قال عمر مضى فترده أو أجل حضر فتدفعه قال لا أملك ذلك قال لا حاجة لي إليك وقال داود الطائي رحمه الله يا ابن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاه أجلك ثم سوفت بعملك كان منفعته لغيرك وقال بشر من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه وقال أبو حازم ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد ألصق الله إليه شيئا يسوءك وقال الحسن لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث أنه لم يشبع مما جمع ولم يدرك ما أمل ولم يحسن الزاد لما يقدم عليه وقيل لبعض العباد قد نلت الغنى فقال إنما نال الغنى من عتق من رق الدنيا وقال أبو سليمان لا يصبر عن شهوات الدنيا إلا من كان في قلبه ما يشغله بالآخرة وقال مالك بن دينار اصطلحنا على حب الدنيا فلا يأمر بعضنا بعضا ولا ينهى بعضنا بعضا ولا يدعنا الله على هذا فليت شعري أي عذاب الله ينزل علينا وقال أبو حازم يسير الدنيا يشغل عن كثير الآخرة وقال الحسن أهينوا الدنيا فو الله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها وقال أيضا إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه من الدنيا عطية ثم يمسك فإذا نفذ أعاد عليه وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا وكان بعضهم يقول في دعائه يا ممسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنك أمسك الدنيا عني وقال محمد بن المنكدر أرأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر وقام الليل لا ينام وتصدق بماله وجاهد في سبيل الله واجتنب محارم الله غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال إن هذا عظم في عينه ما صغره الله وصغر في عينه ما عظمه الله كيف ترى يكون حاله فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا وقال أبو حازم اشتدت مؤنة الدنيا والآخرة فأما مؤنة الآخرة فإنك لا تجد عليها أعوانا وأما مؤنة الدنيا فإنك لا تضرب بيدك إلى شيء منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه وقال أبو هريرة الدنيا موقوفة بين السماء والأرض كالشن البالي تنادى ربها منذ خلقها إلى يوم يفنيها يا رب يا رب لم تبغضني فيقول لها اسكتي يا لا شيء وقال عبد الله بن المبارك حب الدنيا والذنوب في القلب قد احتوشته فمتى يصل الخير إليه وقال وهب بن منبه من فرح قلبه بشيء من الدنيا فقد أخطأ الحكمة ومن جعل شهوته تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ومن غلب علمه هواه فهو الغالب وقيل لبشر مات فلان فقال جمع الدنيا وذهب إلى الآخرة ضيع نفسه قيل له إنه كان يفعل ويفعل وذكروا أبوابا من البر فقال وما ينفع هذا وهو يجمع الدنيا وقال بعضهم الدنيا تبغض إلينا نفسها ونحن نحبها فكيف لو تحببت إلينا وقيل لحكيم الدنيا لمن هي قال لمن تركها فقيل الآخرة لمن هي قال لمن طلبها وقال حكيم الدنيا دار خراب وأخرب منها قلب من يعمرها والجنة دار عمران وأعمر منها قلب من يطلبها وقال الجنيد كان الشافعي رحمه الله من المريدين الناطقين بلسان الحق في الدنيا وعظ أخا له في الله وخوفه بالله فقال يا أخي إن الدنيا دحض مزلة ودار مذلة عمرانها إلى الخراب صائر وساكنها إلى القبور زائر شملها على الفرقة موقوف وغناها إلى الفقر مصروف الإكثار فيها إعسار والإعسار فيها يسار فافزع إلى الله وارض برزق الله لا تتسلف من دار بقائك إلى دار فنائك فإن عيشتك فيء زائل وجدار مائل أكثر من عملك وأقصر من أملك وقال إبراهيم بن أدهم لرجل أدرهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة فقال دينار في اليقظة فقال كذبت لأن الذي تحبه في الدنيا كأنك تحبه في المنام والذي لا تحبه في الآخرة كأنك لا تحبه في اليقظة وعن إسماعيل بن عياش قال كان أصحابنا يسمون الدنيا خنزيرة فيقولون إليك عنا يا خنزيرة فلو وجدوا لها أسماء أقبح من هذا لسموها به وقال كعب لتحببن إليكم الدنيا حتى تعبدوها وأهلها وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله العقلاء ثلاثة من ترك الدنيا قبل أن تتركه وبنى قبره قبل أن يدخله وأرضى خالقه قبل أن يلقاه وقال أيضا الدنيا بلغ شؤمها أن تمنيك لما يلهيك عن طاعة الله فكيف الوقوع فيها وقال بكر بن عبد الله من أراد أن يستغني عن الدنيا بالدنيا كان كمطفيء النار بالتبن وقال بندار إذا رأيت أبناء الدنيا يتكلمون في الزهد فاعلم أنهم في سخرة الشيطان وقال أيضا من أقبل على الدنيا أحرقته نيرانها يعني الحرص حتى يصير رمادا ومن أقبل على الآخرة صفته بنيرانها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن أقبل على الله عز وجل أحرقته نيران التوحيد فصار جوهرا لا حد لقيمته وقال علي كرم الله وجهه إنما الدنيا ستة أشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب وأشرف المشروبات الماء ويستوي فيه البر والفاجر وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات المسك وهو دم بيان المواعظ في ذم الدنيا وصفتها قال بعضهم يا أيها الناس اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة قد تزخرف لكم بغرورها وفتنتكم بأمانيها وتزينت لخطابها فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها عاكفة والنفوس لها عاشقة فكم من عاشق لها قتلت ومطمئن إليها خذلت فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها جديدها يبلى وملكها يفنى وعزيزها يذل وكثيرها يقل ودها يموت وخيرها يفوت فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل أو مدنف ثقيل فهو على الدواء من دليل وهل إلى الطبيب من سبيل فتدعى له الأطباء ولا يرجى له الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى ثم يقال قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه ولا يعرف جيرانه وعرق عند ذلك جبينك وتتابع أنينك وثبت يقينك وطمحت جفونك وصدقت ظنونك وتلجلج لسانك وبكى إخوانك وقيل لك هذا ابنك فلان وهذا أخوك فلان ومنعت من الكلام فلا تنطق وختم على لسانك فلا ينطلق ثم حل بك القضاء وانتزعت نفسك من الأعضاء ثم عرج بها إلى السماء فاجتمع عند ذلك إخوانك وأحضرت أكفانك فغسلوك وكفنوك فانقطع عوادك واستراح حسادك وانصرف أهلك إلى مالك وبقيت مرتهنا بأعمالك وقال بعضهم لبعض الملوك إن أحق الناس بذم الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطى حاجته منها لأنه يتوقع آفة تعدو على ماله فتجتاحه أو على جمعه فتفرقه أو تأتي سلطانه فتهدمه من القواعد أو تدب إلى جسمه فتسقمه أو تفجعه بشيء هو ضنين به بين أحبابه فالدنيا أحق بالذم هي الآخذة ما تعطي الراجعة فيما تهب بينا هي تضحك صاحبها إذا أضحكت منه غيره وبينا تبكي له إذ أبكت عليه وبينا هي تبسط كفها بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد فتعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفره بالتراب غدا سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقي تجد في الباقي من الذاهب خلفا وترضى بكل من كل بدلا وكتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة وإنما أنزل آدم عليه السلام من الجنة إلى عقوبة فاحذرها يا أمير المؤمنين فإن الزاد منها تركها والغني منها فقرها لها في كل حين قتيل تذل من أعزها وتفقر من جمعها هي كالسم يأكله من لا يعرفه وفيه حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا ويصبر على شدة الدواء مخافة طول الداء فاحذر هذه الدار الغدارة الختالة الخداعة التي قد تزينت بخدعها وفتنت بغرورها حلت بآمالها وسوفت بخطابها فأصبحت كالعروس المجلية العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة والنفوس لها عاشقة وهي لأزواجها كلهم قالية فلا الباقي بالماضي معتبر ولا الآخر بالأول مزدجر ولا العارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدكر فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل فيها لبه حتى زلت به قدمه فعظمت ندامته وكثرت حسرته واجتمعت عليه سكرات الموت وتألمه وحسرات الفوت بغصته وراغب فيها لم يدرك منها ما طلب ولم يروح نفسه من التعب فخرج بغير زاد وقدم على غير مهاد فاحذرها يا أمير المؤمنين وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه السار في أهلها غار والنافع فيها غدار ضار وقد وصل الرخاء منها بالبلاء وجعل البقاء فيها إلى فناء فسروها مشوب بالأحزان لا يرجع منها ما ولى وأدبر ولا يدري ما هو آت فينتظر أمانيها كاذبة وآمالها باطلة وصفوها كدر وعيشها نكد وابن آدم فيها على خطر إن عقل ونظر فهو من النعماء على خطر ومن البلاء على الحذر فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ولم يضرب لها مثلا لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجرا وفيها واعظ فما لها عند الله جل ثناؤه قدر وما نظر إليها منذ خلقها ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها حديث الحسن وكتب به إلى عمر بن عبد العزيز عرضت أي الدنيا على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها الحديث أخرجه أبي الدنيا هكذا مرسلا ورواه أحمد والطبراني متصلا من حديث أبي مويهبة في أثناء حديث فيه إني قد أعطيت خزائن الدنيا والخلد ثم الجنة الحديث وسنده صحيح وللترمذي من حديث أبي أمامة عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا الحديث إذ كره أن يخالف على الله أمره أو يحب ما أبغضه خالقه أو يرفع ما وضع مليكه فزواها عن الصالحين اختبارا وبسطها لأعدائه اغترارا فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ونسي ما صنع الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه حديث الحسن مرسلا في شده الحجر على بطنه أخرجه ابن أبي الدنيا أيضا هكذا وللبخاري من حديث أنس رفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرين وقال حديث غريب ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام إذا رأيت الغني مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى ابن مريم عليه السلام فإنه كان يقول إدامي الجوع وشعاري الخوف ولباسي الصوف وصلائي في الشتاء في مشارق الشمس وسراجي القمر ودابتي رجلاي وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض أبيت وليس لي شيء وأصبح وليس لي شيء وليس على الأرض أحد أغنى مني وقال وهب بن منبه لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال لا يرو عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني ولا يعجبنكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة وإني لأجنبهم ملاذها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخوف والخضوع والتقوى تنبت في قلوبهم وتظهر على أجسادهم فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي يستشعرون ونجاتهم التي بها يفوزون ورجاؤهم الذي إياه يأملون ومجدهم الذي به يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة وخطب علي كرم الله وجهه يوما خطبة فقال فيها اعلموا أنكم ميتون ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنها بالبلاء محفوفة وبالفناء معروفة وبالغدر موصوفة وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها نزالها بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور أحوال مختلفة وتارات منصرفة العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتقصيهم بحمامها وكل حتفه فيها مقدور وحظه فيها موفور واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر ديارا وأبعد آثارا فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها وأجسادهم بالية وديارهم على عروشها خاوية وآثارهم عافية واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلا وأكلتهم الجنادل والثرى وأصبحوا بعد الحياة أمواتا وبعد نضارة العيش رفاتا فجع بهم الأحباب وسكنوا تحت التراب ظعنوا فليس لهم إياب هيهات هيهات كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة في دار المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع فكيف بكم لو عاينتم الأمور وبعثرت القبور وحصل ما في الصدور وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب وهتكت عنكم الحجب والأستار وظهرت منكم العيوب والأسرار هنالك تجزى كل نفس بما كسبت إن الله عز وجل يقول ليجزى الذي أساءوا بما عملوا ويجزى الذي أحسنوا بالحسنى وقال تعالى ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه الآية جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه متبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه حميد مجيد وقال بعض الحكماء الأيام سهام والناس أغراض والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك بلياليه وأيامه حتى يستغرق جميع أجزائك فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعة بك ولكن تدبير الله فوق تدبير الاعتبار وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها وإنها لأمر من العلقم إذا عجنها الحكيم وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ اللهم أرشدنا إلى الصواب وقال بعض الحكماء وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه وما لم يأت فلا علم لك به والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعاته وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول والأمل طويل والعمر قصير وإلى الله تصير الأمور وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى إنما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون عباد الله إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ومن شرابكم شرق لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه ثم غلبه البكاء ونزل قال علي كرم الله وجهه في خطبته أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا التاركة لكم وإن كنتم لا تحبون تركها المبلية أجسامكم وأنتم تريدون تجديدها فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر سلكوا طريقا وكأنهم قطعوه وأفضوا إلى علم فكأنهم بلغوه وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه وغافل وليس بمغفول عنه وقال محمد بن الحسين لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أن الله عز وجل قد أهان الدنيا وأنه لم يرضها لأوليائه وأنها عنده حقيرة قليلة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زهد فيها وحذر أصحابه من فتنتها أكلوا منها قصدا وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي وتركوا ما يلهي لبسوا من الثياب ما ستر العورة وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية وإلى الآخرة أنها باقية فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم تعبوا قليلا وتنعموا طويلا كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحب ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم بيان صفة الدنيا بالأمثلة اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها وإنما يحس عند انقضائها ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر لا تدرك حركته بالبصر الظاهر بل بالبصيرة الباطنة ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله أنشد وقال أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب بمثلها لا يخدع وكان الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يتمثل كثيرا ويقول يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها إن اغترارا بظل زائل حمق وقيل إن هذا من قوله ويقال إن أعرابيا نزل بقوم فقدموا إليه طعاما فأكل ثم قام إلى ظل خيمة لهم فنام هناك فاقتلعوا الخيمة فأصابته الشمس فانتبه فقام وهو يقول ألا إنما الدنيا كظل ثنية ولا بد يوما أن ظلك زائل وكذلك قيل وإن امرأ دنياه أكبر همه لمستمسك منها بحبل غرور مثال آخر للدنيا من حيث التغرير بخيالاتها ثم الإفلاس منها بعد إفلاتها تشبه خيالات المنام وأضغاث الأحلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون حديث الدنيا حلم وأهلها عليها مجازون ومعاقبون لم أجد له أصلا وقال يونس بن عبيد ما شبهت نفسي في الدنيا إلا كرجل نام فرأى في منامه ما يكره وما يحب فبينما هو كذلك إذ انتبه فكذلك الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فإذا ليس بأيديهم شيء مما ركنوا إليه وفرحوا به وقيل لبعض الحكماء أي شيء أشبه بالدنيا قال أحلام النائم مثال آخر للدنيا في عداوتها لأهلها وإهلاكها لبنيها اعلم أن طبع الدنيا التلطف في الاستدراج أولا والتوصل إلى الإهلاك آخرا وهي كامرأة تتزين للخطاب حتى إذا نكحتهم ذبحتهم وقد روي أن عيسى عليه السلام كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة فقال لها كم تزوجت قالت لا أحصيهم قال فكلهم مات عنك أم كلهم طلقك قالت بل كلهم قتلت فقال عيسى عليه السلام بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين كيف تهلكينهم واحدا بعد واحد ولا يكونون منك على حذر مثال آخر للدنيا في مخالفة ظاهرها لباطنها اعلم أن الدنيا مزينة الظواهر قبيحة السرائر وهي شبه عجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها تمثل لهم قبائحها فندموا على اتباعها وخجلوا من ضعف عقولهم في الاغترار بظاهرها وقال العلاء بن زياد رأيت في المنام عجوزا كبيرة متعصبة الجلد عليها من كل زينة الدنيا والناس عكوف عليها معجبون ينظرون إليها فجئت ونظرت وتعجبت من نظرهم إليها وإقبالهم عليها فقلت لها ويلك من أنت قالت أو ما تعرفني قلت لا أدري من أنت قالت أنا الدنيا قلت أعوذ بالله من شرك قالت إن أحببت أن تعاذ من شري فأبغض الدرهم قال أبو بكر بن عياش رأيت الدنيا في النوم عجوزا مشوهة شمطاء تصفق بيديها وخلفها خلق يتبعونها ويصفقون ويرقصون فلما كانت بحذائي أقبلت علي فقالت لو ظفرت بك لصنعت بك مثل ما صنعت بهؤلاء ثم بكى أبو بكر وقال رأيت هذا قبل أن أقدم إلى بغداد وقال الفضيل بن عياض قال ابن عباس يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ومشوه خلقها فتشرف على الخلائق فيقال لهم أتعرفون هذه فيقولون نعوذ بالله من معرفة هذه فيقال هذه الدنيا التي تناحرتم عليها بها تقاطعتم الأرحام وبها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم ثم يقذف بها في جهنم فتنادي أي رب أين أتباعي وأشياعي فيقول الله عز وجل ألحقوا بها أتباعها وأشياعها وقال الفضيل بلغني أن رجلا عرج بروحه فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة من الحلي والثياب وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس عجوز شمطاء زرقاء عمشاء قال فقلت أعوذ بالله منك قالت لا والله لا يعيذك الله مني حتى تبغض الدرهم قال فقلت من أنت قالت أنا الدنيا مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها اعلم أن الأحوال ثلاثة حالة لم تكن فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا وهي ما بعد موتك إلى الأبد وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك في الدنيا فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم إنه أقل من منزل قصير في سفر بعيد ولذلك قال صلى الله عليه وسلم مالي وللدنيا وإنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت شجرة فقال تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها حديث مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن مسعود بنحوه ورواه أحمد والحاكم وصححه من حديث ابن عباس ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية بل لا يبنى لبنة على لبنة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة حديث ما وضع لبنة على لبنة الحديث أخرجه ابن حبان في الثقات وللطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلى أشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة الحديث ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا وأنكر ذلك حديث رأى بعض أصحابه يبني بيتا من جص فقال أرى الأمر أعجل من هذا أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وقال حسن صحيح وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حيث قال الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها وهو مثال واضح فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة والمهد هو الميل الأول على رأس القنطرة واللحد هو الميل الآخر وبينهما مسافة محدودة فمن الناس من قطع نصف القنطرة ومنهم من قطع ثلثها ومنهم من قطع ثلثيها ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها وكيفما كان فلا بد له من العبور والبناء على القنطرة وتزيينها بأصناف الزينة وأنت عابر عليها غاية الجهل والخذلان مثال آخر للدنيا في لين موردها وخشونة مصدرها أعلم أن أوائل الدنيا تبدو هينة لينة يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها وهيهات فإن الخوض في الدنيا سهل والخروج منها مع السلامة شديد وقد كتب علي رضي الله عنه إلى سلمان الفارسي بمثالها فقال مثل الدنيا مثل الحية لين مسها ويقتل سمها فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها بما أيقنت من فراقها وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه حديث إنما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من رواية الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكره ووصله البيهقي في الشعب وفي الزهد من رواية الحسن عن أنس وهذا يعرفك جهاله قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم منها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة وذلك مكيدة من الشيطان بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها فكما أن المشي على الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة قال عيسى عليه السلام بحق أقول لكم كما ينظر المريض إلى الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا وبحق أقول لكم إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعب ويتغير خلقها كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت ونصب العبادة تقسو وتغلظ وبحق أقول لكم إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء للعسل كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم فسوف تكون أوعية للحكمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله حديث إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث معاوية فرقه في موضعين ورجاله ثقات مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة لما سبق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي متعلقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع حديث مثل هذه الدنيا كمثل ثوب شق من أوله إلى آخره أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس بسند ضعيف مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك قال عيسى عليه السلام مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها ولنضارة أوائلها وخبث عواقبها اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة كشهوات الأطعمة في المعدة وسيجد العبد عند الموت لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما وأكثر دسما وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتنا فكذلك كل شهوة في القلب هي أشهى وألذ وأقوى فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد بل هي في الدنيا مشاهدة فإن من نهبت داره وأخذ أهله وماله وولده فتكون مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقد بقدر لذته به وحبه له وحرصه عليه فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده وألذ فهو عند الفقد أدهى وأمر ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للضحاك بن سفيان الكلابي ألست تؤتي بطعامك وقد ملح وقزح ثم تشرب عليه اللبن والماء قال بلى قال فإلام يصير قال إلى ما قد علمت يا رسول لله قال فإن الله عز وجل ضرب مثل الدنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم حديث أنه قال للضحاك بن سفيان الكلابي ألست تؤتي بطعامك وقد ملح وقزح الحديث وفيه فإن الله ضرب مثل الدنيا لما يصير إليه طعام بن آدم أخرجه أحمد والطبراني من حديثه بنحوه وفيه علي بن زيد بن جدعان مختلف فيه وقال أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدنيا ضربت مثلا لابن آدم فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم وإن قزحه وملحه إلام يصير حديث أبي بن كعب إن الدنيا ضربت مثلا لابن آدم الحديث أخرجه الطبراني وابن حبان بلفظ إن مطعم ابن آدم قد ضرب للدنيا مثلا ورواه عبد الله بن أحمد في زياداته بلفظ جعل وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا وضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلا وإن قزحه وملحه حديث إن الله ضرب الدنيا لمطعم ابن آدم مثلا وضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلا الحديث الشطر الأول منه غريب والشطر الأخير هو الذي تقدم من حديث الضحاك بن سفيان إن الله ضرب ما يخرج من بني آدم مثلا للدنيا وقال الحسن قد رأيتهم يطيبونه بالأفاويه والطيب ثم يرمون به حيث رأيتم وقد قال الله عز وجل فلينظر الإنسان إلى طعامه قال ابن عباس إلى رجيعه وقال رجل لابن عمر إني أريد أن أسألك وأستحي قال فلا تستحي واسأل قال إذا قضى أحدنا حاجته فقام ينظر إلى ذلك منه قال نعم إن الملك يقول له انظر إلى ما بخلت به أنظر إلى ماذا صار وكان بشر بن كعب يقول انطلقوا حتى أريكم الدنيا فيذهب بهم إلى مزبلة فيقول انظروا إلى ثمارهم ودجاجهم وعسلهم وسمنهم مثال آخر في نسبة الدنيا إلى الآخرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر أحدكم بم يرجع إليه حديث ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع إليه أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد مثال آخر للدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيم الدنيا وغفلتهم عن الآخرة وخسرانهم العظيم بسببها اعلم أن أهل الدنيا مثلهم في غفلتهم مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج إلى قضاء الحاجة وحذرهم المقام وخوفهم مرور السفينة واستعجالها فتفرقوا في نواحي الجزيرة فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليا فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أنوارها وأزهارها العجيبة وغياضها الملتفة ونغمات طيورها الطيبة وألحانها الموزونة الغريبة وصار يلحظ من بريتها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان والأشكال الحسنة المنظر العجيبة النقوش السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجدها وعجائب صورها ثم تنبه لخطر فوات السفينة فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا فاستقر فيه وبعضهم أكب على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها ولم تسمح نفسه بإهمالها فاستصحب منها جملة فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا وزاده ما حمله من الحجارة ضيقا وصار ثقيلا عليه ووبالا فندم على أخذه ولم يقدر على رميه ولم يجد مكانا لوضعه فحمله في السفينة على عنقه وهو متأسف على أخذه وليس ينفعه التأسف وبعضهم تولج الغياض ونسي المركب وبعد في متفرجه ومتنزهه منه حتى لم يبلغه نداء الملاح لاشتغاله بأكل تلك الثمار واستشمام تلك الأنوار والتفرج بين تلك الأشجار وهو مع ذلك خائف على نفسه من السباع وغير خال من السقطات والنكبات ولا منفك عن شوك ينشب بثيابه وغضن يجرح بدنه وشوكة تدخل في رجله وصوت هائل يفزع منه وعوسج يخرق ثيابه ويهتك عورته ويمنعه عن الانصراف لو أراده فلما بلغه نداء أهل السفينة انصرف مثقلا بما معه ولم يجد في المركب موضعا فبقي في الشط حتى مات جوعا وبعضهم لم يبلغه النداء وسارت السفينة فمنهم من افترسته السباع ومنهم من تاه فهام على وجهه حتى هلك ومنهم من مات في الأوحال ومنهم من نهشته الحيات فتفرقوا كالجيف المنتنة وأما من وصل إلى المركب بثقل ما أخذه من الأزهار والأحجار فقد استرقته وشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيقت عليه مكانه فلم يلبث أن ذبلت تلك الأزهار وكمدت تلك الألوان والأحجار فظهر نتن رائحتها فصارت مع كونها مضيقة عليه مؤذية له بنتنها ووحشتها فلم يجد حيلة إلا أن ألقاها في البحر هربا منها وقد أثر فيه ما أكل منها فلم ينته إلى الوطن إلا بعد أن ظهرت عليه الأسقام بتلك الروائح فبلغ سقيما مدبرا ومن رجع قريبا ما فاته إلا سعة المحل فتأدى بضيق المكان مدة ولكن لما وصل إلى الوطن استراح ومن رجع أولا وجد المكان الأوسع ووصل إلى الوطن سالما فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة ونسيانهم موردهم ومصدرهم وغفلتهم عن عاقبة أمورهم وما أقبح من يزعم أنه بصير عاقل أن تغره أحجار الأرض وهي الذهب والفضة وهشيم النبت وهي زينة الدنيا وشيء من ذلك لا يصحبه عند الموت بل يصير كلا ووبالا عليه وهو في الحال شاغل له بالحزن والخوف عليه وهذه حال الخلق كلهم إلا من عصمه الله عز وجل مثال آخر لاغتزار الخلق بالدنيا وضعف إيمانهم قال الحسن رحمه الله بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفدوا الزاد وخسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة ولا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة تقطر رأسه فقالوا هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال يا هؤلاء فقالوا يا هذا فقال علام أنتم فقالوا على ما ترى فقال أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال عهودكم ومواثيقكم بالله فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء رواء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء قالوا يا هذا قال الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلى رياض ليست كرياضكم فقال أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أنا لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله أن لا تعصوه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه فوالله ليصدقنكم في آخره فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبدرهم عدو فأصبحوا بين أسير وقتيل حديث الحسن بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا بطوله لأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان الحديث وفيه فقال أي أحد الملكين إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فذكر نحوه اخصر منه وإسناده حسن ومثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها اعلم أن مثل الناس فيما أعطوا من الدنيا مثل رجل هيأ دارا وزينها وهو يدعو إلى داره على الترتيب قوما واحدا بعد واحد فدخل واحد داره فقدم إليه طبق ذهب عليه بخور ورياحين ليشمه ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه ويأخذه فجهل رسمه وظن أنه قد وهب ذلك فتعلق به قلبه لما ظن أنه له فلما استرجع منه ضجر وتفجع ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ورده بطيب قلب وانشراح صدر وكذلك من عرف سنة الله في الدنيا علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري ولا يصرفون إليها كل قلوبهم حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها فهذه أمثلة الدنيا وآفاتها وغوائلها نسأل الله تعالى اللطيف الخبير حسن العون بكرمه وحلمه بيان حقيقة الدنيا وماهيتها في حق العبد اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا تكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي وما الذي ينبغي أن يجتنب منها وما الذي لا يجتنب فلا بد وأن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوة قاطعة لطريق الله ما هي فنقول دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك فالقريب الداني منها يسمى دنيا وهو كل ما قبل الموت والمتراخي المتأخر يسمى آخرة وهو ما بعد الموت فكل ما لك فيه حظ ونصيب وغرض وشهوة ولذة عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم بل هو ثلاثة أقسام القسم الأول ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ثمرته بعد الموت وهو شيئان العلم والعمل فقط وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله وملكوت أرضه وسمائه والعلم بشريعة نبيه وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله تعالى وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الأشياء عنده فيهجر النوم والمطعم والمنكح في لذته لأنه أشهى عنده من جميع ذلك فقد صار حظا عاجلا في الدنيا ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا أصلا بل قلنا إنه من الآخرة وكذلك العابد قد يأنس بعبادته فيستلذها بحيث لو منع عنها لكان ذلك أعظم العقوبات عليه حتى قال بعضهم ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل وكان آخر يقول اللهم ارزقني قوة الصلاة والركوع والسجود في القبر فهذا قد صارت الصلاة عنده من حظوظه العاجلة وكل حظ عاجل فاسم الدنيا ينطلق عليه من حيث الاشتقاق من الدنو ولكنا لسنا نعني بالدنيا المذمومة ذلك وقد قال صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وقرة عيني في الصلاة حديث حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة أخرجه النسائي والحاكم من حديث أنس دون قوله ثلاث وتقدم في النكاح فجعل الصلاة من جملة ملاذ الدنيا وكذلك كل ما يدخل في الحس والمشاهدة فهو من عالم الشهادة وهو من الدنيا والتلذذ بتحريك الجوارح بالركوع والسجود إنما يكون في الدنيا فلذلك أضافها إلى الدنيا إلا أنا لسنا في هذا الكتاب نتعرض إلا للدنيا المذمومة فنقول هذه ليست من الدنيا.

القسم الثاني وهو المقابل له على الطرف الأقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلا كالتلذذ بالمعاصي كلها والتنعم بالمباحاة الزائدة على قدر الحاجات والضرورات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور والدور ورفيع الثياب ولذائذ الأطعمة فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة وفيما يعد فضولا أوفى محل الحاجة نظر طويل إذ روى عن عمر رضي الله عنه أنه استعمل أبا الدرداء على حمص فاتخذ كنيفا أنفق عليه درهمين فكتب إليه عمر من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عويمر قد كان لك في بناء فارس والروم ما تكتفي به عن عمران الدنيا حين أراد الله خرابها فإذا أتاك كتابي هذا فقد سيرتك إلى دمشق أنت وأهلك فلم يزل بها حتى مات فهذا رآه فضولا من الدنيا فتأمل فيه القسم الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام والقميص الواحد الخشن وكل ما لا بد منه لبتأتي للإنسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل وهذا ليس من الدنيا كالقسم الأول لأنه معين على القسم الأول ووسيلة إليه فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصر به من أبناء الدنيا وإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة على التقوى التحق بالقسم الثاني وصار من جملة الدنيا ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث صفات صفاء القلب أعني طهارته من الأدناس وأنسه بذكر الله تعالى وحبه لله عز وجل وصفاء القلب وطهارته لا يحصلان إلا بالكف عن شهوات الدنيا والأنس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله تعالى والمواظبة عليه والحب لا يحصل إلا بالمعرفة ولا تحصل معرفة الله إلا بدوام الفكر وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات إذ تكون جنة بن العبد وبين عذاب الله كما ورد في الأخبار إن أعمال العبد تناضل عنه فإذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل يدفع عنه وإذا جاء من جهة يديه جاءت الصدقة تدفع عنه حديث مناضلة أعمال العبد عنه فإذا جاء العذاب من قبل رجليه جاء قيام الليل فدفع عنه الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن سمرة بطوله وفيه خالد بن عبد الرحمن المخزومي ضعفه البخاري وأبو حاتم ولأحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا أحزبه عمله الصلاة والصيام الحديث وإسناده صحيح الحديث وأما الأنس والحب فهما من المسعدات وهما موصلان العبد إلى لذة اللقاء والمشاهدة وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل أوان الرؤية في الجنة فيصير القبر روضة من رياض الجنة وكيف لا يكون القبر عليه روضة من رياض الجنة ولم يكن له إلا محبوب واحد وكانت العوائق تعوقه عن دوام الأنس بدوام ذكره ومطالعة جماله فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلى بينه وبين محبوبه فقدم عليه مسرورا سليما من الموانع آمنا من العوائق وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب منه وحيل بينه وبينه وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ولذلك قيل ما حال من كان له واحد غيب عنه ذلك الواحد وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله تعالى فإذا سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث وهي الذكر والفكر والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن وصحة البدن لا تنال إلا بقوت وملبس ومسكن ويحتاج كل واحد إلى أسباب فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة وإن أخذ ذلك لحظ النفس وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الآخرة ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلا ويعرضه لطول الحساب ويسمى ذلك حلالا والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب فمن نوقش الحساب عذب حديث من نوقش الحساب عذب متفق عليه من حديث عائشة إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالها حساب وحرامها عذاب حديث حلالها حساب وحرامها عذاب أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه موقوفا على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع بلفظ وحرامها النار ولم أجده مرفوعا وقد قال أيضا حلالها عذاب إلا إنه عذاب أخف من عذاب الحرام بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلا في الجنة وما يرد على القلب من التحسر على تفوتها لحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنيوية كيف يتقطع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرمة لا بقاء لها منغصة بكدورات لا صفاء لها فما حالك في فوات سعادة لا يحيط الوصف بعظمتها وتنقطع الدهور دون غايتها فكل من تنعم في الدنيا ولو بسماع صوت من طائر أو بالنظر إلى خضرة أو شربة ماء بارد فإنه ينقص من حظه في الآخرة أضعافه وهو المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه هذا من النعيم الذي تسئل عنه حديث هذا من النعيم الذي تسئل عنه تقدم في الأطعمة أشار به إلى الماء البارد والتعرض لجواب السؤال فيه ذل وخوف وخطر ومشقة وانتظار وكل ذلك من نقصان الحظ ولذلك قال عمر رضي الله عنه اعزلوا عني حسابها حين كان به عطش فعرض عليه ماء بارد بعسل فأداره في كفه ثم امتنع عن شربه فالدنيا قليلها وكثيرها حرامها وحلالها ملعونة إلا ما أعان على تقوى الله فإن ذلك القدر ليس من الدنيا وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد حتى إن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رماه إذ تمثل له إبليس وقال رغبت في الدنيا وحتى إن سليمان عليه السلام في ملكه كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتهانا وشدة فإن الصبر على لذائذ الأطعمة مع القدرة عليها ووجودها أشد ولهذا روي أن الله تعالى زوى الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وسلم فكان يطوي أياما حديث زوى الله الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وسلم فكان يطوي أياما أخرجه محمد بن خفيف في شرف الفقراء من حديث عمر بن الخطاب قال قلت يا رسول الله عجبا لمن بسط الله لهم الدنيا وزواها عنك الحديث وهو من طريق إسحاق معنعنا وللترمذي وابن ماجه من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله الحديث قال الترمذي حسن صحيح وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع حديث كان يشد الحجر على بطنه من الجوع تقدم ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكه ويلزم ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا بخلا عليه وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فذلك ليس من الدنيا فإن قلت فما الذي هو لله فأقول الأشياء ثلاثة أقسام منها مالا يتصور أن يكون لله وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة ومعنى ومنها ما صورته لله ويمكن أن يجعل لغير الله وهو ثلاثة الفكر والذكر والكف عن الشهوات فإن هذه الثلاثة إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله وليست من الدنيا وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للتشرف به وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن والاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى وإن كان يظن بصورته أنه لله تعالى ومنها ما صورته لحظ النفس ويمكن أن يكون معناه لله وذلك كالأكل والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده فإن كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى فهو لله بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا قال صلى الله عليه وسلم من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر حديث من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ويعبر عنه بالهوى وإليه الإشارة بقوله تعالى ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ومجامع الهوى خمسة أمور وهي ما جمعه الله تعالى في قوله إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة يجمعها قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس هو لله إن قصد به وجه الله والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن وطرف يزاحم جانب التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر منه وبينهما وسائط متشابهة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه والحزم في الحذر والتقوى والتقرب من حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء والأولياء عليهم السلام إذا كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة حتى إن أويسا القرني كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه فبنوا له بيتا على باب دارهم فكان يأتي عليهم السنة والسنتان والثلاث لا يرون له وجها وكان يخرج أول الأذان ويأتي إلى منزله بعد العشاء الآخرة وكان طعامه أن يلتقط النوى وكلما أصاب حشفة خبأها لإفطاره وإن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى واشترى بثمنه ما يقوته وكان لباسه مما يلتقط من المزابل من قطع الأكسية فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها فكان ذلك لباسه وكان ربما مر الصبيان فيرمونه ويظنون أنه مجنون فيقول لهم يا إخوتاه إن كنتم ولا بد أن ترموني فارموني بأحجار صغار فإني أخاف أن تدموا عقبي فيحضر وقت الصلاة ولا أصيب الماء فهكذا كانت سيرته ولقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره فقال إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن إشارة إليه رحمه الله إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن أشار به إلى أويس القرني تقدم في قواعد العقائد لم أجد له أصلا ولما ولي الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال أيها الناس من كان منكم من العراق فليقم قالوا فقاموا فقال اجلسوا إلا من كان من أهل الكوفة فجلسوا فقال اجلسوا إلا من كان من مراد فجلسوا فقال اجلسوا إلا من كان من قرن فجلسوا كلهم إلا رجلا واحدا فقال له عمر أقرني أنت فقال نعم فقال أتعرف أويس بن عامر القرني فوصفه له فقال نعم وما ذاك تسأل عنه يا أمير المؤمنين والله ما فينا أحمق منه ولا أجن منه ولا أوحش منه ولا أدنى منه فبكى عمر رضي الله تعالى عنه ثم قال ما قلت ما قلت إلا لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر حديث عمر يدخل الجنة في شفاعته مثل ربيعة ومضر يريد أويسا ورويناه في جزء ابن السماء من حديث أبي أمامة يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر وإسناده حسن وليس فيه ذكر لأويس بل في آخره فكان المشيخة يرون أن ذلك الرجل عثمان بن عفان فقال هرم بن حيان لما سمعت هذا القول من عمر بن الخطاب قدمت الكوفة فلم يكن لي هم إلا أن أطلب أويسا القرني وأسأل عنه حتى سقطت عليه جالسا على شاطيء الفرات نصف النهار يتوضأ ويغسل ثوبه فعرفته بالنعت الذي نعت لي فإذا رجل لحيم شديد الأدمة محلوق الرأس كث اللحية متغير جدا كريه الوجه متهيب المنظر قال فسلمت عليه فرد علي السلام ونظر إلي فقلت حياك الله من رجل ومددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني فقلت رحمك الله يا أويس وغفر لك كيف أنت رحمك الله ثم خنقتني العبرة من حبي إياه ورقتي عليه إذ رأيت من حاله ما رأيت حتى بكيت وبكى فقال وأنت فحياك الله يا هرم بن حيان كيف أنت يا أخي ومن دلك علي قال قلت الله فقال لا إله إلا الله سبحان الله إن كان وعد ربنا لمفعولا قال فعجبت حين عرفني ولا والله ما رأيته قبل ذلك ولا رآني فقلت من أين عرفت اسمي واسم أبي وما رأيتك قبل اليوم قال نبأني العليم الخبير وعرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأجساد وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضا ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا يتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الدار وتفرقت بهم المنازل قال قلت حدثني رحمك الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث أسمعه منك قال إني لم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن لي معه صحبة بأبي وأمي رسول الله ولكن رأيت رجالا قد صحبوه وبلغني من حديثه كما بلغك ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب أن أكون محدثا أو مفتيا أو قاضيا في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيان فقلت يا أخي اقرأ علي آية من القرآن أسمعها منك وادع لي بدعوات وأوصني بوصية أحفظها عنك فإني أحبك في الله حبا شديدا قال فقام وأخذ بيدي على شاطيء الفرات ثم قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم بكى ثم قال قال ربي والحق قول ربي وأصدق الحديث حديثه وأصدق الكلام كلامه ثم قرأ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون حتى انتهى إلى قوله إنه هو العزيز الرحيم فشهق شهقة ظننت أنه قد غشي عليه ثم قال يا ابن حيان مات أبوك حيان وتوشك أن تموت فإما إلى جنة وإما إلى نار ومات أبوك آدم وماتت أمك حواء ومات نوح ومات إبراهيم خليل الرحمن ومات موسى نجي الرحمن ومات داود خليفة الرحمن ومات محمد صلى الله عليه وسلم وهو رسول رب العالمين ومات أبو بكر خليفة المسلمين ومات عمر بن الخطاب أخي وصفي ثم قال يا عمراه يا عمراه قال فقلت رحمك الله إن عمر لم يمت قال فقد نعاه إلي ربي ونعى إلي نفسي ثم قال أنا وأنت في الموت كأنه قد كان ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعا بدعوات خفيات ثم قال هذه وصيتي إياك يا هرم بن حيان كتاب الله ونهج الصالحين المؤمنين فقد نعيت إلي نفسي ونفسك عليك بذكر الموت لا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت وأنذر قومك إذا رجعت إليهم وانصح للأمة جميعا وإياك أن تفارق الجماعة قيد شبر فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار يوم القيامة ادع لي ولنفسك ثم قال اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني فيك وزارني من أجلك فعرفني وجهه في الجنة وأدخله علي في دارك دار السلام واحفظه ما دام في الدنيا حيثما كان وضم عليه ضيعته وأرضه من الدنيا باليسير وما أعطيته من الدنيا فيسره له تيسيرا واجعله لما أعطيته من نعمائك من الشاكرين وأجزه عنى خير الجزاء ثم قال استودعك الله يا هرم بن حيان والسلام عليك ورحمة الله وبركاته لا أراك بعد اليوم رحمك الله تطلبني فإني أكره الشهرة والوحدة أحب إلي أن كثير الهم شديد الغم مع هؤلاء الناس ما دمت حيا فلا تسأل عني ولا تطلبني واعلم أنك مني على بال وإن لم أرك ولم ترني فاذكرني وادع لي فإني سأذكرك وأدعو لك إن شاء الله انطلق أنت ههنا حتى انطلق أنا ههنا فحرصت أن أمشي معه ساعة فأبى علي وفارقته فبكى وأبكاني وجعلت انظر في قفاه حتى دخل بعض السكك ثم سألت عنه بعد ذلك فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء رحمه الله وغفر له فهكذا كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدنيا وقد عرفت مما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء وأقلته الغبراء إلا ما كان لله عز وجل من ذلك وضد الدنيا الآخرة وهو كل ما أريد به الله تعالى مما يؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا لأجل قوة طاعة الله وذلك ليس من الدنيا ويتبين هذا بمثال وهو أن الحاج إذا حلف أنه في طريق الحج لا يشتغل بغير الحج بل يتجرد له ثم اشتغل بحفظ الزاد وعلف الجمل وخرز الرواية وكل ما لا بد للحج منه لم يحنث في يمينه ولم يكن مشغولا بغير الحج فكذلك البدن مركب النفس تقطع به مسافة العمر فتعهد البدن بما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة لا من الدنيا نعم إذا قصد تلذذ البدن وتنعمه بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة ويخشى على قلبه القسوة قال الطنافسي كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيام طاويا فسمعت في الليلة الثامنة مناديا وأنا بين اليقظة والنوم ألا من أخذ من الدنيا أكثر مما يحتاج إليه أعمى الله عين قلبه فهذا بيان حقيقة الدنيا في حقك فاعلم ذلك ترشد إن شاء الله تعالى بيان حقيقة الدنيا في نفسها وأشغالها التي استغرقت همم الخلق حتى أنستهم أنفسهم وخالقهم ومصدرهم وموردهم اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة وللإنسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك أما الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا فالأرض فراش للآدميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح ويجمع ما على الأرض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان أما النبات فيطلبه الآدمي للاقتيات والتداوي وأما المعادن فيطلبها للآلات والأواني كالنحاس والرصاص وللنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد وأما الحيوان فينقسم إلى الإنسان والبهائم أما البهائم فيطلب منها لحومها للمآكل وظهورها للمركب والزينة وأما الإنسان فقد يطلب الآدمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم ويستسخرهم كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها بأن يغرس فيها التعظيم والإكرام وهو الذي يعبر عنه بالجاه إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين فهذه هي الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين وهذا من الإنس والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآليء واليواقيت وغيرها والخيل المسومة والأنعام وهي البهائم والحيوانات والحرث وهو النبات والزرع فهذه هي أعيان الدنيا إلا أن لها مع العبد علاقتين علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها العلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى وأعني بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا يعلف وماء وجلال ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء بالثلج حتى تفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في السفر إلى الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلا لضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ومن همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج منها وأكثر ما شغل عن الله تعالى هو البطن فإن القوت ضروري وأمر المسكن والملبس أهون ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليه لم تستغرقهم أشغال الدنيا وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا عليهم واتصل بعضها ببعض وتداعت إلى غير نهاية محدودة فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقاصدها ونحن نذكر تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وكيفية غلط الناس في مقاصدها حتى تتضح لك أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن الله تعالى وكيف أنستهم عاقبة أمورهم فنقول الأشغال الدنيوية هي الحرف والصناعات والأعمال التي ترى الخلق منكبين عليها وسبب كثرة الأشغال هو أن الإنسان مضطر إلى ثلاث القوت والمسكن والملبس فالقوت للغذاء والبقاء والملبس لدفع الحر والبرد والمسكن لدفع الحر والبرد ولدفع أسباب الهلاك عن الأهل والمال ولم يخلق الله القوت والمسكن والملبس مصلحا بحيث يستغني عن صنعة الإنسان فيه نعم خلق ذلك للبهائم فإن النبات يغذي الحيوان من غير طبخ والحر والبرد لا يؤثر في بدنه فيستغني عن البناء ويقنع بالصحراء ولباسها شعورها وجلودها فتستغني عن اللباس والإنسان ليس كذلك فحدثت الحاجة لذلك إلى خمس صناعات هي أصول الصناعات وأوائل الأشغال الدنيوية وهي الفلاحة والرعاية والاقتناص والحياكة والبناء أما البناء فللمسكن والحياكة وما يكتنفها من أمر الغزل والخياطة فللملبس والفلاحة للمطعم والرعاية للمواشي والخيل أيضا للمطعم والمركب والاقتناص نعني به تحصيل ما خلقه الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب فالفلاح يحصل النباتات والراعي يحفظ الحيوانات ويستنتجها والمقتنص يحصل ما نبت ونتج بنفسه من غير صنع آدمي وكذلك يأخذ من معادن الأرض ما خلق فيها من غير صنعة آدمي ونعني بالاقتناص ذلك ويدخل تحته صناعات وأشغال عدة ثم هذه الصناعات تفتقر إلى أدوات وآلات كالحياكة والفلاحة والبناء والاقتناص والآلات إنما تؤخذ إما من النبات وهو الأخشاب أو من المعادن كالحديد والرصاص وغيرهما أو من جلود الحيوانات فحدثت الحاجة إلى ثلاث أنواع أخر من الصناعات النجارة والحدادة والخز وهؤلاء هم عمال الآلات ونعني بالنجارة كل عامل في الخشب كيفما كان وبالحداد كل عامل في الحديد وجواهر المعادن حتى النحاس والإبري وغيرهما وغرضنا ذكر الأجناس فأما آحاد الحرف فكثيرة وأما الخراز فنعني به كل عامل في جلود الحيوانات وأجزائها فهذه أمهات الصناعات ثم إن الإنسان خلق بحيث لا يعيش وحده بل يضطر إلى الاجتماع مع غيره من أبناء جنسه وذلك لسببين أحدهما حاجته إلى النسل لبقاء جنس الإنسان ولا يكون ذلك إلا باجتماع الذكر والأنثى وعشرتهما والثاني التعاون على تهيئة أسباب المطعم والملبس ولتربية الولد فإن الاجتماع يفضي إلى الولد لا محالة والواحد لا يشتغل بحفظ الولد وتهيئة أسباب القوت ثم ليس يكفيه الاجتماع مع الأهل والولد في المنزل بل لا يمكنه أن يعيش كذلك ما لم تجتمع طائفة كثيرة ليتكفل كل واحد بصناعة فإن الشخص الواحد كيف يتولى الفلاحة وحده وهو يحتاج إلى آلاتها وتحتاج الآلة إلى حداد ونجار ويحتاج الطعام إلى طحان وخباز وكذلك كيف ينفرد بتحصيل الملبس وهو يفتقر إلى حراسة القطن وآلات الحياكة والخياطة وآلات كثيرة فلذلك امتنع عيش الإنسان وحده وحدثت الحاجة إلى الاجتماع ثم لو اجتمعوا في صحراء مكشوفة لتأذوا بالحر والبرد والمطر واللصوص فافتقروا إلى أبنية محكمة ومنازل ينفرد كل أهل بيت به وبما معه من الآلات والأثاث والمنازل تدفع الحر والبرد والمطر وتدفع أذى الجيران من اللصوصية وغيرها لكن المنازل قد تقصدها جماعة من اللصوص خارج المنازل فافتقر أهل المنازل إلى التناصر والتعاون والتحصن بسور يحيط بجميع المنازل فحدثت البلاد لهذه الضرورة ثم مهما اجتمع الناس في المنازل والبلاد وتعاملوا تولدت بينهم خصومات إذ تحدث رياسة وولاية للزوج على الزوجة وولاية للأبوين على الولد لأنه ضعيف يحتاج إلى قوام به ومهما حصلت الولاية على عاقل أفضى إلى الخصومة بخلاف الولاية على البهائم إذ ليس لها قوة المخاصمة وإن ظلمت فأما المرأة فتخاصم الزوج والولد يخاصم الأبوين هذا في المنزل وأما أهل البلد أيضا فيتعاملون في الحاجات ويتنازعون فيها ولو تركوا كذلك لتقاتلوا وهلكوا وكذلك الرعاة وأرباب الفلاحة يتواردون على المراعي والأراضي والمياه وهي لا تفي بأغراضهم فيتنازعون لا محالة ثم قد يعجز بعضهم عن الفلاحة والصناعة بعمى أو مرض أو هرم وتعرض عوارض مختلفة ولو ترك ضائعا لهلك ولو وكل تفقده إلى الجميع لتخاذلوا ولو خص واحد من غير سبب يخصه لكان لا يذعن له فحدث بالضرورة من هذه العوارض الحاصلة بالاجتماع صناعات أخرى فمنها صناعة المساحة التي بها تعرف مقادير الأرض لتمكن القسمة بينهم العدل ومنها صناعة الجندية لحراسة البلد بالسيف ودفع اللصوص عنهم ومنها صناعة الحكم والتوصل لفصل الخصومة ومنها الحاجة إلى الفقه وهو معرفة القانون الذي ينبغي أن يضبط به الخلق ويلزموا الوقوف على حدوده حتى لا يكثر النزاع وهو معرفة حدود الله تعالى في المعاملات وشروطها فهذه أمور سياسية لا بد منها ولا يشتغل بها إلا مخصوصون بصفات مخصوصة من العلم والتمييز والهداية وإذا اشتغلوا بها لم يتفرغوا لصناعة أخرى ويحتاجون إلى المعاش ويحتاج أهل البلد إليهم إذ لو اشتغل أهل البلد بالحرب مع الأعداء مثلا تعطلت الصناعات ولو اشتغل أهل الحرب والسلاح بالصناعات لطلب القوت تعطلت البلاد عن الحراس واستضر الناس فمست الحاجة إلى أن يصرف إلى معايشهم وأرزاقهم الأموال الضائعة التي لا مالك لها إن كانت أو تصرف الغنائم إليهم إن كانت العداوة مع الكفار فإن كانوا أهل ديانة وورع قنعوا بالقليل من أموال المصالح وإن أرادوا التوسع فتمس الحاجة لا محالة إلى أن يمدهم أهل البلد بأموالهم ليمدوهم بالحراسة فتحدث الحاجة إلى الخراج ثم يتولد بسبب الحاجة إلى الخراج الحاجة لصناعات أخر إذ يحتاج إلى من يوظف الخراج بالعدل على الفلاحين وأرباب الأموال وهم العمال وإلى من يستوفي منهم بالرفق وهم الجباة والمتخرجون وإلى من يجمع عنده ليحفظه إلى وقت التفرقة وهم الخزان وإلى من يفرق عليهم بالعدل وهو الفارض للعساكر وهذه الأعمال لو تولاها عدد لا تجمعهم رابطة انخرم النظام فتحدث منه الحاجة إلى ملك يدبرهم وأمير مطاع يعين لكل عمل شخصا ويختار لكل واحد ما يليق به ويراعي النصفة في أخذ الخراج وإعطائه واستعمال الجند في الحرب وتوزيع أسلحتهم وتعين جهات الحرب ونصب الأمير والقائد على كل طائفة منهم إلى غير ذلك من صناعات الملك فيحدث من ذلك بعد الجند الذين هم أهل السلاح وبعد الملك الذي يراقبهم بالعين الكالئة ويدبرهم الحاجة إلى الكتاب والخزان والحساب والجباة والعمال ثم هؤلاء أيضا يحتاجون إلى معيشة ولا يمكنهم الاشتغال بالحرف فتحدث الحاجة إلى مال الفرع مع مال الأصل وهو المسمى فرع الخراج وعند هذا يكون الناس في الصناعات ثلاث طوائف الفلاحون والرعاة والمحترفون والثانية الجندية الحماة بالسيوف والثالثة المترددون بين الطائفتين في الأخذ والعطاء وهم العمال والجباة وأمثالهم فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت والملبس والمسكن وإلى ماذا انتهى وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح بسببه أبواب أخر وهكذا تتناهى إلى غير حد محصور كأنها هاوية لا نهاية لعمقها من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي فهذه هي الحرف والصناعات إلا أنها لا تتم إلا بالأموال والآلات والمال عبارة عن أعيان الأرض وما عليها مما ينتفع به وأعلاها الأغذية ثم الأمكنة التي يأوى الإنسان إليها وهي الدور ثم الأمكنة التي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت والأسواق والمزارع ثم الكسوة ثم أثاث البيت وآلاته ثم آلات الآلات وقد يكون الآلات ما هو حيوان كالكلب آلة الصيد والبقر آلة الحراثة والفرس آلة الركوب في الحرب ثم يحدث من ذلك حاجة البيع فإن الفلاح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاحة والحداد والنجار يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة فبالضرورة يحتاج الفلاح إليهما ويحتاجان إلى الفلاح فيحتاج أحدهما أن يبذل ما عنده للآخر حتى يأخذ منه غرضه وذلك بطريق المعاوضة إلا أن النجار مثلا إذا طلب من الفلاح الغذاء بآلته ربما لا يحتاج الفلاح في ذلك الوقت إلى آلته فلا يبيعه والفلاح إذا طلب الآلة من النجار بالطعام ربما كان عنده طعام في ذلك الوقت فلا يحتاج إليه فتتعوق الأغراض فاضطروا إلى حانوت يجمع آلة كل صناعة ليترصد بها صاحبها أرباب الحاجات وإلى أبيات يجمع إليها ما يحمل الفلاحون فيشتريه منهم صاحب الأبيات ليترصد به أرباب الحاجات فظهرت لذلك الأسواق والمخازن فيحمل الفلاح الحبوب فإذا لم يصادف محتاجا باعها بثمن رخيص من الباعة فيخزنونها في انتظار أرباب الحاجات طمعا في الربح وكذلك في جميع الأمتعة والأموال ثم يحدث لا محالة بين البلاد والقرى تردد فيتردد الناس يشترون من القرى الأطعمة ومن البلاد الآلات وينقلون ذلك ويتعيشون به لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم إذ كل بلد ربما لا توجد فيه كل آلة وكل قرية لا يوجد فيها كل طعام فالبعض يحتاج إلى البعض فيحوج إلى النقل فيحدث التجار المتكفلون بالنقل وباعثهم عليه حرص جمع المال لا محالة فيتعبون طول الليل والنهار في الأسفار لغرض غيرهم ونصيبهم منها جمع المال الذي يأكله لا محالة غيرهم إما قاطع طريق وإما سلطان ظالم ولكن جعل الله تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا ثم هذه الأموال التي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها فتحتاج إلى دواب تحملها وصاحب المال قد لا تكون له دابة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمى الإجارة ويصير الكراء نوعا من الاكتساب أيضا ثم يحدث بسبب البياعات الحاجة إلى النقدين فإن من يريد أن يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب وهذه أمور لا تتناسب فلا بد من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ثم يحتاج إلى مال يطول بقاؤه لأن الحاجة إليه تدوم وأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فمست الحاجة إلى دار الضرب والصيارفة وهكذا تتداعى الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما تراه فهذه أشغال الخلق وهي معاشهم وشي من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه عنه مانع فيبقى عاجز عن الاكتساب لعجزه عن الحرف فيحتاج إلى أن يأكل مما يسعى فيه غيره فيحدث منه حرفتان خسيستان اللصوصية والكداية إذ يجمهما أنهما يأكلان من سعي غيرهما ثم الناس يحترزون من اللصوص والمكدين ويحفظون عنهم أموالهم فافتقروا إلى صرف عقولهم في استنباط الحيل والتدابير أما اللصوص فمنهم من يطلب أعوانا ويكون في يديه شوكة وقوة فيجتمعون ويتكاثرون ويقطعون الطريق كالأعراب والأكراد وأما الضعفاء منهم فيفزعون إلى الحيل إما بالنقب أو التسلق عند انتهاز فرصة الغفلة وإما بأن يكون طرارا أو سلالا إلى غير ذلك من أنواع التلصص الحادثة بحسب ما تنتجه الأفكار المصروفة إلى استنباطها وأما المكدي فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له اتعب واعمل كما عمل غيرك فمالك والبطالة فلا يعطي شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلل بالعجز إما بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون وإما بالتعامي والتفالج والتجانن والتمارض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سبب الرحمة وجماعة يلتمسون أقوالا وأفعالا يتعجب الناس منها حتى تنبسط قلوبهم عند مشاهدتها فيسخوا برفع اليد عن قليل من المال في حال التعجب ثم قد يندم بعد زوال التعجب ولا ينفع الندم وذلك قد يكون بالتمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة وقد يكون بالأشعار الغريبة والكلام المنثور المسجع مع حسن الصوت والشعر الموزون أشد تأثيرا في النفس لا سيما إذا كان فيه تعصب يتعلق بالمذاهب كأشعار مناقب الصحابة وفضائل أهل البيت أو الذي يحرك داعية العشق من أهل المجانة كصنعة الطبالين في الأسواق وصنعة ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والحشيش الذي يخيل بائعه أنها أدوية فيخدع بذلك الصبيان والجهال وكأصحاب القرعة والفأل من المنجمين ويدخل في هذا الجنس الوعاظ والمكدون على رءوس المنابر إذا لم يكن وراءهم طائل علمي وكان غرضهم استمالة قلوب العوام وأخذ أموالهم بأنواع الكدية وأنواعها تزيد على ألف نوع وألفين وكل ذلك استنبط بدقيق الفكرة لأجل المعيشة فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآبهم فتاهوا وضلوا وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه فطائفة غلبهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم فقالوا المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ثم نكسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ليأكلوا وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا الأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا وهي شهوة البطن والفرج فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غاية السعادة فشغلهم ذلك عن الله تعالى وعن اليوم الآخر وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ليلهم وأتعبوا نهارهم في الجمع فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات فيكون للجامع تعبه ووباله وللآكل لذته ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك ولا يعتبرون وطائفة ظنوا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الألسنة بالثناء والمدح بالتجمل والمروءة فهؤلاء يتعبون في كسب المعاش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة ويزخرفون أبواب الدور وما يقع عليها أبصار الناس حتى يقال إنه غني وإنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة فهمتهم في نهارهم وليلهم في تعهد موقع نظر الناس وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير فصرفوا هممهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة لطلب الولايات وتقلد الأعمال السلطانية لينفذ أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة وأن ذلك غاية المطلب وهذا أغلب الشهوات على قلوب الغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم ووراء هؤلاء طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم قد ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن ونسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها وانجرت بهم أوائل أسبابها إلى أواخرها وتداعى بهم ذلك إلى مهاو لم يمكنهم الرقي منها فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظه ونصيبه منه وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له وإن تعدى به قدر الضرورة كثرت الأشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية فتتشعب به الهموم ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا فلا يبالي الله في أي واد أهلكه منها فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ولم يتركهم وأضلهم في الإعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من العباد من أهل الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشريه وقطعها عن النفس بالكلية وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ثم أقبلوا على المجاهدة وشددوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة وبعضهم فسد عقله وجن وبعضهم مرض وانسد عليه الطريق في العبادة وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله تعالى مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عصيان عاص ولا تزيده عبادة متعبد فعادوا إلى الشهوات وسلكوا مسلك الإباحة وطووا بساط الشرع والأحكام وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن الله مستغن عن عبادة العباد وظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة والحيلة فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالات هائلة يطول إحصاؤها إلى ما يبلغ نيفا وسبعين فرقة وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل ولا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة بل يتبع العدل ولا يترك كل شيء من الدنيا ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله تعالى بكنه همته واشتغل بالذكر والفكر طول العمر وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية وهم الصحابة فإنه عليه السلام لما قال الناجي منها واحدة قالوا يا رسول الله ومن هم قال أهل السنة والجماعة فقيل ومن أهل السنة والجماعة قال ما أنا عليه وأصحابي حديث افتراق الأمة وفيه الناجي منهم واحدة قالوا ومن هم قال أهل السنة والجماعة الحديث أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة فقالوا من هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي ولأبي داود من حديث معاوية وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك وهي الجماعة وأسانيدها جياد وقد كانوا على النهج القصد وعلى السبيل الواضح الذي فصلناه من قبل فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدين وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط بل كان أمرهم بين ذلك قواما وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين وهو أحب الأمور إلى الله تعالى كما سبق ذكره في مواضع والله أعمل تم كتاب ذم الدنيا والحمد لله أولا وآخرا صلى الله عليه وسلم و وآله وصحبه وسلم.

Advertisements

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد

وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي له يتكل على عفوه ورحمته إلا الراجون ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون الذي استدرج عباده من حديث لا يعلمون وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون وابتلاهم بالغضب وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر كيف يعملون وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون وعرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون وما يعلنون وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون فقال ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون والصلاة والسلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين والسادة المرضيين صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق الله وما سيكون ويحظى ببركتها الأولون والآخرون وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فإن الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجه الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد كاستخراج الحجر النار من الحديد وقد انكشف للناظرين بنور اليقين أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين فمن استفزته نار الغضب فقد قويت فيه قرابة الشيطان حيث قال خلقتني من نار وخلقته من طين فإن شأن الطين السكون والوقار وشأن النار التلظي والاستعار والحركة والاضطراب ومن نتائج الغضب الحقد والحسد وبهما هلك من هلك وفسد من فسد ومفيضهما مضغة إذا صلحت صلح معها سائر الجسد وإذا كان الحقد والحسد والغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب فما أحوجه إلى معرفة معاطبه ومساويه ليحذر ذلك ويتقيه ويميطه عن القلب إن كان وينفيه ويعالجه إن رسخ في قلبه ويداويه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ومن عرفه فالمعرفة لا تكفيه ما لم يعرف الطريق الذي به يدفع الشر ويقصيه ونحن نذكر ذم الغضب وآفات الحقد والحسد في هذا الكتاب ويجمعها.

بيان ذم الغضب

ثم بيان حقيقة الغضب ثم بيان أن الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا ثم بيان الأسباب المهيجة للغضب ثم بيان علاج الغضب بعد هيجانه ثم بيان فضيلة كظم الغيظ ثم بيان فضيلة الحلم ثم بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام ثم القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق ثم القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته ثم بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه ثم بيان الدواء الذي به ينفي مرض الحسد عن القلب ثم بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب وبالله التوفيق بيان ذم الغضب قال الله تعالى إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الآية ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل ومدح المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة وروى أبو هريرة أن رجلا قال يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال لا تغضب ثم أعاد عليه فقال لا تغضب حديث أبي هريرة إن رجلا قال يا رسول الله مرني بعمل وأقلل قال لا تغضب ثم أعاد عليه فقال لا تغضب رواه البخاري وقال ابن عمر قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قل لي قولا وأقلله لعلي أعقله فقال لا تغضب فأعدت عليه مرتين كل ذلك يرجع إلى لا تغضب حديث ابن عمر قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قل لي قولا وأقلل الحديث أخرج نحوه أبو يعلى بإسناد حسن وعن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينقذني من غضب الله قال لا تغضب حديث عبد الله بن عمرو سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبعدني من غضب الله قال لا تغضب أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق وابن عبد البر في التمهيد بإسناد حسن وهو عند أحمد وأن عبد الله بن عمرو هو السائل وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم ما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا تصرعه الرجال قال ليس ذلك ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب حديث ابن مسعود ما تعدون الصرعة الحديث رواه مسلم وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب حديث أبي هريرة ليس الشديد بالصرعة الحديث متفق عليه وقال ابن عمر قال النبي صلى الله عليه وسلم من كف غضبه ستر الله عورته حديث ابن عمر من كف غضبه ستر الله عورته أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب العفو وذم الغضب وفي الصمت وتقدم في آفات اللسان وقال سليمان ابن داود عليهما السلام يا بني إياك وكثرة الغضب فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم وعن عكرمة في قوله تعالى وسيدا وحصورا قال السيد الذي لا يغلبه الغضب وقال أبو الدرداء قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب حديث أبي الدرداء دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط بإسناد حسن وقال يحيى لعيسى عليهما السلام لا تغضب قال لا أستطيع أن لا أغضب إنما أنا بشر قال لا تقتن مالا قال هذا عسى وقال صلى الله عليه وسلم الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل حديث الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل أخرجه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب ومن رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم حديث ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم أخرجه البزار وابن عدي من حديث ابن عباس للنار باب لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله وإسناده ضعيف وتقدم في آفات اللسان وقال له رجل أي شيء أشد على الله قال غضب الله قال فما يبعدني عن غضب الله قال لا تغضب حديث قال رجل أي شيء أشد علي قال غضب الله قال فما يبعدني من غضب الله قال لا تغضب أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بالشطر الأخير منه وقد تقدم قبله بست أحاديث الآثار قال الحسن يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار وعن ذي القرنين أنه لقي ملكا من الملائكة فقال علمني علما ازداد به إيمانا ويقينا قال لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك وكن سهلا لينا للقريب والبعيد ولا تكن جبارا عنيدا وعن وهب بن منبه أن راهبا كان في صومعته فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع فجاءه حتى ناداه فقال له افتح فلم يجبه فقال افتح فإني إن ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه فقال إني أنا المسيح قال الراهب وإن كنت المسيح فما أصنع بك أليس قد أمرتنا بالعبادة والاجتهاد ووعدتنا القيامة فلو جئتنا اليوم بغيره لم نقبله منك فقال إني الشيطان وقد أردت أن أضلك فلم أستطع فجئتك لتسألني عما شئت فأخبرك فقال ما أريد أن أسألك عن شيء قال فولى مدبرا فقال الراهب ألا تسمع قال بلى قال أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم فقال الحدة إن الرجل إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقال خيثمة الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه وقال جعفر بن محمد الغضب مفتاح كل شر وقال بعض الأنصار رأس الحمق الحدة وقائده الغضب ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم والحلم زين ومنفعة والجهل شين ومضرة والسكوت عن جواب الأحمق جوابه وقال مجاهد قال إبليس ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم ونبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه وقيل لحكيم ما أملك فلانا لنفسه قال إذا لا تذله الشهوة ولا يصرعه الهوى ولا يغلبه الغضب وقال بعضهم إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار وقيل اتقوا الغضب فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل وقال عبد الله بن مسعود انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما علمك بحلمه إذا لم يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فأحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا وقال علي بن زيد أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا وقال بعضهم لابنه يا بني لا يثبت العقل عند الغضب كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة فأقل الناس غضبا أعقلهم فإن كان للدنيا كان دهاء ومكرا وإن كان للآخرة كان حلما وعلما فقد قيل الغضب عدو العقل والغضب غول العقل وكان عمر رضي الله عنه إذا خطب قال في خطبته أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب وقال بعضهم من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار وقال الحسن من علامات المسلم قوة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكيس في رفق وإعطاء في حق وقصد في غنى وتجمل في فاقة وإحسان في قدرة وتحمل في رفاقة وصبر في شدة لا يغلبه الغضب ولا تجمح به الحمية ولا تغلبه شهوة ولا تفضحه بطنه ولا يستخفه حرصه ولا تقصر به نيته فينصر المظلوم ويرحم الضعيف ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء وقيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة فقال اترك الغضب وقال نبي من الأنبياء لمن تبعه من يتكفل لي أن لا يغضب فيكون معي في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا ثم أعاد عليه فقال الشاب أنا أوفي به فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل سمي به لأنه تكفل بالغضب ووفي به وقال وهب بن منبه للكفر أربعة أركان الغضب والشهوة والخرق والطمع.

بيان حقيقة الغضب

اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه أما السبب الداخلي فهو أنه ركبه من الحرارة والرطوبة وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى تصير أجزاؤها بخارا يتصاعد منها فلو لم يصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ليكون ذلك حافظا له من الهلاك بهذا السبب وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه فتدفع المهلكات عنه فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينته فمهما صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة لصفائها تحكى لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن صدر الغضب على من فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط والإفراط والاعتدال أما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه إنه لا حمية له ولذلك قال الشافعي رحمه الله من استغضب فلم يغضب فهو حمار فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلا فهو ناقص جدا وقد وصف الله سبحانه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالشدة والحمية فقال أشداء على الكفار رحماء بينهم وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم الآية وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار بل يصير في صورة المضطر وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب لأن الغضب من النار حديث الغضب من النار أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد بسند ضعيف الغضب جمرة في قلب ابن آدم ولأبي داود من حديث عطية السعدي إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار كما قال صلى الله عليه وسلم وإنما برودة المزاج تطفئه وتكسر سورته وأما الأسباب الاعتيادية فهو أن يخالط قوما يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول الواحد منهم أنا الذي لا أصبر على المكر والمحال ولا أحتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل في ولا حلم ثم يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه رسخ في نفسه حسن الغضب وحب التشبه بالقوم فيقوى به الغضب ومهما اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أعمت صاحبها وأصمته عن كل موعظة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده ذلك غضبا وإذا استضاء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر إذ ينطفيء نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه وتسود عليه الدنيا بأسرها ويكون دماغه على مثال كهف اضطرمت فيه نار فاسود جوه وحمى مستقره وامتلأ بالدخان جوانيه وكان فيه سراج ضعيف فانمحى أو انطفأ نوره فلا تثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ولا ترى فيه صورة ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا كما تقوى النار في الكهف فينشق وتنهد أعاليه على أسفله وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكذا حال القلب عند الغضب وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح في لجة البحر أحسن حالا وأرجى سلامة من النفس المضطربه غيظا إذ في السفينة من يحتال لتسكينها وتدبيرها وينظر لها ويسوسها وأما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته إذا أعماه الغضب وأصمه ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الأشداق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره فإن الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فقس الثمرة بالمثمرة فهذا أثره في الجسد وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل ويستحي منه قائله عند فتور الغضب وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ أما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه وقد يضرب بيده على الأرض ويعدو عدو الواله السكران والمدهوش المتحير وربما يسقط سريعا لا يطيق العدو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتر به مثل الغشية وربما يضرب الجمادات والحيوانات فيضرب القصعة مثلا على الأرض وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجمادات ويخاطبها ويقول إلى متى منك هذا يا كيت وكيت كأنه يخاطب عاقلا حتى ربما رفسته دابة فيرفس الدابة ويقابلها بذلك وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة بالمساءات والحزن بالسرور والعزم على إفشاء السر وهتك الستر والاستهزاء وغير ذلك من القبائح فهذه ثمرة الغضب المفرط وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس والقماءة وهو أيضا مذموم إذ من ثمراته عدم الغيرة على الحرام وهو خنوثة قال صلى الله عليه وسلم إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد وإن الله أغير مني حديث إن سعدا لغيور الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وهو متفق عليه من حديث المغيرة بنحوه وتقدم في النكاح وإنما خلقت الغيرة لحفظ الأنساب ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب ولذلك قيل كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها ومن ضعف الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات وقد قال صلى الله عليه وسلم خير أمتي أحداؤها حديث خير أمتي أحداؤها أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث علي بسند ضعيف وزاد الذين إذا غضبوا رجعوا يعني في الدين وقال تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة ففقد الغضب مذموم وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية وينطفيء حيث يحسن الحلم وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده وهو الوسط الذي وصفه رسول الله  صلى الله عليه وسلم حيث قال خير الأمور أوساطها حديث خير الأمور أوسطها أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف فإن عجز عنه فليطلب القرب منه قال تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض فهذه حقيقة الغضب ودرجاته نسأله الله حسن التوفيق لما يرضيه إنه على ما يشاء قدير.

بيان الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا

أعلم أنه ظن ظانون أنه يتصور محو الغضب بالكلية وزعموا أن الرياضة إليه تتوجه وإياه تقصد وظن أخرون أنه أصل لا يقبل العلاج وهذا رأي من يظن أن الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير وكلا الرأيين ضعيف بل الحق فيه ما نذكره وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد من أن يحب ما يوافقه ويكره ما يخالفه والغضب يتبع ذلك فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة إلا أن ما يحبه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت والمسكن والملبس وصحة البدن فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد وأن يغضب وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنة أو أريق ماؤه الذي لعطشه فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرض لها.

القسم الثاني ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدواب فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ويغضب على من يسرقهما وإن كان مستغنيا عنهما في القوت فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمه ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدنيا فيزهد في الزيادة على الحاجة فلا يغضب بأخذها فإنه لا يحب وجودها ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري كالجاه والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة في العلم فمن غلب هذا الحب عليه فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر في المحافل ومن لا يحب ذلك فلا يبالي ولو جلس في صف النعال فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحط رتبة وأنقص لأن الحاجة صفة نقص فمهما كثرة كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته وفي شهواته وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغم والحزم حتى ينتي بعض الجهال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له إنك لا تحسن اللعب بالطيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري لأن حبه ليس بضروري.

القسم الثالث ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض كالكتاب مثلا في حق العالم لأنه مضطر إليه فيحبه فيغضب على من يحرقه ويغرقه وكذلك أدوات الصناعات في حق المكتسب الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها فإنما هو وسيلة إلى الضروري والمحبوب يصير ضروريا ومحبوبا وهذا يختلف بالأشخاص وإنما الحب الضروري ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها حديث من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبيد الله بن محصن دون قوله بحذافيرها قال الترمذي حسن ومن كان بصيرا بحقائق الأمور وسلم له هذه الثلاثة يتصور أن لا يغضب في غيرها فهذه ثلاثة أقسام: فلنذكر غاية الرياضة في كل واحد منها أما:

القسم الأول فليست الرياضة فيها لينعدم غيظ القلب ولكن لكي يقدر على أن لا يطيع الغضب ولا يستعمله في الظاهر إلا على حد يستحبه الشرع ويستحسنه العقل وذلك ممكن بالمجاهدة وتكلف الحلم والاحتمال مدة حتى يصير الحلم والاحتمال خلقا راسخا فأما قمع أصل الغيظ من القلب فذلك ليس مقتضى الطبع وهو غير ممكن نعم يمكن كسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتد هيجان الغيظ في الباطن وينتهي ضعفه إلى أن لا يظهر أثره في الوجه ولكن ذلك شديد جدا وهذا حكم القسم الثالث أيضا لأن ما صار ضروريا في حق شخص فلا يمنعه من الغيظ استغناء غيره عنه فالرياضة فيه تمنع العمل به وتضعف هيجانه في الباطن حتى لا يشتد التألم بالصبر عليه.

وأما القسم الثاني فيمكن التوصل بالرياضة إلى الانفكاك عن الغضب عليه إذ يمكن إخراج حبه من القلب وذلك بأن يعلم الإنسان أن وطنه القبر مستقره الآخرة وأن الدنيا معبر يعبر عليها ويتزود منها قدر الضرورة وما وراء ذلك عليه وبال في وطنه ومستقره فيزهد في الدنيا ويمحو حبها عن قلبه ولو كان للإنسان كلب لا يحبه لا يغضب إذا ضربه غيره فالغضب تبع للحب فالرياضة في هذا تنتهي إلى قمع أصل الغضب وهو نادر جدا وقد تنتهي إلى المنع من استعمال الغضب والعمل بموجبه وهو أهون فإن قلت الضروري من القسم الأول التألم بفوات المحتاج إليه دون الغضب فمن له شاة مثلا وهي قوته فماتت لا يغضب على أحد وإن كان يحصل فيه كراهة وليس من ضرورة كل كراهة غضب فإن الإنسان يتألم بالفصد والحجامة ولا يغضب على الفصاد والحجام فمن غلب عليه التوحيد حتى يرى الأشياء كلها بيد الله ومنه فلا يغضب على أحد من خلقه إذ يراهم مسخرين في قبضة قدرته كالقلم في يد الكاتب ومن وقع ملك بضرب رقبته لم يغضب على القلم فلا يغضب على من يذبح شاته التي هي قوته كما لا يغضب على موتها إذ يرى الذبح والموت من الله عز وجل فيندفع الغضب بغلبة التوحيد ويندفع أيضا بحسن الظن بالله وهو أن يرى أن الكل من الله تعالى وأن الله لا يقدر له إلا ما فيه الخيرة وربما تكون الخيرة في مرضه وجوعه وجرحه وقتله فلا يغضب كما لا يغضب على الفصاد والحجام لأنه يرى أن الخيرة فيه فيقول هذا على هذا الوجه غير محال ولكن غلبة التوحيد إلى هذا الحد إنما تكون كالبرق الخاطف تغلب في أحوال مختلفة ولا تدوم ويرجع القلب إلى الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبيعيا لا يندفع عنه ولو تصور ذلك على الدوام لبشر لتصور لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يغضب حتى تحمر وجنتاه حديث كان صلى الله عليه وسلم يغضب حتى تحمر وجنتاه أخرجه مسلم من حديث جابر كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه وللحاكم كان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه واشتد غضبه وقد تقدم في أخلاق النبوة حتى قال اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مسلم سببته أو لعنته أو ضربته فاجعلها مني صلاة عليه وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة حديث اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة دون قوله أغضب كما يغضب البشر وقال جلدته بدل ضربته وفي رواية اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وأصله متفق عليه وتقدم ولمسلم من حديث أنس إنما أنا بشرا أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر ولأبي يعلى من حديث أبي سعيد أو ضربته وقال عبد الله بن عمرو بن العاص يا رسول الله أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا فقال اكتب فوالذي بعثني بالحق نبيا ما يخرج منه إلا حق وأشار إلى لسانه حديث عبد الله بن عمرو يا رسول الله أكتب عنك كل ما قلت في الغضب والرضا قال اكتب فوالذي بعثني بالحق ما يخرج منه إلا حق وأشار إلى لسانه أخرجه أبو داود بنحوه فلم يقل إني لا أغضب ولكن قال إن الغضب لا يخرجني عن الحق أي لا أعمل بموجب الغضب وغضبت عائشة رضي الله تعالى عنها مرة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك جاءك شيطانك فقالت ومالك شيطان قال بلى ولكني دعوت الله فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بالخير حديث غضبت عائشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مالك جاءك شيطانك الحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة ولم يقل لا شيطان لي وأراد شيطان الغضب لكن قال لا يحملني على الشر وقال علي رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب للدنيا فإذا أغضبه الحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له حديث علي كان لا يغضب للدنيا الحديث أخرجه الترمذي في الشمائل وقد تقدم فكان يغضب على الحق وإن كان غضبه لله فهو التفات إلى الوسائط على الجملة بل كل من يغضب على من يأخذ ضرورة قوته وحاجته التي لا بد له في دينه منها فإنما غضب لله فلا يمكن الانفكاك عنه نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروري إذا كان القلب مشغولا بضروري أهم منه فلا يكون في القلب متسع للغضب لاشتغاله بغيره فإن استغراق القلب ببعض المهمات يمنع الإحساس بما عداه وهذا كما أن سلمان لما شتم قال إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول فقد كان همه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال يا هذا قد سمع الله كلامك وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول وسب رجل أبا بكر رضي الله عنه فقال ما ستر الله عنك أكثر فكأنه كان مشغولا بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان وذلك لجلالة قدره وقالت امرأة لمالك بن دينار يا مرائي فقال ما عرفني غيرك فكأنه كان مشغولا بأن ينفي عن نفسه آفة الرياء ومنكرا على نفسه ما يلقيه الشيطان إليه فلم يغضب لما نسب إليه وسب رجل الشعبي فقال إن كنت صادقا فغفر الله لي وإن كنت كاذبا فغفر الله لك فهذه الأقاويل دالة في الظاهر على أنهم لم يغضبوا لاشتغال قلوبهم بمهمات دينهم ويحتمل أن يكون ذلك قد أثر في قلوبهم ولكنهم لم يشتغلوا به واشتغلوا بما كان هو الأغلب على قلوبهم فإذا اشتغال القلب ببعض المهمات لا يبعد أن يمنع هيجان الغضب عند فوات بعض المحاب فإذا يتصور فقد الغيظ إما باشتغال القلب بمهم أو بغلبة نظر التوحيد أو بسبب ثالث وهو أن يعلم أن الله يحب منه أن لا يغتاظ فيطفئ شدة حبه لله غيظه وذلك غير محال في أحوال نادرة وقد عرفت بهذا أن الطريق للخلاص من نار الغضب محو حب الدنيا عن القلب وذلك بمعرفة آفات الدنيا وغوائلها كما سيأتي في كتاب ذم الدنيا ومن أخرج حب المزايا عن القلب تخلص من أكثر أسباب الغضب وما لا يمكن محوه يمكن كسره وتضعيفه فيضعف الغضب بسببه ويهون دفعه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه وكرمه إنه على كل شيء قدير والحمد لله وحده.

بيان الأسباب المهيجة للغضب

قد عرفت أن علاج كل علة حسم مادتها وإزالة أسبابها فلا بد من معرفة أسباب الغضب وقد قال يحيى لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد قال غضب الله قال فما يقرب من غضب الله قال أن تغضب قال فما بيدي الغضب وما ينبته قال عيسى الكبر والفخر والتعزز والحمية والأسباب المهيجة للغضب هي الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع وتميت العجب بمعرفتك بنفسك كما سيأتي بيانه في كتاب الكبر والعجب وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتا فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل والفخر والعجب والكبر أكبر الرذائل وهي أصلها ورأسها فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك وأما التعيير فالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلبا لعز الاستغناء وترفعا عن ذل الحاجة وكل خلق من هذه الأخلاق وصفه من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل وتخلصت أيضا عن الغضب الذي يتولد منها ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس إليه وتستحسنه وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها وآية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضبا من الصحيح والمرأة أسرع غضبا من الرجل والصبي أسرع غضبا من الرجل الكبير والشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل وذو الخلق السيء والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة ولبخله إذا فاتته الحبة حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب حديث ليس الشديد بالصرعة تقدم قبله بل ينبغي أن يعالج هذا الجاهل بأن تتلي عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء وضد ذلك منقول عن الأكراد والأتراك والجهلة والأغبياء الذين لا عقول لهم ولا فضل فيهم.

بيان علاج الغضب بعد هيجانه

ما ذكرناه هو حسم لمواد الغضب وقطع لأسبابه حتى لا يهيج فإذا جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل أما العلم فهو ستة أمور الأول أن يتفكر في الأخبار التي سنوردها في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثوابه فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفيء عنه غيظه قال مالك بن أوس ابن الحدثان غضب عمر على رجل وأمر بضربه فقلت يا أمير المؤمنين خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فكان عمر يقول خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فكان يتأمل في الآية وكان وقافا عند كتاب الله مهما تلي عليه كثير التدبر فيه فتدبر فيه وخلى الرجل وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى والكاظمين الغيظ فقال لغلامه خل عنه الثاني أن يخوف نفسه بعقاب الله وهو أن يقول قدرة الله علي أعظم من قدرتي على هذا الإنسان فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو فقد قال تعالى في بعض الكتب القديمة يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيفا إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال لولا القصاص لأوجعتك حديث لولا القصاص لأوجعتك أخرجه أبو يعلى من حديث أم سلمة بسند ضعيف أي القصاص في القيامة وقيل ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه الثالث أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام وتشمر العدو لمقابلته والسعي في هدم أغراضه والشماتة بمصائبه وهو لا يخلو عن المصائب فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه لأنه متردد على حظوظه العاجلة يقدم بعضها على بعض إلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا فراغته للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون مثابا عليه الرابع أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس وبين أن يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن كان قد بقي معه مسكة من عقل الخامس أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ولا بد وأن يكون له سبب مثل قول الشيطان له إن هذا يحمل منك على العجز وصغر النفس والذلة والمهانة وتصير حقيرا في أعين الناس فيقول لنفسه ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله وذلك يعظمه عند الله فما له وللناس وذل من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله لو انتقم الآن أفلا يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يكرره على قلبه السادس أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده فكيف يقول مرادي أولى من مراد الله ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه وأما العمل فأن تقول بلسانك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال عند الغيظ حديث الأمر بالتعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند الغيظ متفق عليه من حديث سليمان بن صرد قال كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما أحمر وجهه وانتفخت أوداجه الحديث وفيه لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لذهب عنه ما يجد فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وسلم قال تعوذ بالله من الشيطان الرجيم الحديث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن حديث كان إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها وقال يا عويش قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي وأذهب غيظ قلبي الحديث أخرجه ابن السني في اليوم والليلة من حديثها وتقدم في الأذكار والدعوات فيستحب أن تقول ذلك فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما واضجع إن كنت جالسا وأقرب من الأرض التي منها خلقت لتعرف بذلك ذل نفسك واطلب بالجلوس والاضجاع السكون فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الغضب جمرة توقد في القلب حديث إن الغضب جمرة توقد فيالقلب الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد دون قوله توقد في وقد تقدم ورواه بهذا اللفظ البيهقي في الشعب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس وإن كان جالسا فلينم فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا الماء فقد قال صلى الله عليه وسلم إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار حديث إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء البارد الحديث أخرجه أبو داود من حديث عطية السعدي دون قوله بالماء البارد وهو بلفظ الرواية الثانية التي ذكرها المصنف وقد تقدم وفي رواية إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ وقال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا غضبت فاسكت حديث ابن عباس إذا غضبت فاسكت أخرجه أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني واللفظ لهما والبيهقي في شعب الإيمان وفيه ليث بن أبي سليم وقال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غضبه حديث أبي هريرة كان إذا غضب وهو قائم جلس وإذا غضب وهو جالس اضطجع فيذهب غضبه أخرجه ابن أبي الدنيا وفيه من لم يسم ولأحمد بإسناد جيد في أثناء حديث فيه وكان أبو ذر قائما فجلس ثم اضطجع فقيل له لم جلست ثم اضطجعت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع والمرفوع عند أبي داود وفيه عنده انقطاع سقط منه أبو الأسود وقال أبو سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم حديث أبي سعيد ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم الحديث أخرجه الترمذي وقال حسن ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالأرض وكأن هذا إشارة إلى السجود وتمكين أعز الأعضاء من أذل المواضع وهو التراب لتستشعر به النفس الذل وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب وروي أن عمر غضب يوما فدعا بماء فاستنشق وقال إن الغضب من الشيطان وهذا يذهب الغضب وقال عروة ابن محمد لما استعملت على اليمن قال لي أبي أوليت قلت نعم قال فإذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك وإلى الأرض تحتك ثم عظم خالقهما وروي أن أبا ذر قال لرجل يا ابن الحمراء في خصومة بينهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر بلغني أنك اليوم عيرت أخاك بأمه فقال نعم فانطلق أبو ذر ليرضي صاحبه فسبقه الرجل فسلم عليه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر ارفع رأسك فانظر ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل ثم قال إذا غضبت فإن كنت قائما فاقعد وإن كنت قاعدا فاتكيء وإن كنت متكئا فاضطجع حديث أبي ذر أنه قال لرجل يا ابن الحمراء في خصومة بينهما فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فقال يا أبا ذر ارفع رأسك فانظر الحديث وفيه ثم قال إذا غضبت إلى آخره أخرجه ابن أبي الدنيا في العفو وذم الغضب بإسناد صحيح وفي الصحيحين من حديثه قال كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشاكني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ولأحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال له انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى ورجاله ثقات وقال المعتمر بن سليمان كان رجل ممن كان قبلكم يغضب فيشتد غضبه فكتب صحائف وأعطى كل صحيفة رجلا وقال للأول إذا غضبت فأعطني هذه وقال للثاني إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه وقال للثالث إذا ذهب غضبي فأعطني هذه فاشتد غضبه يوما فأعطي الصحيفة الأولى فإذا فيها ما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا فسكن بعض غضبه فأعطي الثانية فإذا فيها ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء فأعطي الثالثة فإذا فيها خذ الناس بحق الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك أي لا تعطل الحدود وغضب المهدي على رجل فقال شبيب لا تغضب لله بأشد من غضبه لنفسه فقال خلوا سبيله فضيلة كظم الغيظ قال الله تعالى والكاظمين الغيظ وذكر ذلك في معرض المدح وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كف غضبه كف الله عنه عذابه ومن اعتذر إلى ربه قبل الله عذره ومن خزن لسانه ستر الله عورته حديث من كف غضبه كفي الله عنه عذابه الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان واللفظ له من حديث أنس بإسناد ضعيف ولابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر من ملك غضبه وقاه الله عذابه الحديث وقد تقدم في آفات اللسان وقال صلى الله عليه وسلم أشدكم من غلب نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة حديث أشدكم من ملك نفسه عند الغضب وأحلمكم من عفا عند القدرة أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث علي بسند ضعيف والبيهقي في الشعب بالشطر الأول من رواية عبد الرحمن بن عجلان مرسلا بإسناد جيد وللبزار والطبراني في مكارم الأخلاق واللفظ له من حديث أشدكم أملككم لنفسه عند الغضب وفيه عمران القطان مختلف فيه وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه لأمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا حديث من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا وفي رواية أمنا وإيمانا أخرجه ابن أبي الدنيا بالرواية الأولى من حديث ابن عمر وفيه سكين بن أبي سراج تكلم فيه ابن حبان وأبو داود بالرواية الثانية من حديث رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه ورواها ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة وفيه من لم يسم وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى حديث ابن عمر ما جرع رجل جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله أخرجه ابن ماجه وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال صلى الله عليه وسلم إن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى حديث ابن عباس إن لجهنم بابا لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بمعصية الله تقدم في آفات اللسان وقال صلى الله عليه وسلم ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها عبد وما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانا حديث ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها عبد وما كظمها عبد إلا ملأ الله قلبه إيمانا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس وفيه ضعف وبتلفق من حديث ابن عمر وحديث الصحابي الذي لم يسم وقد تقدما وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق ويخيره من أي الحور شاء حديث من كظم غيضا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رءوس الخلائق حتى يخيره من أي الحور شاء تقدم في آفات اللسان الآثار قال عمر رضي الله عنه من اتقى الله لم يشف غيظه ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون وقال لقمان لابنه يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة ولا تشف غيظك بفضيحتك وأعرف قدرك تنفعك معيشتك وقال أيوب حلم ساعة يدفع شرا كثيرا واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب والصبر عند الجزع وقال رجل لعمر رضي الله عنه والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه فقال له رجل يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فهذا من الجاهلين فقال عمر صدقت فكأنما كانت نارا فأطفئت وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له وجاء رجل إلى سلمان فقال يا عبد الله أوصني قال لا تغضب قال لا أقدر قال فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك.

بيان فضيلة الحلم

اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم أي تكلف الحلم ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة ولكن إذا تعود ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا قال صلى الله عليه وسلم إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتخير الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه حديث إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم الحديث أخرجه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند ضعيف وأشار بهذا إلى أن اكتساب الحلم طريقة التحلم أولا وتكلفه كما أن اكتساب العلم طريقة التعلم وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم لينوا لمن تعلمون ولمن تتعلمون منه ولا تكونوا من جبابرة العلماء فيغلب جهلكم حلمكم حديث أبي هريرة اطلبوا العلم واطلبوا مع العلم السكينة والحلم الحديث أخرجه ابن السني في رياضة المتعلمين بسند ضعيف وأشار بهذا إلى أن التكبر والتجبر هو الذي يهيج الغضب ويمنع من الحلم واللين وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية حديث كان من دعائه اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية لم أجد له أصلا وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ابتغوا الرفعة عند الله قالوا وما هي يا رسول الله قال تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحلم عمن جهل عليك حديث ابتغوا الرفعة عند الله قالوا وما هي قال تصل من قطعك الحديث أخرجه الحاكم والبيهقي وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر حديث خمس من سنن المرسلين الحياء والحلم والحجامة والسواك والتعطر أخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في المثاني والآحاد والترمذي الحكيم في نوادر الأصول من رواية مليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده وللترمذي وحسنه من حديث أبي أيوب أربع فأسقط الحلم والحجامة وزاد النكاح وقال علي كرم الله وجهه قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم وإنه ليكتب جبارا عنيدا ولا يملك إلا أهل بيته حديث علي إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف وقال أبو هريرة إن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي واحلم عنهم قال إن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك حديث أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي وأحلم عنهم الحديث رواه مسلم المل يعني به الرمل وقال رجل من المسلمين اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئا فهو عليه صدقة فأوحى الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إني قد غفرت له حديث قال رجل من المسلمين اللهم ليس عندي صدقة أتصدق بها فأيما رجل أصاب من عرضي شيئا فهو صدقة عليه الحديث أخرجه أبو نعيم في الصحابة والبيهقي في الشعب من رواية عبد المجيد بن أبي عبس بن جبر عن أبيه عن جده بإسناد لين زاد البيهقي عن علية بن زيد وعلية هو الذي قال ذلك كما في أثناء الحديث وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب أنه رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلا من المسلمين ولم يسمه وقال أظنه أبا ضمضم قلت وليس بأبي ضمضم إنما هو علية بن زيد وأبو ضمضم ليس له صحبة وإنما هو متقدم وقال صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم قالوا وما أبو ضمضم قال رجل ممن كان قبلكم كان إذا أصبح يقول اللهم إني تصدقت اليوم بعرضي على من ظلمني حديث أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم الحديث تقدم في آفات اللسان وقيل في قوله تعالى ربانيين أي حلماء علماء وعن الحسن في قوله تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما قال حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا وقال عطاء بن أبي رباح يمشون على الأرض هونا أي حلماء وقال ابن أبي حبيب في قوله عز وجل وكهلا قاله الكهل منتهى الحلم وقال مجاهد وإذا مروا باللغو مروا كراما أي إذا أوذوا صفحوا وروي أن ابن مسعود مر بلغو معرضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح ابن مسعود وأمسى كريما حديث أن ابن مسعود مر بلغو معرضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصبح ابن مسعود وأمسى كريما أخرجه ابن المبارك في البر والصلة ثم تلا إبراهيم بن ميسرة وهو الراوي قوله تعالى وإذا مروا باللغو مروا كراما وقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان لا يتبعون فيه العليم ولا يستحيون فيه من الحليم قلوبهم قلوب العجم وألسنتهم ألسنة العرب حديث اللهم لا يدركني ولا أدركه زمان لا يتعبون فيه العليم ولا يستحيون فيه من الحليم الحديث أخرجه أحمد من حديث سهل بن سعد بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم ليليني منكم ذوو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ولا تختلفوا فتخلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق حديث ليليني منكم أولو الأحلام والنهى الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود دون قوله ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم فهي عند أبي داود والترمذي وحسنه وهي عند مسلم في حديث آخر لابن مسعود وروي أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فأناخ راحلته ثم عقلها وطرح عنه ثوبين كانا عليه وأخرج من العيبة ثوبين حسنين فلبسهما وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى ما يصنع ثم أقبل يمشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام إن فيك يا أشج خلقين يحبهما الله ورسوله قال ما هما بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال الحلم والأناة فقال خلتان تخلقتهما أو خلقان جبلت عليهما فقال بل خلقان جبلك الله عليهما فقال الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله حديث يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة الحديث متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الحليم الحي الغني المتعفف أبا العيال التقي ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف الغبي حديث إن الله يحب الحيي الحليم الغني المتعفف الحديث أخرجه الطبراني من حديث سعد إن الله يحب العبد التقي الغني الحفي وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله عز وجل وحلم يكف به السفيه وخلق يعيش به في الناس حديث ابن عباس ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله أخرجه أبو نعيم في كتاب الإيجاز بإسناد ضعيف والطبراني من حديث أم سلمة بإسناد لين وقد تقدم في آداب الصحبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس وهم يسير فينطلقون سراعا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة فتقولون لهم إنا نراكم سراعا إلى الجنة فيقولون نحن أهل الفضل فيقولون لهم ما كان فضلكم فيقولون كنا إذا ظلمنا صبرنا وإذا أسيء إلينا عفونا وإذ جهل علينا حلمنا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين حديث إذا جمع الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل فيقوم ناس الحديث وفيه إذا جهل علينا حلمنا أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال البيهقي في إسناده ضعف الآثار قال عمر رضي الله عنه تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم وقال علي رضي الله عنه ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك وأن لا تباهي الناس بعبادة الله وإذا أحسنت حمدت الله تعالى وإذا أسأت استغفرت الله تعالى وقال الحسن اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم وقال أكثم بن صيفي دعامة العقل الحلم وجماع الأمر الصبر وقال أبو الدرداء أدركت الناس ورقا لا شوك فيه فأصبحوا شوكا لا ورق فيه إن عرفتهم نقدوك وإن تركتهم لم يتركوك قالوا كيف نصنع قال تقرضهم عن عرضك ليوم فقرك وقال علي رضي الله عنه إن أول ما عوض الحليم من حلمه أن الناس كلهم أعوانه على الجاهل وقال معاوية رحمه الله تعالى لا يبلغ العبد مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله وصبره شهوته ولا يبلغ ذلك إلا بقوة العلم وقال معاوية لعمرو بن الأهتم أي الرجال أشجع قال من رد جهله بحلمه قال أي الرجال أسخى قال من بذل دنياه لصلاح دينه وقال أنس بن مالك في قوله تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم إلى قوله عظيم هو الرجل يشتمه أخوه فيقول إن كنت كاذبا فغفر الله لك وإن كنت صادقا فغفر الله لي وقال بعضهم شتمت فلانا من أهل البصرة فحلم علي فاستعبدني بها زمانا وقال معاوية لعرابة بن أوس بم سدت قومك يا عرابة قال يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم وأعطي سائلهم وأسعى في حوائجهم فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن جاوزني فهو أفضل مني ومن قصر عني فأنا خير منه وسب رجل ابن عباس رضي الله عنهما فلما فرغ قال يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها فنكس الرجل رأسه واستحى وقال رجل لعمر بن عبد العزيز أشهد أنك من الفاسقين فقال ليس تقبل شهادتك وعن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة كانت عليه وأمر له بألف درهم فقال بعضهم جمع له خمس خصال محمودة الحلم وإسقاط الأذى وتخليص الرجل مما يبعد من الله عز وجل وحمله على الندم والتوبة ورجوعه إلى مدح بعد الذم اشترى جميع ذلك بشيء من الدنيا يسير وقال رجل لجعفر بن محمد إنه قد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن يقال لي إن تركك له ذل فقال جعفر إنما الذليل الظالم وقال الخليل بن أحمد كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل له حاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته وقال الأحنف بن قيس لست بحليم ولكنني أتحلم وقال وهب بن منبه من يرحم يرحم ومن يصمت يسلم ومن يجهل يغلب ومن يعجل يخطيء ومن يحرص على الشر لا يسلم ومن لا يدع المراء يشتم ومن لا يكره الشر يأثم ومن يكره الشر يعصم ومن يتبع وصية الله يحفظ ومن يحذر الله يأمن ومن يتول الله يمنع ومن لا يسأل الله يفتقر ومن يأمن مكر الله يخذل ومن يستعن بالله يظفر وقال رجل لمالك بن دينار بلغني أنك ذكرتني بسوء قال أنت إذن أكرم علي من نفسي إني إذا فعلت ذلك أهديت لك حسناتي وقال بعض العلماء الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى به وقال رجل لبعض الحكماء والله لأسبنك سبا يدخل معك في قبرك فقال معك يدخل لا معي ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود فقالوا له شرا فقال لهم خيرا فقيل له إنهم يقولون شرا وأنت تقول خيرا فقال كل ينفق مما عنده وقال لقمان ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاث لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا عند الحرب ولا الأخ إلى عند الحاجة إليه ودخل على بعض الحكماء صديق له فقدم إليه طعاما فخرجت امرأة الحكيم وكانت سيئة الخلق فرفعت المائدة وأقبلت على شتم الحكيم فخرج الصديق مغضبا فتبعه الحكيم وقال له تذكر يوم كنا في منزلك نطعم فسقطت دجاجة على المائدة فأفسدت ما عليها فلم يغضب أحد منا قال نعم قال فاحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة فسري عن الرجل غضبه وانصرف وقال صدق الحكيم الحلم شفاء من كل ألم وضرب رجل قدم حكيم فأوجعه فلم يغضب فقيل له في ذلك فقال أقمته مقام حجر تعثرت به فذبحت الغضب وقال محمود الوراق سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب وإن كثرت منه على الجرائم وما الناس إلا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثلي مقاوم فأما الذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحق والحق لازم وأما الذي دوني فإن قال صنت عن إجابته عرضي وإن لام لائم وأما الذي مثل فإن زل أو هفا تفضلت إن الفضل بالحلم حاكم.

بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام

اعلم أن كل ظلم صدر من شخص فلا يجوز مقابلته بمثله فلا تجوز مقابلة الغيبة بالغيبة ولا مقابلة التجسس بالتجسس ولا السب بالسب وكذلك سائر المعاصي وإنما القصاص والغرامة على قدر ما ورد الشرع به وقد فصلناه في الفقه وأما السب فلا يقال بمثله إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه حديث إن امرؤ عيرك بما فيك فلا تعيره بما فيه أخرجه أحمد من حديث جابر بن مسلم وقد تقدم وقال المستبان ما قالا فهو على الباديء ما لم يعتد المظلوم وقال المستبان شيطانان يتهاتران حديث المستبان شيطانان يتهاتران تقدم وشتم رجل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر إنك كنت ساكتا لما شتمني فلما تكلمت قمت قال لأن الملك كان يجيب عنك فلما تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان حديث شتم رجل أبا بكر رضي الله عنه وهو ساكت فلما ابتدأ ينتصر منه قام صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة متصلا ومرسلا قال البخاري المرسل أصح وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب فيه وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه والأفضل تركه ولكنه لا يعصي به والذي يرخص فيه أن تقول من أنت وهل أنت إلا من بني فلان كما قال سعد لابن مسعود وهل أنت إلا من بني هذيل وقال ابن مسعود وهل أنت إلا من بني أمية ومثل قوله يا أحمق قال مطرف كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه إلا أن بعض الناس أقل حماقة من بعض وقال ابن عمر من حديث طويل حتى ترى الناس كلهم حمقى في ذات الله تعالى حديث ابن عمر في حديث طويل حتى ترى الناس كأنهم حمقى في ذات الله عز وجل تقدم في العلم وكذلك قوله يا جاهل إذ ما من أحد إلا وفيه جهل فقد آذاه بما ليس بكذب وكذلك قوله يا سيء الخلق يا صفيق الوجه يا ثلايا للإعراض وكان ذلك فيه وكذلك قوله لو كان فيك حياء لما تكلمت وما أحقرك في عيني بما فعلت وأخزاك الله وانتقم منك فأما النميمة والغيبة والكذب وسب الوالدين فحرام بالاتفاق لما روي أنه كان بين خالد بن الوليد وسعد كلام فذكر رجل خالدا عند سعد فقال سعد مه إن ما بيننا لم يبلغ ديننا يعني أن يأثم بعضنا في بعض فلم يسمع السوء فكيف يجوز له أن يقوله والدليل على جواز ما ليس بكذب ولا حرام كالنسبة إلى الزنا والفحش والسب ما روت عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن إليه فاطمة فجاءت فقالت يا رسول الله أرسلني إليك أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة والنبي صلى الله عليه وسلم نائم فقال يا بنية أتحبين ما أحب قالت نعم قال فأحبي هذه فرجعت إليهن فأخبرتهن بذلك فقلن ما أغنيت عنا شيئا فأرسلن زينب بنت جحش قالت وهي التي كانت تساميني في الحب فجاءت فقالت بنت أبي بكر وبنت أبي بكر فما زالت تذكرني وأنا ساكتة أنتظر أن يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب فأذن لي فسببتها حتى جف لساني فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا إنها ابنة أبي بكر حديث عائشة إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن فاطمة فقالت يا رسول الله أرسلني أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة الحديث رواه مسلم يعني أنك لا تقاومينها في الكلام قط وقولها سببتها وليس المراد به الفحش بل هو والجواب عن كلامها بالحق ومقابلتها بالصدق وقال النبي صلى الله عليه وسلم المستبان ما قالا فعلى الباديء منهما حتى يعتدي المظلوم حديث المستبان ما قالا فعلى البادي الحديث رواه مسلم وقد تقدم فأثبت المظلوم انتصار إلى أن يعتدي فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ولكن الأفضل تركه فإنه يجره إلى ما وراءه ولا يمكنه الاقتصار على قدر الحق فيه والسكوت عن أصل الجواب لعله أيسر من الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ولكن يعود سريعا ومنهم من يكف نفسه في الابتداء ولكن يحقد على الدوام والناس في الغضب أربعة فبعضهم كالحلفاء سريع الوقود سريع الخمود وبعضهم كالغضا بطيء الوقود بطيء الخمود وبعضهم بطئ الوقود سريع الخمود وهو الأحمد ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود وهذا هو شرهم وفي الخبر المؤمن سريع الغضب سريع الرضى فهذه بتلك حديث المؤمن سريع الغضب سريع الرضي تقدم وقال الشافعي رحمه الله من استغضب فلم يغضب فهو حمار ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان وقد قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى فمنهم بطيء الغضب سريع الفيء ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وإن خيرهم البطيء الغضب السريع الفيء وشرهم السريع الغضب البطيء الفيء حديث أبي سعيد الخدري ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات الحديث تقدم ولما كان الغضب يهيج ويؤثر في كل إنسان وجب على السلطان أن لا يعاقب أحدا في حال غضبه لأنه ربما يتعدى الواجب ولأنه ربما يكون متغيظا عليه فيكون متشفيا لغبظه ومريحا نفسه من ألم الغيظ فيكون صاحبه حظ نفسه فينبغي أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا لنفسه ورأى عمر رضي الله عنه سكران فأراد أن يأخذه ويعزره فشتمه السكران فرجع عمر فقيل له يا أمير المؤمنين لما شتمك تركته قال لأنه أغضبني ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي ولم أحب أن أضرب مسلما حمية لنفسي وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لرجل أغضبه لولا أنك أغضبتني لعاقبتك القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغضة له والنفار عنه وأن يدوم ذلك ويبقى وقد قال صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بحقود حديث المؤمن ليس بحقود تقدم في العلم فالحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر ثمانية أمور الأول الحسد وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه فتغثم بنعمة إن أصابها وتسر بمصيبة إن نزلت به وهذا من فعل المنافقين وسيأتي ذمه إن شاء الله تعالى الثاني أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتشمت بما أصابه من البلاء الثالث أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك الرابع وهو دونه أن تعرض عنه استصغارا له الخامس أن تتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر وهتك ستر وغيره السادس أن تحاكيه استهزاء به وسخرية منه السابع إيذاؤه بالضرب وما يؤلم بدنه الثامن أن تمنعه حقه من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة وكل ذلك حرام وأقل درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به ولكن تستثقله في الباطن ولا تنهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تطوع به من البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته والمجالسة معه على ذكر الله تعالى والمعاونة على المنفعة له أو بترك الدعاء له والثناء عليه أو التحريض على بره ومواساته فهذا كله مما ينقص درجتك في الدين ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل وإن كان لا يعرضك لعقاب الله ولما حلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينفق على مسطح وكان قريبه لكونه تكلم في واقعة الإفك نزل قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم إلى قوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم فقال أبو بكر نعم نحب ذلك وعاد إلى الإنفاق عليه حديث لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح نزل قوله تعالى ولا يأتل أولوا الفضل منكم الآية متفق عليه من حديث عائشة والأولى أن يبقى على ما كان عليه فإن أمكنه أن يزيد في الإحسان مجاهدة في للنفس وإرغاما للشيطان فذلك مقام الصديقين وهو من فضائل أعمال المقربين فللمحقود ثلاثة أحوال عند القدرة أحدها أن يستوفي حقه الذي يستحقه من غير زيادة أو نقصان وهو العدل الثاني أن يحسن إليه بالعفو والصلة وذلك هو الفضل الثالث أن يظلمه بما لا يستحقه وذلك هو الجور وهو اختيار الأراذل والثاني هو اختيار الصديقين والأول هو منتهى درجات الصالحين ولنذكر الآن فضيلة العفو والإحسان فضيلة العفو والإحسان اعلم أن معنى العفو أن يستحق حقا فيسقطه ويبري عنه من قصاص أو غرامة وهو غير الحلم وكظم الغيظ فلذلك أفردناه قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وقال الله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث والذي نفسي بيده لو كنت حلافا لحلفت عليهن ما نقص مال من صدقة فتصدقوا ولا عفا رجل عن مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر حديث ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت حالفا لحلفت عليهن ما نقصت صدقة من مال الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري ولمسلم وأبي داود نحوه من حديث أبي هريرة وقال صلى الله عليه وسلم التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله والعفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله حديث التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله أخرجه الأصفهاني في الترغيب والترهيب وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بسند ضعيف وقالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط ما لم ينتهك من محارم الله فإذا انتهك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك غضبا وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما حديث عائشة ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قط الحديث أخرجه الترمذي في الشمائل وهو عند مسلم بلفظ آخر وقد تقدم وقال عقبة لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فابتدرته فأخذت بيده أو بدرني فأخذ بيدي فقال يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك حديث عقبة بن عامر يا عقبة ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة تصل من قطعك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم قال موسى عليه السلام يا رب أي عبادك أعز عليك قال الذي إذا قدر عفا حديث قال موسى يا رب أي عبادك أعز عليك قال الذي إذا قدر عفا أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وفيه ابن لهيعة وكذلك سئل أبو الدرداء عن أعز الناس قال الذي يعفو إذا قدر فاعفوا يعزكم الله وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو مظلمة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس وأراد أن يأخذ له بمظلمته فقال له صلى الله عليه وسلم إن المظلومين هم المفلحون يوم القيامة حديث إن المظلومين هم المفلحون يوم القيامة وفي أوله قصة رواها ابن أبي الدنيا في كتاب العفو من رواية أبي صالح الحنفي مرسلا فأبى أن يأخذها حين سمع الحديث وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا على من ظلمه فقد انتصر وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث الله عز وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض حديث أنس إذا بعث الله عز وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض أخرجه أبو سعيد أحمد بن إبراهيم المقري في كتاب التبصرة والتذكرة بلفظ ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا أمة محمد إن الله تعالى يقول ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات فتواهبوها وادخلوا الجنة برحمتي وإسناده ضعيف ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ نادى مناد يا أهل الجمع تناكروا المظالم بينكم وثوابكم علي وله من حديث أم هانيء ينادي مناد يا أهل التوحيد ليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون وما تظنون فقالوا نقول أخ وابن عم حليم رحيم قالوا ذلك ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم أقول كما قال يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة طاف بالبيت وصلى ركعتين ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب فقال ما تقولون الحديث رواه ابن الجوزي في الوفاء من طريق ابن أبي الدنيا وفيه ضعف قال فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإسلام وعن سهيل بن عمرو قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وضع يديه على باب الكعبة والناس حوله فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون قال قلت يا رسول الله نقول خيرا ونظن خيرا أخ كريم وابن عم رحيم وقد قدرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم حديث سهيل بن عمرو لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وضع يده على باب الكعبة الحديث بنحوه لم أجده وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقف العباد نادى مناد ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة قيل ومن ذا الذي له على الله أجر قال العافون عن الناس فيقوم كذا وكذا ألفا فيدخلونها بغير حساب حديث أنس إذا وقف العباد نادى مناد ليقم من أجره على الله فليدخل الجنة قيل من ذا الذي أجره على الله قال العافون عن الناس الحديث أخرجه الطبراني في مكارم الأخلاق وفيه الفضل بن يسار ولا يقابع على حديثه وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتي بحد إلا أقامه والله عفو يحب العفو ثم قرأ وليعفوا وليصفحوا الآية حديث ابن مسعود لا ينبغي لوالي أمر أن يؤتي بحد إلا أقامه والله عفو يحب العفو الحديث أخرجه أحمد والحاكم وصححه وتقدم في آداب الصحبة وقال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء وزوج من الحور العين حيث شاء من أدى دينا خفيا وقرأ في دبر كل صلاة قل هو الله أحد عشر مرات وعفا عن قاتله قال أبو بكر أو إحداهن يا رسول الله قال أو إحداهن حديث جابر ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط في الدعاء بسند ضعيف الآثار قال إبراهيم التيمي إن الرجل ليظلمني فأرحمه وهذا إحسان وراء العفو لأنه يشتغل قلبه بتعرضه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب وقال بعضهم إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيض له من يظلمه ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ويقع فيه فقال له عمر إنك إن تلقي الله ومظلمتك كما هي خير لك من أن تلقاه وقد اقتصصتها وقال يزيد بن ميسرة إن ظللت تدعو على من ظلمك فإن الله تعالى يقول إن آخر يدعو عليك بأنك ظلمته فإن شئت استجبنا لك وأجبنا عليك وإن شئت أخرتكما إلى يوم القيامة فيسعكما عفوي وقال مسلم بن يسار لرجل دعا على ظالمه كل الظالم إلى ظلمه فإنه أسرع إليه من دعائك عليه إلا أن يتداركه بعمل وقمن أن لا يفعل وعن ابن عمر عن أبي بكر أنه قال بلغنا أن الله تعالى يأمر مناديا يوم القيامة فينادي من كان له عند الله شيء فليقم فيقوم أهل العفو فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن الناس وعن هشام بن محمد قال أتى النعمان بن المنذر برجلين قد أذنب أحدهما ذنبا عظيما فعفا عنه والآخر أذنب ذنبا خفيفا فعاقبه وقال تعفو الملوك عن العظيم من الذنوب بفضلها ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها إلا ليعرف حلمها ويخاف شدة دخلها وعن مبارك بن فضالة قال وفد سوار بن عبد الله في وفد من أهل البصرة إلى أبي جعفر قال فكنت عنده إذا أتى برجل فأمر بقتله فقلت يقتل رجل من المسلمين وأنا حاضر فقلت يا أمير المؤمنين ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسن قال وما هو قلت سمعته يقول إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيقوم مناد فينادي من له عند الله يد فليقم فلا يقوم إلا من عفا فقال والله لقد سمعته من الحسن فقلت والله لسمعته منه فقال خلينا عنه وقال معاوية عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال وروي أن راهبا دخل على هشام بن عبد الملك فقال للراهب أرأيت ذا القرنين أكان نبيا فقال لا ولكنه إنما أعطى ما أعطي بأربع خصال كن فيه كان إذا قدر عفا وإذا وعد وفى وإذا حدث صدق ولا يجمع شغل اليوم لغد وقال بعضهم ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر عفا وقال زياد القدرة تذهب الحفيظة يعني الحقد والغضب وأتى هشام برجل بلغه عنه أمر فلما أقيم بين يديه جعل يتكلم بحجته فقال له هشام وتتكلم أيضا فقال الرجل يا أمير المؤمنين قال الله عز وجل يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها أفنجادل الله تعالى ولا نتكلم بين يديك كلاما قال هشام بلى ويحك تكلم وروي أن سارقا دخل خباء عمار بن ياسر بصفين فقيل له اقطعه فإنه من أعدائنا فقال بل استر عليه لعل الله يستر علي يوم القيامة وجلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعاما فابتاع ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدتها قد حلت فقال لقد جلست وإنها لمعي فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها اللهم افعل به كذا فقال عبد الله اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه وقال الفضيل ما رأيت أزهد من رجل من أهل خراسان جلس إلي في المسجد الحرام ثم قام ليطوف فسرقت دنانير كانت معه فجعل يبكي فقلت أعلى الدنانير تبكي فقال لا ولكن مثلتني وإياه بين يدي الله عز وجل فأشرف عقلي على إدحاض حجته فبكائي رحمة له وقال مالك بن دينار أتينا منزل الحكم بن أيوب ليلا وهو على البصرة أمير وجاء الحسن وهو خائف فدخلنا معه عليه فما كنا مع الحسن إلا بمنزلة الفراريج فذكر الحسن قصة يوسف عليه السلام وما صنع به أخوته من بيعهم إياه وطرحهم له في الجب فقال باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم وذكر ما لقي من كيد النساء ومن الحبس ثم قال أيها الأمير ماذا صنع الله به أداله منهم ورفع ذكره وأعلى كلمته وجعله على خزائن الأرض فماذا صنع حين أكمل له أمره وجمع له أهله قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين يعرض للحكم بالعفو عن أصحابه قال الحكم فأنا أقول لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلا ثوبي هذا لواريتكم تحته وكتب ابن المقفع إلى صديق له يسأله العفو عن بعض إخوانه فلان هارب من زلته إلى عفوك لائذ منك بك واعلم أنه لن يزداد الذنب عظما إلا ازداد العفو فضلا وأتى عبد الملك بن مروان بأسارى ابن الأشعث فقال لرجاء بن حيوة ما ترى قال إن الله تعالى قد أعطاك ما تحب من الظفر فأعط الله ما يحب من العفو فعفا عنهم وروي أن زياد أخذ رجلا من الخوارج فأفلت منه فأخذ أخا له فقال له إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك فقال أرأيت إن جئتك بكتاب من أمير المؤمنين تخلي سبيلي قال نعم قال فأنا آتيك بكتاب من العزيز الحكيم وأقيم عليه شاهدين إبراهيم وموسى ثم تلا أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى فقال زياد خلوا سبيله هذا رجل قد لقن حجته وقيل مكتوب في الإنجيل من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان فضيلة الرفق اعلم أن الرفق محمود ويضاده العنف والحدة والعنف نتيجة الغضب والفظاظة والرفق واللين نتيجة حسن الخلق والسلامة وقد يكون سبب الحدة الغضب وقد يكون سببها شدة الحرص واستيلاءه بحيث يدهش عن التفكر ويمنع من التثبت فالرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال ولأجل هذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرفق وبالغ فيه فقال يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة حديث يا عائشة إنه من أعطى حظه من الرفق فقد أعطى حظه من خير الدنيا والآخرة الحديث رواه أحمد والعقيلي في الضعفاء في ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي وضعفه عن القاسم عن عائشة وفي الصحيحين من حديثها يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله وقال صلى الله عليه وسلم إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق حديث إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم الرفق أخرجه أحمد بسند جيد والبيهقي في الشعب بسند ضعيف من حديث عائشة وقال صلى الله عليه وسلم إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا محبة الله تعالى حديث إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من حديث جرير بإسناد ضعيف وقالت عائشة رضي الله عنها قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف حديث إن الله رفيق يحب الرفق الحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة وقال صلى الله عليه وسلم يا عائشة ارفقي فإن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق حديث يا عائشة ارفقي إن الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق أخرجه أحمد من حديث عائشة وفيه انقطاع ولأبي داود يا عائشة ارفقي وقال صلى الله عليه وسلم من يحرم الرفق يحرم الخير كله حديث من يحرم الرفق يحرم الخير كله أخرجه مسلم من حديث جرير دون قوله كله فهي عند أبي داود وقال صلى الله عليه وسلم أيما وال ولي فرفق ولان رفق الله تعالى به يوم القيامة حديث أيما وال ولي فلان ورفق رفق الله به يوم القيامة أخرجه مسلم من حديث عائشة وفي حديث فيه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به وقال صلى الله عليه وسلم تدرون من يحرم على النار يوم القيامة كل هين لين سهل قريب حديث تدرون على من تحرم النار على كل هين لين سهل قريب أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وتقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم الرفق يمن والخرق شؤم حديث الرفق يمن والخرق شؤم أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود والبيهقي في الشعب من حديث عائشة وكلاهما ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم التأني من الله والعجلة من الشيطان حديث التأني من الله والعجلة من الشيطان أخرجه أبو يعلى من حديث أنس ورواه الترمذي وحسنه من حديث سهل بن سعد بلفظ الآناة من الله وقد تقدم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل فقال يا رسول الله إن الله قد بارك لجميع المسلمين فيك فأخصصني منك بخير فقال الحمد لله مرتين أو ثلاثا ثم أقبل عليه فقال هل أنت مستوص مرتين أو ثلاثا قال نعم قال إن أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه وإن كان سوى ذلك فانته حديث أتاه رجل فقال يا رسول الله إن الله قد بارك لجميع المسلمين فيك الحديث وفيه فإذا أردت أمرا فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه الحديث أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق من حديث أبي جعفر هو المسمى عبد الله بن مسور الهاشمي ضعيف جدا ولأبي نعيم في كتاب الإيجاز من رواية إسماعيل الأنصاري عن أبيه عن جده إذا هممت بأمر فاجلس فتدبر عاقبته وإسناده ضعيف وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر على بعير صعب فجعلت تصرفه يمينا وشمالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه حديث عائشة عليك بالرفق فإنه لا يدخل في شيء إلا زانه الحديث رواه مسلم الآثار بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله فأمرهم أن يوافوه فلما أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أيتها الرعية إن لنا عليكم حقا النصيحة بالغيب والمعاونة على الخير أيتها الرعاة إن للرعية عليكم حقا فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه ليس جهل أبغض إلى الله ولا أغم من جهل إمام وخرجه واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن بين ظهريه يرزق العافية ممن هو دونه وقال وهب بن منبه الرفق ثنى الحلم وفي الخبر موقوفا ومرفوعا العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قيمه والرفق والده واللين أخوه والصبر أمير جنوده حديث العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قائدة والرفق والده أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب وفضائل الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي الدرداء وأبي هريرة وكلاهما ضعيف وقال بعضهم ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العلم يزينه العمل وما أحسن العمل يزينه الرفق وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم وقال عمرو بن العاص لابنه عبد الله ما الرفق قال تكون ذا أناة فتلاين الولاة قال فما الخرق قال معاداة إمامك ومناوأة من يقدر على ضررك وقال سفيان لأصحابه تدرون ما الرفق قالوا قل يا أبا محمد قال أن تضع الأمور من مواضعها الشدة في موضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه وهذه إشارة إلى أنه لا بد من مزج الغلظة باللين والفظاظة بالرفق كما قيل ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى فالمحمود وسط بين العنف واللين كما في سائر الأخلاق ولكن لما كانت الطباع إلى العنف والحدة أميل كانت الحاجة إلى ترغيبهم في جانب الرفق أكثر فلذلك كثر ثناء الشرع على جانب الرفق دون العنف وإن كان العنف في محله حسنا كما أن الرفق في محله حسن فإذا كان الواجب هو العنف فقد وافق الحق الهوى وهو ألذ من الزبد بالشهد وهكذا وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله روي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية أما بعد فإن الفهم في الخير زيادة رشد وإن الرشيد من رشد عن العجلة وإن الجانب من خاب عن الأناة وإن المتثبت مصيب أو كاد أن يكون مصيبا وإن العجل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئا وأن من لا ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا ينفعه التجارب لا يدرك المعالي وعن أبي عون الأنصاري قال ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجرى مجراها وقال أبو حمزة الكوفي لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد منه فإن مع كل إنسان شيطانا واعلم أنهم لا يعطونك بالشدة شيئا إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه وقال الحسن المؤمن وقاف متأن وليس كحاطب ليل فهذا ثناء أهل العلم على الرفق وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال وأغلب الأمور والحاجة إلى العنف قد تقع ولكن على الندور وإنما الكامل من يميز مواقع الرفق عن مواضع العنف فيعطي كل أمر حقه فإن كان قاصر البصيرة أو أشكل عليه حكم واقعه من الوقائع فليكن ميله إلى الرفق فإن النجح معه في الأكثر.

القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته

بيان ذم الحسد

اعلم أن الحسد أيضا من نتائج الحقد والحقد من نتائج الغضب فهو فرع فرعه والغضب أصل أصله ثم إن للحسد من الفروع الذميمة ما لا يكاد يحصى وقد ورد في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب حديث الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة وابن ماجه من حديث أنس وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم في النهي عن الحسد وأسبابه وثمراته لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا حديث لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا الحديث متفق عليه وقد تقدم وقال أنس كنا يوما جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة قال فطلع رجل من الأنصار ينفض لحيته من وضوئه قد علق نعليه في يده الشمال فسلم فلما كان الغد قال صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل وقاله في اليوم الثالث فطلع ذلك الرجل فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي الثلاث فعلت فقال نعم فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئا غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله تعالى ولم يقم لصلاة الفجر قال غير أني ما سمعته يقول إلا خيرا فلما مضت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجرة ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا فأردت أن أعرف عملك فلم أرك تعمل عملا كثيرا فما الذي بلغ بك ذلك فقال ما هو إلا ما رأيت فلما وليت دعاني فقال ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ولا حسدا على خير أعطاه الله إياه قال عبد الله فقلت له هي التي بلغت بك وهي التي لا نطيق حديث أنس كنا يوما جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة الحديث بطوله وفيه أن ذلك الرجل قال لا أجد على أحد من المسلمين في نفسي غشا ولا حسدا على خير أعطاه الله رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط الشيخين ورواه البزار وسمي الرجل في رواية له سعدا وفيها ابن لهيعة وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث لا ينجو منهن أحد الظن والطيرة والحسد وسأحدثكم بالمخرج من ذلك إذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيرت فامض وإذا حسدت فلا تبغ حديث ثلاث لا ينجو منهن أحد الظن والطعن والحسد الحديث وفي رواية وقل من ينجو منهن أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث أبي هريرة وفيه يعقوب بن محمد الزهري وموسى بن يعقوب الزمعي ضعفهما الجمهور والرواية الثانية رواها ابن أبي الدنيا أيضا من رواية عبد الرحمن بن معاوية وهو مرسل ضعيف وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه وتقدم في آفات اللسان وفي رواية ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقل من ينجو منهن فأثبت في هذه الرواية إمكان النجاة وقال صلى الله عليه وسلم دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا ألا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم حديث دب إليكم داء الأمم الحسد والبغضاء الحديث أخرجه الترمذي من حديث مولى الزبير عن الزبير وقال صلى الله عليه وسلم كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر حديث كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر أخرجه أبو مسلم الكشي والبيهقي في الشعب من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد ضعيف ورواه الطبراني في الأوسط من وجه آخر بلفظ كادت الحاجة أن تكون كفرا وفيه ضعف أيضا وقال صلى الله عليه وسلم إنه سيصيب أمتي داء الأمم قالوا وما داء الأمم قال الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج حديث إنه سيصيب أمتي داء الأمم قبلكم قالوا وما داء الأمم قال الأشر والبطر الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة بإسناد جيد وقال صلى الله عليه وسلم لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك حديث لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع وقال حسن غريب وفي رواية ابن أبي الدنيا فيرحمه الله وروي أن موسى عليه السلام لما تعجل إلى ربه تعالى رأى في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه فقال إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه تعالى أن يخبره باسمه فلم يخبره وقال أحدثك من عمله بثلاث كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة وقال زكريا عليه السلام قال الله تعالى الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي وقال صلى الله عليه وسلم أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر فيهم المال فيتحاسدون ويقتتلون حديث أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر لهم المال فيتحاسدون ويقتتلون أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الحسد من حديث ابن عامر الأشعري وفيه ثابت بن أبي ثابت جهله أبو حاتم وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ولهما من حديث عمرو بن عوف البدري والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا الحديث ولمسلم من حديث عبد الله بن عمرو إذا فتحت عليكم فارس والروم الحديث وفيه يتنافسون ثم يتحاسدون ثم يتدابرون الحديث ولأحمد والبزار من حديث عمر لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود حديث استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود أخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني من حديث معاذ بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم إن لنعم الله أعداء فقيل ومن هم فقال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله حديث إن لنعم الله أعداء قيل ومن أولئك قال الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس إن لأهل النعم حسادا فاحذروهم وقال صلى الله عليه وسلم ستة يدخلون النار قبل الحساب بسنة قيل يا رسول الله من هم قال الأمراء بالجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر والتجار بالخيانة وأهل الرستاق بالجهالة والعلماء بالحسد حديث ستة يدخلون النار قبل الحساب بسنة قيل يا رسول الله ومن هم قال الأمراء بالجور الحديث وفيه والعلماء بالحسد أخرجه أبو منصور الديلمي من حديث ابن عمر وأنس بسندين ضعيفين الآثار قال بعض السلف أول خطيئة هي الحسد حسد إبليس آدم عليه السلام على رتبته فأبى أن يسجد له فحمله على الحسد والمعصية وحكى أن عون بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط فقال إني أريد أن أعظك بشيء فقال وما هو قال إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به ثم قرأ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس الآية وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة أمكنه الله سبحانه من جنة عرضها السموات والأرض يأكل منها إلا شجرة واحدة نهاه الله عنها فأكل منها فأخرجه الله تعالى منها ثم قال اهبطوا منها إلى آخر الآية وإياك والحسد فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق الآيات وإذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك وإذا ذكر القدر فاسكت وإذا ذكرت النجوم فاسكت وقال بكر بن عبد الله كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول أحسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك فقال إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر فقال له الملك وكيف يصح ذلك عندي قال تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر فقال له انصرف حتى انظر فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته فقال احسن إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء سيكفيكه إساءته فقال له الملك أدن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم فقال الملك في نفسه ما أرى فلانا إلا قد صدق قال وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أو صلة فكتب له كتابا بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به إلي فأخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال ما هذا الكتاب قال خط الملك لي بصلة فقال هبه لي فقال هو لك فأخذه ومضى به إلى العامل فقال العامل في كتابك أن أذبحك وأسلخك قال إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك فقال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشى جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله فعجب الملك وقال ما فعل الكتاب فقال لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له قال له الملك إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر قال ما قلت ذلك قال فلما وضعت يدك على فيك قال لأنه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمه قال صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفي المسيء إساءته وقال ابن سيرين رحمه الله ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حفيرة في الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار وقال رجل للحسن هل يحسد المؤمن قال ما أنساك بني يعقوب نعم ولكن غمه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولا لسانا وقال ابو الدرداء ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده و قال معاوية كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها ولذلك قيل كل العداوات قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد وقال بعض الحكماء الحسد جرح لا يبرأ وحسب الحسود ما يلقي وقال أعرابي ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه وقال الحسن يا ابن آدم لم تحسد أخاك فإن كان الذي أعطاه لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار وقال بعضهم الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمه وذلا ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولا ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا .

بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه

اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدا فالحسد حده كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه الحالة الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها ولكن تشتهي لنفسك مثلها وهذه تسمى غبطة وقد تختص باسم المنافسة وقد تسمى المنافسة حسدا والحسد منافسة ويوضع أحد اللفظين موضع الآخر ولا حجر في الأسامي بعد فهم المعاني وقد قال صلى الله عليه وسلم إن المؤمن يغبط والمنافق يحسد حديث المؤمن يغبط والمنافق يحسد لم أجد له أصلا مرفوعا وإنما هو من قول الفضيل بن عياض كذلك رواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد فأما الأول فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ذات البين وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها ومحبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة الفساد ولو أمنت فساده لم يغمك بنعمته ويدل على تحريم الحسد الأخبار التي نقلناها وأن هذه الكراهة تسخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض وذلك لا عذر فيه ولا رخصة وأي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك منه مضرة وإلى هذا أشار القرآن بقول إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وهذا الفرح شماته والحسد والشماتة يتلازمان وقال تعالى (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) فأخبر تعالى أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد وقال عز وجل: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) وذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف عليه السلام وعبر عما في قلوبهم بقوله تعالى: (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم) فلما كرهوا حب أبيهم له وساءهم ذلك وأحبوا زواله عنه غيبوه عنه وقال تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا أي لا تضيق صدورهم به ولا يغتمون فأثنى عليهم بعدم الحسد وقال تعالى في معرض الإنكار: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) وقال تعالى: (كان الناس أمة واحدة… إلى قوله… إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) قيل في التفسير حسدا وقال تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته وأمرهم أن يتألفوا بالعلم فتحاسدوا واختلفوا إذ أراد كل واحد منهم أن ينفرد بالرياسة وقبول القول فرد بعضهم على بعض قال ابن عباس كانت اليهود قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا قوما قالوا نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا ما نصرتنا حديث ابن عباس قوله كانت اليهود قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا قوما قالوا نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله الحديث في نزول قوله تعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا أخرجه ابن إسحاق في السيرة فيما بلغه عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره نحوه وهو منقطع فكانوا ينصرون فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل عليه السلام عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به إلى قوله أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أي حسدا وقالت صفية بنت حيي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء أبي وعمي من عندك يوما فقال أبي لعمي ما تقول فيه قال أقول إنه النبي الذي بشر به موسى قال فما ترى قال أرى معاداته أيام الحياة حديث قالت صفية بن حيي للنبي صلى الله عليه وسلم جاء أبي وعمي من عندك يوما فقال أبي لعمي ما تقول فيه قال أقول إنه النبي الذي بشر به موسى الحديث أخرجه ابن إسحاق في السيرة قال حدثني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حديث عن صفية فذكره نحوه وهو منقطع أيضا فهذا حكم الحسد في التحريم وأما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة وقد يستعمل لفظ الحسد بدل المنافسة والمنافسة بدل الحسد قال قثم بن العباس لما أراد هو والفضل أن يأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فيسألاه أن يؤمرهما على الصدقة قالا لعلي حين قال لهما لا تذهبا إليه فإنه لا يؤمركما عليها فقالا له ما هذا منك إلا نفاسة والله لقد زوجك ابنته فما نفسنا ذلك عليك حديث قال قثم بن العباس لما أراد هو والفضل أن يأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فيسألانه أن يأمرهما على الصدقة قالا لعلي الحديث هكذا وقع للمصنف أنه قثم والفضل وإنما هو الفضل والمطلب ابن ربيعة كما رواه مسلم من حديث المطلب بن ربيعة ابن الحارث قال اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين قال لي وللفضل بن عباس ائتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه فذكر الحديث أي هذا منك حسد وما حسدناك على تزويجه إياك فاطمة والمنافسة في اللغة مشتقة من النفاسة والذي يدل على إباحة المنافسة قوله تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وقال تعالى سابقوا إلى مغفرة من ربكم وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين ينسابقان الي خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها فكيف وقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله تعالى علما فهو يعمل به ويعلمه الناس حديث لا حسد إلا في اثنتين الحديث متفق عليه من حديث ابن عمرو وقد تقدم في العلم ثم فسر ذلك في حديث أبي كبشة الأنماري فقال مثل هذه الأمة مثل أربعة رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فيقول رب لو أن لي مالا مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله فهما في الأجر سواء وهذا منه حب لأن يكون له مثل ماله فيعمل ما يعمل من غير حب زوال النعمة عنه قال ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو ينفقه في معاصي الله ورجل لم يؤته علما ولم يؤته مالا فيقول لو أن لي مثل مال فلان لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي فهما في الوزر سواء حديث أبي كبشة مثل هذه الأمة مثل أربعة رجل آتاه الله مالا الحديث رواه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح فذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة تمنية للمعصية لا من جهة حبه أن يكون له من النعمة مثل ماله فإذا لا حرج على من يغبط غيره في نعمة ويشتهي لنفسه مثلها مهما لم يحب زوالها عنه ولم يكره دوامها له نعم إن كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة فهذه المنافسة واجبة وهو أن يحب أن يكون مثله لأنه إذا لم يكن يحب ذلك فيكون راضيا بالمعصية وذلك حرام وإن كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات فالمنافسة فيها مندوب إليها وإن كانت نعمة يتنعم بها على وجه مباح فالمنافسة فيها مباحة وكل ذلك يرجع إلى إرادة مساواته واللحوق به في النعمة وليس فيها كراهة النعمة وكان تحت هذه النعمة أمران أحدهما راحة المنعم عليه والآخر ظهور نقصان غيره وتخلفه عنه وهو يكره أحد الوجهين وهو تخلف نفسه ويحب مساواته له ولا حرج على من يكره تخلف نفسه ونقصانها في المباحات نعم ذلك ينقص من الفضائل ويناقض الزهد والتوكل والرضا ويحجب عن المقامات الرفيعة ولكنه لا يوجب العصيان وههنا دقيقة غامضة وهو أنه إذا أيس من أن ينال مثل تلك النعمة وهو يكره تخلفه ونقصانه فلا محالة يحب زوال النقصان وإنما يزول نقصانه إما بأن ينال مثل ذلك أو بأن تزول نعمة المحسود فإذا انسد أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر حتى إذا زالت النعمة عن المحسود كان ذلك أشفى عنده من دوامها إذ بزوالها يزول تخلفه وتقدم غيره وهذا يكاد لا ينفك القلب عنه فإن كان بحيث لو ألقى الأمر إليه ورد إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة عنه فهو حسود حسدا مذموما وإن كان تدعه التقوى عن إزالة ذلك فيعفي عما يجده في طبعه من الارتياح إلى زوال النعمة عن محسوده مهما كان كارها لذلك من نفسه بعقله ودينه ولعله المعنى بقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن الحسد والظن والطيرة حديث ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن الحسد والظن والطيرة الحديث تقدم غير مرة ثم قال وله منهن مخرج إذا حسدت فلا تبغ أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به وبعيد أن يكون الإنسان مريدا للحاق بأخيه في النعمة فيعجز عنها ثم ينفك عن ميل إلى زوال النعمة إذ يجد لا محالة ترجيحا له على دوامها فهذا الحد من المنافسة يزاحم الحسد الحرام فينبغي أن يحتاط فيه فإنه موضع الخطر وما من إنسان إلا وهو يرى فوق نفسه جماعة من معارفه وأقرانه يحب مساواتهم ويكاد ينجر ذلك إلى الحسد المحظور إن لم يكن قوي الإيمان رزين التقوى ومهما كان محركه خوف التفاوت وظهور نقصانه عن غيره جره ذلك إلى الحسد المذموم وإلى ميل الطبع إلى زوال النعمة عن أخيه حتى ينزل هو إلى مساواته إذ لم يقدر هو أن يرتقي إلى مساواته بإدراك النعمة وذلك لا رخصة فيه أصلا بل هو حرام سواء كان في مقاصد الدين أو مقاصد الدنيا ولكن يعفي عنه في ذلك ما لم يعمل به إن شاء الله تعالى وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له فهذه هي حقيقة الحسد وأحكامه وأما مراتبه فأربع الأولى أن يحب زوال النعمة عنه وإن كان ذلك لا ينتقل إليه وهذا غاية الخبث الثانية أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته في تلك النعمة مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة أو سعة نالها غيره وهو يحب أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها عنه ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها الثالثة أن لا يشتهي عينها لنفسه بل يشتهي مثلها فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما الرابعة أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم تحصل فلا يحب زوالها عنه وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين والثالثة فيها مذموم وغير مذموم والثانية أخف من الثالثة والأولى مذموم محض وتسمية الرتبة حسدا فيه تجوز وتوسع ولكنه مذموم لقوله تعالى ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم بيان أسباب الحسد والمنافسة أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة فإن كان ذلك أمرا دينيا فسببه حب الله تعالى وحب طاعته وإن كان دنيويا فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها وإنما نظرنا الآن في الحسد المذموم ومداخله كثيرة جدا ولكن يحصر جملتها سبعة أبواب العداوة والكبر والتعجب والخوف من فوت المقاصد المحبوبة وحب الرياسة وخبث النفس وبخلها فإنه مما يكره النعمة على غيره إما لأنه عدوه فلا يريد له الخير وهذا لا يختص بالأمثال بل يحسد الخسيس الملك بمعنى أنه يحب زوال نعمته لكونه مبغضا له بسبب إساءته إليه أو إلى من يحبه وإما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه وهو المراد بالتعزز وإما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه لنعمته وهو المراد بالتكبر وإما أن تكون النعمة عظيمة والمنصب عظيم فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة وهو المراد بالتعجب وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه وإما أن يكون يحب الرياسة التي تنبني على الاختصاص بنعمة لا يساوي فيها وإما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى ولابد من شرح هذه الأسباب السبب الأول العداوة والبغضاء وهذا أشد أسباب الحسد فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب وخالفه في غرض بوجه من الوجوه أبغضه قلبه وغضب عليه ورسخ في نفسه الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند الله تعالى فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها وظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه وأنها لأجله ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد مراده وربما يخطر له أنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما وإنما غاية التقي أن لا يبغي وأن يكره ذلك من نفسه فأما أن يبغض إنسانا ثم يستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن وهذا مما وصف الله تعالى الكفار به أعني الحسد بالعداوة إذ قال الله تعالى وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلو عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور إن تمسسكم حسنة تسؤهم الآية وكذلك قال ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر والحسد بسبب البغض ربما يفضي إلى التنازع والتقاتل واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل والسعاية وهتك الستر وما يجري مجراه السبب الثاني التعزز وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه غيره فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية أو علما أو مالا خاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق تكبره ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتفاخره عليه وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته مثلا ولكن لا يرضي بالترفع عليه السبب الثالث الكبر وهو أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستصغره ويستخدمه ويتوقع منه الانقياد له والمتابعة في أغراضه فإذا نال نعمة خاف أن لا يحتمل تكبره ويترفع عن متابعته أو ربما يتشوف إلى مساواته أو إلى أن يرتفع عليه فيعود متكبرا بعد أن كان متكبرا عليه ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء رءوسنا فقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم حديث سبب نزول قوله تعالى لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ذكره ابن إسحاق في السيرة وإن قائل ذلك الوليد بن المغيرة قال أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدهما ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفي سيد ثقيف فنحن عظماء القريتين فأنزل الله فيما بلغني هذه الآية ورواه أبو محمد بن أبي حاتم وابن مردويه في تفسيريهما من حديث ابن عباس إلا أنهما قالا مسعود بن عمرو وفي رواية لابن مردويه حبيب بن عمير الثقفي وهو ضعيف أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه إذا كان عظيما وقال تعالى يصف قول قريش أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كالاستحقار لهم والأنفة منهم السبب الرابع التعجب كما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة إذ قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب من الله تعالى بشر مثلهم فحسدوهم وأحبوا زوال النبوة عنهم جزعا أن يفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة لا عن قصد تكبر وطلب رياسة وتقدم عداوة أو سبب آخر من سائر الأسباب وقالوا متعجبين أبعث الله بشرا رسولا وقالوا لولا أنزل علينا الملائكة وقال تعالى أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم الآية السبب الخامس الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد فإن كان واحد يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده ومن هذا الجنس تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصل به إلى مقاصد الكرامة والمال وكذلك تحاسد التلميذين لأستاذ واحد على نيل المرتبة من قلب الأستاذ وتحاسد ندماء الملك وخواصه في نيل المنزلة من قلبه للتوصل به إلى المال والجاه وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة إذا كان غرضهما نيل المال بالقبول عندهم وكذلك تحاسد العالمين المتزاحمين على طائفة من المتفقهه محصورين إذ يطلب كل واحد منزلة في قلوبهم للتوصل بهم إلى أغراض له السبب السادس حب الرياسة وطلب الجاه لنفسه من غير توصل إلى مقصود وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون إذا غلب عليه حب الثناء واستفزه الفرح بما يمدح به من أنه واحد الدهر وفريد العصر في فنه وإنه لا نظير له فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك وأحب موته أو زوال النعمة عنه التي بها يشاركه المنزلة من شجاعة أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو ثروة أو غير ذلك مما يتفرد هو به ويفرح بسبب تفرده وليس السبب في هذا عداوة ولا تعزز ولا تكبر على المحسود ولا خوف من فوات مقصود سوى محض الرياسة بدعوى الانفراد وهذا وراء ما بين آحاد العلماء من طلب الجاه والمنزلة في قلوب الناس للتوصل إلى مقاصد سوى الرياسة وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم واستتباعهم مهما نسخ علمهم السبب السابع خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى فإنك تجد من لا يشتغل برياسة وتكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته ويقال البخيل من يبخل بمال نفسه والشحيح هو الذي يبخل بمال غيره فهذا يبخل بنعمة الله تعالى على عباده الذين ليس بينه وبينهم عداوة ولا رابطة هذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة في الطبع عليه وقعت الجبلة ومعالجته شديدة لأن الحسد الثابت بسائر الأسباب أسبابه عارضة يتصور زوالها فيطمع في إزالتها وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته إذ يستحيل في العادة إزالته فهذه هي أسباب الحسد وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد بذلك ويقوي قوة لا يقدر معها على الإخفاء والمجاملة بل ينهتك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد سبب واحد منها بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والإخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم الأسباب التي ذكرناها وإنما يقوى بين قوم تجتمع جملة من هذه الأسباب فيهم وتتظاهر إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه قد يمتنع عن قبول التكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو ولغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين أقوام تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض فإذا خالف واحد منهم صاحبه في غرض من الأغراض نفر طبعه عنه وأبغضه وثبت الحقد في قلبه فعند ذلك يريد أن يستحقره ويتكبر عليه ويكافئه على مخالفته لغرضه ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه وتترادف جملة من هذه الأسباب إذ لا رابطة بين شخصين في بلدتين متنائيتين فلا يكون بينهما محاسدة وكذلك في محلتين نعم إذا تجاورا في مسكن أو سوق أو مدرسة أو مسجد تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما فيثور من التناقض التنافر والتباغض ومنه تثور بقية أسباب الحسد ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم والتاجر يحسد التاجر بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد إذ مقصد البزاز الثروة ولا يحصلها إلا بكثرة الزبون وإنما ينازعه فيه بزاز آخر إذ حريف البزاز لا يطلبه الإسكاف بل البزاز ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق فلا جرم يكون حسده للجار أكثر وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها وينفرد بهذه الخصلة ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض وكذلك يحسد العالم العالم ولا يحسد الشجاع ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص فأصل هذه المحاسدات العداوة وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين فلذلك يكثر الحسد بينهما نعم من اشتد حرصه على الجاه وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنه يحسد كل من هو في العالم وإن بعد ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين أما الآخرة فلا ضيق فيها وإنما مثال الآخرة نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته وأنبيائه وملكوت سمواته وأرضه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الاستفادة والإفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله تعالى وهو بحر واسع لا ضيق فيه وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق أيضا فيما عند الله تعالى لأن أجل ما عند الله سبحانه من النعيم لذة لقائه وليس فيها ممانعة ومزاحمة ولا يضيق بعض الناظرين على بعض بل يزيد الأنس بكثرتهم نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر ومعنى الجاه ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله تعالى لم يمنع ذلك أن يمتليء قلب غيره بها وأن يفرح بذلك والفرق بين العلم والمال أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن اليد الأخرى والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل من قلبه والمال أجسام وأعيان ولها نهاية فلو ملك الإنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال يتملكه غيره والعلم لا نهاية له ولا يتصور استيعابه فمن عود نفسه الفكر في جلال الله وعظمته وملكوت أرضه وسمائه صار ذلك ألذ عنده من كل نعيم ولم يكن ممنوعا منه ولا مزاحما فيه فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأن غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته بل زادت لذته بمؤانسته فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة فإن نعيم العارف وجنته معرفته التي هي صفة ذاته يأمن زوالها وهو أبدا يجني ثمارها فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة بل قطوفها دانية فهو وإن غمض العين الظاهرة فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ورياض زاهرة فإن فرض كثرة في العارفين لم يكونوا متحاسدين بل كانوا كما قال فيهم رب العالمين ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا فماذا يظن بهم عند انكشاف الغطاء ومشاهدة المحبوب في العقبى فإذن لا يتصور أن يكون في الجنة محاسدة ولا أن يكون بين أهل الدنيا في الجنة محاسدة لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة ولا تنال إلا بمعرفة الله تعالى التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا فأهل الجنة بالضرورة برءاء من الحسد في الدنيا والآخرة جميعا بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين ولذلك وسم به الشيطان اللعين وذكر من صفاته أنه حسد آدم عليه السلام على ما خص به من الاجتباء ولما دعى إلى السجود استكبر وأبى وتمرد وعصى فقد عرفت أنه لا حسد إلا للتوارد على مقصود يضيق عن الوفاء بالكل ولهذا لا تري الناس يتحاسدون على النظر إلى زينة السماء ويتحاسدون على رؤية البساتين التي هي جزء يسير من جملة الأرض وكل الأرض لا وزن لها بالإضافة إلى السماء ولكن السماء لسعة الأقطار وافية بجميع الأبصار فلم يكن فيها تزاحم ولا تحاسد أصلا فعليك إن كنت بصيرا وعلى نفسك مشفقا أن تطلب نعمة لا زحمة فيها ولذة لا كدر لها ولا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله عز وجل ومعرفة صفاته وأفعاله وعجائب ملكوت السموات والأرض ولا ينال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة أيضا فإن كنت لا تشتاق إلى معرفة الله تعالى ولم تجد لذتها وفتر عنها رأيك وضعفت فيها رغبتك فأنت في ذلك معذور إذ العنين لا يشتاق إلى لذة الوقاع والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك فإن هذه لذات يختص بإدراكها الرجال دون الصبيان والمخنثين فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ولا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم لأن الشوق بعد الذوق ومن لم يذق لم يعرف ومن لم يعرف لم يشتق ومن لم يشتق لم يطلب ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل السافلين ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين بيان الدواء الذي ينفي مرض الحسد عن القلب اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته فاستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان وناهيك بهما جناية على الدين وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل والنهار وأما كونه ضررا عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا أو تتعذب به ولا تزال في كمد وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى مغموما محروما متشعب القلب ضيق الصدر قد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك وتشتهيه لأعدائك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة إن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع يناله بل مع ضرر يحتمله وألم يقاسيه فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل غير معلوم قدره الله سبحانه فلا حيلة في دفعه بل كل شيء عنده بمقدار ولكل إجل كتاب ولذلك شكا نبي من الأنبياء من امرأة ظالمة مستولية على الخلق فأوحى الله إليه فر من قدامها حتى تنقضي أيامها أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء بدوام إقبالها فيها ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا يكون عليه إثم في الآخرة ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولا لنفسك فإنك أيضا لا تخلو عن عدو يحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد لم يبق لله تعالى عليك نعمة ولا على أحد من الخلق ولا نعمة الإيمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان قال الله تعالى ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم إذ ما يريد الحسود لا يكون نعم هو يضل بإرادته الضلال لغيره فإن أراد الكفر كفر فمن اشتهى أن تزول النعمة عن المحسود بالحسد فكأنما يريد أن يسلب نعمة الإيمان بحسد الكفار وكذا سائر النعم وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا غاية الجهل والغباوة فإن كل واحد من حمقى الحساد أيضا يشتهي أن يخص بهذه الخاصية ولست بأولى من غيرك فنعمة الله تعالى عليك في إن لم تزل النعمة بالحسد مما يجب عليك شكرها وأنت بجهلك تكرهها وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فكأنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل نعم كان لله عليه نعمة إذ وفقك للحسنات فنقلتها إليه فأضفت إليه نعمة إلى نعمة وأضفت إلى نفسك شقاوة إلى شقاوة وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ولذلك لا يشتهي عدوك موتك بل يشتهي أن تطول حياتك ولكن في عذاب الحسد لتنظر إلى نعمة الله عليه فيتقطع قلبك حسدا ولذلك قيل لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا فيك الذي يكمد لا زلت محسودا على نعمة فإنما الكامل من يحسد ففرح عدوك بغمك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ولو علم خلاصك من ألم الحسد وعذابه لكان ذلك أعظم مصيبة وبلية عنده فما أنت فيما تلازمه من غم الحسد إلا كما يشتهيه عدوك فإذا تأملت هذا عرفت أنك عدو نفسك وصديق عدوك إذ تعاطيت ما تضررت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوك في الدنيا والآخرة وصرت مذموما عند الخالق والخلائق شقيا في الحال والمآل ونعمة المحسود دائمة شئت أم أبيت باقية ثم لم تقتصر على تحصيل مراد عدوك حتى وصلت إلى إدخال أعظم سرور على إبليس الذي هو أعدى أعدائك لأنه لما رآك محروما من نعمة العلم والورع والجاه والمال الذي اختص به عدوك عنك خاف أن تحب ذلك له فتشاركه في الثواب بسبب المحبة لأن من أحب الخير للمسلمين كان شريكا في الخير ومن فاته اللحاق بدرجة الأكابر في الدنيا لم يفته ثواب الحب لهم مهما أحب ذلك فخاف إبليس أن تحب ما أنعم الله به على عبده من صلاح دينه ودنياه فتفوز بثواب الحب فبغضه إليك حتى لا تلحقه بحبك كما لم تلحقه بعملك وقد قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب حديث الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال هو مع من أحب متفق عليه من حديث ابن مسعود وقام أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فقال يا رسول الله متى الساعة فقال ما أعددت لها قال ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم أنت مع من أحببت حديث سؤال الأعرابي متى الساعة فقال ما أعددت لها الحديث متفق عليه من حديث أنس قال أنس فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ إشارة إلى أن أكبر بغيتهم كانت حب الله ورسوله قال أنس فنحن نحب رسول الله وأبا بكر وعمر ولا نعمل مثل عملهم ونرجو أن نكون معهم وقال أبو موسى قلت يا رسول الله الرجل يحب المصلين ولا يصلي ويحب الصوام ولا يصوم حتى عد أشياء فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو مع من أحب حديث أبي موسى قلت يا رسول الله الرجل يحب المصلين ولا يصلي الحديث وفيه هو مع من أحب متفق عليه من حديث بلفظ آخر مختصرا الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم قال المرء مع من أحب وقال رجل لعمر بن عبد العزيز إنه كان يقال إن استطعت أن تكون عالما فكن عالما فإن لم تستطع أن تكون عالما فكن متعلما فإن لم تستطع أن تكون متعلما فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم فقال سبحان الله الذي جعل الله لنا مخرجا فانظر الآن كيف حسدك إبليس ففوت عليك ثواب الحب ثم لم يقنع به حتى بغض إليك أخاك وحملك على الكراهة حتى أثمت وكيف لا وعساك تحاسد رجلا من أهل العلم وتحب أن يخطيء في دين الله تعالى وينكشف خطؤه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك فليتك إذ فاتك اللحاق به ثم اغتممت بسببه سلمت من الإثم وعذاب الآخرة وقد جاء في الحديث أهل الجنة ثلاثة المحسن والمحب له والكاف عنه حديث أهل الجنة ثلاثة المحسن والمحب له والكاف عنه لم أجد له أصلا أي من يكف عن الأذى والحسد والبغض والكراهة فانظر كيف أبعدك إبليس عن جميع المداخل الثلاثة حتى لا تكون من أهل واحد منها ألبتة فقد نفذ فيك حسد إبليس وما نفذ حسدك في عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي سهما إلى عدوه ليصيب مقتله فلا يصيبه بل يرجع إلى حدقته اليمني فيقلعها فيزيد غضبه فيعود ثانية فيرمي أشد من الأولى فيرجع إلى عينه الأخرى فيعميها فيزداد غيظه فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل حال وهو إليه راجع مرة بعد أخرى وأعداؤه حوله يفرحون به ويضحكون عليه وهذا حال الحسود وسخرية الشيطان منه بل حالك في الحسد أقبح من هذا لأن الرمية العائدة لم تفوت إلا العينين ولو بقيتا لفاتتا بالموت لا محالة والحسد يعود بالإثم والإثم لا يفوت بالموت ولعله يسوقه إلى غضب الله وإلى النار فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن تبقى له عين يدخل بها النار فيقلعها لهيب النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فلم يزلها عنه ثم أزالها عن الحاسد إذ السلامة من الإثم نعمة والسلامة من الغم والكمد نعمة قد زالتا عنه تصديقا لقوله تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وربما يبتلي بعين ما يشتهيه لعدوه وقلما يشمت شامت بمساءة إلا ويبتلي بمثلها حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما تمنيت لعثمان شيئا إلا نزل بي حتى لو تمنيت له القتل لقتلت فهذا إثم الحسد نفسه فكيف ما يجر إليه الحسد من الاختلاف وجحود الحق وإطلاق اللسان واليد بالفواحش في التشفي من الأعداء وهو الداء الذي فيه هلك الأمم السالفة فهذه هي الأدوية العلمية فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأت نار الحسد من قلبه وعلم أنه مهلك نفسه ومفرح عدوه ومسخط ربه ومنغص عيشه وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه فإن حمله الحسد على القدح في محسوده كلف لسانه المدح له والثناء عليه وإن حمله على التكبر عليه ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه وإن بعثه على كف الإنعام عليه ألزم نفسه الزيادة في الإنعام عليه فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبه ومهما ظهر حبه عاد الحاسد فأحبه وتولد من ذلك الموافقه التي تقطع مادة الحسد لأن التواضع والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المنعم عليه ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولا طبعا آخرا ولا يصدنه عن ذلك قول الشيطان له لو تواضعت وأثنيت عليه حملك العدو على العجز أو على النفاق أو الخوف وأن ذلك مذلة ومهانة وذلك من خداع الشيطان ومكايده بل المجاملة تكلفا كانت أو طبعا تكسر سورة العداوة من الجانبين وتقل مرغوبها وتعود القلوب التآلف والتحاب وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض فهذه هي أدوية الحسد وهي نافعة جدا إلا أنها مرة على القلوب جدا ولكن النفع في الدواء المر فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء وإنما تهون مرارة هذا الدواء أعني التواضع للأعداء والتقرب إليهم بالمدح والثناء بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله تعالى وحب ما أحبه وعزة النفس وترفعها عن أن يكون في العالم شيء على خلاف مرادها جهل وعند ذلك يريد ما لا يكون إذ لا مطمع في أن يكون ما يريد وفوات المراد ذل وخسة ولا طريق إلى الخلاص من هذا الذل إلا بأحد أمرين إما بأن يكون ما تريد أو بأن تريد ما يكون والأول ليس إليك ولا مدخل للتكلف والمجاهدة فيه وأما الثاني فللمجاهدة فيه مدخل وتحصيله بالرياضة ممكن فيجب تحصيله على كل عاقل هذا هو الدواء الكلي فأما الدواء المفصل فهو تتبع أسباب الحسد من الكبر وغيره وعزة النفس وشدة الحرص علىما لا يغني وسيأتي تفصيل مداواة هذه الأسباب في مواضعها إن شاء الله تعالى فإنها مواد هذا المرض ولا ينقمع المرض إلا بقمع المادة فإن لم تقمع المادة لم يحصل بما ذكرناه إلا تسكين وتطفئة ولا يزال يعود مرة بعد أخرى ويطول الجهد في تسكينه مع بقاء مواده فإنه ما دام محبا للجاه فلا بد وأن يحسد من استأثر بالجاه والمنزلة في قلوب الناس دونه ويغمه ذلك لا محالة وإنما غايته أن يهون الغم على نفسه ولا يظهر بلسانه ويده فأما الخلو عنه رأسا فلا يمكنه والله الموفق بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب اعلم أن المؤذي ممقوت بالطبع ومن آذاك فلا يمكنك أن لا تبغضه غالبا فإذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له حتى يستوي عندك حسن حال عدوك وسوء حاله بل لا تزال تدرك في النفس بينهما تفرقة ولا يزال الشيطان ينازعك إلى الحسد له ولكن إن قوي ذلك فيك حتى بعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت حسود عاص بحسدك وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة فأنت أيضا حسود عاص لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل قال الله تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا وقال عز وجل ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء وقال إن تمسسكم حسنة تسؤهم أما الفعل فهو غيبة وكذب وهو عمل صادر عن الحسد وليس هو عين الحسد بل محل الحسد القلب دون الجوارح نعم هذا الحسد ليس مظلمة يجب الاستحلال منها بل هو معصية بينك وبين الله تعالى وإنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح فأما إذا كففت ظاهرك وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها فتكون تلك الكراهة من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع فقد أديت الواجب عليك ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا فأما تغيير الطبع ليستوي عنده المؤذي والمحسن ويكون فرحه أو غمه بما تيسر لهما من نعمة أو تنصب عليهما من بلية سواء فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة وهي عين الرحمة ويرى الكل عباد الله وأفعالهم أفعالا لله ويراهم مسخرين وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ثم يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان فإنه ينازع بالوسوسة فمهما قابل ذلك بكراهته وألزم قلبه هذه الحالة فقد أدى ما كلفه وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه لما روي عن الحسن أنه سئل عن الحسد فقال غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده وروي عنه موقوفا ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاثة لا يخلو منهن المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من الحسد أن لا يبغي والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرناه من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل في مقابلة حب الطبع لزوال نعمة العدو وتلك الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء فإن جميع ما ورد من الأحبار في ذم الحسد يدل ظاهره على أن كل حاسد آثم ثم الحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال فكل من يحب إساءة مسلم فهو حاسد فإذن كونه آثما بمجرد حسد القلب من غير فعل هو في محل الاجتهاد والأظهر ما ذكرناه من حيث ظواهر الآيات والأخبار ومن حيث المعنى إذ يبعد أن يعفى عن العبد في إرادته إساءة مسلم واشتماله بالقلب على ذلك من غير كراهة وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال أحدها أن تحب مساءتهم بطبعك وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك وتمقت نفسك عليه وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه الثاني أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا الثالث وهو بين الطرفين أن تحسد بالقلب من غير مقت لنفسك على حسدك ومن غير إنكار منك على قلبك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاه وهذا في محل الخلاف والظاهر أنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

كتاب آفات اللسان

كتاب آفات اللسان

وهو الكتاب الرابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أحسن خلق الإنسان وعدله وألهمه نور الإيمان فزينه به وجمله وعلمه البيان فقدمه به وفضله وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله ثم أرسل عليه سترا من رحمته وأسبله ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه القلب وعقله ويكشف عنه ستره الذي أرسله وأطلق الحق مقوله وأفصح بالشكر عما أولاه وخوله من علم حصله ونطق سهله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله الذي أكرمه وبجله ونبيه الذي أرسله بكتاب أنزله وأسمى فضله وبين سبله صلى الله عليه وسلم ومن قبله ما كبر الله عبد وهلله.

أما بعد فإن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة فإنه صغير جرمه عظيم طاعته وجرمه إذا لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان وهما غاية الطاعة والعصيان ثم إنه ما من موجود أو معدوم خالق أو مخلوق متخيل أو معلوم مظنون أو موهوم إلا واللسان يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي فإن كل ما يتناوله العلم يعرب عنه اللسان إما بحق أو باطل ولا شيء إلا والعلم متناول له وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور والآذان لا تصل إلى غير الأصوات واليد لا تصل إلى غير الأجسام وكذا سائر الأعضاء واللسان رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجالة منتهى وحد له في الخير مجال رحب وله في الشر ذيل سحب فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله وعلم ما يحمد فيه إطلاق اللسان أو يذم غامض عزيز والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقل عسير وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان فإنه لا تعب في إطلاقه ولا مؤنة في تحريكه وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله والحذر من مصائده وحبائله وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان ونحن بتوفيق الله وحسن تدبيره نفصل مجامع آفات اللسان ونذكرها واحدة واحدة بحدودها وأسبابها وغوائلها ونعرف طريق الاحتراز عنها ونورد ما ورد من الأخبار والآثار في ذمها فنذكر أولا فضل الصمت ونردفه بذكر آفة الكلام فيما لا يعنى ثم آفة فضول الكلام ثم آفة الخوض في الباطل ثم آفة المراء والجدال ثم آفة الخصومة ثم آفة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه وغير ذلك مما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة ثم آفة الفحش والسب وبذاءة اللسان ثم آفة اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان ثم آفة الغناء بالشعر وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده ثم آفة المزاح ثم آفة السخرية والاستهزاء ثم آفة إفشاء السر ثم آفة الوعد الكاذب ثم آفة الكذب في القول واليمين ثم بيان التعاريض في الكذب ثم آفة الغيبة ثم آفة النميمة ثم آفة ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين فيكلم كل واحد بكلام يوافقه ثم آفة المدح ثم آفة الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأصول الدين ثم آفة سؤال العوام عن صفات الله عز وجل وعن الحروف أهي قديمة أو محدثة وهي آخر الآفات وما يتعلق بذلك وجملتها عشرون آفة ونسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه.

بيان عظيم خطر اللسان وفضيلة الصمت

اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت فلذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه فقال صلى الله عليه وسلم من صمت نجا حديث من صمت نجا أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بسند فيه ضعف وقال غريب وهو عند الطبراني بسند جيد وقال صلى الله عليه وسلم الصمت حكم وقليل فاعله حديث الصمت حكمة وقليل فاعله أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بسند ضعيف والبيهقي في الشعب من حديث أنس بلفظ حكم بدل حكمة وقال غلط فيه عثمان بن سعد والصحيح رواية ثابت قال والصحيح عن أنس أن لقمان قال ورواه كذلك هو وابن حبان في كتاب روضة العقلاء بسند صحيح إلى أنس أي حكمة وحزم وروي عبد الله بن سفيان عن أبيه قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت فما أتقي فأومأ بيده إلى لسانه حديث سفيان الثقفي أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك الحديث أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وهو عند مسلم دون آخر الحديث الذي فيه ذكر اللسان وقال عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك حديث عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال أملك عليك لسانك الحديث أخرجه الترمذي وقال حسن وقال سهل بن سعد الساعدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة حديث سهل بن سعد من يتوكل لي بما بين لحييه ورجليه أتوكل له بالجنة رواه البخاري وقال صلى الله عليه وسلم من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي الشر كله حديث من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي من حديث أنس بسند ضعيف بلفظ فقد وجبت له الجنة القبقب هو البطن والذبذب الفرج واللقلق اللسان فهذه الشهوات الثلاث بها يهلك أكثر الخلق ولذلك اشتغلنا بذكر آفات اللسان لما فرغنا من ذكر آفة الشهوتين البطن والفرج وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناسالجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل النار فقال الأجوفان الفم والفرج حديث سئل عن أكثر ما يدخل الجنة الحديث أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه من حديث أبي هريرة فيحتمل أن يكون المراد بالفم آفات اللسان لأنه محله ويحتمل أن يكون المراد به البطن لأنه منفذه فقد قال معاذ بن جبل قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال ثكلتك أمك يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم حديث معاذ قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وقال عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به فقال قل ربي الله ثم استقم قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي فأخذ لسانه وقال هذا حديث عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به الحديث رواه النسائي قال ابن عساكر وهو خطأ والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي كما رواه الترمذي وصححه ابن ماجه وقد تقدم قبل هذا بخمسة أحاديث وروي أن معاذا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لسانه ثم وضع عليه أصبعه حديث إن معاذا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل فأخرج لسانه ثم وضع يده عليه أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت قال أصبعه مكان يده وقال أنس بن مالك قال صلى الله عليه وسلم لا يستقيم إيمان العبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه حديث أنس لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق بسند فيه ضعف وقال صلى الله عليه وسلم من سره أن يسلم فليلزم الصمت حديث من سره أن يسلم فليلزم الصمت أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو الشيخ في فضائل الأعمال والبيهقي في الشعب من حديث أنس بإسناد ضعيف وعن سعيد بن جبير مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان أي تقول اتق الله فينا فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا حديث إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه ووقع في الإحياء عن سعيد بن جبير مرفوعا وإنما هو عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد رفعه ورواه الترمذي موقوفا على عمار بن زيد وقال هذا أصح وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو يمد لسانه بيده فقال له ما تصنع يا خليفة رسول الله قال هذا أوردني الموارد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله اللسان على حدته حديث إن عمر اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا خليفة رسول الله قال إن هذا أوردني الموارد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله عز وجل اللسان على حدته أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده والدارقطني في العلل والبيهقي في الشعب من رواية أسلم مولى عمر وقال الدارقطني إن المرفوع وهم على الدراوردي قال وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ولا علة له وعن ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل له يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه حديث ابن مسعود أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم وفيه مرفوعا إن أكثر خطايا بني آدم في لسانه أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب بسند حسن وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره حديث ابن عمر من كف لسانه ستر الله عورته الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت بسند حسن وروي أن معاذ بن جبل قال يا رسول الله أوصني قال اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله وأشار بيده إلى لسانه حديث إن معاذ قال أوصني قال اعبد الله كأنك تراه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني ورجاله ثقات وفيه انقطاع وعن صفوان بن سليم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق حديث صفوان بن سليم مرفوعا ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا ورجاله ثقات ورواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين من حديث أبي ذر وأبي الدرداء أيضا مرفوعا وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت حديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت متفق عليه وقال الحسن ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم حديث الحسن ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند فيه ضعف فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وقيل لعيسى عليه السلام دلنا على عمل ندخل به الجنة قال لا تنطقوا أبدا قالوا لا نستطيع ذلك فقال فلا تنطقوا إلا بخير وقال سليمان بن داود عليهما السلام إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وعن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يدخلني الجنة قال أطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير حديث البراء جاء أعرابي فقال دلني على عمل يدخلني الجنة قال أطعم الجائع الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد وقال صلى الله عليه وسلم اخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان حديث اخزن لسانك إلا من خير الحديث أخرجه الطبراني في الصغير من حديث أبي سعيد وله في المعجم الكبير ولابن حبان في صحيحه نحوه من حديث أبي ذر وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله امرؤ علم ما يقول وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة حديث إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة أخرجه ابن ماجه من حديث أبي خلاد بلفظ إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة وقد تقدم وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ثلاثة غانم وسالم وشاحب فالغانم الذي يذكر الله تعالى والسالم الساكت والشاحب الذي يخوض في الباطل حديث ابن مسعود الناس ثلاثة غانم وسالم وشاحب الحديث أخرجه الطبراني وأبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ المجالس وضعفه ابن عدي ولم أجده ثلاثة من حديث ابن مسعود وقال صلى الله عليه وسلم إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه حديث إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه الحديث لم أجده مرفوعا وإنما رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من رواية الحسن البصري قال كانوا يقولون وقال عيسى عليه السلام العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت وجزء في الفرار من الناس وقال نبينا صلى الله عليه وسلم من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به حديث من كثر كلامه كثر سقطه الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث ابن عمر بسند ضعيف وقد رواه أبو حاتم بن حبان في روضة العقلاء والبيهقي في الشعب موقوفا على عمر بن الخطاب الآثار كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وقال عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان وقال طاوس لساني سبع إن أرسلته أكلني وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه وقال الحسن ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه وقال الأوزاعي كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رحمه الله أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وقال بعضهم الصمت يجمع للرجل فضيلتين السلامة في دينه والفهم عن صاحبه وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم وقال يونس بن عبيد ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله وقال الحسن تكلم قوم عند معاوية رحمه الله والأحنف بن قيس ساكت فقال له مالك يا أبا بحر لا تتكلم فقال له أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت وقال أبو بكر بن عياش اجتمع أربعة ملوك ملك الهند وملك الصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل وقال الآخر إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني وقال الثالث عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه وقال الرابع أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقيل أقام المنصور بن المعتز لم يتكلم بكلمة بعد العشاء الآخرة أربعين سنة وقيل ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما فكل ما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء فإن قلت فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات فهذه آفات كثيرة وهي سيانة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب فإن ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفصيله ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة فلذلك عظمت فضيلته هذا مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة فقد قال الله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر وهو أن الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفي دركه فيكون الإنسان به مخاطرا ومن عرف دقائق آفات اللسان على ما سنذكره علم قطعا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب حيث قال من صمت نجا حديث من صمت نجا تقدم فلقد أوتي والله جواهر الحكم قطعا وجوامع الكلم حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقد تقدم ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى ونحن الآن نعد آفات اللسان ونبتديء بأخفها ونترقى إلى الأغلظ قليلا ونؤخر الكلام في الغيبة والنميمة والكذب فإن النظر فيها أطول وهي عشرون آفة فاعلم ذلك ترشد بعون الله تعالى الآفة الأولى الكلام فيما لا يعنيك اعلم أن أحسن أحوالك أن تحفظ ألفاظك من جميع الآفات التي ذكرناها من الغيبة والنميمة والكذب والمراء والجدال وغيرها وتتكلم فيما هو مباح لا ضرر عليك فيه ولا على مسلم أصلا إلا أنك تتكلم بما أنت مستغن عنه ولا حاجة بك إليه فإنك مضيع به زمانك ومحاسب على عمل لسانك وتستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلامإلى الفكر ربما كان ينفتح لك من نفحات رحمة الله عند الفكر ما يعظم جدواه ولو هللت الله سبحانه وذكرته وسبحته لكان خيرا لك فكم من كلمة يبنى بها قصرا في الجنة ومن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز فأخذ مكانه مدرة لا ينتفع بها كان خاسرا خسرانا مبينا وهذا مثال من ترك ذكر الله تعالى واشتغل بمباح لا يعنيه فإنه وإن لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر الله تعالى فإن المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظره إلا عبرة ونطقه إلا ذكرا حديث المؤمن لا يكون صمته إلا فكرا ونظرة إلا عبرة ونطقه إلا ذكرا لم أجد له أصلا وروي محمد بن زكريا العلائي أحد الضعفاء عن ابن عائشة عن أبيه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم بل رأس مال العبد أوقاته ومهما صرفها إلى مالا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة فقد ضيع رأس ماله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه حديث من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أخرجه الترمذي وقال غريب وابن ماجه من حديث أبي هريرة بل ورد ما هو أشد من هذا قال أنس استشهد غلام منا يوم أحد فوجدنا على بطنه حجرا مربوطا من الجوع فمسحت أمه عن وجهه التراب وقالت هنيئا لك الجنة يا بني فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره حديث استشهد منا غلام يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع الحديث وفيه لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره أخرجه الترمذي من حديث أنس مختصرا وقال غريب ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت بلفظ المصنف بسند ضعيف وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كعبا فسأل عنه فقالوا مريض فخرج يمشي حتى أتاه فلما دخل عليه قال أبشر يا كعب فقالت أمه هنيئا لك الجنة يا كعب فقال صلى الله عليه وسلم من هذه المتألية على الله قال هي أمي يا رسول الله قال وما يدريك يا أم كعب لعل كعبا قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم فقد كعبا فسأل عنه فقالوا مريض الحديث وفيه لعل كعبا قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث كعب بن عجرمة بإسناد جيد إلا أن الظاهر انقطاعه بين الصحابي وبين الراوي عنه ومعناه أنه إنما تتهيأ الجنة لمن لا يحاسب ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان كلامه غير مباح فلا تتهيأ الجنة مع المناقشة في الحساب فإنه نوع من العذاب وعن محمد بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن سلام فقام إليه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك وقالوا أخبرنا بأوثق عمل في نفسك ترجو به فقال إني لضعيف وإن أوثق ما أرجو به الله سلامة الصدر وترك ما لا يعنيني حديث محمد بن كعب إن أول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة فدخل عبد الله بن سلام الحديث وفيه إن أوثق ما أرجوه سلامة الصدر وترك ما لا يعنيني أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا وفيه أبو نجيح اختلف فيه وقال أبو ذر قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في الميزان قلت بلى يا رسول الله قال هو الصمت وحسن الخلق وترك ما لا يعنيك حديث أبي ذر ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن الحديث وفيه هو الصمت وحسن الخلق وترك ما لا يعنيك أخرجه ابن أبي الدنيا بسند منقطع وقال مجاهد سمعت ابن عباس يقول خمس لهن أحب إلي من الدهم الموقوفة لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت ولا تمار حليما ولا سفيها فإن الحليم يقليك والسفيه يؤذيك واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به وأعفه مما تحب أن يعفيك منه وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالاحترام وقيل للقمان الحكيم ما حكمتك قال لا أسأل عما كفيت ولا أتكلف ما لا يعنيني وقال مورق العجلي أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه ولست بتارك طلبه قالوا وما هو قال السكوت عما لا يعنيني وقال عمر رضي الله عنه لا تتعرض لما لا يعنيك واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلا الأمين ولا أمين إلا من خشي الله تعالى ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى وحد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكلام ولو سكت عنه لم تأثم ولم تستضر به في حال ولا مال مثاله أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار وما وقع لك من الوقائع وما استحسنته من الأطعمة والثياب وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر وإذا بالغت في الجهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك وأنى تسلم من الآفات التي ذكرناها ومن جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك فأنت بالسؤال مضيع وقتك وقد ألجأت صاحبك أيضا بالجواب إلى التضييع هذا إذا كان الشيء مما يتطرق إلى السؤال عنه آفة وأكثر الأسئلة فيها آفات فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلا فتقول له هل أنت صائم فإن قال نعم كان مظهرا لعبادته فيدخل عليه الرياء وإن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان السر وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات وإن قال لا كان كاذبا وإن سكت كان مستحقرا لك وتأذيت به وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه فقد عرضته بالسؤال إما للرياء أو للكذب أو للاستحقار أو للتعب في حيلة الدفع وكذلك سؤالك عن سائر عباداته وكذلك سؤالك عن المعاصي وعن كل ما يخفيه ويستحي منه وسؤالك عما حدث به غيرك فتقول له ماذا تقول وفيم أنت وكذلك ترى إنسانا في الطريق فتقول من أين فربما يمنعه مانع من ذكره فإن ذكره تأذى به واستحيا وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب فيه وكذلك تسأل عن مسألة لا حاجة بك إليها والمسئول ربما لم تسمح نفسه بأن يقول لا أدري فيجيب عن غير بصيرة ولست أعني بالتكلم فيما لا يعني هذه الأجناس فإن هذا يتطرق إليه إثم أو ضرر وإنما مثال ما لا يعني ما روي أن لقمان الحكيم دخل على داود عليه السلام وهو يسرد درعا ولم يكن رآها قبل ذلك اليوم فجعل يتعجب مما رأى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ قام داود ولبسه ثم قال نعم الدرع للحرب فقال لقمان الصمت حكم وقليل فاعله أي حصل العلم به من غير سؤال فاستغني عن السؤال وقيل إنه كان يتردد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك من غير سؤال فهذا وأمثاله من الأسئلة إذا لم يكن فيه ضرر وهتك ستر وتوريط في رياء وكذب هو مما لا يعني وتركه من حسن الإسلام فهذا حده وأما سببه الباعث عليه فالحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة فيها وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه وأنه مسؤول عن كل كلمة وأن أنفاسه رأس ماله وأن لسانه شبكة يقدر أن يقتنص بها الحور العين فإهماله ذلك وتضييعه خسران مبين هذا علاجه من حيث العلم وأما من حيث العمل فالعزلة أو أن يضع حصاة في فيه وأن يلزم نفسه السكوت بها عن بعض ما يعنيه حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه وضبط اللسان في هذا على غير المعتزل شديد جدا الآفة الثانية فضول الكلام وهو أيضا مذموم وهذا يتناول الخوض فيما لا يعني والزيادة فيما يعني على قدر الحاجة فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر ويمكنه أن يجسمه ويقرره ويكرره ومهما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين فالثانية فضول أي فضل عن الحاجة وهو أيضا مذموم لما سبق وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر قال عطاء بن أبي رباح إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو أن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها أتنكرون أن عليكم حافظين كراما كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد أما يستحي أحدكم إذا نشرت صحيفته التي أملاها صدر نهاره كان أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه وعن بعض الصحابة قال إن الرجل ليكلمني بالكلام لجوابه أشهى إلي من الماء البارد إلى الظمآن فأترك جوابه خيفة أن يكون فضولا وقال مطرف ليعظم جلال الله في قلوبكم فلا تذكروه عند مثل قول أحدكم للكلب والحمار اللهم اخزه وما أشبه ذلك واعلم أن فضول الكلام لا ينحصر بل المهم محصور في كتاب الله تعالى قال الله عز وجل لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وقال صلى الله عليه وسلم طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله حديث طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفضل من ماله أخرجه البغوي وابن قانع في معجمي الصحابة والبيهقي من حديث ركب المصري وقال ابن عبد البر إنه حديث حسن وقال البغوي لا أدري سمع من النبي صلى الله عليه وسلم أم لا وقال ابن مندة مجهول لا نعرف له صحبة ورواه البزار من حديث أنس بسند ضعيف فانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل اللسان وعن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا وأنت أفضلنا علينا فضلا وأنت أطولنا علينا طولا وأنت الجفنة الغراء وأنت وأنت فقال قولوا قولكم ولا يستهوينكم الشيطان حديث مطرف بن عبد الله عن أبيه قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من عامر فقالوا أنت والدنا وأنت سيدنا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة بلفظ آخر ورواه ابن أبي الدنيا بلفظ المصنف إشارة إلى أن اللسان إذا أطنب بالثناء ولو بالصدق فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى عنها وقال ابن مسعود أنذركم فضول كلامكم حسب امرئ من الكلام ما بلغ به حاجته وقال مجاهد إن الكلام ليكتب حتى إن الرجل ليسكت ابنه فيقول أبتاع لك كذا وكذا فيكتب كذابا وقال الحسن يا ابن آدم بسطت لك صحيفة ووكل بها ملكان كريمان يكتبان أعمالك فاعمل ما شئت وأكثر أو اقل وروي أن سليمان عليه السلام بعث بعض عفاريته وبعث نفرا ينظرون ما يقول ويخبرونه فأخبروه بأنه مر في السوق فرفع رأسه إلى السماء ثم نظر إلى الناس وهز رأسه فسأله سليمان عن ذلك فقال عجبت من الملائكة على رءوس الناس ما أسرع ما يكتبون ومن الذين أسفل منهم ما أسرع ما يملون وقال إبراهيم التيمي إذا أراد المؤمن أن يتكلم نظر فإن كان له تكلم وإلا أمسك والفاجر إنما لسانه رسلا رسلا وقال الحسن من كثر كلامه كثر كذبه ومن كثر ماله كثرت ذنوبه ومن ساء خلقه عذب نفسه وقال عمرو بن دينار تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر فقال له صلى الله عليه وسلم كم دون لسانك من حجاب فقال شفتاي وأسناني قال أفما كان لك ما يرد كلامك حديث عمرو بن دينار تكلم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر فقال كم دون لسانك من حجاب الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا ورجاله ثقات وفي رواية أنه قال ذلك في رجل أثنى عليه فاستهتر في الكلام ثم قال ما أوتي رجل شرا من فضل في لسانه وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه إنه ليمنعني من كثير من الكلام خوف المباهاة وقال بعض الحكماء إذا كان الرجل في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت وإن كان ساكتا فأعجبه السكوت فليتكلم وقال يزيد بن أبي حبيب من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع فإن وجد من يكفيه فإن في الاستمتاع سلامة وفي الكلام تزيين وزيادة ونقصان وقال ابن عمر إن أحق ما طهر الرجل لسانه ورأى أبو الدرداء امرأة سليطة فقال لو كانت هذه خرساء كان خيرا لها وقال إبراهيم يهلك الناس خلتان فضول المال وفضول الكلام فهذه مذمة فضول الكلام وكثرته وسببه الباعث عليه وعلاجه ما سبق في الكلام فيما لا يعني الآفة الثالثة الخوض في الباطل وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه وهو حرام وأما الكلام فيما لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى ولا تحريم فيه نعم من يكثر الكلام فيما لا يعني لا يؤمن عليه الخوض في الباطل وأكثر الناس يتجالسون للتفرج بالحديث ولا يعدو كلامهم التفكه بأعراض الناس أو الخوض في الباطل وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها فلذلك لا مخلص منها إلا بالاقتصار علي ما يعني من مهمات الدين والدنيا وفي هذا الجنس تقع كلمات يهلك بها صاحبها وهو يستحقرها فقد قال بلال بن الحارث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة حديث بلال بن الحارث إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله الحديث أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح وكان علقمة يقول كم من كلام منعنيه حديث بلال بن الحارث وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثرايا حديث إن الرجل ليتكلم الكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها أبعد من الثريا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة بسند حسن وللشيخين والترمذي إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسا يهوى بها سبعين خريفا في النار لفظ الترمذي وقال حسن غريب وقال أبو هريرة إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقى لها بالا يرفعه الله بها في أعلى الجنة وقال صلى الله عليه وسلم أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل حديث أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث قتادة مرسلا ورجاله ثقات ورواه هو والطبراني موقوفا على ابن مسعود بسند صحيح وإليه الإشارة بقوله تعالى وكنا نخوض مع الخائضين وبقوله تعالى فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم وقال سلمان أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية الله وقال ابن سيرين كان رجل من الأنصار يمر بمجلس لهم فيقول لهم توضئوا فإن بعض ما تقولون شر من الحدث فهذا هو الخوض في الباطل وهو وراء ما سيأتي من الغيبة والنميمة والفحش وغيرها بل هو الخوض في ذكر محظورات سبق وجودها أو تدبر للتوصل إليها من غير حاجة دينية إلى ذكرها ويدخل فيه أيضا الخوض في حكاية البدع والمذاهب الفاسدة وحكاية ما جرى من قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم وكل ذلك باطل والخوض فيه خوض في الباطل نسأل الله حسن العون بلطفه وكرمه الآفة الرابعة المراء والجدال وذلك منهى عنه قال صلى الله عليه وسلم لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه حديث لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه أخرجه الترمذي من حديث ابن عباس وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم ذروا المراء فإنه لا تفهم حكمته ولا تؤمن فتنته حديث ذروا المراء فإنه لا تفهم حكمته ولا تؤمن فتنته أخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس بن مالك وواثلة بن الأسقع بإسناد ضعيف دون قوله لا تفهم حكمته ورواه بهذه الزيادة ابن أبي الدنيا موقوفا على ابن مسعود وقال صلى الله عليه وسلم من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة حديث من ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة الحديث تقدم في العلم وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال حديث أم سلمة إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني والبيهقي بسند ضعيف وقد رواه ابن أبي الدنيا في المراسيل من حديث عروة بن رويم وقال أيضا ما ضل قوم بعد أن هداهم الله تعالى إلا أوتوا الجدل حديث ما ضل قوم إلا أوتوا الجدل أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة وصححه وزاد بعد هدى كانوا عليه وتقدم في العلم وهو عند ابن أبي الدنيا دون هذه الزيادة كما ذكره المصنف وقال أيضا لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وإن كان محقا حديث لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يذر المراء وإن كان محقا أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وهو عند أحمد بلفظ لا يؤمن العبد حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقا وقال أيضا ست من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان الصيام في الصيف وضرب أعداء الله بالسيف وتعجيل الصلاة في اليوم الدجن والصبر على المصيبات وإسباغ الوضوء على المكاره وترك المراء وهو صادق حديث ست من كن فيه بلغ حقيقة الإيمان الحديث وفيه وترك المراء وهو صادق أخرجه أبو منصور الديلمي من حديث أبي مالك الأشعري بسند ضعيف بلفظ خصال من الخير الحديث وقال الزبير لابنه لا تجادل الناس بالقرآن فإنك لا تستطيعهم ولكن عليك بالسنة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل وقال مسلم بن يسار إياكم والمراء فإنه ساعة جهل العالم وعندها يبتغي الشيطان زلته وقيل ما ضل قوم بعد إذ هداهم الله إلا بالجدل وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه ليس هذا الجدال من الدين في شيء وقال أيضا المراء يقسي القلوب ويورث الضغائن وقال لقمان لابنه يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك وقال بلال بن سعد إذا رأيت الرجل لجوجا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته وقال سفيان لو خالفت أخي في رمانة فقال حلوة وقلت حامضة لسعى بي إلى السلطان وقال أيضا صاف من شئت ثم أغضبه بالمراء فليرمينك بداهية تمنعك العيش وقال ابن أبي ليلى لا أماري صاحبي فإما أن أكذبه وإما أن أغضبه وقال أبو الدرداء كفى بك إثما أن لا تزال مماريا وقال صلى الله عليه وسلم تكفير كل لحاء ركعتان حديث تكفير كل لحاء ركعتان أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف وقال عمر رضي الله عنه لا تتعلم العلم لثلاث ولا تتركه لثلاث لا تتعلمه لتماري به ولا لتباهي به ولا لترائي به ولا تتركه حياء من طلبه ولا زهادة فيه ولا رضا بالجهل منه وقال عيسى عليه السلام من كثر كذبه ذهب جماله ومن لاحى الرجال سقطت مروءته ومن كثر همه سقم جسمه ومن ساء خلقه عذب نفسه وقيل لميمون بن مهران مالك لا تترك أخاك عن قلى قال لأني لا أشاريه ولا أماريه وما ورد في ذم المراء والجدال أكثر من أن يحصى وحد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما في اللفظ وإما في المعنى وإما في قصد المتكلم وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض فكل كلام سمعته فإن كان حقا فصدق به وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين فاسكت عنه والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة أو من جهة العربية أو من جهة النظم والترتيب بسوء تقديم أو تأخير وذلك يكون تارة من قصور المعرفة وتارة يكون بطغيان اللسان وكيفما كان فلا وجه لإظهار خلله وأما في المعنى فبأن يقول ليس كما تقول وقد أخطأت فيه من وجه كذا وكذا وأما في قصده فمثل أن يقول هذا الكلام حق ولكن ليس قصدك منه الحق وإنما أنت فيه صاحب غرض وما يجري مجراه وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية ربما خص باسم الجدل وهو أيضا مذموم بل الواجب السكوت أو السؤال في معرض الاستفادة لا على وجه العناد والنكارة أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحق من جهة أخرى مكروها عند المجادل يجب أن يكون هو المظهر له خطأ ليبين به فضل نفسه ونقص صاحبه ولا نجاة من هذا إلا بالسكوت عن كل ما لا يأثم به لو سكت عنه وأما الباعث على هذا فهو الترفع بإظهار العلم والفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان للنفس قويتان لها وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية وأما تنقيض الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال فالمواظب على المراء والجدال مقو لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح في قائله بكل ما يتصور له فيثور الشجار بين المتماريين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه وأما علاجه فهو بأن يكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله والسبعية الباعث له على تنقيص غيره كما سيأتي ذلك في كتاب ذم الكبر والعجب وكتاب ذم الغضب فإن علاج كل علة بإماطة سببها وسبب المراء والجدال ما ذكرناه ثم المواظبة عليه تجعله عادة وطبعا حتى يتمكن من النفس ويعسر الصبر عنه روي أن أبا حنيفة رحمة الله عليه قال لداود الطائي لم آثرت الأنزواء قال لأجاهد نفسي بترك الجدال فقال احضر المجالس واستمع ما يقال ولا تتكلم قال ففعلت ذلك فما رأيت مجاهدة أشد علي منها وهو كما قال لأن من سمع الخطأ من غيره وهو قادر على كشفه يعسر عليه الصبر عند ذلك جدا ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة لشدة ذلك على النفس وأكثر ما يغلب ذلك في المذاهب والعقائد فإن المراء طبع فإذا ظن أن له عليه ثوابا اشتد عليه حرصه وتعاون الطبع والشرع عليه وذلك خطأ محض بل ينبغي للإنسان أن يكف لسانه عن أهل القبلة وإذا رأى مبتدعا تلطف في نصحه في خلوة لا بطريق الجدال فإن الجدال يخيل إليه أنها حيلة منه في التلبيس وأن ذلك صنعة يقدر المجادلون من أهل مذهبه على أمثالها لو أرادوا فتستمر البدعة في قلبه بالجدل وتتأكد فإذا عرف أن النصح لا ينفع اشتغل بنفسه وتركه وقال صلى الله عليه وسلم رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه حديث رحم الله من كف لسانه عن أهل القبلة إلا بأحسن ما يقدر عليه أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد ضعيف من حديث هشام بن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من رواية هشام عن عائشة بلفظ رحم الله امرأ كف لسانه عن أعراض المسلمين وهو منقطع وضعيف جدا وقال هشام بن عروة كان عليه السلام يردد قوله هذا سبع مرات وكل من اعتاد المجادلة مدة وأثنى الناس عليه ووجد لنفسه بسببه عزا وقبولا قويت فيه هذه المهلكات ولا يستطيع عنها نزوعا إذا اجتمع عليه سلطان الغضب والكبر والرياء وحب الجاه والتعزز بالفضل وآحاد هذه الصفات يشق مجاهدتها فكيف بمجموعها الآفة الخامسة الخصومة وهي أيضا مذمومة وهي وراء الجدال والمراء فالمراء طعن في كلام الغير بإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير وإظهار مزية الكياسة والجدال عبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها والخصومة لجاج في الكلام ليستوفي به مال أو حق مقصود وذلك تارة يكون ابتداء وتارة يكون اعتراضا والمراء لا يكون إلا باعتراض على كلام سبق فقد قالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم حديث عائشة إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم أخرجه البخاري وقد تقدم وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع حديث أبي هريرة من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع أخرجه ابن أبي الدنيا والأصفهاني في الترغيب والترهيب وفيه رجاء أبو يحيى ضعفه الجمهور وقال بعضهم إياك والخصومة فإنها تمحق الدين ويقال ما خاصم ورع قط في الدين وقال ابن قتيبة مر بي بشر بن عبد الله بن أبي بكرة فقال ما يجلسك ههنا قلت خصومة بيني وبين ابن عم لي فقال إن لأبيك عندي يدا وإني أريد أن أجزيك بها وإني والله ما رأيت شيئا أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من الخصومة قال فقمت لأنصرف فقال لي خصمي مالك قلت لا أخاصمك قال إنك عرفت أن الحق لي قلت لا ولكن أكرم نفسي عن هذا قال فإني لا أطلب منك شيئا هو لك فإن قلت فإذا كان للإنسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه مهما ظلمه ظالم فكيف يكون حكمه وكيف تذم خصومته فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم مثل وكيل القاضي فإنه قبل أن يتعرف أن الحق في أي جانب هو يتوكل في الخصومة من أي جانب كان فيخاصم بغير علم ويتناول الذي يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد في الخصومة على قصد التسلط أو على قصد الإيذاء ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية ليس يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره مع أنه قد يستحقر ذلك القدر من المال وفي الناس من يصرح به ويقول إنما قصدي عناده وكسر عرضه وإني إن أخذت منه هذا المال ربما رميت به في بئر ولا أبالي وهذا مقصوده اللدد والخصومة واللجاج وهو مذموم جدا فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام ولكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا فإن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدر وتهيج الغضب وإذا هاج الغضب نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات وأقل ما فيه تشويش خاطره حتى إنه في صلاته يشتغل بمحاجة خصمه فلا يبقى الأمر على حد الواجب فالخصومة مبدأ كل شر وكذا المراء والجدال فينبغي أن لا يفتح بابه إلا لضرورة وعند الضرورة ينبغي أن يحفظ اللسان والقلب عن تبعات الخصومة وذلك متعذر جدا فمن اقتصر على الواجب في خصومته سلم من الإثم ولا تذم خصومته إلا أنه إن كان مستغنيا عن الخصومة فيما خاصم فيه لأن عنده ما يكفيه فيكون تاركا للأولى ولا يكون آثما نعم أقل ما يفوته في الخصومة والمراء والجدال طيب الكلام وما ورد فيه من الثواب إذ أقل درجات طيب الكلام إظهار الموافقة ولا خشونة في الكلام أعظم من الطعن والاعتراض الذي حاصله إما تجهيل وإما تكذيب فإن من جادل غيره أو ماراه أو خاصمه فقد جهله أو كذبه فيفوت به طيب الكلام وقد قال صلى الله عليه وسلم يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام حديث يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام أخرجه الطبراني من حديث جابر وفيه من لا أعرفه وله من حديث هانيء أبي شريح بإسناد جيد يوجب الجنة إطعام الطعام وحسن الكلام وقد قال الله تعالى وقولوا للناس حسنا وقال ابن عباس رضي الله عنهما من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه السلام وإن كان مجوسيا إن الله تعالى يقول وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها وقال ابن عباس أيضا لو قال لي فرعون خيرا لرددت عليه وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام حديث أنس إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها الحديث أخرجه الترمذي وقد تقدم وروي أن عيسى عليه السلام مر به خنزير فقال مر بسلام فقيل يا روح الله أتقول هذا لخنزير فقال أكره أن أعود لساني الشر وقال نبينا صلى الله عليه وسلم الكلمة الطيبة صدقة حديث الكلمة الطيبة صدقة أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة حديث اتقوا النار ولو بشق تمرة الحديث متفق عليه من حديث عدي بن حاتم وقد تقدم وقال عمر رضي الله عنه البر شيء هين وجه طليق وكلام لين وقال بعض الحكماء الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة في الجوارح وقال بعض الحكماء كل كلام لا يسخط ربك إلا أنك ترضي به جليسك فلا تكن به عليه بخيلا فإنه لعله يعوضك منه ثواب المحسنين وهذا كله في فضل الكلام الطيب وتضاده الخصومة والمراء والجدال واللجاج فإنه الكلام المستكره الموحش المؤذي للقلب المنغص للعيش المهيج للغضب الموغر للصدر نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه الآفة السادسة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف السجع والفصاحة والتصنع فيه بالتشبيبات والمقدمات وما جرى به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة وكل ذلك من التصنع المذموم ومن التكلف الممقوت الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأتقياء أمتي برءاء من التكلف وقال صلى الله عليه وسلم إن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون في الكلام حديث إن أبغضكم إلى الله وأبعدكم مني مجلسا الثرثارون المتفيهقون المتشدقون أخرجه أحمد من حديث أبي ثعلبة وهو عند الترمذي من حديث جابر وحسنه بلفظ إن أبغضكم إلي وقالت فاطمة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام حديث فاطمة شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الحديث وفيه ويتشدقون أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب وقال صلى الله عليه وسلم ألا هلك المتنطعون ثلاث مرات حديث ألا هلك المتنطعون من حديث ابن مسعود والتنطع هو التعمق والاستقصاء وقال عمر رضي الله عنه شقاشق الكلام من شقاشق الشيطان وجاء عمر بن سعد بن أبي وقاص إلى أبيه سعد يسأله حاجة فتكلم بين يدي حاجته بكلام فقال له سعد ما كنت من حاجتك بأبعد منك اليوم إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها حديث سعد يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقرة الكلأ بلسانها رواه أحمد وكأنه أنكر عليه ما قدمه على الكلام من التشبب والمقدمة المصنوعة المتكلفة وهذا أيضا من آفات اللسان ويدخل فيه كل سجع متكلف وكذلك التفاصح الخارج عن حد العادة وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات إذ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة في الجنين فقال بعض قوم الجاني كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ومثل ذلك بطل فقال أسجعا كسجع الأعراب حديث كيف ندى من لا شرب ولا أكل الحديث أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة وأبي هريرة وأصلها عند البخاري أيضا وأنكر ذلك لأن أثر التكلف والتصنع بين عليه بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض وما وراء ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها فلرشاقة اللفظ تأثير فيه فهو لائق به فأما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات فلا يليق بها السجع والتشدق والاشتغال به من التكلف المذموم ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة والتميز بالبراعة وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ويزجر عنه الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان وهو مذموم ومنهي عنه ومصدره الخبث واللؤم قال صلى الله عليه وسلم إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش حديث إياكم والفحش الحديث أخرجه النسائي في الكبرى في التفسير والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمرو ورواه ابن حبان من حديث أبي هريرة ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال لا تسبوا هؤلاء فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاء لؤم حديث النهي عن سب قتلى بدر من المشركين الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث محمد بن علي الباقر مرسلا ورجاله ثقات وللنسائي من حديث ابن عباس بإسناد صحيح إن رجلا وقع في أب للعباس كان في الجاهلية فلطمه الحديث وفيه لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا وقال صلى الله عليه وسلم ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذى حديث ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذى أخرجه الترمذي بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود وقال حسن غريب وصححه وروي موقوفا قال الدارقطني في العلل والموقوف أصح وقال صلى الله عليه وسلم الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها حديث الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن عمرو وقال صلى الله عليه وسلم أربعة يؤذون أهل النار في النار على ما بهم من الأذى يسعون بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثبور رجل يسيل فوه قيحا ودما فيقال له ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى فيقول إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة قذعة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث حديث أربعة يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى الحديث وفيه إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث شفى بن مانع واختلف في صحبته فذكره أبو نعيم في الصحابة وذكره البخاري وابن حبان في التابعين وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة يا عائشة لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء حديث يا عائشة لو كان الفحش رجلا لكان رجل سوء أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية ابن لهيعة عن أبي النضر عن أبي سلمة عنها وقال صلى الله عليه وسلم البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق حديث البذاء والبيان شعبتان من النفاق أخرجه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي أمامة وقد تقدم فيحتمل أن يراد بالبيان كشف ما لا يجوز كشفه ويحتمل أيضا المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف ويحتمل أيضا البيان في أمور الدين وفي صفات الله تعالى فإن إلقاء ذلك مجملا إلى أسماع العوام أولى من المبالغة في بيانه إذ قد يثور من غاية البيان فيه شكوك ووساوس فإذا أجملت بادرت القلوب إلى القبول ولم تضطرب ولكن ذكره مقرونا بالبذاء يشبه أن يكون المراد به المجاهرة بما يستحي الإنسان من بيانه فإن الأولى في مثله الإغماض والتغافل دون الكشف والبيان وقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق حديث إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش الصياح في الأسواق أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث جابر بسند ضعيف وله وللطبراني من حديث أسامة بن زيد إن الله لا يحب الفاحش المتفحش وإسناده جيد وقال جابر بن سمرة كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم وأبي أمامي فقال صلى الله عليه وسلم إن الفحش والتفاحش ليسا من الإسلام في شيء وإن أحسن الناس إسلاما أحاسنهم أخلاقا حديث جابر بن سمرة إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء الحديث أخرجه احمد وابن أبي الدنيا بإسناد صحيح وقال إبراهيم بن ميسرة يقال يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب وقال الأحنف بن قيس ألا أخبركم بأدوإ الداء اللسان البذى والخلق الدني فهذه مذمة الفحش فأما حده وحقيقته فهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة وأكثر ذلك يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه وأهل الصلاح يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقربها ويتعلق بها وقال ابن عباس إن الله حي كريم يعفو ويكنو كنى باللمس عن الجماع فالمسيس واللمس والدخول والصحبة كنايات عن الوقاع وليست بفاحشة وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير وهذه العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض وربما اختلف ذلك بعادة البلاد وأوائلها مكروهة وأواخرها محظورة وبينهما درجات يتردد فيها وليس يختص هذا بالوقاع بل بالكناية بقضاء الحاجة عن البول والغائط أولى من لفظ التغوط والخراء وغيرهما فإن هذا أيضا ما يخفى وكل ما يخفى يستحيا منه فلا ينبغي أن يذكر ألفاظه الصريحة فإنه فحش وكذلك يستحسن في العادة الكناية عن النساء فلا يقال قالت زوجتك كذا بل يقال قيل في الحجرة أو من وراء الستر أو قالت أم الأولاد فالتلطف في هذه الألفاظ محمود والتصريح فيها يفضي إلى الفحش وكذلك من به عيوب يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبر عنها بصريح لفظها كالبرص والقرع والبواسير بل يقال العارض الذي يشكوه وما يجري مجراه فالتصريح بذلك داخل في الفحش وجميع ذلك من آفات اللسان قال العلاء بن هارون وكان عمر بن عبد العزيز يتحفظ في منطقه فخرج تحت إبطه خراج فأتيناه نسأله لنرى ما يقول فقلنا من أين خرج فقال من باطن اليد والباعث على الفحش إما قصد الإيذاء وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم ومن عادتهم السب وقال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء فيه يكن وباله عليه وأجره لك ولا تسبن شيئا قال فما سببت شيئا بعده حديث قال أعرابي أوصني فقال عليك بتقوى الله وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه الحديث أخرجه أحمد والطبراني بإسناد جيد من حديث أبي جري الهجيمي قيل اسمه جابر بن سليم وقيل سليم بن جابر وقال عياض بن حمار قلت يا رسول الله إن الرجل من قومي يسبني وهو دوني هل علي من بأس أن أنتصر منه فقال المستابان شيطانان يتعاويان ويتهارجان حديث عياض ابن حمار قلت يا رسول الله الرجل من قومي يسبني وهو دوني هل علي من بأس أن انتصر منه فقال المستابان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران أخرجه أبو داود والطيالسي وأصله عند أحمد وقال صلى الله عليه وسلم سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر حديث سباب المسلم فسوق وقتاله كفر متفق عليه من حديث ابن مسعود وقال صلى الله عليه وسلم المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم حديث المستبان ما قالا فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال ما لم يعتد وقال صلى الله عليه وسلم ملعون من سب والديه حديث معلون من سب والديه وفي رواية من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث ابن عباس باللفظ الأول بإسناد جيد واتفق الشيخان على اللفظ الثاني من حديث عبد الله بن عمرو وفي رواية من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه قالوا يا رسول الله كيف يسب الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب الآخر أباه الآفة الثامنة اللعن إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن ليس بلعان حديث المؤمن ليس بلعان تقدم حديث ابن مسعود ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان الحديث قبل هذا بأحد عشر حديثا وللترمذي وحسنه من حديث ابن عمر لا يكون المؤمن لعانا وقال صلى الله عليه وسلم لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بجهنم حديث لا تلاعنوا بلعنة الله الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود من حديث سمرة بن جندب قال الترمذي حسن صحيح وقال حذيفة ما تلاعن قوم قط إلا حق عليهم القول وقال عمران بن حصين بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره إذ امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها فقال صلى الله عليه وسلم خذوا ما عليها وأعروها فإنها ملعونة حديث عمران بن حصين بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره إذا امرأة من الأنصار على ناقة لها فضجرت منها فلعنتها الحديث رواه مسلم قال فكأني أنظر إلى تلك الناقة تمشي بين الناس لا يتعرض لها أحد وقال أبو الدرداء ما لعن أحد الأرض إلا قالت لعن الله أعصانا لله وقالت عائشة رضي الله عنها سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو يلعن بعض رقيقه فالتفت إليه وقال يا أبا بكر أصديقين ولعنانين كلا ورب والكعبة مرتين أو ثلاثا حديث عائشة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه وهو يلعن رقيقه فالتفت إليه فقال يا أبا بكر لعانين وصديقين الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وشيخه بشار بن موسى الخفاف ضعفه الجمهور وكان أحمد حسن الرأي فيه فأعتق أبو بكر يومئذ رقيقه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال لا أعود وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة حديث إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء وقال أنس كان رجل يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير فلعن بعيره فقال صلى الله عليه وسلم يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون حديث أنس كان رجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير فلعن بعيره فقال يا عبد الله لا تسر معنا على بعير ملعون أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد وقال ذلك إنكارا عليه واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من الله تعالى وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل وهو الكفر والظلم بأن يقول لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع فإن في اللعنة خطرا لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى ويطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطلعه الله عليه والصفات المقتضية للعن ثلاثة الكفر والبدعة والفسق وللعن في كل واحدة ثلاث مراتب الأولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله الكافرين والمبتدعين والفسقة الثانية اللعن بأوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس وعلى القدرية والخوارج والروافض أو على الزناة والظلمة وآكلي الربا وكل ذلك جائز ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر لأن معرفة البدعة غامضة ولم يرد فيه لفظ مأثور فينبغي أن يمنع منه العوام لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله ويثير نزاعا بين الناس وفسادا الثالثة اللعن للشخص المعين و هذا فيه خطر كقولك زيد لعنه الله وهو كافر أو فاسق أو مبتدع والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعا فتجوز لعنته كقولك فرعون لعنه الله وأبو جهل لعنه الله لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وأما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله وهو يهودي مثلا فهذا فيه خطر فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا فإن قلت يلعن لكونه كافرا في الحال كما يقال للمسلم رحمه الله لكونه مسلما في الحال وإن كان يتصور أن يرتد فاعلم أن معنى قولنا رحمه الله أي ثبته الله على الإسلام الذي هو سبب الرحمة وعلى الطاعة ولا يمكن أن يقال ثبت الله الكافر على ما هو سبب اللعنة فإن هذا سؤال للكفر وهو في نفسه كفر بل الجائز أن يقال لعنه الله إن مات على الكفر ولا لعنه الله إن مات على الإسلام وذلك غيب لا يدري والمطلق متردد بين الجهتين ففيه خطر وليس في ترك اللعن خطر وإذا عرفت هذا في الكافر فهو في زيد الفاسق أو زيد المبتدع أولى فلعن الأعيان فيه خطر لأن الأعيان تتقلب في الأحوال إلا من أعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز أن يعلم من يموت على الكفر ولذلك عين قوما باللعن فكان يقول في دعائه على قريش اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة حديث اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وذكر جماعة متفق عليه من حديث ابن مسعود وذكر جماعة قتلوا على الكفر حتى إن من لم يعلم عاقبته كان يلعنه فنهي عنه إذ روى أنه كان يلعن الذي قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهرا فنزل قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون حديث أنه كان يلعن الذين قتلوا أصحاب بئر معونة في قنوته شهرا فنزل قوله تعالى ليس لك من الأمر شيء أخرجه الشيخان من حديث أنس دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا الحديث وفي رواية لهما قنت شهرا يدعو على رعل وذكوان الحديث ولهما من حديث أبي هريرة وكان يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه الحديث اللهم العن لحيان ورعلا الحديث وفيه ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل الله ليس لك من الأمر شيء بلفظ مسلم يعني أنهم ربما يسلمون فمن أين تعلم أنهم ملعونون وكذلك من بان لنا موته على الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى على مسلم فإن كان لم يجز كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر رضي الله عنه عن قبر مر به وهو يريد الطائف فقال هذا قبر رجل كان عاتيا على الله ورسوله وهو سعيد بن العاص فغضب ابنه عمرو بن سعيد وقال يا رسول الله هذا قبر رجل كان أطعم للطعام وأضرب للهام من أبي قحافة فقال أبو بكر يكلمني هذا يا رسول الله بمثل هذا الكلام فقال صلى الله عليه وسلم اكفف عن أبي بكر فانصرف ثم أقبل على أبي بكر فقال يا أبا بكر إذا ذكرتم الكفار فعمموا فإنكم إذا خصصتم غضب الأبناء للآباء فكف الناس عن ذلك حديث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر عن قبر مر به وهو يريد الطائف فقال هذا قبر رجل كان عاتيا على الله وعلى رسوله وهو سعيد بن العاص فغضب ابنه الحديث أخرجه أبو داود في المراسيل من رواية علي بن ربيعة قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة توجه من فوره ذلك إلى الطائف ومعه أبو بكر ومعه ابنا سعيد بن العاص فقال أبو بكر لمن هذا القبر قالوا قبر سعيد بن العاص فقال أبو بكر لعن الله صاحب هذا القبر فإنه كان يجاهد الله ورسوله الحديث وفيه فإذا سببتم المشركين فسبوهم جميعا وشرب نعيمان الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض الصحابه لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال صلى الله عليه وسلم لا تكن عونا للشيطان على أخيك حديث شرب نعمان الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض الصحابة لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكن عونا للشيطان على أخيك وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من طريق الزبير بن بكار من رواية محمد بن عمرو بن حزم مرسلا ومحمد هذا ولد في حياته صلى الله عليه وسلم وسماه محمدا وكناه عبد الملك وللبخاري من حديث عمر أن رجلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد جلده في الشراب فأتي به يوما فأمر به فجلد فقال رجل من القوم اللهم العنه أكثر ما يؤتي به فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله من حديث أبي هريرة في رجل شرب ولم يسم وفيه لا تعينوا عليه الشيطان وفي رواية لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم وفي رواية لا تقل هذا فإنه يحب الله ورسوله فنهاه عن ذلك وهذا يدل على أن لعن فاسق بعينه غير جائز وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطر فليجتنب ولا خطر في السكوت عن لعن إبليس مثلا فضلا عن غيره فإن قيل هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به قلنا هذا لم يثبت أصلا فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق نعم يجوز أن يقال قتل ابن ملجم عليا وقتل أبو لؤلؤة عمر رضي الله عنهما فإن ذلك ثبت متواترا فلا يجوز أن يرمى مسلم بفسق أو كفر من غير تحقيق قال صلى الله عليه وسلم لا يرمى رجل رجلا بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك حديث لا يرمي رجل رجلا بالكفر ولا يرميه بالفسق إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك متفق عليه والسياق للبخاري من حديث أبي ذر مع تقديم ذكر الفسق وقال صلى الله عليه وسلم ما شهد رجل على رجل بالكفر إلا باء به أحدهما إن كان كافرا فهو كما قال وإن لم يكن كافرا فقد كفر بتكفيره إياه حديث ما شهد رجل على رجل بالكفر إلا أتى أحدهما إن كان كافرا فهو كما قال وإن لم يكن كافرا فقد كفر بتكفيره إياه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي سعيد بسند ضعيف وهذا معناه أن يكفره وهو يعلم أنه مسلم فإن ظن أنه كافر ببدعة أو غيرها كان مخطئا لا كافرا وقال معاذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهاك أن تشتم مسلما أو تعصي إماما عادلا والتعرض للأموات أشد حديث معاذ أنهاك أن تشتم مسلما أو تعصي إماما عادلا أخرجه أبو نعيم في الحلية في أثناء حديث له طويل قال مسروق دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت ما فعل فلان لعنه الله قلت توفي قالت رحمه الله قلت وكيف هذا قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا حديث عائشة لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أخرجه البخاري وذكر المصنف في أوله قصة لعائشة وهو عند ابن المبارك في الزهد والرقائق مع القصة وقال صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الأموات فتؤذوا به الأحياء حديث لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء أخرجه الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة ورجاله ثقات إلا أن بعضهم أدخل بين المغيرة وبين زياد بن علاقة رجل لم يسم وقال صلى الله عليه وسلم أيها الناس احفظوني في أصحابي وإخواني وأصهاري ولا تسبوهم أيها الناس إذا مات الميت فاذكروا منه خيرا حديث أيها الناس احفظوني في أصحابي وأخواني وأصهاري ولا تسبوهم أيها الناس إذا مات الميت فاذكروا منه خيرا أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث عياض الأنصاري احفظوني في أصحابي وأصهاري وإسناده ضعيف وللشيخين من حديث أبي سعيد وأبي هريرة لا تسبوا أصحابي ولأبي داود والترمذي وقال غريب من حديث ابن عمر اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم وللنسائي من حديث عائشة لا تذكروا موتاكم إلا بخير وإسناده جيد فإن قيل فهل يجوز أن يقال قاتل الحسين لعنه الله أو الآمر بقتله لعنه الله قلنا الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لأنه يحتمل أن يموت بعد التوبة فإن وحشيا قاتل حمزة عم رسول الله قتله وهو كافر ثم تاب عن الكفر والقتل جميعا ولا يجوز أن يعلن والقتل كبيرة ولا تنتهي إلى رتبة الكفر فإذا لم يقيد بالتوبة وأطلق كان فيه خطر وليس في السكوت خطر فهو أولى وإنما أوردنا هذا لتهاون الناس باللعنة وإطلاق اللسان بها والمؤمن ليس بلعان فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين فالاشتغال بذكر الله أولى فإن لم يكن ففي السكوت سلامة قال مكي بن إبراهيم كنا عند ابن عون فذكروا بلال بن أبي بردة فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه وابن عون ساكت فقالوا يا ابن عون إنما نذكره لما ارتكب منك فقال إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة لا إله إلا الله ولعن الله فلانا فلأن يخرج من صحيفتي لا إله إلا الله أحب إلي من أين يخرج منها لعن الله فلانا وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال أوصيك أن لا تكون لعانا حديث قال رجل أوصني قال أوصيك أن لا تكون لعانا أخرجه أحمد والطبراني وابن أبي عاصم في الآحاد والثاني من حديث جرموز الهجيمي وفيه رجل لم يسم أسقط ذكره ابن أبي عاصم وقال ابن عمر إن أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان وقال بعضهم لعن المؤمن يعد قتله وقال حماد بن زيد بعد أن روى هذا لو قلت إنه مرفوع لم أبال وعن أبي قتادة قال كان يقول من لعن مؤمنا فهو مثل أن يقتله حديث لعن المؤمن كقتله متفق عليه من حديث ثابت بن الضحاك وقد نقل ذلك حديثا مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقول الإنسان مثلا لا صحح الله جسمه ولا سلمه الله وما يجري مجراه فإن ذلك مذموم وفي الخبر إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة حديث إن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافئه ثم يبقى للظالم عنده فضلة يوم القيامة لم أقف له على أصل وللترمذي من حديث عائشة بسند ضعيف من دعا على من ظلمه فقد انتصر الآفة التاسعة الغناء والشعر وقد ذكرنا في كتاب السماع ما يحرم من الغناء وما يحل فلا نعيده وأما الشعر فكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح إلا أن التجرد له مذموم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتليء شعرا حديث لأن يمتليء جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتليء شعرا أخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص واتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة نحوه والبخاري من حديث ابن عمر ومسلم من حديث أبي سعيد وعن مسروق أنه سئل عن بيت من الشعر فكرهه فقيل له في ذلك فقال أنا أكره أن يوجد في صحيفتي شعر وسئل بعضهم عن شيء من الشعر فقال أجعل مكان هذا ذكرا فإن ذكر الله خير من الشعر وعلى الجملة فإنشاد الشعر ونظمه ليس بحرام إذا لم يكن فيه كلام مستكره قال صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكمة حديث إن من الشعر لحكمة تقدم في العلم وفي آداب السماع نعم مقصود الشعر المدح والذم والتشبيب وقد يدخله الكذب وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت الأنصاري بهجاء الكفار والتوسع في المدح حديث أمره حسانا أن يهجو المشركين متفق عليه من حديث البراء أنه صلى الله عليه وسلم قال لحسان اهجهم وجبريل معك فإنه وإن كان كذبا فإنه لا يلتحق في التحريم بالكذب كقول الشاعر ولو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق الله سائله فإن هذا عبارة عن الوصف بنهاية السخاء فإن لم يكن صاحبه سخيا كان كاذبا وإن كان سخيا فالمبالغة من صنعة الشعر فلا يقصد منه أن يعتقد صورته وقد أنشدت أبيات بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تتبعت لوجد فيها مثل ذلك فلم يمنع منه قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورا قالت فبهت فنظر إلي فقال مالك بهت فقلت يا رسول الله نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وجعل عرقك يتولد نورا ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره قال وما يقول يا عائشة أبو كبير الهذلي قلت يقول هذين البيتين ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل قال فوضع صلى الله عليه وسلم ما كان بيده وقام إلي وقبل ما بين عيني وقال جزاك الله خيرا يا عائشة ما سررت مني كسروري منك حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله وكنت أغزل قالت فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وجعل عرقه يتولد نورا الحديث وفيه إنشاد عائشة لشعر أبي كبير الهذلي ومبرأ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيل فإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل إلى آخر الحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين أمر للعباس بن مرداس بأربع قلائص فاندفع يشكو في شعر له وفي آخره وما كان بدر ولا حابس يسودان مرداس في مجمع وما كنت دون امرىء منهما ومن تضع اليوم لا يرفع فقال صلى الله عليه وسلم اقطعوا عني لسانه فذهب به أبو بكر الصديق رضي الله عنه حتى اختار مائة من الإبل ثم رجع وهو من أرضى الناس فقال له صلى الله عليه وسلم أتقول في الشعر فجعل يعتذر إليه ويقول بأبي أنت وأمي إني لأجد للشعر دبيبا على لساني كدبيب النمل ثم يقرصني كما يقرص النمل فلا أجد بدا من قول الشعر فتبسم صلى الله عليه وسلم وقال لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين حديث لما قسم الغنائم أمر للعباس بن مرداس بأربع قلائص وفي آخره شعره وما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرىء منهما ومن تضع اليوم لا يرفع فقال صلى الله عليه وسلم اقطعوا عني لسانه الحديث أخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن بن بدر والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك فقال عباس بن مرداس أنجعل نهبي ونهب العيد بين عبينة والأقرع وما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرىء منهما ومن تضع اليوم لا يرفع قال فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة وزاد في رواية أعطى علقمة بن علاثة مائة وأما زيادة اقطعوا عني لسانه فليست في شيء من الكتب المشهورة الآفة العاشرة المزاح وأصله مذموم منهي عنه إلا قدرا يسيرا يستثنى منه قال صلى الله عليه وسلم لا تمار أخاك ولا تمازحه حديث لا تمار أخاك ولا تمازحه أخرجه الترمذي وقد تقدم فإن قلت المماراة فيها إيذاء لأن فيها تكذيبا للأخ والصديق أو تجهيلا له وأما المزاح فمطايبة وفيه انبساط وطيب قلب فلم ينهى عنه فاعلم أن المنهي عنه الإفراط فيه أو المداومة عليه أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب والهزل فيه واللعب مباح ولكن المواظبة عليه مذمومة وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك وكثرة الضحك تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال وتسقط المهابة والوقار فما يخلو عن هذه الأمور فلا يذم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأمزح ولا أقول إلا حقا حديث إني أمزح ولا أقول إلا حقا تقدم إلا أن مثله يقدر على أن يمزح ولا يقول إلا حقا وأما غيره إذا فتح باب المزاح كان غرضه أن يضحك الناس كيفما كان وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى في النار أبعد من الثريا حديث إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه يهوى بها في النار أبعد من الثريا وقال عمر رضي الله عنه من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزج استخف به ومن أكثر من شيء عرف به ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ولأن الضحك يدل على الغفلة عن الآخرة قال صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا حديث لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا متفق عليه من حديث أنس وعائشة وقال رجل لأخيه يا أخي هل أتاك أنك وارد النار قال نعم قال فهل أتاك أنك خارج منها قال لا ففيم الضحك قيل فما رؤي ضاحكا حتى مات وقال يوسف بن أسباط أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك وقيل أقام عطاء السلمي أربعين سنة لم يضحك ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر فقال إن كان هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين وكان عبد الله بن أبي يعلى يقول أتضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار وقال ابن عباس من أذنب ذنبا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي وقال محمد بن واسع إذا رأيت في الجنة رجل يبكي ألست تعجب من بكائه قيل بلى قال فالذي يضحك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه فهذه آفة الضحك والمذموم منه أن يستغرق ضحكا والمحمود منه التبسم الذي ينكشف فيه السن ولا يسمع له صوت وكذلك كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث كان ضحكه التبسم تقدم قال القاسم مولى معاوية أقبل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم على قلوص له صعب فسلم فجعل كلما دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله يفر به فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون منه ففعل ذلك مرارا ثم وقصه فقتله فقيل يا رسول الله إن الأعرابي قد صرعه قلوصه وقد هلك فقال نعم وأفواهكم ملأى من دمه حديث القاسم مولى معاوية أقبل أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم على قلوص صعب له فسلم فجعل كلما دنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله يفر به وجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يضحكون منه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم وقصه فقتله فقيل يا رسول الله إن الأعرابي قد صرعه قلوصه فهلك قال نعم وأفواهكم ملأى من دمه أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق وهو مرسل وأما أداء المزاح إلى سقوط الوقار فقد قال عمر رضي الله عنه من مزح استخف به وقال محمد بن المنكدر قالت لي أمي يا بني لا تمازح الصبيان فتهون عندهم وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجترئ عليك وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى اتقوا الله وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى القبيح تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال وقال عمر رضي الله عنه أتدرون لما سمي المزاح مزاحا قالوا لا قال لأنه أزاح صاحبه عن الحق وقيل لكل شيء بذور وبذور العداوة المزاح ويقال المزاح مسلبة للنهي مقطعة للأصدقاء فإن قلت قد نقل المزاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فكيف ينهى عنه فأقول إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقا ولا تؤذي قلبا ولا تفرط فيه وتقتصر عليه أحيانا على الندور فلا حرج عليك فيه ولكن من الغلطالعظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد وهو خطأ إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار فلا ينبغي أن يغفل عن هذا حديث إذنه لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد تقدم نعم روى أبو هريرة أنهم قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال إني وإن داعبتكم لا أقول إلا حقا حديث أبي هريرة قالوا إنك تداعبنا قال إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقا أخرجه الترمذي وحسنه وقال عطاء إن رجلا سأل ابن عباس أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح فقال نعم قال فما كان مزاحه قال كان مزاحه أنه صلى الله عليه وسلم كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا فقال لها البسيه واحمدي وجري منه ذيلا كذيل العروس حديث عطاء أن رجلا سأل ابن عباس أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح فقال ابن عباس نعم الحديث فذكر منه قوله لامرأة من نسائه البسيه واحمدي وجري منه ذيلا كذيل العروس لم أقف عليه وقال أنس إن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أفكه الناس مع نسائه حديث أنس كان من أفكه الناس تقدم وروي أنه كان كثير التبسم حديث أنه كان كثير التبسم تقدم وعن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز فبكت فقال إنك لست بعجوز يومئذ قال الله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا حديث الحسن لا يدخل الجنة عجوز أخرجه الترمذي في الشمائل هكذا مرسلا وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف وقال زيد بن أسلم إن امرأة يقال لها أم أيمن جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن زوجي يدعوك قال ومن هو أهو الذي بعينه بياض قالت والله ما بعينه بياض فقال بلى إن بعينه بياضا فقالت لا والله فقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد إلا وبعينه بياض وأراد به البياض المحيط بالحدقة حديث زيد بن أسلم في قول لامرأة يقال لها أم أيمن قالت إن زوجي يدعوك أهو الذي بعينه بياض الحديث أخرجه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة والمزاح ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبيدة بن سهم الفهري مع اختلاف وجاءت امرأة أخرى فقالت يا رسول الله احملني على بعير فقال بل نحملك على ابن البعير فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال صلى الله عليه وسلم ما من بعير إلا وهو ابن بعير حديث قوله لامرأة استحملته نحملك على ابن البعير الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أنس بلفظ أنا حاملك على ولد الناقة فكان يمزح به وقال أنس كان لأبي طلحة ابن يقال له أبو عمير وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم ويقول يا أبا عمير ما فعل النغير حديث أنس أبا عمير ما فعل النغير متفق عليه وتقدم في أخلاق النبوة النغير كان يلعب به وهو فرخ العصفور وقالت عائشة رضي الله عنها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر فقال تعالي حتى أسابقك فشددت درعي على بطني ثم خططنا خطا فقمنا عليه واستبقنا فسبقني وقال هذهمكان ذي المجاز حديث عائشة في مسابقته صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر فسبقها وقال هذه مكان ذي المجاز لم أجد له أصلا ولم تكن عائشة معه في غزوة بدر وذلك أنه جاء يوم ونحن بذي المجاز وأنا جارية قد بعثني أبي بشيء فقال أعطنيه فأبيت وسعيت وسعى في أثري فلم يدركني وقالت أيضا سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته فلما حملت اللحم سابقني فسبقني وقال هذه بتلك حديث عائشة سابقني فسبقته أخرجه النسائي وابن ماجه وقد تقدم في النكاح وقالت أيضا رضي الله عنها كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة فصنعت حريرة وجئت به فقلت لسودة كلي فقالت لا أحبه فقلت والله لتأكلن أو لألطخن به وجهك فقالت ما أنا بذائقته فأخذت بيدي من الصحفة شيئا منه فلطخت به وجهها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بيني وبينها فخفض لها رسول الله ركبتيه لتستقيد مني فتناولت من الصحفة شيئا فمسحت به وجهي وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك حديث عائشة في لطخ وجه سودة بحريرة ولطخ سودة وجه عائشة فجعل صلى الله عليه وسلم يضحك أخرجه الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة وأبو يعلى بإسناد جيد وروي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلا دميما قبيحا فلما بايعه النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة تسمع فقالت أهي أحسن أم أنت فقال بل أنا أحسن منها وأكرم فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من سؤالها إياه لأنه كان دميما حديث إن الضحاك بن سفيان الكلابي قال عندي امرأتان أحسن من هذه الحميراء أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة قبل أن يضرب الحجاب فقالت أهي أحسن أم أنت فقال بل أنا أحسن منها وأكرم فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان دميما أخرجه الزبير بن بكار في الفكاهة من رواية عبد الله بن حسن مرسلا أو معضلا وللدارقطني نحو هذه القصة مع عيينة بن حصن الفزاري بعد نزول الحجاب من حديث أبي هريرة وروي علقمة عن أبي سلمة أنه كان صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن ابن علي عليهما السلام فيرى الصبي لسانه فيهش له فقال له عيينة بن بدر الفزاري والله ليكونن لي الابن قد تزوج وبقل وجهه وما قبلته قط فقال صلى الله عليه وسلم إن من لا يرحم لا يرحم حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يدلع لسانه للحسن بن علي فيرى الصبي فيهش إليه فقال عيينة بن بدر الفزاري والله ليكونن لي الابن رجلا قد خرج وجهه وما قبلته قط فقال إن من لا يرحم لا يرحم أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه دون ما في آخره من قول عيينة بن حصن بن بدر ونسب إلى جده وحكى الخطيب في المبهمات قولين في قائل ذلك أحدهما أنه عيينة بن حصن والثاني أنه الأقرع بن حابس وعند مسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يرحم لا يرحم فأكثر هذه المطايبات منقولة مع النساء والصبيان وكان ذلك منه صلى الله عليه وسلم معالجة لضعف قلوبهم من غير ميل إلى هزل وقال صلى الله عليه وسلم مرة لصهيب وبه رمد وهو يأكل تمرا أتأكل التمر وأنت رمد فقال إنما آكل بالشق الآخر يا رسول الله فتبسم صلى الله عليه وسلم حديث قال لصهيب وبه رمد أتأكل التمر وأنت رمد فقال إنما آكل على الشق الآخر فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث صهيب ورجاله ثقات قال بعض الرواة حتى نظرت إلى نواجذه وروي أن خوات ابن جبير الأنصاري كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود قال فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته ثم عاد فقال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه حتى قدمت المدينة وبعد ما قدمت المدينة قال فرآني في المسجد يوما أصلي فجلس إلي فطولت فقال لا تطول فإني أنتظرك فلما سلمت قال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت فقام وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يوما وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد فقال أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال الله أكبر الله أكبر اللهم اهد أبا عبد الله قال فحسن إسلامه وهداه الله حديث إن خوات بن جبير كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من رواية زيد بن أسلم عن خوات بن جبير مع اختلاف ورجاله ثقات وأدخل بعضهم بين زيد وبين خوات ربيعة بن عمرو وكان نعيمان الأنصاري رجلا مزاحا فكان يشرب الخمر في المدينة فيؤتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم فلما كثر ذلك منه قال له رجل من الصحابة لعنك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول يا رسول الله هذا قد اشتريته لك وأهديته لك فإذا جاء صاحبها يتقاضاه بالثمن جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أعطه ثمن متاعه فيقول له صلى الله عليه وسلم أو لم تهده لنا فيقول يا رسول الله إنه لم يكن عندي ثمنه وأحببت أن تأكل منه فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويأمر لصاحبه بثمنه حديث كان نعيمان رجلا مزاحا وكان يشرب الخمر فيؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه الحديث وفيه أنه كان يشتري الشيء ويهديه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم يجيء بصاحبه فيقول أعطه ثمن متاعه الحديث أخرجه الزبير بن بكار في الفكاهة ومن طريقة ابن عبد البر من رواية محمد بن حزم مرسلا وقد تقدم أوله فهذه مطايبات يباح مثلها على الندور لا على الدوام والمواظبة عليها هزل مذموم وسبب للضحك المميت للقلب الآفة الحادية عشر السخرية والاستهزاء وهذا محرم مهما كان مؤذيا كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة قالت عائشة رضي الله عنها حاكيت إنسانا فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم والله ما أحب أني حاكيت إنسانا ولي كذا وكذا حديث عائشة حكيت إنسانا فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم ما يسرني أني حاكيت إنسانا ولي كذا وكذا أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وقال ابن عباس في قوله تعالى يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر وعن عبد الله بن زمعة أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال علام يضحك أحدكم مما يفعل حديث عبد الله بن زمعة وعظهم في الضحك من الضرطة وقال علام يضحك أحدكم مما يفعل متفق وقال صلى الله عليه وسلم إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال له هلم هلم فلا يأتيه حديث إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من حديث الحسن مرسلا ورويناه في تمانيات النجيب من رواية أبي هدبة أحد الهالكين عن أنس وقال معاذ بن جبل قال النبي صلى الله عليه وسلم من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله حديث معاذ بن جبل من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله أخرجه الترمذي دون قوله قد تاب منه وقال حسن غريب وليس إسناده بمتصل قال أحمد بن منيع قالوا من ذنب قد تاب منه وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك عليه استهانة به واستصغارا له وعليه نبه قوله تعالى عسى أن يكونوا خيرا منهم أي لا تستحقره استصغارا فلعله خير منك وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به فأما من جعل نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزاح وقد سبق ما يذم منه وما يمدح وإنما المحرم استصغار يتأذى به المستهزأ به لما فيه من التحقير والتهاون وذلك تارة بأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه ولم ينتظم أو على أفعاله إذا كنت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا أو ناقصا لعيب من العيوب فالضحك من جميع ذلك داخل في السخرية المنهى عنها الآفة الثانية عشر إفشاء السر وهو منهي عنه لما فيه من الإيذاء والتهاون بحق المعارف والأصدقاء قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث الرجل ثم التفت فهي أمانة حديث إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث جابر وقال مطلقا الحديث بينكم أمانة حديث الحديث بينكم أمانة أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن شهاب مرسلا وقال الحسن إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ويروى أن معاوية رضي الله عنه أسر إلى الوليد بن عتبة حديثه فقال لأبيه يا أبت إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك قال فلا تحدثني به فإن من كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه قال فقلت يا أبت وإن هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه فقال لا والله يا بني ولكن أحب أن لا تذلل لسانك بأحاديث السر قال فأتيت معاوية فأخبرته فقال يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ فإفشاء السر خيانة وهو حرام إذا كان فيه إضرار ولؤم إن لم يكن فيه إضرار وقد ذكرنا ما يتعلق بكتمان السر في كتاب آداب الصحبة فأغنى عن الإعادة الآفة الثالثة عشر الوعد الكاذب فإن اللسان سباق إلى الوعد ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا وذلك من أمارات النفاق قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وقال صلى الله عليه وسلم العدة عطية حديث العدة عطية أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث الحسن مرسلا وقال صلى الله عليه وسلم الوأي مثل الدين أو أفضل حديث الوأي مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من رواية ابن لهيعة مرسلا وقال الوأي يعني الوعد ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي بسند ضعيف والوأي الوعد وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال إنه كان صادق الوعد قيل إنه وعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه ذلك الإنسان بل نسي فبقي إسماعيل اثنين وعشرين يوما في انتظاره ولما حضرت عبد الله بن عمر الوفاة قال إنه كان خطب إلى ابنتي رجل من قريش وقد كان إليه مني شبه الوعد فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق أشهدكم أني قد زوجته ابنتي وعن عبد الله بن أبي الخنساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وبقيت له بقية فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك فنسيت يومي والغد فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك حديث عبد الله بن أبي الخنساء بايعت النبي صلى الله عليه وسلم فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك فنسيت يومي والغد فأتيه اليوم الثالث وهو في مكانه فقال يا بني قد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك رواه أبو داود واختلف في إسناده وقال ابن مهدي ما أظن إبراهيم بن طهمان إلا أخطأ فيه وقيل لإبراهيم الرجل يواعد الرجل الميعاد فلا يجيء قال ينتظره إلى أن يدخل وقت الصلاة التي تجيء وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وعد وعدا قال عسى حديث كان إذا وعد وعدا قال عسى لم أجد له أصلا وكان ابن مسعود لا يعد وعدا إلا ويقول إن شاء الله وهو الأولى ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان حديث أبي هريرة ثلاث من كن فيه فهو منافق الحديث وفيه إذا وعد أخلف متفق عليه وقد تقدم وقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر حديث عبد الله بن عمرو أربع من كن فيه كان منافقا الحديث متفق عليه وهذا ينزل على عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء لم يكن منافقا وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يتحرز من حقيقته ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة حاجزة فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادما فأتي بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقي واحدا فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول ألا ترى أثر الرحى بيدي فذكر موعده لأبي الهيثم فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم حديث كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادما فأتى بثلاثة من السبي فأعطى اثنين وبقي واحدا فجاءت فاطمة تطلب منه الحديث وفيه فجعل يقول كيف بموعدي لأبي الهيثم فآثره به على فاطمة تقدم ذكر قصة أبي الهيثم في آداب الأكل وهي عند الترمذي من حديث أبي هريرة وليس فيها ذكر لفاطمة فآثره به على فاطمة لما كان قد سبق من موعده له مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة ولقد كان صلى الله عليه وسلم جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال إن لي عندك موعدا يا رسول الله قال صدقت فاحتكم ما شئت فقال أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها قال هي لك وقال احتكمت يسيرا حديث أنه كان جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل فقال إن لي عندك موعدا قال صدقت فاحتكم ما شئت الحديث وفيه لصاحبه موسى التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك الحديث أخرجه ابن حبان والحاكم في المستدرك من حديث أبي موسى مع اختلاف قال الحاكم صحيح الإسناد وفيه نظر ولصاحبة موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل حكما منك حين حكمها موسى عليه السلام فقال حكمي أن تردني شابة وادخل معك الجنة قيل فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعلا مثلا فقيل أشح من صاحب الثمانين والراعي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفي نيته أن يفي حديث ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل ومن نيته أن يفي وفي لفظ آخر إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد فلا إثم عليه أخرجه أبو داود والترمذي وضعفه من حديث زيد بن أرقم باللفظ الثاني إلا أنهما قالا فلم يف وفي لفظ آخر إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد فلا إثم عليه الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب قال إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخطب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار حديث أبي بكر الصديق قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال إياكم والكذب الحديث أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وجعله المصنف من رواية إسماعيل بن أوسط عن أبي بكر وإنما هو أوسط ابن إسماعيل بن أوسط وإسناده حسن وقال أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكذب باب من أبواب النفاق حديث أبي أمامة إن الكذب باب من أبواب النفاق أخرجه ابن عدي في الكامل بسند ضعيف وفيه عمر بن موسى الوجيهي ضعيف جدا ويغني عنه قوله صلى الله عليه وسلم ثلاث من كن فيه فهو منافق وحديث أربع من كن فيه كان منافقا قال في كل منهما وإذا حديث كذب وهما في الصحيحين وقد تقدما في الآفة التي قبلها وقال الحسن كان يقال إن من النفاق اختلاف السر والعلانية والقول والعمل والمدخل والمخرج وإن الأصل الذي بني عليه النفاق الكذب وقال صلى الله عليه وسلم كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب حديث كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود من حديث سفيان بن أسيد وضعفه ابن عدي ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد وقال ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا حديث ابن مسعود لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان يقول أحدهما والله لا أنقصك من كذا وكذا ويقول الآخر والله لا أزيدك على كذا وكذا بالشاة وقد اشتراها أحدهما فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة حديث مر برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان الحديث وفيه فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة أخرجه أبو الفتح الأزدي في كتاب الأسماء المفردة من حديث ناسخ الحضرمي وهكذا رويناها في أمالي ابن سمعون وناسخ ذكره البخاري هكذا في التاريخ وقال أبو حاتم هو عبد الله ابن ناسخ وقال صلى الله عليه وسلم الكذب ينقص الرزق حديث الكذب ينقص الرزق أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أبي هريرة ورويناه كذلك في مشيخة القاضي أبو بكر وإسناده ضعيف وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن التجار هم الفجار فقيل يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع قال نعم ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون حديث إن التجار هم الفجار الحديث وفيه ويحدثون فيكذبون أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن شبل وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره حديث ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته والمنفق سلعته بالحلف الكاذب والمسبل إزاره أخرجه مسلم من حديث أبي ذر وقال صلى الله عليه وسلم من حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة حديث ما حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة أخرجه الترمذي والحاكم وصحح إسناده من حديث عبد الله بن أنيس وقال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يحبهم الله رجل كان في فئة فنصب نحره حتى يقتل أو يفتح الله عليه وعلى أصحابه ورجل كان له جار سوء يؤذيه فصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن ورجل كان معه قوم في سفر أو سرية فأطالوا السري حتى أعجبهم أن يمسوا الأرض فنزلوا فتنحى يصلي حتى يوقظ أصحابه للرحيل وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البياع الحلاف والفقير المختال والبخيل المنان حديث أبي ذر ثلاثة يحبهم الله الحديث وفيه وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف أخرجه أحمد واللفظ له وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد وللنسائي من حديث أبي هريرة أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف الحديث وإسناده جيد وقال صلى الله عليه وسلم ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له حديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من رواية يهز بن حكيم عن أبيه عن جده وقال صلى الله عليه وسلم رأيت كأن رجلا جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده رجع الآخر كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة حديث رأيت كأن رجلا جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس الحديث أخرجه البخاري من حديث سمرة بن جندب في حديث طويل وعن عبد الله بن جراد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هل يزني المؤمن قال قد يكون ذلك قال يا نبي الله هل يكذب المؤمن قال لا ثم أتبعها صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله حديث عبد الله ابن جراد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يزني المؤمن قال قد يكون من ذلك قال هل يكذب قال لا الحديث أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بسند ضعيف ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت مقتصرا على الكذب وجعل السائل أبا الدرداء وقال أبو سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب حديث أبي سعيد اللهم طهر قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب هكذا وقع في نسخ الإحياء عن أبي سعيد وإنما هو عن أم معبد وكذا رواه الخطيب في التاريخ دون قوله وفرجي من الزنا وزاد وعملي من الرياء وعيني من الخيانة وإسناده ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر حديث ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم الحديث وفيه والإمام الكذاب أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال عبد الله بن عامر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال حتى أعطيك فقال صلى الله عليه وسلم وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال أما إنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة حديث عبد الله بن عامر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة رواه أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم إن عبد الله بن عامر ولد في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة وقال صلى الله عليه وسلم لو أفاء الله علي نعما عدد هذا الحصى لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا حديث لو أفاء الله علي نعما عدد هذا الحصى لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا رواه مسلم وتقدم في أخلاق النبوة وقال صلى الله عليه وسلم وكان متكئا ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ثم قعد وقال إلا وقول الزور حديث ألا أنبأكم بأكبر الكبائر الحديث وفيه ألا وقول الزور متفق عليه من حديث أبي بكرة وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد الملك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به حديث ابن عمر إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد الملك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به أخرجه الترمذي وقال حسن غريب وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة فقالوا وما هن قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم حديث أنس تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والخرائطي في مكارم الأخلاق وفيه سعد بن سنان ضعفه أحمد والنسائي ووثقه ابن معين ورواه الحاكم بنحوه من حديث عبادة بن الصامت وقال صحيح الإسناد وقال صلى الله عليه وسلم إن للشيطان كحلا ولعوقا ونشوقا أما لعوقه فالكذب وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم حديث إن للشيطان كحلا ولعوقا الحديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم من حديث أنس بسند ضعيف وقد تقدم وخطب عمر رضي الله عنه يوما فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي أصحابي ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ويشهد ولم يستشهد حديث خطب عمر بالجابية الحديث وفيه ثم يفشو الكذب أخرجه الترمذي وصححه والنسائي في الكبرى من رواية ابن عمر عن عمر وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين حديث من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث سمرة بن جندب وقال صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان حديث من حلف على يمين مأثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم الحديث متفق عليه من حديث ابن مسعود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رد شهادة رجل في كذبة كذبها حديث أنه رد شهادة رجل في كذبة كذبها أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من رواية موسى بن شيبة مرسلا وموسى روى معمر عنه منا كبير قاله أحمد بن حنبل وقال صلى الله عليه وسلم كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب حديث على كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب أخرجه بن أبي شيبة في المصنف من حديث أبي أمامة ورواه ابن عدي في مقدمة الكامل من حديث سعد بن أبي وقاص وابن عمر أيضا وأبي أمامة أيضا ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت من حديث سعد مرفوعا وموقوفا والموقوف أشبه بالصواب قاله الدارقطني في العلل وقالت عائشة رضي الله عنها ما كان من خلق أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث توبة لله عز وجل منها حديث ما كان من خلق الله شيء أشد عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ولقد كان يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث لله منها توبة أخرجه أحمد من حديث عائشة ورجاله ثقات إلا أنه قال عن ابن أبي مليكة أو غيره وقد رواه أبو الشيخ في الطبقات فقال ابن أبي مليكة ولم يشك وهو صحيح وقال موسى عليه السلام يارب أي عبادك خير لك عملا قال من لا يكذب لسانه ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه وقال لقمان لابنه يا بني إياك والكذب فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلاه صاحبه وقال صلى الله عليه وسلم في مدح الصدق أربع إذا كن فيك لا يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث وحفظ الأمانة وحسن خلق وعفة طعمة حديث أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث الحديث أخرجه الحاكم والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة وقال أبو بكر رضي الله عنه في خطبة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقامي هذا عام أول ثم بكى وقال عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة حديث أبي بكر عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع وقال معاذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وبذل السلام وخفض الجناح حديث معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم وأما الآثار فقد قال علي رضي الله عنه أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري وقال عمر رضي الله عنه أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسما فإذا رأيناكم فاحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة وعن ميمون بن أبي شبيب قال جلست أكتب كتابا فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب وكنت قد كذبت فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال الشعبي ما أدري أيهما أبعد غور في النار الكذاب أو البخيل وقال ابن السماك ما أراني أوجر على ترك الكذب لأني إنما أدعه أنفه وقيل الخالدين صبيح أيسمى الرجل كاذبا بكذبة واحدة قال نعم وقال مالك بن دينار قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن كان صادقا صدق وإن كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له كذبت فقال عمر والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.

بيان ما رخص فيه من الكذب

أعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دارا فانتهى إليك فقال أرأيت فلانا ما كنت قائلا ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها حديث أم كلثوم ما سمعته يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث أخرجه مسلم وقد تقدم وقالت أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا حديث أم كلثوم أيضا ليس بكذاب من أصلح بين الناس الحديث متفق عليه وقد تقدم والذي قبله عند مسلم بعض هذا وقالت أسماء بنت يزيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا كاهل أصلح بين الناس حديث أبي كاهل وقع بين رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلام الحديث وفيه يا أبا كاهل أصلح بين الناس رواه الطبراني ولم يصح أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك حديث عطاء بن يسار قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك أخرجه ابن عبد البر في التمهيد من رواية صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار مرسلا وهو في الموطأ عن صفوان بن سليم معضلا من غير ذكر عطاء بن يسار وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي وكان في خلافة عمر رضي الله عنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته أنشدك بالله هل تبغضيني قالت لا تنشدني قال فإني أنشدك الله قالت نعم فقال لابن الأرقم أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال إنكم لتحدثون إني أظلم النساء وأخلعهن فاسأل ابن الأرقم فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب أفأكذب يا أمير المؤمنين قال نعم فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب وعن النواس بن سمعان الكلابي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يكون بين الرجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها حديث النواس بن سمعان مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب مكتوب الحديث أخرجه أبو بكر بن بلال في مكارم الأخلاق بلفظ تتبايعون إلى قوله في النار دون ما بعده فرواه الطبراني وفيهما شهر بن حوشب وقال ثوبان الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا وقال علي رضي الله عنه إذا حدثتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك فيقول ما زنيت وما سرقت وقال صلى الله عليه وسلم من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله حديث من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله الحاكم من حديث عمر بلفظ اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله وإسناده حسن وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا وأما عرض غيره فبأن يسأله عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب فأما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها محذورا حتى إن المرأة لتحكي عن زوجها ما تفخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام وقالت أسماء سمعت امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل أضارها بذلك فهل علي شيء فيه فقال صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور حديث أسماء قالت امرأة إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل الحديث متفق عليه وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق وقال صلى الله عليه وسلم من تطعم بما لا يطعم أو قال لي وليس له أو أعطيت ولم يعط فهو كلابس ثوبي زور يوم القيامة حديث من تطعم بما لا يطعم وقال لي وليس له وأعطيت ولم يعط كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة لم أجده بهذا اللفظ ويدخل في هذا فنرى العالم لما لا يتحققه وروايته الحديث الذي لا يتثبته إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقال لا أدري وهذا حرم ومما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا وعد أو عيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحا نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبا ولكن الكذب المباح أيضا قد يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كبير فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا وذلك غامض جدا والحزم تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار متفق عليه من طرق وقد تقدم في العلم وهذا لا يرتكب إلا لضرورة ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلي والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين.

بيان الحذر من الكذب بالمعاريض

قد نقل عن السلف أن في المعاريض مندوحة عن الكذب قال عمر رضي الله عنه أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب وروي ذلك عن ابن عباس وغيره وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله وقال إبراهيم إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء فيكون قوله ما حرف نفي عند المستمع وعنده الإبهام وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت له امرأته ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها بشيء فقال كان عندي ضاغط قالت كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر رضي الله عنه فبعث عمر معك ضاغطا وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا قال لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضي الله عنه وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى قوله ضاغطا يعني رقيبا وأراد به الله تعالى وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق له ذلك وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له أطلبه في المسجد ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذبا وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة وقال للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا وهذا كله في موضع الحاجة فأما في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فخرجت وعلي ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم عن ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز حديث لا يدخل الجنة عجوز وحديث في عين زوجك بياض وحديث نحملك على ولد البعير تقدمت الثلاثة في الآفة العاشرة وقوله للأخرى الذي في عين زوجك بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير وما أشبهه وأما الكذب الصريح كما فعله نعمان الأنصاري مع عثمان في قصة الضرير إذ قال له إنه نعيمان وكما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدي إلى إيذاء قلب فهو حرام وإن لم يكن إلا لمطايبته فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه قال صلى الله عليه وسلم لا يكمل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه حديث لا يستكمل المؤمن إيمانه حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب من حديث أبي مليكة الذماري وقال فيه نظر وللشيخين من حديث أنس لا يؤمن أحد منكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وللدارقطني في المؤتلف والمختلف من حديث أبي هريرة لا يؤمن عبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في مزاحه قال أحمد بن حنبل منكر وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها الناس يهوى بها في النار أبعد من الثريا حديث إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوى بها أبعد من الثريا تقدم في الآفة الثالثة أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله طلبتك كذا وكذا مرة وقلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام فيقول لا أشتهيه وذلك منهي عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد قالت أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي نسوة قالت فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت فاستحيت الجارية فقلت لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي منه قالت فأخذت منه على حياء فشربت منه ثم قال ناولي صواحبك فقلن لا نشتهيه فقال لا تجمعن جوعا وكذبا قالت فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا قال إن الكذب ليكتب كذبا حتى تكتب الكذبة كذيبة حديث مجاهد عن أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه قال لا تجمعن جوعا وكذبا أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني في الكبير وله نحوه من رواية شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد وهو الصواب فإن أسماء بنت عميس كانت إذ ذاك بالحبشة لكن في طبقات الأصبهانيين لأبي الشيخ من رواية عطاء بن أبي رباح عن أسماء بنت عميس زففنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه الحديث فإذا كانت غير عائشة ممن تزوجها بعد خيبر فلا مانع من ذلك وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب قال الليث بن سعد كانت عينا سعد بن المسيب ترمص حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له لو مسحت عينيك فيقول وأين قول الطبيب لا تمس عينيك فأقول لا أفعل وهذه مراقبة أهل الورع ومن تركه انسل لسانه في الكذب عند حد اختياره فيكذب ولا يشعر وعن خوات التيمي قال جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة لابن له فانكبت عليه فقالت كيف أنت يا بني فجلس الربيع وقال أرضعتيه قالت لا قال ما عليك لو قلت يا ابن أخي فصدقت ومن العادة أن يقول يعلم الله فيما لا يعلمه قال عيسى عليه السلام إن من عظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم وربما يكذب في حكاية المنام والإثم فيه عظيم إذ قال صلى الله عليه وسلم إن من أعظم الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم ير أو يقول على ما لم أقل حديث إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو يقول على ما لم أقل أخرجه البخاري من حديث واثلة بن الأسقع وله من حديث ابن عمر من أفرى الفري أن يرى عينيه ما لم تريا وقال صلى الله عليه وسلم من كذب في حلم كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد بينهما أبدا حديث من كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرة أخرجه البخاري من حديث ابن عباس الآفة الخامسة عشرة الغيبة والنظر فيها طويل فلنذكر أولا مذمة الغيبة وما ورد فيها من شواهد الشرع وقد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه وشبه صاحبه بآكل لحم الميتة فقال تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه وقال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه حديث كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه أخرجه مسلم من حديث أي هريرة والغيبة تتناول العرض وقد جمع الله بينه وبين المال والدم وقال أبو برزة قال صلى الله عليه وسلم لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تفاحشوا ولا تدابروا ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباد الله إخوانا حديث لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكونوا عباد الله إخوانا متفق عليه من حديث أبي هريرة دون قوله ولا يغتب بعضكم بعضا وقد تقدم في آداب الصحبة وعن جابر وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا فإن الرجل يزني ويتوب فيتوب الله سبحانه عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه حديث جابر وأبي سعيد إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وابن حبان في الضعفاء وابن مردويه في التفسير وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مررت ليلة سري بن على أقوام يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم حديث أنس مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم الحديث أخرجه أبو داود مسندا ومرسلا والمسند أصح وقال سليم بن جابر أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت علمني خيرا أنتفع به فقال لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تصب من دلوك في إناء المستقى وأن تلقي أخاك ببشر حسن وإن أدبر فلا تغتابنه حديث سليم بن جابر أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني خيرا ينفعني الله به الحديث أخرجه أحمد في المسند وابن أبي الدنيا في الصمت واللفظ له ولم يقل فيه أحمد وإذا أدبر فلا يغتابه وفي إسنادهما ضعف وقال البراء خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العوانق في بيوتهن فقال يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته حديث البراء يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا ورواه أبو داود في حديث أبي برزة بإسناد جيد وقيل أوحى الله إلى موسى عليه السلام من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار وقال أنس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بصوم يوم فقال لا يفطرن أحد حتى آذن له فصام الناس حتى إذا أمسوا جعل الرجل يجيء فيقول يا رسول الله ظللت صائما فائذن لي لأفطر فيأذن له والرجل والرجل حتى جاء رجل فقال يا رسول الله فتاتان من أهلك ظلتا صائمتين وإنهما يستحيان أن يأتياك فائذن لهما أن يفطرا فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ثم عاوده فأعرض عنه ثم عاوده فقال إنهما لم يصوما وكيف يصوم من ظل نهاره يأكل لحم الناس اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقاءتا فقاءت كل واحدة منهما علقة من دم فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال والذي نفسي بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار حديث أنس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بصوم وقال لا يفطرن أحد حتى آذن له فصام الناس الحديث في ذكر المرأتين اللتين اغتابتا في صيامهما فقاءت كل واحدة منهما علقة من دم أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وابن مردويه في التفسير من رواية يزيد الرقاشي عنه ويزيد ضعيف وفي رواية أنه لما أعرض عنه جاء بعد ذلك وقال يا رسول الله والله إنهما قد ماتتا أو كادتا أن تموتا فقال صلى الله عليه وسلم ائتوني بهما فجاءتا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح وقال للأخرى قيئي فقاءت كذلك فقال إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس حديث المرأتين المذكورتين وقال فيه إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما الحديث أخرجه أحمد من حديث عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه رجل لم يسم ورواه أبو يعلى في مسنده فأسقط منه ذكر الرجل المتهم وقال أنس خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الربا وعظم شأنه فقال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وأربى الربا عرض المسلم حديث أنس خطبنا فذكر الربا وعظم شأنه الحديث وفيه وأربى الربا عرض الرجل المسلم أخرجه ابن أبي الدنيا بسند ضعيف وقال جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يغتاب الناس وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله فدعا بجريدة رطبة أو جريدتين فكسرهما ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر وقال أما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبتين أو ما لم ييبسا حديث جابر كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يغتاب الناس الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب بإسناد جيد وهو في الصحيحين من حديث ابن عباس إلا أنه ذكر فيه النميمة بدل الغيبة وللطيالسي فيه أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس ولأحمد والطبراني من حديث ابن بكرة نحوه بإسناد جيد ولما رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا في الزنا قال رجل لصاحبه هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر صلى الله عليه وسلم وهما معه بجيفة فقال انهشا منها فقالا يا رسول الله ننهش جيفة فقال ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه حديث قوله للرجل الذي قال لصاحبه في حق المرجوم هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر بجيفة فقال انهشا منها الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة نحوه بإسناد جيد وكان الصحابة رضي الله عنهم يتلاقون بالبشر ولا يغتابون عند الغيبة ويرون ذلك أفضل الأعمال ويرون خلافه عادة المنافقين وقال أبو هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة وقيل له كله ميتا كما أكلته حيا فيأكله فينضج ويكلح حديث أبي هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتا كما أكلته حيا الحديث أخرجه ابن مردويه في التفسير مرفوعا وموقوفا وفيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة وروي مرفوعا كذلك وروي أن رجلين كانا قاعدين عند باب من أبواب المسجد فمر بهما رجل كان مخنثا فترك ذلك فقالا لقد بقي فيه منه شيء وأقيمت الصلاة فدخلا فصليا مع الناس فحاك في أنفسهما ما قالا فأتيا عطاء فسألاه فأمرهما أن يعيدا الوضوء والصلاة وأمرهما أن يقضيا الصيام إن كانا صائمين وعن مجاهد أنه قال في ويل لكل همزة لمزة الهمزة الطعان في الناس واللمزة الذي يأكل لحوم الناس وقال قيادة ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول وقال الحسن والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد وقال بعضهم أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم ولا في الصلاة ولكن في الكف عن أعراض الناس وقال ابن عباس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك وقال أبو هريرة يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه وكان الحسن يقول ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تغيب الناس بعيب هو فيك وحتى تبدأ بصلاح ذلك الغيب فتصلحه من فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك وأحب العباد إلى الله من كان هكذا وقال مالك بن دينار مر عيسى عليه السلام ومعه الحواريون بجيفة كلب فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب فقال عليه الصلاة والسلام ما أشد بياض أسنانه كأنه رضي الله عنهما رجلا يغتاب آخر فقال له إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس وقال عمر رضي الله عنه عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء وإياكم وذكر الناس فإنه داء نسأل الله حسن التوفيق لطاعته.

بيان معنى الغيبة وحدودها

أعلم أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه سواه ذكرته بنقص في بدنه أو نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله أو في دينه أو في دنياه حتى في ثوبه وداره ودابته أما البدن فكذكرك العمش والحول والقرع والقصر والطول والسواد والصفرة وجميع ما يتصور أن يوصف به مما يكرهه كيفما كان وأما النسب فبأن تقول أبوه نبطي أو هندي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال أو شيء مما يكرهه كيفما كان وأما الخلق فبأن تقول هو سيء الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبال عاجز ضعيف القلب متهور وما يجري مجراه وأما في أفعاله المتعلقة بالدين فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يحترز من النجاسات أو ليس بارا بوالديه أو لا يضع الزكاة موضعها أو لا يحسن قسمها أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض الناس وأما فعله المتعلق بالدنيا فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس أو لا يرى لأحد على نفسه حقا أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام كثير الأكل نئوم ينام في غير وقت النوم ويجلس في غير موضعه وأما في ثوبه فكقولك إنه واسع الكم طويل الذيل وسخ الثياب وقال قوم لا غيبة في الدين لأنه ذم ما ذمه الله تعالى فذكره بالمعاصي وذمه بها يجوز بدليل ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له امرأة وكثرة صلاحها وصومها ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في النار حديث ذكر له امرأة وكثرة صومها وصلاتها لكن تؤذي جيرانها فقال هي في النار أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وذكرت عنده امرأة أخرى بأنها بخيلة فقال فما خيرها إذن حديث ذكر امرأة أخرى بأنها بخيلة قال فما خيرها إذن أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا ورويناه في أمالي ابن شمعون هكذا فهذا فاسد لأنهم كانوا يذكرون ذلك لحاجتهم إلى تعرف الأحكام بالسؤال ولم يكن غرضهم التنقيص ولا يحتاج إليه في غير مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم والدليل عليه إجماع الأمة على أن من ذكر غيره بما يكرهه فهو مغتاب لأنه داخل فيما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حد الغيبة وكل هذا وإن كان صادقا فيه فهو به مغتاب عاص لربه وآكل لحم أخيه بدليل ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكرهه قيل أرأيت إن كان في أخي ما أقوله قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته حديث هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وقال معاذ بن جبل ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما أعجزه فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتم أخاكم قالوا يا رسول الله قلنا ما فيه قال إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه حديث معاذ ذكر رجل عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما أعجزه الحديث أخرجه الطبراني بسند ضعيف وعن حذيفة عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إنها قصيرة فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتيها حديث عائشة أنها ذكرت امرأة فقال إنها قصيرة فقال اغتبتيها رواه أحمد وأصله عند أبي داود والترمذي وصححه بلفظ آخر ووقع عند المصنف عن حذيفة عن عائشة وكذا هو في الصمت لابن أبي الدنيا والصواب عن أبي حذيفة كما عند أحمد وأبي داود والترمذي واسم أبي حذيفة سلمة بن صهيب وقال الحسن ذكر الغير ثلاثة الغيبة والبهتان والإفك وكل في كتاب الله عز وجل فالغيبة أن تقول ما فيه والبهتان أن تقول ما ليس فيه والإفك أن تقول ما بلغك وذكر ابن سيرين رجلا فقال ذاك الرجل الأسود ثم قال أستغفر الله إني أراني قد اغتبته وذكر ابن سيرين إبراهيم النخعي فوضع يده على عينه ولم يقل الأعور وقالت عائشة لا يغتابن أحدكم أحدا فإني قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إن هذه لطويلة الذيل فقال لي الفظي الفظي فلفظت مضغة لحم حديث عائشة قلت لامرأة وإن هذه طويلة الذيل فقال صلى الله عليه وسلم الفظي فلفظت بضعة من لحم أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه في التفسير وفي إسناده امرأة لا أعرفها بيان أن الغيبة لا تقتصر على اللسان اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض به كالتصريح والفعل فيه كالقول والإشارة والإيماء والغمز والهمز والكتابة والحركة وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام فمن ذلك قول عائشة رضي الله عنها دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة فقال صلى الله عليه وسلم اغتبتيها حديث عائشة دخلت علينا امرأة فأومأت بيدي أي قصيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد أغتبتيها أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه من رواية حسان بن مخارق عنها وحسان وثقه ابن حبان وباقيهم ثقات ومن ذلك المحاكاة يمشى متعارجا أو كما يمشي فهو غيبة بل هو أشد من الغيبة لأنه أعظم في التصوير والتفهيم ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة حاكت امرأة قال ما يسرني أني حاكيت إنسانا ولي كذا وكذا حديث ما يسرني أني حكيت ولي كذا وكذا تقدم في الآفة الحادية عشرة وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسانين وذكر المصنف شخصا معينا وتهجين كلامه في الكتاب غيبة إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره كما سيأتي بيانه وأما قوله قال قوم كذا فليس ذلك غيبة وإنما الغيبة التعرض لشخص معين إما حي وإما ميت ومن الغيبة أن تقول بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه إذا كان المخاطب يفهم منه شخصا معينا لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم فأما إذا لم يفهم عينه جاز كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كره من إنسان شيئا قال ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا حديث كان إذا كره من إنسان شيئا قال ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا الحديث أخرجه أبو داود من حديث عائشة دون قوله وكان لا يعيره ورجاله رجال الصحيح فكان لا يعين وقولك بعض من قدم من السفر أو بعض من يدعي العلم إن كان معه قرينة تفهم عين الشخص فهي غيبة وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صيغة أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الغيبة والرياء وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منها وإنما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما يبتلى به كلنا وهو قلة الصبر فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره في ضمن ذلك ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين بأن يذم نفسه فيكون مغتابا ومرائيا ومزكيا نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش وهو بجهله يظن أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ولذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعبادة من غير علم فإنه يتبعهم ويحبط بمكايده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا يتنبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغى إليه ويعلم ما يقول فيذكر الله تعالى ويستعمل الاسم آلة في تحقيق خبثه وهو يمتن على الله عز وجل بذكره جهلا منه وغرورا وكذلك يقول ساءني ما جرى على صديقنا من الاستخفاف به نسأل الله أن يروح نفسه فيكون كاذبا في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء له بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته ولو كان يغتم به لاغتم أيضا بإظهار ما يكرهه وكذلك يقول ذلك المسكين قد بلي بآفة عظيمة تاب الله علينا وعليه فهو في كل ذلك يظهر الدعاء والله مطلع على خبث ضميره وخفي قصده وهو لجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له الجهال إذا جاهروا ومن ذلك الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب فإنه إنما تظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيندفع فيها وكأنه يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق فيقول عجب ما علمت أنه كذلك ما عرفته إلى الآن إلا بالخير وكنت أحسب فيه غير هذا عافانا الله من بلائه فإن كل ذلك تصديق للمغتاب والتصديق بالغيبة غيبة بل الساكت شريك المغتاب قال صلى الله عليه وسلم المستمع أحد المغتابين حديث المستمع أحد المغتابين أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة وهو ضعيف وقد روي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أن أحدهما قال لصاحبه إن فلانا لنئوم ثم إنهما طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأكلا به الخبز فقال صلى الله عليه وسلم قد ائتدمتما فقالا ما نعلمه قال بلى إنكما أكلتما من لحم أخيكما حديث أن أبا بكر وعمر قال أحدهما لصاحبه إن فلانا لنئوم ثم طلبا أدما من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد ائتدمتما فقالا ما نعلم فقال بلى ما أكلتما من لحم صاحبكما أخرجه أبو العباس الدغولي في الآداب من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا نحوه فانظر كيف جمعهما وكان القائل أحدهما والآخر مستمعا وقال للرجلين اللذين قال أحدهما أقعص الرجل كما يقعص الكلب انهشا من هذه الجيفة حديث انهشا من هذه الميتة قاله للرجلين اللذين قال أحدهما اقعص كما يقعص الكلب تقدم قبل هذا بإثني عشر حديثا فجمع بينهما فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه أو بقلبه إن خاف وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل لزمه وإن قال بلسانه اسكت وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق ولا يخرجه من الإثم ما لم يكرهه بقلبه ولا يكفي في ذلك أن يشير باليد أي اسكت أو يشير بحاجبه وجبينه فإن ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يعظم ذلك فيذب عنه صريحا وقال صلى الله عليه وسلم من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حديث من أذل عنده مؤمن وهو قادر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رءوس الخلائق أخرجه الطبراني من حديث سهل بن حنيف وفيه ابن لهيعة وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة حديث أبي الدرداء من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وفيه شهر بن حوشب وهو عند الطبراني من وجه آخر بلفظ رد الله عن وجهه النار يوم القيامة وفي رواية له كان له حجابا من النار وكلاهما ضعيف وقال أيضا من ذب عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار حديث من ذب عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار أخرجه والطبراني من رواية شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد وقد ورد في نصرة المسلم في الغيبة وفي فضل ذلك أخبار كثيرة أوردناها في كتاب آداب الصحبة وحقوق المسلمين فلا نطول بإعادتها.

بيان الأسباب الباعثة على الغيبة

اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة ولكن يجمعها أحد عشر سببا ثمانية منها تطرد في حق العامة وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة أما الثمانية فالأول أن يشفي الغيظ وذلك إذا جرى سبب غضب به عليه فإنه إذا هاج غضبه يشتفي بذكر مساويه فيسبق اللسان إليه بالطبع إن لم يكن ثم دين وازع وقد يمتنع تشفي الغيظ عند الغضب فيحتقن الغضب في الباطن فيصير حقدا ثابتا فيكون سببا دائما لذكر المساوي فالحقد والغضب من البواعث العظيمة على الغيبة الثاني موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم على الكلام فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم أو قطع المجلس استثقلوه ونفروا عنه فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي الثالث أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته أو يبتديء بذكر ما فيه صادقا ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول ما من عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت الرابع أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله وكان من حقه أن يبريءنفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركا له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله الخامس إرادة التصنع والمباهاة وهو أن يرفع نفسه بتنقيص غيره فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنه أعلم منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك السادس الحسد وهو أنه ربما يحسد من يثني الناس عليه ويحبونه ويكرمونه فيريد زوال تلك النعمة عنه فلا يجد سبيلا إليه إلا بالقدح فيه فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له وهذا هو عين الحسد وهو غير الغضب والحقد فإن ذلك يستدعي جناية من المغضوب عليه والحسد قد يكون مع الصديق المحسن والرفيق الموافق السابع اللعب والهزل والمطايبة وتزجية الوقت بالضحك فيذكر عيوب غيره بما يضحك الناس على سبيل المحاكاة ومنشؤه التكبر والعجب الثامن السخرية والاستهزاء استحقارا له فإن ذلك قد يجري في الحضور ويجري أيضا في الغيبة ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات وفيها خير ولكن شاب الشيطان بها الشر الأول أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين فيقول ما أعجب ما رأيت من فلان فإنه قد يكون به صادقا ويكون تعجبه من المنكر ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه فصار به مغتابا وآثما من حيث لا يدري ومن ذلك قول الرجل تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل الثاني الرحمة وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به فيقول مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتابا فيكون غمه ورحمته خيرا وكذا تعجبه ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه الثالث الغضب لله تعالى فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يظهره على غيره أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلا عن العوام فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا في ذكر الاسم وهو خطأ بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها عن ذكر الاسم كما سيأتي ذكره روي عن عامر بن واثلة أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم فردوا عليه السلام فلما جاوزهم قال رجل منهم إني لأبغض هذا في الله تعالى فقال أهل المجلس لبئس ما قلت والله لننبئنه ثم قالوا يا فلان لرجل منهم قم فأدركه وأخبره بما قال فأدركه رسولهم فأخبره فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى له ما قال وسأله أن يدعوه له فدعاه وسأله فقال قد قلت ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لم تبغضه فقال أنا جاره وأنا به خابر والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة قال فاسأله يا رسول الله هل رآني أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود فيها فسأله فقال لا فقال والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئا فسأله عنه فقال لا فقال والله ما رأيته يعطي سائلا ولا مسكينا قط ولا رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني نقصت منها أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها فسأله فقال لا فقال صلى الله عليه وسلم للرجل قم فلعله خير منك حديث عامر بن واثلة أن رجلا مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم فردوا عليه السلام فلما جاوزهم قال رجل منهم إني لأبغض هذا في الله الحديث بطوله وفيه فقال قم فلعله خير منك أخرجه أحمد بإسناد صحيح.

بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة

اعلم أن مساويء الأخلاق كلها إنما تعالج بمعجون العلم والعمل وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فلنفحص عن سببها وعلاج كف اللسان عن الغيبة على وجهين أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته بهذه الأخبار التي رويناها وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلا عما استباحه من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه وهو مع ذلك متعرض لمقت الله عز وجل ومشبه عنده بآكل الميتة بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب قال صلى الله عليه وسلم ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد حديث ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد لم أجد له أصلا وروي أن رجلا قال للحسن بلغني أنك تغتابني فقال ما بلغ من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي فهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفا من ذلك وينفعه أيضا أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه وذكر قوله صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس حديث طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس أخرجه البزار من حديث أنس بسند ضعيف ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك ذم نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يتحقق أن عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب كعجزه وهذا إن كان ذلك عيبا يتعلق بفعله واختياره وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ذم للخالق فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها قال رجل لحكيم يا قبيح الوجه قال ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه وإذا لم يجد العبد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى ولا يلوثن نفسه بأعظم العيوب فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب بل لو أنصف لعلم أن ظنه بنفسه أنه بريء من كل عيب جهل بنفسه وهو من أعظم العيوب وينفعه أن يعلم أن تألم غيره بغيبته كتألمه بغيبة غيره له فإذا كان لا يرضى لنفسه أن يغتاب فينبغي أن لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه فهذه معالجات جملية أما التفصيل فهو أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة فإن علاج العلة بقطع سببها وقد قدمنا الأسباب أما الغضب فيعالجه بما سيأتي في كتاب آفات الغضب وهو أن يقول إني إذا أمضيت غضبي عليه فلعل الله تعالى يمضي غضبه علي بسبب الغيبة إذ نهاني عنها فاجترأت على نهيه واستخففت بزجره وقد قال صلى الله عليه وسلم إن لجهنم بابا لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى حديث إن لجهنم بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله أخرجه البزار وابن أبي الدنيا وابن عدي والبيهقي والنسائي من حديث ابن عباس بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه حديث من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث سهل بن سعد بسند ضعيف ورويناه في الأربعين البلدانية للسلفي وقال صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا وهو يقدر على أن يمضيه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء حديث من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث معاذ بن أنس وفي بعض الكتب المنزلة على بعض النبيين يا ابن آدم اذكرني حين تغضب اذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وأما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلا أن يكون غضبك لله تعالى وذلك لا يوجب أن نذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه بالسوء فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب وهي الغيبة وأما تنزيه النفس بنسبة الغير إلى الخيانة حيث يستغنى عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت المخلوقين وأنت بالغيبة متعرض لسخط الله يقينا ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة ويحصل لك ذم الله تعالى نقدا وتنتظر دفع ذم الخلق نسيئة وهذا غاية الجهل والخذلان وأما عذرك كقولك إن أكلت الحرام ففلان يأكله وإن قبلت مال السلطان ففلان يقبله فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله تعالى لا يقتدي به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه ولو وافقته لسفه عقلك ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وعباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردي نفسها من قلة الجبل فهي أيضا تردي نفسها ولو كان لها لسان ناطق بالعذر وصرخت بالعذر وقالت العنز أكيس مني وقد أهلكت نفسها فكذلك أنا أفعل لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ثم لا تعجب ولا تضحك من نفسك وأما قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته به أبطلت فضلك عند الله وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقينا بما عند المخلوقين وهما ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئا وأما الغيبة لأجل الحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا وكنت في الدنيا معذبا بالحسد فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت خاسرا نفسك في الدنيا فصرت أيضا خاسرا في الآخرة لتجمع بين النكالين فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك فإذا أنت صديقه وعدو نفسك إذ لا تضره غيبتك وتضرك وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك أو تنقل إليك سيئاته ولا تنفعك وقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة وربما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك كما قيل وإذا أراد الله نشر فضيله طويت أتاح لها لسان حسود وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام فلو تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلتك وخزيك يوم القيامة يوم تحمل سيئات من استهزأت به وتساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ولو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منك فإنك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ يوم القيامة بيدك على ملأ من الناس ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئا بك وفرحا بخزيك ومسرورا بنصرة الله تعالى إياه عليك وتسلطه على الانتقام منك وأما الرحمة له على إثمه فهو حسن ولكن حسدك إبليس فأضلك واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما وتنقلب أنت مستحقا لأن تكون مرحوما إذ حبط أجرك ونقصت من حسناتك وكذلك الغضب لله تعالى لا يوجد الغيبة وإنما الشيطان حبب إليك الغيبة ليحبط أجر غضبك وتصير معرضا لمقت الله عز وجل بالغيبة وأما التعجب إذا أخرجك إلى الغيبة فتعجب من نفسك أنت كيف أهلكت نفسك ودينك بدين غيرك أو بدنياه وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدنيا وهو أن يهتك الله سترك كما هتكت بالتعجب ستر أخيك فإذن علاج جميع ذلك المعرفة فقط والتحقق بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان فمن قوى إيمانه بجميع ذلك أنكف لسانه عن الغيبة لا محالة.

بيان تحريم الغيبة بالقلب

اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساويءالغير فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه على غيره بالسوء فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه بل الشك أيضا معفو عنه ولكن المنهي عنه أن يظن والظن عبارة عما تركن إليه النفس ويميل إليه القلب فقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم وسبب تحريمه أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك فينبغي أن تكذبه فإنه أفسق الفساق وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فلا يجوز تصديق إبليس وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد واحتمل خلافه لم يجز أن تصدق به لأن الفاسق يتصور أن بصدق في خيره ولكن لا يجوز لك أن تصدق به حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها وما شربها أو حمل عليه قهرا فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب وإساءة الظن بالمسلم بها وقد قال صلى الله عليه وسلم إن الله حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء حديث إن الله حرم من المسلم دمه وماله وأن يظن به ظن السوء أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند ضعيف ولابن ماجه نحوه من حديث ابن عمر فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال وهو نفس مشاهدته أو بينة عادلة فإذا لم يكن كذلك وخطر لك وسواس سوء الظن فينبغي أن تدفعه عن نفسك وتقرر عليها أن حاله عندك مستور كما كان وأن ما رأيته منه يحتمل الخير والشر فإن قلت فبماذا يعرف عقد الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث فتقول أمارة عقد سوء الظن أن يتغير القلب معه عما كان فينفر عنه نفورا ما ويستثقله ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه وقد قال صلى الله عليه وسلم ثلاث في المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن أن لا يحققه حديث ثلاث في المؤمن وله منهن مخرج أخرجه الطبراني من حديث حارثة بن النعمان بسند ضعيف أي لا يحققه في نفسه بعقد ولا فعل لا في القلب ولا في الجوارح أما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة وأما في الجوارح فبالعمل بموجبه والشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس ويلقى إليه أن هذا من فطنتك وسرعة فهمك وذكائك وأن المؤمن ينظر بنور الله تعالى وهو على التحقيق ناظر بغرور الشيطان وظلمته وأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته لكنت جانيا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب وذلك أيضا من سوء الظن فلا ينبغي أن تحسن الظن بواحد وتسيء بالآخر نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة ومحاسدة وتعنت فتتطرق التهمة بسببه فقد رد الشرع شهادة الأب العدل للولد للتهمة ورد شهادة العدو حديث رد الشرع شهادة الوالد العدل وشهادة العدو أخرجه الترمذي من حديث عائشة وضعفه لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر لأخيه وفيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولأبي داود وابن ماجه بإسناد جيد من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه فلك عند ذلك أن تتوقف وإن كان عدلا فلا تصدقه ولا تكذبه ولكن تقول في نفسك المذكور حاله كان عندي في ستر الله تعالى وكان أمره محجوبا عني وقد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره وقد يكون الرجل ظاهره العدالة ولا محاسدة بينه وبين المذكور ولكن قد يكون من عادته التعرض للناس وذكر مساويهم فهذا قد يظن أنه عدل وليس بعدل فإن المغتاب فاسق وإن كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة فانصحه في السر ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم وتنظر إليه بعين الاستحقار وتترفع عليه بإيذاء الوعظ وليكن قصدك تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليلا نقصان في دينك وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحب إليك من تركه بالنصيحة فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ وأجر الغم بمصيبته وأجر الإعانة له على دينة ومن ثمرات سوء الظن التجسس فإن القلب لا يقنع بالظن ويطلب التحقيق فيشتغل بالتجسس وهو أيضا منهي عنه قال الله تعالى ولا تجسسوا فالغيبة وسوء الظن والتجسس منهي عنه في آية واحدة ومعنى التجسس أن لا يترك عباد الله تحت ستر الله فيتوصل إلى الإطلاع وهتك الستر حتى ينكشف له ما لو كان مستورا عنه كان أسلم لقلبه ودينه وقد ذكرنا في كتاب الأمر بالمعروف حكم التجسس وحقيقته.

بيان الأعذار المرخصة في الغيبة

اعلم أن المرخص في ذكر مساوي الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة وهي ستة أمور الأول التظلم فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتابا عاصيا إن لم يكن مظلوما أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى السلطان وينسبه إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقة إلا به قال صلى الله عليه وسلم إن لصاحب الحق مقالا حديث لصاحب الحق مقال متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال عليه السلام مطل الغنى ظلم حديث مطل الغنى ظلم متفق عليه من حديثه وقال عليه السلام لي الواجد يحل عقوبته وعرضه حديث لي الواحد يحل عرضه وعقوبته أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الشريد بإسناد صحيح الثاني الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى منهج الصلاح كما روي أن عمر رضي الله عنه مر على عثمان وقيل على طلحة رضي الله عنه فسلم عليه فلم يرد السلام فذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه فذكر له ذلك فجاء أبو بكر إليه ليصلح ذلك ولم يكن ذلك غيبة عندهم وكذلك لما بلغ عمر رضي الله عنه أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام كتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب الآية فتاب ولم ير ذلك عمر ممن أبلغه غيبة إذ كان قصده أن ينكر عليه ذلك فينفعه نصحه ما لا ينفعه نصح غيره وإنما إباحة هذا بالقصد الصحيح فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراما الثالث الاستفتاء كما يقول للمفتي ظلمني أبي أو زوجتي أو أخي فكيف طريقي في الخلاص والأسلم التعريض بأن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو زوجته ولكن التعيين مباح بهذا القدر لما روي عن هند بنت عتبة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني أنا وولدي أفآخذ من غير علمه فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف حديث إن هندا قالت إن أبا سفيان رجل شحيح متفق عليه من حديث عائشة فذكرت الشح والظلم لها ولولدها ولم يزجرها صلى الله عليه وسلم إذ كان قصدها الاستفتاء الرابع تحذير المسلم من الشر فإذا رأيت فقيها يتردد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره وذلك موضع الغرور إذ قد يكون الحسد هو الباعث ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق وكذلك من اشترى مملوكا وقد عرفت المملوك بالسرقة أو بالفسق أو بعيب آخر فلك أن تذكر ذلك فإن سكوتك ضرر المشتري وفي ذكرك ضرر العبد والمشتري أولى بمراعاة جانبه وكذلك المزكي إذا سئل عن الشاهد فله الطعن فيه إن علم مطعنا وكذلك المستشار في التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرفه على قصد النصح للمستشير لا على قصد الوقيعة فإن علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله لا تصلح لك فهو الواجب وفيه الكفاية وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس حديث أترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه يحذره الناس أخرجه الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عدي من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده دون قوله حتى يعرفه الناس ورواه بهذه الزيادة ابن أبي الدنيا في الصمت وكانوا يقولون ثلاثة لا غيبة لهم الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه الخامس أن يكون الإنسان معروفا بلقب يعرب عن عيبه كالأعرج والأعمش فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسلمان عن الأعمش وما يجري مجراه فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف ولأن ذلك قد صار بحيث لا يكرهه صاحبه لو علمه بعد أن قد صار مشهورا به نعم إن وجد عنه معدلا وأمكنه التعريف بعبارة أخرى فهو أولى ولذلك يقال للأعمى البصير عدولا عن اسم النقص السادس أن يكون مجاهرا بالفسق كالمخنث وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له ولا يكره أن يذكر به فإذا ذكرت فيه ما يتظاهر به فلا إثم عليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له حديث من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ في كتاب ثواب الأعمال من حديث أنس بسند ضعيف وقد تقدم وقال عمر رضي الله عنه ليس لفاجر حرمة وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر إذا المستتر لا بد من مراعاة حرمته وقال الصلت بن طريف قلت للحسن الرجل الفاسق المعلن بفجوره ذكرى له بما فيه غيبة له قال لا ولا كرامة وقال الحسن ثلاثة لا غيبة لهم صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقه والإمام الجائر فهؤلاء الثلاثة يجمعهم أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون به فكيف يكرهون ذلك وهم يقصدون إظهاره نعم لو ذكره بغير ما يتظاهر به أثم وقال عوف دخلت على ابن سيرين فتناولت عنده الحجاج فقال إن الله حكم عدل ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه وإنك إذا لقيت الله تعالى غدا كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج.

بيان كفارة الغيبة

اعلم أن الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه ثم يستحل المغتاب ليحله فيخرج من مظلمته وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله إذ المرائي قد يستحل ليظهر من نفسه الورع وفي الباطن لا يكون نادما فيكون قد قارف معصية أخرى وقال الحسن يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وربما استدل في ذلك بما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة من اغتبته أن تستغفر له حديث كفارة من اغتبته أن تستغفر له أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث أنس بسند ضعيف وقال مجاهد كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة قال أن تمشي إلى صاحبك فتقول له كذبت فيما قلت وظلمتك وأسأت فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت وهذا هو الأصح وقول القائل العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال كلام ضعيف إذ قد وجب في العرض حد القذف وتثبت المطالبة به بل في الحديث الصحيح ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم إنما يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته حديث من كانت له عند أخيه مظلمة من عرض أول مال فليتحلله الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقالت عائشة رضي الله عنها لامرأة قالت لأخرى أنها طويلة الذيل قد اغتبتيها فاستحليها فإذن لا بد من الاستحلال إن قدر عليه فإن كان غائبا أو ميتا فينبغي أن يكثر له الاستغفار والدعاء ويكثر من الحسنات فإن قلت فالتحليل هل يجب فأقول لا لأنه تبرع والتبرع فضل وليس بواجب ولكنه مستحسن وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة وكان بعض السلف لا يحلل قال سعيد بن المسيب لا أحلل من ظلمني وقال ابن سيرين إني لم أحرمها عليه فأحللها له إن الله حرم الغيبة عليه وما كنت لأحلل ما حرم الله أبدا فإن قلت فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يستحلها وتحليل ما حرمه الله تعالى غير ممكن فنقول المراد به العفو عن المظلمة لا أن ينقلب الحرام حلالا وما قاله ابن سيرين حسن في التحليل قبل الغيبة فإنه لا يجوز له أن يحلل لغيره الغيبة فإن قلت فما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني قد تصدقت بعرضي على الناس حديث أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته قال اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس أخرجه البزار وابن السني في اليوم والليلة والعقيلي في الضعفاء من حديث أنس بسند ضعيف وذكره ابن عبد البر من حديث ثابت مرسلا عند ذكر أبي ضمضم في الصحابة قلت وإنما هو رجل ممن كان قبلنا كما عند البزار والعقيلي فكيف يتصدق بالعرض ومن تصدق به فهل يباح تناوله فإن كان لا تنفذ صدقته فما معنى الحث عليه فنقول معناه إني لا أطلب مظلمة في القيامة منه ولا أخاصمه وإلا فلا تصير الغيبة حلالا به ولا تسقط المظلمة عنه لأنه عفو قبل الوجوب إلا أنه وعد وله العزم على الوفاء بأن لا يخاصم فإن رجع وخاصم كان القياس كسائر الحقوق أن له ذلك بل صرح الفقهاء أن من أباح القذف لم يسقط حقه من حد القاذف ومظلمة الآخرة مثل مظلمة الدنيا وعلى الجملة فالعفو أفضل قال الحسن إذا جثت الأمم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة نودوا ليقم من كان له أجر على الله فلا يقوم إلا العافون عن الناس في الدنيا وقد قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما هذا العفو فقال إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك حديث نزول خذ العفو الآية فقال يا جبريل ما هذا فقال إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك تقدم في رياضة النفس وروي عن الحسن أن رجلا قال له إن فلانا قد اغتابك فعبث إليه رطبا على طبق وقال قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام الآفة السادسة عشرة النميمة قال الله تعالى هماز مشاء بنميم ثم قال عتل بعد ذلك زنيم قال عبد الله بن المبارك الزنيم ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث وأشار به إلى أن كل من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة دل على أنه ولد زنا استنباطا من قوله عز وجل عتل بعد ذلك زنيم والزنيم هو الدعي وقال تعالى ويل لكل همزة لمزه قيل الهمزة النمام وقال تعالى حمالة الحطب قيل إنها كانت نمامة حمالة للحديث وقال تعالى فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا قيل كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان وامرأة نوح تخبر أنه مجنون وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة نمام حديث لا يدخل الجنة نمام وفي حديث آخر قتات متفق عليه من حديث حذيفة وقد تقدم وفي حديث آخر لا يدخل الجنة قتات والقتات هو النمام وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى الله المشاءون بالنميمة المفرقون بين الإخوان الملتمسون للبرءاء العثرات حديث أبي هريرة وأحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير وتقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بشراركم قالوا بلى قال المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرءاء العيب حديث ألا أخبركم بشراركم قالوا بلى قال المشاءون بالنميمة الحديث أخرجه أحمد من حديث أبي مالك الأشعري وقد تقدم وقال أبو ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة حديث أبي ذر من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والطبراني في مكارم الأخلاق وفيه عبد الله بن ميمون فإن يكن القداح فهو متروك الحديث وقال أبو الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها بريءليشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار حديث أبي الدرداء أيما رجل أشاع على رجل كلمة هو منها بريء ليشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار أخرجه ابن أبي الدنيا موقوفا على أبي الدرداء ورواه الطبراني بلفظ آخر مرفوعا من حديثه وقد تقدم وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شهد على مسلم بشهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار حديث أبي هريرة من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار أخرجه أحمد وابن أبي الدنيا وفي رواية أحمد رجل لم يسم أسقطه ابن أبي الدنيا في الأسناد ويقال إن ثلث عذاب القبر من النميمة وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمي فقالت سعد من دخلني فقال الجبار جل جلاله وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس لا يسكنك مدمن خمر ولا مصر على الزنا ولا قتات وهو النمام ولا ديوث ولا شرطي ولا مخنث ولا قاطع رحم ولا الذي يقول على عهد الله إن لم أفعل كذا وكذا ثم لم يف به حديث ابن عمر إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمي قالت سعد من دخلني قال الجبار وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية فذكر منها ولا قتات وهو النمام لم أجده هكذا بتمامة ولأحمد لا يدخل الجنة عاق لوالديه ولا ديوث وللنسائي من حديث عبد الله بن عمرو لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر وللشيخين من حديث حذيفة لا يدخل الجنة قتات ولهما من حديث جبير بن مطعم لا يدخل الجنة قاطع وذكر صاحب الفردوس من حديث ابن عباس لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي تزيني فتزينت فقالت طوبى لمن دخلني ورضي عنه إلهي فقال الله عز وجل لا سكنك مخنث ولا نائحة وروي كعب الأحبار أن بني إسرائيل أصابهم قحط فاستسقى موسى عليه السلام مرات فما سقوا فأوحى الله تعالى إليه إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة فقال موسى يارب من هو دلني عليه حتى أخرجه من بيننا قال يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما فتابوا جميعا فسقوا ويقال اتبع رجل حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما قدم عليه قال إني جئتك للذي آتاك الله تعالى من العلم أخبرني عن السماء وما أثقل منها وعن الأرض وما أوسع منها وعن الصخر وما أقسى منه وعن النار وما أحر منها وعن الزمهرير وما أبرد منه وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما أذل منه فقال له الحكيم البهتان على البريء أثقل من السموات والحق أوسع من الأرض والقلب القانع أغنى من البحر والحرص والحسد أحر من النار والحاجة إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم.

بيان حد النميمة وما يجب في ردها

اعلم أن اسم النميمة إنما يطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا وليست النميمة مختصة به بل حدها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث وسواء كان الكشف بالقول أبو بالكتابة أو بالرمز أو بالإيماء وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه أو لم يكن بل حقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه بل كان ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره فينبغي أن يسكت عنه إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع لمعصية كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر فإن كان ما ينم به نقصا وعيبا في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة فالباعث على النميمة إما إرادة السوء للمحكي عنه أو إظهار الحب للمحكي له أو التفرج بالحديث والخوض في الفضول والباطل وكل من حملت إليه النميمة وقيل له إن فلانا قال فيك كذا وكذا أو فعل في حقك كذا أو هو يدبر في إفساد أمرك أو في ممالاة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجري مجراه فعليه ستة أمور الأول أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال الله تعالى وأمر بالمعروف وانه عن المنكر الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغضه الله تعالى الرابع أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم الخامس أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعا لقول الله تعالى ولا تجسسوا السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمته فتقول فلان قد حكى لي كذا وكذا فتكون به نماما ومغتابا وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر إن شئت نظر نافي أمرك فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية هماز مشاء بنميم وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا وذكر أن حكيما من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه فقال له الحكيم قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات بغضت أخي إلي وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة وروي أن سليمان بن عبد الملك كان جالسا وعنده الزهري فجاءه رجل فقال له سليمان بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت فقال سليمان إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري لا يكون النمام صادقا فقال سليمان صدقت ثم قال للرجل اذهب بسلام وقال الحسن من نم إليك نم عليك وهذا إشارة إلى أن النمام ينبغي أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة وهو ممن يسعون في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وقال تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق والنمام منهم وقال صلى الله عليه وسلم إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره حديث إن من شر الناس اتقاه الناس لشره متفق عليه من حديث عائشة نحوه والنمام منهم وقال لا يدخل الجنة قاطع قيل وما القاطع قال قاطع بين الناس حديث لا يدخل الجنة قاطع متفق عليه من حديث جبير بن مطعم وهو النمام وقيل قاطع الرحم وروي عن علي رضي الله عنه أن رجلا سعى إليه برجل فقال له يا هذا نحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقا مقتناك وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن شئت أن نقيلك أقلناك فقال أقلني يا أمير المؤمنين وقيل لمحمد بن كعب القرظي أي خصال المؤمن أوضع له فقال كثرة الكلام وإفشاء السر وقبول قول كل أحد وقال رجل لعبد الله ابن عامر وكان أميرا بلغني أن فلانا أعلم الأمير أني ذكرته بسوء قال قد كان ذلك قال فأخبرني بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك قال ما أحب أن أشتم نفسي بلساني وحسبي أني لم أصدقه فيما قال ولا أقطع عنك الوصال وذكرت السعاية عند بعض الصالحين فقال ما ظنكم بقوم يحمد الصدق من كل طائفة من الناس إلا منهم وقال مصعب بن الزبير نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه فاتقوا الساعي فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة والسعاية هي النميمة إلا إنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية وقد قال صلى الله عليه وسلم الساعي بالناس إلى الناس لغير رشدة حديث الساعي بالناس إلى الناس لغير رشدة أخرجه الحاكم من حديث أبي موسى من سعى بالناس فهو لغير رشدة أو فيه شيء منها وقال له أسانيد هذا أمثلها قلت فيه سهل بن عطية قال فيه ابن طاهر في التذكرة منكر الرواية قال والحديث لا أصل له وقد ذكر ابن حبان في الثقات سهل بن عطية ورواه الطبراني بلفظ لا يسعى على الناس إلا ولد بغى وإلا من فيه عرق منه وزاد بين سهل وبين بلال بن أبي بردة أبا الوليد القرشي يعني ليس بولد حلال ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فاستأذنه في الكلام وقال إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته فقال قل فقال يا أمير المؤمنين إنه قد اكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه ولا تصخ إليهم فيما استحفظك الله إياه فإنهم لن يألوا في الأمة خسفا وفي الأمانة تضييعا والأعراض قطعا وانتهاكا أعلى قربهم البغي والنميمة وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة وأنت مسئول عما أجرموا وليسوا المسئولين عما أجرمت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره وسعى رجل بزياد الأعجم إلى سليمان بن عبد الملك فجمع بينهما للموافقة فأقبل زياد على الرجل وقال فأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا فخنت وإما قلت قولا بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة بين الخيانة والإثم وقال رجل لعمرو بن عبيد إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر فقال له عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أفضل من الربح ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في مستور ولولا أنك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك فتوق يا ملعون العيب فإن الله أعلم بالغيب الميت رحمه الله واليتيم جبره الله والمال ثمره الله والساعي لعنه الله وقال لقمان لابنه يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بهن لم تزل سيدا أبسط خلقك للقريب والبعيد وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ إخوانك وصل أقاربك وآمنهم من قبول قول ساع أو سماع باغ يريد فسادك ويروم خداعك وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك وقال بعضهم النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي أثافي الذل وقال بعضهم لو صح ما نقله النمام إليك لكان هو المجتريء بالشتم عليك والمنقول عنه أولى بحلمك لأنه لم يقابلك بشتمك وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى قال حماد بن سلمة باع رجل عبدا وقال للمشتري ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت فاشتراه فمكث الغلام أياما ثم قال لزوجة مولاه إن سيدي لا يحبك وهو يريد إن يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك ثم قال للزوج إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين فنسأل الله حسن التوفيق الآفة السابعة عشرة كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد منهما بكلام يوافقه وقلما يخلو عنه من يشاهد متعاديين وذلك عين النفاق قال عمار بن ياسر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة حديث عمار بن ياسر من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود بسند حسن وقال أبو هريرة قال سول الله صلى الله عليه وسلم تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث حديث أبي هريرة تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الحديث متفق عليه بلفظ تجد من شر الناس لفظ البخاري وهو عند ابن أبي الدنيا بلفظ مصنف وفي لفظ آخر الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه وقال أبو هريرة لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا عند الله وقال مالك بن دينار قرأت في التوراة بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين يهلك الله تعالى يوم القيامة كل شفتين مختلفتين وقال صلى الله عليه وسلم أبغض خليقة الله إلى الله يوم القيامة الكذابون والمستكبرون والذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقوهم تملقوا لهم والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاء وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعا حديث أبغض خليقة الله إلى الله يوم القيامة الكذابون والمستكبرون والذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقوهم تملقوا لهم الحديث لم أقف له على أصل وقال ابن مسعود لا يكونن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة قال الذي يجري مع كل ريح واتفقوا على أن ملاقاة الاثنين بوجهين نفاق وللنفاق علامات كثيرة وهذه من جملتها وقد روي أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات فلم يصل عليه حذيفة فقال له عمر يموت رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تصل عليه فقال يا أمير المؤمنين إنه منهم فقال نشدتك الله أنا منهم أم لا قال اللهم لا ولا أؤمن منها أحدا بعدك فإن قلت بماذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك فأقول إذا دخل على متعاديين وجامل كل واحد منهما وكان صادقا فيه لم يكن منافقا ولا ذا لسانين فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معادة الأعداء كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة والأخوة نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من النميمة إذ يصير نماما بأن ينقل من أحد الجانبين فقط فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام وإن لم ينقل كلاما ولكن حسن لكل واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه فهذا ذو لسانين وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره وكذلك إذا أثنى على واحد منهما في معاداته وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوه قيل لابن عمر رضي الله عنهما إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قيل لابن عمر إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره قال كنا نعد ذلك نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الطبراني من طرق وهذا نفاق مهما كان مستغنيا عن الدخول على الأمير وعن الثناء عليه فلو استغنى عن الدخول ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن فهو نفاق لأنه الذي أحوج نفسه إلى ذلك فإن كان مستغنيا عن الدخول لو قنع بالقليل وترك المال والجاه فدخل لضرورة الجاه والغنى وأثنى فهو منافق وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل حديث حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة بسند ضعيف إلا أنه قال حب الغناء وقال العشب مكان البقل لأنه يحوج إلى الأمراء وإلى مراعاتهم ومراءاتهم فأما إذا ابتلى به لضرورة وخاف إن لم يثن فهو معذور فإن اتقاء الشر جائز قال أبو الدرداء رضي الله عنه إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وقالت عائشة رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو ثم لما دخل ألان له القول فلما خرج قلت يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس الذي يكرم اتقاء شره حديث عائشة استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائذنوا له فبئس رجل العشيرة الحديث وفيه إن شر الناس الذي يكرم اتقاء لشره متفق عليه وقد تقدم في الآفة التي قبلها ولكن هذا ورد في الإقبال وفي الكشر والتبسم فأما الثناء فهو كذب صراح ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يباح الكذب بمثله كما ذكرناه في آفة الكذب بل لا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على كل كلام باطل فإن فعل ذلك فهو منافق بل ينبغي أن ينكر فإن لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه الآفة الثامنة عشرة المدح وهو منهي عنه في بعض المواضع أما الذم فهو الغيبة والوقيعة فقد ذكرنا حكمها والمدح يدخله ست آفات أربع في المادح واثنتان في الممدوح فأما المادح فالأولى أنه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب قال خالد بن معدان من مدح إماما أو أحدا بما ليس فيه على رءوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه والثانية أنه قد يدخله الرياء فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون مضمرا له ولا معتقدا لجميع ما يقوله فيصير به مرائيا منافقا الثالثة أنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه وروي أن رجلا مدح رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ثم قال إن كان أحدكم لا بد مادحا أخاه فليقل أحسب فلانا ولا أزكي على الله أحد حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك حديث إن رجلا مدح رجلا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحك قطعت عنق صاحبك متفق عليه من حديث أبي بكرة بنحوه وهو في الصمت لابن أبي الدنيا بلفظ المصنف وهذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة كقوله إنه متق وورع وزاهد وخير وما يجري مجراه فأما إذا قال رأيته يصلي بالليل ويتصدق ويحج فهذه أمور مستيقنة ومن ذلك قوله إنه عدل رضا فإن ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول فيه إلا بعد خبرة باطنه سمع عمر رضي الله عنه رجلا يثني على رجل فقال أسافرت معه قال لا قال أخالطته في المبايعة والمعاملة قال لا قال فأنت جاره صباحه ومساءه قال لا فقال والله الذي لا إله إلا هو لا أراك تعرفه الرابعة أنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم أو فاسق وذلك غير جائز قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق حديث إن الله يغضب إذا مدح الفاسق أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب من حديث أنس وفيه أبو خلف خادم أنس ضعيف ورواه أبو يعلى الموصلي وابن عدي بلفظ إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش قال الذهبي في الميزان منكر وقد تقدم في آداب الكسب وقال الحسن من دعا لظالم بطول البقاء فقد أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح وأما الممدوح فيضره من وجهين أحدهما أنه يحدث فيه كبرا وإعجابا وهما مهلكان قال الحسن رضي الله عنه كان عمر رضي الله عنه جالسا ومعه الدرة والناس حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل هذا سيد ربيعة فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال مالي ولك يا أمير المؤمنين قال مالي ولك أما سمعتها قال سمعتها فمه قال خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطيء منك الثاني هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه ومن أعجب بنفسه قل تشمره وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصرا فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال عليه السلام قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح وقال صلى الله عليه وسلم إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضا حديث إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضا أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق من رواية يحيى بن جابر مرسلا وقال أيضا لمن مدح رجلا عقرت الرجل عقرك الله حديث عقرت الرجل عقرك الله قاله لمن مدح رجلا لم أجد له أصلا وقال مطرف ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي وقال زياد بن أبي مسلم ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكن المؤمن يراجع فقال ابن المبارك لقد صدق كلاهما أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام وأما ما ذكره مطرف فذلك قلب الخواص وقال صلى الله عليه وسلم لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه حديث لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه لم أجده أيضا وقال عمر رضي الله عنه المدح هو الذبح وذلك لأن المذبوح هو الذي يفتر عن العمل والمدح يوجب الفتور أو لأن المدح يورث العجب والكبر وهما مهلكان كالذبح لذلك شبهه به فإن سلم المدح من هذه الآفات في حق المادح والممدوح لم يكن به بأس بل ربما كان مندوبا إليه ولذلك أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحابة فقال لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالم لرجح حديث لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح تقدم في العلم وقال في عمر لو لم أبعث لبعثت يا عمر حديث لو لم أبعث لبعثت يا عمر أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وهو منكر والمعروف من حديث عقبة بن عامر لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب رواه الترمذي وحسنه وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه صلى الله عليه وسلم قال عن صدق وبصيرة وكانوا رضي الله عنهم أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبرا وعجبا وفتورا بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر حديث أنا سيد ولد آدم ولا فخر أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سيعد الخدري والحاكم من حديث جابر وقال صحيح الإسناد وله من حديث عبادة بن الصامت أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر ولمسلم من حديث أبي هريرة أنا سيد ولد آدم يوم القيامة أي لست أقول هذا تفاخرا كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن افتخاره صلى الله عليه وسلم كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولا عظيما إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه قال صلى الله عليه وسلم وجبت حديث وجبت قاله لما أثنوا على بعض الموتى متفق عليه من حديث أنس لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح.

بيان ما على الممدوح

اعلم أن على الممدوح أن يكون شديد الاحتراز عن آفة الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انكشف له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح قال صلى الله عليه وسلم احثوا التراب في وجوه المادحين حديث احثوا في وجوه المداحين التراب أخرجه مسلم من حديث المقداد وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثني على رجل من الصالحين فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثني عليه اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته وقال علي رضي الله عنه لما أثني عليه اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون واجعلني خيرا مما يظنون وأثنى رجل على عمر رضي الله عنه فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ما قلت وفوق ما في نفسك الآفة التاسعة عشر الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى يعفو عنه لجهله مثاله ما قال حذيفة قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يقل أحدكم ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت حديث حذيفة لا يقل أحدكم ما شاء الله وشئت الحديث أخرجه أبو داود والنسائي في الكبرى بسند صحيح وذلك لأن في العطف المطلق تشريكا وتسوية وهو على خلاف الاحترام وقال ابن عباس رضي الله عنهما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال صلى الله عليه وسلم أجعلتني لله عديلا بل ما شاء الله وحده حديث ابن عباس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال أجعلتني لله عدلا قل ما شاء الله وحده أخرجه النسائي في الكبرى بإسناد حسن وابن ماجه وخطب رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حديث خطب رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى الحديث أخرجه مسلم من حديث عدي بن حاتم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ومن يعصهما لأنه تسوية وجمع وكان إبراهيم يكره أن يقول الرجل أعوذ بالله وبك ويجوز أن يقول أعوذ بالله ثم بك وأن يقول لولا الله ثم فلان ولا يقول لولا الله وفلان وكره بعضهم أن يقال اللهم أعتقنا من النار وكان يقول العتق يكون بعد الورود وكانوا يستجيرون من النار ويتعوذون من النار وقال رجل اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فقال حذيفة إن الله يغني المؤمنين عن شفاعة محمد وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين وقال إبراهيم إذا قال الرجل للرجل يا حمار يا خنزير قيل له يوم القيامة حمارا رأيتني خلقته خنزيرا رأيتني خلقته وعن ابن عباس رضي الله عنهما إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه فيقول لولاه لسرقنا الليلة وقال عمر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت حديث عمر إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم متفق عليه قال عمر رضي الله عنه فوالله ما حلفت بها منذ سمعتها وقال صلى الله عليه وسلم لا تسموا العنب كرما إنما الكرم الرجل المسلم حديث لا تسموا العنب الكرم إنما الكرم الرجل المسلم متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم عبدي ولا أمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ولا يقول المملوك ربي ولا ربتي وليقل سيدي وسيدتي فكلكم عبيد الله والرب الله سبحانه وتعالى وقال صلى الله عليه وسلم لا تقولوا للفاسق سيدنا فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم حديث لا تقولوا للمنافق سيدنا الحديث أخرجه أبو داود من حديث بريدة بسند صحيح وقال صلى الله عليه وسلم من قال أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقا فهو كما قال وإن كان كاذبا فلن يرجع إلى الإسلام سالما حديث من قال أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقا فهو كما قال الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث بريدة بإسناد صحيح فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام ولا يمكن حصره ومن تأمل جميع ما أوردنا من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم وعند ذلك يعرف سر قوله صلى الله عليه وسلم من صمت نجا حديث من صمت نجا أخرجه الترمذي وقد تقدم في أول آفات اللسان لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب وهي على طريق المتكلم فإن سكت سلم من الكل وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حافظ ومراقبة لازمة ويقلل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم فكن ممن سكت فسلم فالسلامة إحدى الغنيمتين الآفة العشرون سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه وعن الحروف وأنها قديمة أو محدثة ومن حقهم الاشتغال بالعمل بما في القرآن إلا أن ذلك ثقيل على النفوس والفضول خفيف على القلب والعامي يفرح بالخوض في العلم إذ الشيطان يخيل إليه أنك من العلماء وأهل الفضل ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى يتكلم في العلم بما هو كفر وهو لا يدري وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات وسوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل ويتعرضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة وكل من سأل عن علم غامض ولم يبلغ فهمه تلك الدرجة فهو مذموم فإنه بالإضافة إليه عامي ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم حديث ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقال أنس سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فأكثروا عليه وأغضبوه فصعد المنبر وقال سلوني لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من أبي فقال أبوك حذافة فقام إليه شابان أخوان فقالا يا رسول الله من أبونا فقال أبوكما الذي تدعيان إليه ثم قام إليه رجل آخر فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار فقال لا بل في النار فلما رأى الناس غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا فقام إليه عمر رضي الله عنه فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا فقال اجلس يا عمر رحمك الله إنك ما علمت لموفق حديث سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما حتى أكثروا عليه وأغضبوه فصعد المنبر فقال سلوني فلا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به الحديث متفق عليه مقتصرا على سؤال عبد الله بن حذافة وقول عمر ولمسلم من حديث أبي موسى فقام آخر فقال من أبي فقال أبوك سالم مولى شيبة وفي الحديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال حديث النهي عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة وقال صلى الله عليه وسلم يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقولوا قد خلق الله الخلق فمن خلق الله فإذا قالوا ذلك فقولوا قل هو الله أحد الله الصمد حتى تختم السورة ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم حديث يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقولوا قد خلق الله الخلق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم وقال جابر ما نزلت آية المتلاعنين إلا لكثرة السؤال حديث جابر ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال رواه البزار بإسناد جيد وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام تنبيه على المنع من السؤال قبل أوان استحقاقه إذ قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فلما سأل عن السفينة أنكر عليه حتى اعتذر وقال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فلم يصبر حتى سأل ثلاثا قال هذا فراق بيني وبينك وفارقه فسؤال العوام عن غوامض الدين من أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب قمعهم ومنعهم من ذلك وخوضهم في حروف القرآن يضاهي حال من كتب الملك إليه كتابا ورسم له فيه أمورا فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس الكتاب عتيق أم حديث فاستحق بذلك العقوبة لا محالة فكذلك تضييع العامي حدود القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حديثة وكذلك سائر صفات الله سبحانه وتعالى والله تعالى أعلم.

 

 

كتاب كسر الشهوتين

كتاب كسر الشهوتين

وهو الكتاب الثالث من ربع المهلكات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المنفرد بالجلال في كبريائه وتعاليه المستحق للتحميد والتقديس والتسبيح والتنزيه القائم بالعدل فيما يبرمه ويقضيه المتطول بالفضل فيما ينعم به ويسديه المتكفل بحفظ عبده في جميع موارده ومجاريه المنعم عليه بما يزيد على مهمات مقاصده بل بما يفي بأمانيه فهو الذي يرشده ويهديه وهو الذي يميته ويحييه وإذا مرض فهو يشفيه وإذا ضعف فهو يقويه وهو الذي يوفقه للطاعة ويرتضيه وهو الذي يطعمه ويسقيه ويحفظه من الهلاك ويحميه ويحرسه بالطعام والشراب عما يهلكه ويرديه ويمكنه من القناعة بقليل القوت ويقربه حتى تضيق به مجاري الشيطان الذي يناويه ويكسر به شهوة النفس التي تعاديه فيدفع شرها ثم يعبد ربه ويتقيه هذا بعد أن يوسع عليه ما يلتذ به ويشتهيه ويكثر عليه ما يهيج بواعثه ويؤكد دواعيه كل ذلك يمتحنه به ويبتليه فينظر كيف يؤثره على ما يهواه وينتحيه وكيف يحفظ أوامره وينتهي عن نواهيه ويواظب على طاعته وينزجر عن معاصيه والصلاة على محمد عبده النبيه ورسوله الوجيه صلاة تزلفه وتحظيه وترفع منزلته وتعليه وعلى الأبرار من عترته وأقربيه والأخيار من صحابته وتابعيه أما بعد فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسدات ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء ولو ذلل العبد نفسه بالجوع وضيق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله عز وجل ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وإيثار العاجلة على العقبى ولم يتكالب كل هذا التكالب على الدنيا وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحد وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيرا منها ووجب إيضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيبا فيها وكذلك شرح شهوة الفرج فإنها تابعة لها ونحن نوضح ذلك بعون الله تعالى في فصول يجمعها بيان فضيلة الجوع ثم فوائده ثم طريق الرياضة في كسر شهوة البطن بالتقليل من الطعام والتأخير ثم بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته باختلاف أحوال الناس ثم بيان الرياضة في ترك الشهوة ثم القول في شهوة الفرج ثم بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله ثم بيان فضيلة من يخالف شهوة البطن والفرج والعين.

بيان فضيلة الجوع وذم الشبع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل الله وأنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش حديث جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش ثم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل ملكوت السماء من ملأ بطنه حديث ابن عباس لا يدخل ملكوت السموات من ملأ بطنه لم أجده أيضا وقيل يا رسول الله أي الناس أفضل قال من قل مطعمه وضحكه ورضي مما يستر به عورته حديث أي الناس أفضل قال من قل طعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته يأتي الكلام عليه وعلى ما بعده من الأحاديث وقال النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف حديث سيد الأعمال الجوع وذل النفس لباس الصوف وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون فإنه جزء من النبوة حديث أبي مسعود الخدري البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون وقال الحسن قال النبي صلى الله عليه وسلم الفكر نصف العبادة وقلة الطعام هي العبادة حديث الفكر نصف العبادة وقلة الطعام هي العبادة وقال الحسن أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضلكم عند الله منزلة يوم القيامة أطولكم جوعا وتفكرا في الله سبحانه وأبغضكم عند الله عز وجل يوم القيامة كل نئوم أكول شروب حديث الحسن أفضلكم عند الله أطولكم جوعا وتفكرا الحديث لم أجد لهذه الأحاديث المتقدمة أصلا وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجوع من غير عوز حديث كان يجوع من غير عوز أي مختارا لذلك أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من حديث عائشة قالت لو شئنا أن نشبع لشبعنا ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه وإسناده معضل أي مختارا لذلك وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى يباهي الملائكة بمن قل مطعمه ومشربه في الدنيا يقول الله تعالى انظروا إلى عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا فصبر وتركهما اشهدوا يا ملائكتي ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة حديث أن الله يباهي الملائكة بمن قل مطعمه في الدنيا الحديث أخرجه ابن عدي في الكامل وقد تقدم في الصيام وقال صلى الله عليه وسلم لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء حديث لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب الحديث لم أقف له على أصل وقال صلى الله عليه وسلم ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه وإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه الحديث أخرجه الترمذي من حديث المقدام وقد تقدم وفي حديث أسامة بن زيد وحديث أبي هريرة الطويل ذكر فضيلة الجوع إذ قال فيه إن أقرب الناس من الله عز وجل يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا الأحفياء الأتقياء الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا تعرفهم بقاع الأرض وتحف بهم ملائكة السماء نعم الناس بالدنيا ونعموا بطاعة الله عز وجل افترش الناس الفرش الوثيرة وافترشوا الجباه والركب ضيع الناس فعل النبيين وأخلاقهم وحفظوها هم تبكي الأرض إذا فقدتهم ويسخط الجبار على كل بلدة ليس فيها منهم أحد لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف أكلوا العلق ولبسوا الخرق شعثا غبرا يراهم الناس فيظنون أن بهم داء وما بهم داء ويقال قد خولطوا فذهبت عقولهم وما ذهبت عقولهم ولكن نظر القوم بقلوبهم إلى أمر الله الذي أذهب عنهم الدنيا فهم عند أهل الدنيا يمشون بلا عقول عقلوا حين ذهبت عقول الناس لهم الشرف في الآخرة يا أسامة إذا رأيتهم في بلدة فاعلم أنهم أمان لأهل تلك البلدة ولا يعذب الله قوما هم فيهم الأرض بهم فرحة والجبار عنهم راض اتخذهم لنفسك إخوانا عسى أن تنجو بهم وإن استطعت إن يأتيك الموت وبطنك جائع وكبدك ظمآن فافعل فإنك تدرك بذلك شرف المنازل وتحل مع النبيين وتفرح بقدوم روحك الملائكة ويصلي عليك الجبار حديث أسامة بن زيد وأبي هريرة أقرب الناس من الله يوم القيامة من طال جوعه وعطشه الحديث بطوله أخرجه الخطيب في الزهد من حديث سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل على أسامة بن زيد فذكره مع تقديم وتأخير ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الموضوعات وفي حباب بن عبد الله بن جبلة أحد الكذابين وفيه من لا يعرف وهو منقطع أيضا ورواه الحارث بن أبي أسامة من هذا الوجه روى الحسن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال البسوا الصوف وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء حديث الحسن عن أبي هريرة البسوا الصوف وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف وقال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل حديث طاوس مرسلا أجيعوا أكبادكم الحديث لم أجده أيضا وروى ذلك أيضا عن نبينا صلى الله عليه وسلم رواه طاوس وقيل مكتوب في التوراة إن الله ليبغض الحبر السمين لأن السمن يدل على الغفلة وكثرة الأكل وذلك قبيح خصوصا بالحبر ولأجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه إن الله تعالى يبغض القارئ السمين وفي خبر مرسل إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والعطش حديث إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم الحديث تقدم في الصيام دون الزيادة التي في آخره وذكر المصنف هنا أنه مرسل والمرسل رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان من حديث علي بن الحسين دون الزيادة أيضا وفي الخبر إن الأكل على الشبع يورث البرص حديث إن الأكل على الشبع يورث البرص لم أجد له أصلا وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن يأكل في معى واحد والمنافق يأكل في سبعة أمعاء حديث المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء متفق عليه من حديث عمر وحديث أبي هريرة أي يأكل سبعة أضعاف ما يأكل المؤمن أو تكون شهوته سبعة أضعاف شهوته وذكر المعى كفاية عن الشهوة لأن الشهوة هي التي تقبل الطعام وتأخذه كما يأخذ المعى وليس المعنى زيادة عدد معى المنافق على معى المؤمن وروى الحسن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أديموا قرع باب الجنة يفتح لكم فقلت كيف نديم قرع باب الجنة قال بالجوع والظمأ حديث الحسن عن عائشة أديموا قرع باب الجنة الحديث لم أجده أيضا وروي أن أبا جحيفة تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أقصر من جشائك فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا حديث إن أبا جحيفة تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أقصر من جشائك فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي جحيفة وأصله عند الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عمر تجشأ رجل الحديث لم يذكر أبا جحيفة وكانت عائشة رضي الله عنها تقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تمتليء قط شبعا وربما بكيت رحمة مما أرى به من الجوع فأمسح بطنه بيدي وأقول نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع فيقول يا عائشة إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا مضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم فالصبر أياما يسيرة أحب إلي من أن ينقص حظي غدا في الآخرة وما من شيء أحب إلى من اللحوق بأصحابي وإخواني قالت عائشة فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله إليه حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم لم يمتلئ شبعا قط وربما بكيت رحمة له لما أرى به من الجوع الحديث أخرجه أبو موسى المديني مطولا في كتاب استحلاء الموت وأورد منه عياض في الشفاء وعن أنس قال جاءت فاطمة رضوان الله عليها بكسرة خبز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه الكسرة قالت قرص خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك منه بهذه الكسرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه أول طعام دخل فم أبيك مند ثلاثة أيام حديث أنس جاءت فاطمة بكسرة خبز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده بسند ضعيف وقال أبو هريرة ما أشبع النبي صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا حديث أبي هريرة ما شبع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز الحنطة حتى فارق الدنيا أخرجه مسلم وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم إن أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة وإن أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأى وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت له درجة في الجنة حديث إن أهل الجوع في الدنيا هم أهل الشبع في الآخرة أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف وأما الآثار فقد قال عمر رضي الله عنه إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة نتن في الممات وقال شقيق البلخي العبادة حرفة حانوتها الخلوة وآلتها المجاعة وقال لقمان لابنه يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه أي شيء تخافين أتخافين أن تجوعي لا تخافي ذلك أنت أهون على الله من ذلك إنما يجوع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكان كهمس يقول إلهي أجعتني وأعريتني وفي ظلم الليالي بلا مصباح أجلستني فبأي وسيلة بلغتني ما بلغتني وكان فتح الموصلي إذا اشتد مرضه وجوعه يقول إلهي ابتليتني بالمرض والجوع وكذلك تفعل بأوليائك فبأي عمل أؤدي شكر ما أنعمت به علي وقال مالك بن دينار قلت لمحمد بن واسع يا أبا عبد الله طوبى لمن كانت له غليلة تقوته وتغنيه عن الناس فقال لي يا أبا يحيى طوبى لمن أمسي وأصبح جائعا وهو عن الله راض وكان الفضيل بن عياض يقول إلهي أجعتني وأجعت عيالي وتركتني في ظلم الليالي بلا مصباح وإنما تفعل ذلك بأوليائك فبأي منزلة نلت هذا منك وقال يحيى بن معاذ جوع الراغبين منبهة وجوع التائبين تجربة وجوع المجتهدين كرامة وجوع الصابرين سياسة وجوع الزاهدين حكمة وفي التوراة اتق الله وإذا شبعت فاذكر الجياع وقال أبو سليمان لأن أترك لقمة من عشائي أحب إلي من قيام ليلة إلى الصبح وقال أيضا الجوع عند الله في خزائنه لا يعطيه إلا من أحبه وكان سهل بن عبد الله التستري يطوي نيفا وعشرين يوما لا يأكل وكان يكفيه لطعامه في السنة درهم وكان يعظم الجوع ويبالغ فيه حتى قال لا يوافي القيامة عمل بر أفضل من ترك فضول الطعام اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أكله وقال لم ير الأكياس شيئا أنفع من الجوع للدين والدنيا وقال لا أعلم شيئا أضر على طلاب الآخرة من الأكل وقال وضعت الحكمة والعلم في الجوع ووضعت المعصية والجهل في الشبع وقال ما عبد الله بشيء أفضل من مخالفة الهوى في ترك الحلال وقد جاء في الحديث ثلث للطعام فمن زاد عليه فإنما يأكل من حسناته حديث ثلث للطعام تقدم وسئل عن الزيادة فقال لا يجد الزيادة حتى يكون الترك أحب إليه من الأكل ويكون إذا جاع ليلة سأل الله أن يجعلها ليلتين فإذا كان ذلك وجد الزيادة وقال صار الأبدال أبدالا إلا بإخماص البطون والسهر والصمت والخلوة وقال رأس كل بر نزل من السماء إلى الأرض الجوع ورأس كل فجور بينهما الشبع وقال من جوع نفسه انقطعت عنه الوساوس وقال إقبال الله عز وجل على العبد بالجوع والسقم والبلاء إلا من شاء الله وقال اعلموا أن هذا زمان لا ينال أحد فيه النجاة إلا بذبح نفسه وقتلها بالجوع والسهر والجهد وقال ما مر على وجه الأرض أحد شرب من هذا الماء حتى روي فسلم من المعصية وإن شكر الله تعالى فكيف الشبع من الطعام وسئل حكيم بأي قيد أقيد نفسي قال قيدها بالجوع والعطش وذللها بإخمال الذكر وترك العز وصغرها بوضعها تحت أرجل أبناء الآخرة واكسرها بترك زي القراء عن ظاهرها وانج من آفاتها بدوام سوء الظن بها واصحبها بخلاف هواها وكان عبد الواحد بن زيد يقسم بالله تعالى إن الله تعالى ما صافى أحدا إلا بالجوع ولا مشوا على الماء إلا به ولا طويت لهم الأرض إلا بالجوع ولا تولاهم الله تعالى إلا بالجوع وقال أبو طالب المكي مثل البطن مثل المزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار إنما حسن صوته لخفته ورقته لأنه أجوف غير ممتلئ وكذلك الجوف إذا خلا كان أعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام وقال أبو بكر بن عبد الله المزني ثلاثة يحبهم الله تعالى رجل قليل النوم قليل الأكل قليل الراحة وروي أن عيسى عليه السلام مكث يناجي ربه ستين صباحا لم يأكل فخطر بباله الخبزفانقطع عن المناجاة فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد المناجاة وإذا شيخ قد أظله فقال له عيسى بارك الله فيك يا ولي الله ادع الله تعالى فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني فقال الشيخ اللهم إن كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي بل كان إذا حضر لي شيء أكلته من غير فكر وخاطر وروي أن موسى عليه السلام لما قربه الله عز وجل نجيا كان قد ترك الأكل أربعين يوما ثلاثين ثم عشرا على ما ورد به القرآن لأنه أمسك بغير تبييت يوما فزيد عشرة لأجل ذلك.

بيان فوائد الجوع وآفات الشبع

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك ولعلك تقول هذا الفضل العظيم للجوع من أين هو وما سببه وليس فيه إلا إيلام المعدة ومقاساة الأذى فإن كان كذلك فينبغي أن يعظم الأجر في كل ما يتأذى به الإنسان من ضربه لنفسه وقطعة للحمه وتناوله الأشياء المكروهة وما يجري مجراه فاعلم أن هذا يضاهي قول من شرب دواء فانتفع به وظن أن منفعته لكراهة الدواء ومرارته فأخذ يتناول كل ما يكرهه من المذاق وهو غلظ بل نفعه في خاصية في الدواء وليس لكونه مرا وإنما يقف على تلك الخاصية الأطباء فكذلك لا يقف على علة نفع الجوع إلا سماسرة العلماء ومن جوع نفسه مصدقا لما جاء في الشرع من مدح الجوع انتفع به وإن لم يعرف علة المنفعة كما أن من شرب الدواء انتفع به وإن لم يعلم وجه كونه نافعا ولكنا نشرح لك ذلك إن أردت أن ترتقي من درجة الإيمان إلى درجة العلم قال الله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فنقول في الجوع عشر فوائد الفائدة الأولى صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك وقال أبو سليمان الداراني عليك بالجوع فإنه مذلة للنفس ورقة للقلب وهو يورث العلم السماوي وقال صلى الله عليه وسلم أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفو وترق حديث أحيوا قلوبكم بقلة الضحك وطهروها بالجوع تصفو وترق لم أجد له أصلا ويقال مثل الجوع مثل الرعد ومثل القناعة مثل السحاب والحكمة كالمطر وقال النبي صلى الله عليه وسلم من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه حديث من أجاع بطنه عظمت فكرته وفطن قلبه كذلك لم أجد له أصلا وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم من شبع ونام قسا قلبه ثم قال لكل شيء زكاة وزكاة البدن الجوع حديث من شبع ونام قسا قلبه ثم قال إن لكل شيء زكاة وإن زكاة الجسد الجوع أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم وإسناده ضعيف وقال الشبلي ما جعت لله يوما إلا رأيت في قلبي بابا مفتوحا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط وليس يخفى أن غاية المقصود من العبادات الفكر الموصل إلى المعرفة والاستبصار بحقائق الحق والشبع يمنع منه والجوع يفتح بابه والمعرفة باب من أبواب الجنة فبالحرى أن تكون ملازمة الجوع قرعا لباب الجنة ولهذا قال لقمان لابنه يا بنى إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة وقال أبو يزيد البسطامي الجوع سحاب فإذا جاع العبد أمطر القلب الحكمة وقال النبي صلى الله عليه وسلم نور الحكمة الجوع والتباعد من الله عز وجل الشبع والقربة إلى الله عز وجل حب المساكين والدنو منهم لا تشبعوا فتطفئوا نور الحكمة من قلوبكم ومن بات في خفة من الطعام بات الحور حوله حتى يصبح حديث نور الحكمة الجوع والتباعد من الله عز وجل الشبع الحديث ذكره أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة وكتب عليه إنه مسند وهي علامة ما رواه بإسناده الفائدة الثانية رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يلتذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجابا من قسوة القلب وقد يرق في بعض الأحوال فيعظم تأثره بالذكر وتلذذه بالمناجاة وخلو المعدة هو السبب الأظهر فيه وقال أبو سليمان الداراني أحلى ما تكون إلى العبادة إذا التصق ظهري ببطني وقال الجنيد يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام ويريد أن يجد حلاوة المناجاة وقال أبو سليمان إذا جاع القلب وعطش صبا ورق وإذا شبع عمى وغلط فإذا تأثر القلب بلذة المناجاة أمر وراء تيسير الفكر واقتناص المعرفة إلى فائدة ثانية الفائدة الثالثة الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها إذا ضعفت منتها وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا يرى عزة مولاه ولا قهره وإنما سعادته في أن يكون دائما مشاهدا نفسه بعين الذل والعجز ومولاه بعين العز والقدرة والقهر فليكن دائما جائعا مضطرا إلى مولاه مشاهدا للاضطرار بالذوق ولأجل ذلك لما عرضت الدنيا وخزائنها على النبي صلى الله عليه وسلم قال لا بل أجوع يوما واشبع يوما فإذا جعت صبرت وتضرعت وإذا شبعت شكرت حديث أجوع يوما وأشبع يوما الحديث تقدم وهو عند الترمذي أو كما قال فالبطن والفرج باب من أبواب النار وأصله الشبع والذل والانكسار باب من أبواب الجنة وأصله الجوع ومن أغلق بابا من أبواب النار فقد فتح بابا من أبواب الجنة بالضرورة لأنهما متقابلان كالمشرق والمغرب فالقرب من أحدهما بعد من الآخر الفائدة الرابعة أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا ويتذكر بلاء الآخرة فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة ومن جوعه جوع أهل النار حتى إنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها فإنه هو الذي يهيج الخوف فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثل في نفسه ولم يغلب على قلبه فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة بلاء وأولى ما يقاسيه من البلاء الجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب الآخرة وهذا أحد الأسباب الذي اقتضى اختصاص البلاء بالأنبياء والأولياء والأمثل فالأمثل ولذلك قيل ليوسف عليه السلام لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع فذكر الجائعين والمحتاجين إحدى فوائد الجوع فإن ذلك يدعو إلى الرحمة والإطعام والشفقة على خلق الله عز وجل والشبعان في غفلة عن ألم الجائع الفائدة الخامسة وهي من أكبر الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه والشقاوة في أن تملكه نفسه وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت فكذلك النفس كما قيل لبعضهم ما بالك مع كبرك لا تتعهد بدنك وقد انهد فقال لأنه سريع المرح فاحش الأشر فأخاف أن يجمح بي فيورطني فلأن أحمله على الشدائد أحب إلي من أن يحملني على الفواحش وقال ذو النون ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية وقالت عائشة رضي الله عنها أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد ولذلك قيل الجوع خزانة من خزائن الله تعالى وأقل ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها فيمنعه الجوع من كل ذلك وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم وأما شهوة الفرج فلا تخفي غائلتها والجوع يكفي شرها وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه وإن منعته التقوى فلا يملك عينه فالعين تزني كما أن الفرج يزني فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة وإنما ذكرنا آفة اللسان والفرج مثالا وإلا فجميع معاصي الأعضاء السبعة سببها القوة الحاصلة بالشبع قال حكيم كل مريد صبر على السياسة فيصبر على الخبز البحت سنة لا يخلط به شيئا من الشهوات ويأكل في نصف بطنه رفع الله عنه مؤنة النساء الفائدة السادسة دفع النوم ودوام السهر فإن من شبع شرب كثيرا ومن كثر شربه كثر نومه ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام معاشر المريدين لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا وأجمع رأي سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة الشرب وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر والنوم موت فتكثيره ينقص العمر ثم فضيلة التهجد لا تخفى وفي النوم فواتها ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة ثم المتعزب إذا نام على الشبع احتلم ويمنعه ذلك أيضا من التهجد ويحوجه إلى الغسل إما بالماء البارد فيتأذى به أو يحتاج إلى الحمام وربما لا يقدر عليه بالليل فيفوته الوتر إن كان قد أخره إلى التهجد ثم يحتاج إلى مؤنة الحمام وربما تقع عينه على عورة في دخول الحمام فإن فيه أخطارا ذكرناها في كتاب الطهارة وكل ذلك أثر الشبع وقد قال أبو سليمان الداراني الاحتلام عقوبة وإنما قال ذلك لأنه يمنع من عبادات كثيرة لتعذر الغسل في كل حال فالنوم منبع الآفات والشبع مجلبة له والجوع مقطعة له الفائدة السابعة تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه قال السري رأيت مع علي الجرجاني سويقا يستف منه فقلت ما حملك على هذا قال إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز مند أربعين سنة فانظر كيف أشفق على وقته ولم يضيعه في المضغ وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها فينبغي أن يستوفي منه خزانة باقية في الآخرة لا آخر لها وذلك بصرفه إلى ذكر الله وطاعته ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن تعود الجوع فالصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال من شبع دخل عليه ست آفات فقد حلاوة المناجاة وتعذر حفظ الحكمة وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباع وثقل العبادة وزيادة الشهوات وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد والشباع يدورون حول المزابل الفائدة الثامنة يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر وينغص العيش ويحوج إلى القصد والحجامة والدواء والطبيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات وفي الجوع ما يمنع ذلك كله حكى أن الرشيد جمع أربعة أطباء هندي ورومي وعراقي وسوادي وقال ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الهندي الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الإهليلج الأسود وقال العراقي هو حب الرشاد الأبيض وقال الرومي هو عندي الماء الحار وقال السوادي وكان أعلمهم الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء وحب الرشاد يزلق المعدة وهذا داء والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء قالوا فما عندك فقال الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه فقالوا صدقت وذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبي صلى الله عليه وسلم ثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس حديث ثلث للطعام تقدم أيضا فتعجب منه وقال ما سمعت كلاما في قلة الطعام أحكم من هذا وإنه لكلام حكيم وقال صلى الله عليه وسلم البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسم ما اعتاد حديث البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل بدن بما اعتاد لم أجد له أصلا وأظن تعجب الطبيب جرى من هذا الخبر لا من ذاك وقال ابن سالم من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب لم يعتل إلا علة الموت قيل وما الأدب قال تأكل بعد الجوع وترفع قبل الشبع وقال بعض أفاضل الأطباء في ذم الاستكثار إن أنفع ما أدخل الرجل بطنه الرمان وأضر ما أدخل معدته المالح ولأن يقلل من المالح خيرا له من أن يستكثر من الرمان وفي الحديث صوموا تصحوا حديث صوموا تصحوا أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الطب النبوي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف ففي الصوم والجوع وتقليل الطعام صحة الأجسام وصحة القلوب من سقم الطغيان والبطر وغيرهما الفائدة التاسعة خفة المؤونة فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير والذي تعود الشبع صار بطنه غريما ملازما له آخذا بمخنقه في كل يوم فيقول ماذا تأكل اليوم فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصى أو من الحلال فيذل وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل والقماءة والمؤمن خفيف المؤنة وقال بعض الحكماء إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي وقال آخر إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي وكان إبراهيم ابن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقول إنها غالية فيقول أرخصوها بالترك وقال سهل رحمه الله الأكول مذموم في ثلاثة أحوال إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه وبالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدنيا وسبب حرصهم على الدنيا البطن والفرج وسبب شهوة الفرج شهوة البطن وفي تقليل الأكل ما يحسم هذه الأحوال كلها وهي أبواب النار وفي حسمها فتح أبواب الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم أديموا قرع باب الجنة بالجوع فمن قنع برغيف في كل يوم قنع في سائر الشهوات أيضا وصار حرا واستغنى عن الناس واستراح من التعب وتخلى لعبادة الله عز وجل وتجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة وأما المحتاج فتلهيه لا محالة الفائدة العاشرة أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته حديث كل امرئ في ظل صدقته أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر وقد تقدم كما ورد به الخبر فما يأكله كان خزانته الكنيف وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى فليس للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع وكان الحسن رحمة الله عليه إذا تلا قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا قال عرضها على السموات السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وحملة العرش العظيم فقال لها سبحانه وتعالى هل تحملين الأمانة بما فيها قالت وما فيها قال إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فقالت لا ثم عرضها كذلك على الأرض فأبت ثم عرضها على الجبال الشوامخ الصلاب الصعاب فقال لها هل تحملين الأمانة بما فيها قالت وما فيها فذكر الجزاء والعقوبة فقالت لا ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم فأصابوا آلافا فماذا صنعوا فيها وسعوا بها دورهم وضيقوا بها قبورهم وأسمنوا براذينهم وأهزلوا دينهم وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان يتعرضون للبلاء وهم من الله في عافية يقول أحدهم تبيعني أرض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا يتكيء على شماله ويأكل من غير ماله حديثه سخرة وماله حرام حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي يالكع أطعامك تهضم إنما تهضم دينك أين الفقير أين الأرملة أين المسكين أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم فهذه إشارة إلى هذه الفائدة وهو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف الوزر عليه ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل سمين البطن فأومأ إلى بطنه بإصبعه وقال لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك حديث نظر إلى رجل سمين البطن فأومأ إلى بطنه بأصبعه وقال لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك أخرجه أحمد والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب من حديث جعدة الجشمي وإسناده جيد أي لو قدمته لآخرتك وآثرت به غيرك وعن الحسن قال والله لقد أدركت أقواما كان الرجل منهم يمسي وعنده من الطعام ما يكفيه ولو شاء لأكله فيقول والله لا أجعل هذا كله لبطني حتى أجعل بعضه لله فهذه عشرة فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا تتناهى فوائدها فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة ولأجل هذا قال بعض السلف الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة بل ذلك صريح في الأخبار التي رويناها بالوقوف على تفصيل هذه الفوائد تدرك معاني تلك الأخبار إدراك علم وبصيرة فإذا لم تعرف هذا وصدقت بفضل الجوع كانت لك رتبة المقلدين في الإيمان والله أعلم بالصواب.

بيان طريق الرياضة في كسر شهوة البطن

اعلم أن على المريد في بطنه ومأكوله أربع وظائف الأول أن لا يأكل إلا حلالا فإن العبادة مع أكل الحرام كالبناء على أمواج البحار وقد ذكرنا ما تجب مراعاته من درجات الورع في كتاب الحلال والحرام وتبقى ثلاث وظائف خاصة بالأكل وهو تقدير قدر الطعام في القلة والكثرة وتقدير وقته في الإبطاء والسرعة وتعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات وتركها أما الوظيفة الأولى في تقليل الطعام فسبيل الرياضة فيه التدريج فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته فينبغي أن يتدرج إليه قليلا قليلا وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامه المعتاد فإن كان يأكل رغيفين مثلا وأراد أن يرد نفسه إلى رغيف واحد فينقص كل يوم ربع سبع رغيف وهو أن ينقص جزءا من ثمانية وعشرين جزءا أو جزءا من ثلاثين جزءا فيرجع إلى رغيف في شهر ولا يستضر به ولا يظهر أثره فإن شاء فعل في ذلك بالوزن وإن شاء بالمشاهدة فيترك كل يوم مقدار لقمة وينقصه عما أكله بالأمس ثم هذا فيه أربع درجات أقصاها أن يرد نفسه إلى قدر القوام الذي لا يبقى دونه وهو عادة الصديقين وهو اختيار سهل التستري رحمة الله عليه إذ قال إن الله استعبد الخلق بثلاث بالحياة والعقل والقوة فإن خاف العبد على اثنين منها وهي الحياة والعقل أكل وأفطر إن كان صائما وتكلف الطلب إن كان فقيرا وإن لم يخف عليهما بل على القوة قال فينبغي أن لا يبالي ولو ضعف حتى صلى قاعدا وأرى أن صلاته قاعدا مع ضعف الجوع أفضل من صلاته قائما مع كثرة الأكل وسئل سهل عن بدايته وما كان يقتات به فقال كان قوتي في كل سنة ثلاثة دراهم كنت آخذ بدرهم دبسا وبدرهم دقيق الأرز وبدرهم سمنا وأخلط الجميع وأسوي منه ثلثمائة وستين أكرة آخذ في كل ليلة أكرة أفطر عليها فقيل له فالساعة كيف تأكل قال بغير حد ولا توقيت ويحكى عن الرهابين أنهم قد يردون أنفسهم إلى مقدار درهم من الطعام الدرجة الثانية أن يرد نفسه بالرياضة في اليوم والليلة إلى نصف مد وهو رغيف وشيء مما يكون الأربعة منه منا ويشبه أن يكون هذا مقدار ثلث البطن في حق الأكثرين كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وهو فوق اللقيمات لأن هذه الصيغة في الجمع للقلة فهو لما دون العشرة وقد كان ذلك عادة عمر رضي الله عنه إذ كان يأكل سبع لقم أو تسع لقم الدرجة الثالثة أن يردها إلى مقدار المد وهو رغيفان ونصف وهذا يزيد على ثلث البطن في حق الأكثرين ويكاد ينتهي إلى ثلثي البطن ويبقى ثلث للشراب ولا يبقى شيء للذكر وفي بعض الألفاظ ثلث للذكر بدل قوله للنفس الدرجة الرابعة أن يزيد على المد إلى المن ويشبه أن يكون ما وراء المن إسرافا مخالفا لقوله تعالى ولا تسرفوا أعني في حق الأكثرين فإن مقدار الحاجة إلى الطعام يختلف بالسن والشخص والعمل الذي يشتغل به وههنا طريق خامس لا تقدير فيه ولكنه موضع غلط وهو أن يأكل إذا صدق جوعه ويقبض يده وهو على شهوة صادقة بعد ولكن الأغلب أن من لم يقدر لنفسه رغيفا أو رغيفين فلا يتبين له حد الجوع الصادق ويشتبه عليه ذلك بالشهوة الكاذبة وقد ذكر للجوع الصادق علامات إحداها أن لا تطلب النفس الأدم بل تأكل الخبز وحده بشهوة أي خبر كان فمهما طلبت نفسه خبزا بعينه أو طلبت أدما فليس ذلك بالجوع الصادق وقد قيل من علامته أن يبصق فلا يقع الذباب عليه أي لم يبق فيه دهنية ولا دسومة فيدل ذلك على خلو المعدة ومعرفة ذلك غامض فالصواب للمريد أن يقدر مع نفسه القدر الذي لا يضعفه عن العبادة التي هو بصددها فإذا انتهى إليه وقف وإن بقيت شهوته وعلى الجملة فتقدير الطعام لا يمكن لأنه يختلف بالأحوال والأشخاص نعم قد كان قوت جماعة من الصحابة صاعا من حنطة في كل جمعة فإذا أكلوا التمر اقتاتوا منه صاعا ونصفا وصاع الحنطة أربعة أمداد فيكون كل يوم قريبا من نصف مد وهو ما ذكرناه أنه قدر ثلث البطن واحتيج في التمر إلى زيادة لسقوط النوى منه وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقول طعامي في كل جمعة صاع من شعير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أزيد عليه شيئا حتى ألقاه فإني سمعته يقول أقربكم مني مجلسا يوم القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم حديث أبي ذر أقربكم مني مجلسا يوم القيامة وأحبكم إلي من مات على ما هو عليه اليوم أخرجه أحمد في كتاب الزهد ومن طريقه أبو نعيم في الحلية دون قوله وأحبكم ألي وهو منقطع وكان يقول في إنكاره على بعض الصحابة قد غيرتم ينخل لكم الشعير ولم يكن ينخل وخبزتم المرقق وجمعتم بين إدامين واختلف عليكم بألوان الطعام وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر ولم يكونوا هكذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قوت أهل الصفة مدا من تمر بين اثنين كل يوم حديث كان قوت أهل الصفة مدا من تمر بين اثنين في كل يوم أخرجه الحاكم وصحح إسناده من حديث طلحة البصري والمد رطل وثلث ويسقط منه النوى وكان الحسن رحمة الله عليه يقول المؤمن مثل العنيزة يكفيه الكف من الحشف والقبضة من السويق والجرعة من الماء والمنافق مثل السبع الضاري بلعا بلعا وسرطا سرطا لا يطوي بطنه لجاره ولا يؤثر أخاه بفضله وجهوا هذه الفضول أمامكم وقال سهل لو كانت الدنيا دما عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا لأن أكل المؤمن عند الضرورة بقدر القوام فقط الوظيفة الثانية في وقت الأكل ومقدار تأخيره وفيه أيضا أربع درجات الدرجة العليا أن يطوي ثلاثة أيام فما فوقها وفي المريدين من رد الرياضة إلى الطي لا إلى المقدار حتى انتهى بعضهم إلى ثلاثين يوما وأربعين يوما وانتهى إليه جماعة من العلماء يكثر عددهم منهم محمد بن عمرو القرني وعبد الرحمن بن إبراهيم ورحيم وإبراهيم التيمي وحجاج بن فرافصة وحفص العابد المصيصي والمسلم بن سعيد وزهير وسليمان الخواص وسهل بن عبد الله التستري وإبراهيم بن أحمد الخواص وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يطوي ستة أيام وكان عبد الله بن الزبير يطوي سبعة أيام وكان أبو الجوزاء صاحب ابن عباس يطوي سبعا وروي أن الثوري وإبراهيم بن أدهم كانا يطويان ثلاثا ثلاثا كل ذلك كانوا يستعينون بالجوع على طريق الآخرة قال بعض العلماء من طوى لله أربعين يوما ظهرت له قدرة من الملكوت أو كوشف ببعض الأسرار الإلهية وقد حكى أن بعض أهل هذه الطائفة مر براهب فذاكره بحاله وطمع في إسلامه وترك ما هو عليه من الغرور فكلمه في ذلك كلاما كثيرا إلى أن قال له الراهب إن المسيح كان يطوي أربعين يوما وإن ذلك معجزة لا تكون إلا لنبي أو صديق فقال له الصوفي فإن طويت خمسين يوما تترك ما أنت عليه وتدخل في دين الإسلام وتعلم أنه حق وأنك على باطل قال نعم فجلس لا يبرح إلا حيث يراه حتى طوى خمسين يوما ثم قال وأزيدك أيضا فطوى إلى تمام الستين فتعجب الراهب منه وقال ما كنت أظن أن أحدا يجاوز المسيح فكان ذلك سبب إسلامه وهذه درجة عظيمة قل من يبلغها إلا مكاشف محمول شغل بمشاهدة ما قطعه عن طبعه وعادته واستوفى نفسه في لذته وأنساه جوعته وحاجته الدرجة الثانية أن يطوي يومين إلى ثلاثة وليس ذلك خارجا عن العادة بل هو قريب يمكن الوصول إليه بالجد والمجاهدة الدرجة الثالثة وهي أدناها أن يقتصر في اليوم والليلة على أكلة واحدة وهذا هو الأقل وما جاوز ذلك إسراف ومداومة للشبع حتى لا يكون له حالة جوع وذلك فعل المترفين وهو بعيد من السنة فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تغدى لم يتعش وإذا تعشى لم يتغد حديث أبي سعيد الخدري كان إذا تغدى لم يتعش وإذا تعشى لم يتغد لم أجد له أصلا وكان السلف يأكلون في كل يوم أكلة وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة إياك والسرف فإن أكلتين في يوم من السرف وأكلة واحدة في كل يومين إقتار وأكلة في كل يوم قوام بين ذلك قال لعائشة إياك والإسراف فإن أكلتين في يوم من السرف أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة وقال في إسناده ضعف وهو المحمود في كتاب الله عز وجل ومن اقتصر في اليوم على أكلة واحدة فيستحب له أن يأكلها سحرا قبل طلوع الفجر فيكون أكله بعد التهجد وقبل الصبح فيحصل له جوع النهار للصيام وجوع الليل للقيام وخلو القلب لفراغ المعدة ورقة الفكر واجتماع الهم وسكون النفس إلى المعلوم فلا تنازعه قبل وقته وفي حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط وإن كان ليقوم حتى تورم قدماه وما واصل وصالكم هذا قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحر حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قيامكم هذا قط وإن كان ليقوم حتى تزلع قدماه رواه النسائي مختصرا كان يصلي حتى تزلع قدماه وإسناده جيد وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل إلى السحر حديث كان يواصل إلى السحر لم أجده من فعله وإنما هو من قوله فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر رواه البخاري من حديث أبي سعيد وأما هو فكان يواصل وهو من خصائصه فإن كان يلتفت قلب الصائم بعد المغرب إلى الطعام وكان ذلك يشغله عن حضور القلب في التهجد فالأولى أن يقسم طعامه نصفين فإن كان رغيفين مثلا أكل رغيفا عند الفطر ورغيفا عند السحر لتسكن نفسه ويخف بدنه عند التهجد ولا يشتد بالنهار جوعه لأجل التسحر فيستعين بالرغيف الأول على التهجد وبالثاني على الصوم ومن كان يصوم يوما ويفطر يوما فلا بأس أن يأكل كل يوم فطره وقت الظهر ويوم صومه وقت السحر فهذه الطرق في مواقيت الأكل وتباعده وتقاربه الوظيفة الثالثة في نوع الطعام وترك الإدام وأعلى الطعام مخ البر فإن نخل فهو غاية الترفه وأوسطه شعير منخول وأدناه شعير لم ينخل وأعلى الأدم اللحم والحلاوة وأدناه الملح والخل وأوسطه المزورات بالأدهان من غير لحم وعادة سالكي طريق الآخرة الامتناع من الإدام على الدوام بل الامتناع عن الشهوات فإن كل لذيذ يشتهيه الإنسان وأكله اقتضى ذلك بطرا في نفسه وقسوة في قلبه وأنسا له بلذات الدنيا حتى يألفها ويكره الموت ولقاء الله تعالى وتصير الدنيا جنة في حقه ويكون الموت سجنا له وإذا منع نفسه عن شهواتها وضيق عليها وحرمها لذاتها صارت الدنيا سجنا عليه ومضيقا له فاشتهت نفسه الإفلات منها فيكون الموت إطلاقها وإليه الإشارة بقول يحيى ابن معاذ حيث قال معاشر الصديقين جوعوا أنفسكم لوليمة الفردوس فإن شهوة الطعام على قدر تجويع النفس فكل ما ذكرناه من آفات الشبع فإنه يجري في كل الشهوات وتناول اللذات فلا نطول بإعادته فلذلك يعظم الثواب في ترك الشهوات من المباحات ويعظم الخطر في تناولها حتى قال صلى الله عليه وسلم شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة حديث شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة لم أجد له أصلا وهذا ليس بتحريم بل هو مباح على معنى أن من أكله مرة أو مرتين لم يعص ومن دام عليه أيضا فلا يعصي بتناوله ولكن تتربى نفسه بالنعيم فتأنس بالدنيا وتألف اللذات وتسعى في طلبها فيجرها ذلك إلى المعاصي فهم شرار الأمة لأن مخ الحنطة يقودهم إلى اقتحام أمور تلك الأمور معاص وقال صلى الله عليه وسلم شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم حديث شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الحديث أخرجه ابن عدي في الكامل ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان من حديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي من حديث فاطمة بنت الحسين مرسلا قال الدارقطني في العلل أنه أشبه بالصواب ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة بإسناد لا بأس به وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام اذكر أنك ساكن القبر فإن ذلك يمنعك من كثير الشهوات وقد اشتد خوف السلف من تناول لذيذ الأطعمة وتمرين النفس عليها ورأوا أن ذلك علامة الشقاوة ورأوا منع الله تعالى منه غاية السعادة حتى روي أن وهب بن منبه قال التقى ملكان في السماء الرابعة فقال أحدهما للآخر من أين قال أمرت بسوق حوت من البحر اشتهاه فلان اليهودي لعنه الله وقال الآخر أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد فهذا تنبيه على أن تيسير أسباب الشهوات ليس من علامات الخير ولهذا امتنع عمر رضي الله عنه عن شربة ماء بارد بعسل وقال اعزلوا عني حسابها فلا عبادة لله تعالى أعظم من مخالفة النفس في الشهوات بالشهوات وترك اللذات كما أوردناه في كتاب رياضة النفس وقد روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة فلم توجد ثم وجدت بعد كذا وكذا فاشتريت له بدرهم ونصف فشويت وحملت إليه على رغيف فقام سائل على الباب فقال للغلام لفها برغيفها وادفعها إليه فقال له الغلام أصلحك الله قد اشتهيتها منذ كذا وكذا فلم نجدها فلما وجدتها اشتريتها بدرهم ونصف فنحن نعطيه ثمنها فقال لفها وادفعها إليه ثم قال الغلام للسائل هل لك أن تأخذ درهما وتتركها قال نعم فأعطاه درهما وأخذها وأتى بها فوضعها بين يديه وقال قد أعطيته درهما وأخذتها منه فقال لفها وادفعها إليه ولا تأخذ منه الدرهم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما امريء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له حديث نافع أن ابن عمر كان مريضا فاشتهى سمكة الحديث وفيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما امريء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له أخرجه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب بإسناد ضعيف جدا ورواه ابن الجوزي في الموضوعات وقال صلى الله عليه وسلم إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من الماء القراح فعلى الدنيا وأهلها الدمار حديث إذا سددت كلب الجوع برغيف وكوز من الماء القراح فعلى الدنيا وأهلها الدمار أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أشار إلى أن المقصود رد ألم الجوع والعطش ودفع ضررهما دون التنعم بلذات الدنيا وبلغ عمر رضي الله عنه أن يزيد بن أبي سفيان يأكل أنواع الطعام فقال عمر لمولى له إذا علمت أنه قد حضر عشاؤه فأعلمني فأعلمه فدخل عليه فقرب عشاؤه فأتوه بثريد لحم فأكل معه عمر ثم قرب الشواء وبسط يزيد يده وكف عمر يده وقال الله الله يا يزيد بن أبي سفيان أطعام بعد طعام والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم وعن يسار بن عمير قال ما نخلت لعمر دقيقا قط إلا وأنا له عاص وروي أن عتبة الغلام كان يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم يأكله ويقول كسرة وملح حتى يتهيأ في الآخرة الشواء والطعام الطيب وكان يأخذ الكوز فيغرف به من جب كان في الشمس نهاره فتقول مولاة له يا عتبة لو أعطيتني دقيقك فخبزته لك وبردت لك الماء فيقول لها يا أم فلان قد شردت عني كلب الجوع قال شقيق بن إبراهيم لقيت إبراهيم بن أدهم بمكة في سوق الليل عند مولد النبي صلى الله عليه وسلم يبكي وهو جالس بناحية من الطريق فعدلت إليه وقعدت عنده وقلت أيش هذا البكاء يا أبا إسحاق فقال خير فعاودته مرة واثنتين وثلاثا فقال يا شقيق استر علي فقلت يا أخي قل ما شئت فقال لي اشتهت نفسي منذ ثلاثين سنة سكباجا فمنعتها جهدي حتى إذا كان البارحة كنت جالسا وقد غلبني النعاس إذ أنا بفتى شاب بيده قدح أخضر يعلوا منه بخار ورائحة سكباج قال فاجتمعت بهمتي عنه فقربه وقال يا إبراهيم كل فقلت ما آكل قد تركته لله عز وجل فقال لي قد أطعمك الله كل فما كان لي جواب إلا أني بكيت فقال لي كل رحمك الله فقلت قد أمرنا أن لا نطرح في وعائنا إلا من حيث نعلم فقال كل عافاك الله فإنما أعطيته فقيل لي يا خضر اذهب بهذا وأطعمه نفس إبراهيم بن أدهم فقد رحمها الله من طول صبرها على ما يحملها من منعها اعلم يا إبراهيم أني سمعت الملائكة يقولون من أعطى فلم يأخذ طلب فلم يعط فقلت إن كان كذلك فها أنا بين يديك لأجل العقد مع الله تعالى ثم التفت فإذا أنا بفتى آخر ناوله شيئا وقال يا خضر لقمه أنت فلم يزل يلقمني حتى نعست فانتبهت وحلاوته في فمي قال شقيق فقلت أرني كفك فأخذت بكفه فقبلتها وقلت يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع يا من يقدح في الضمير اليقين يا من يشفي قلوبهم من محبته أترى لشقيق عندك حالا ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء وقلت بقدر هذا الكف عندك وبقدر صاحبه وبالجود الذي وجد منك جد على عبدك الفقير إلى فضلك وإحسانك ورحمتك وإن لم يستحق ذلك قال فقام إبراهيم ومشى حتى أدركنا البيت وروي عن مالك بن دينار أنه بقي أربعين سنة يشتهي لبنا فلم يأكله وأهدى إليه يوما رطب فقال لأصحابه كلوا فما ذقته منذ أربعين سنة وقال أحمد بن أبي الحواري اشتهى أبو سليمان الداراني رغيفا حارا بملح فجئت به إليه فعض منه عضة ثم طرحه وأقبل يبكي وقال عجلت إلى شهوتي بعد إطالة جهدي واشقوتي قد عزمت على التوبة فأقلني قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى وقال مالك بن ضيغم مررت بالبصرة في السوق فنظرت إلى البقل فقالت لي نفسي لو أطعمتني الليلة من هذا فأقسمت أن لا أطعمها إياه أربعين ليلة ومكث مالك بن دينار بالبصرة خمسين سنة ما أكل رطبة لأهل البصرة ولا بسرة قط وقال يا أهل البصرة عشت فيكم خمسين سنة ما أكلت لكم رطبة ولا بسرة فما زاد فيكم ما نقص مني ولا نقص مني ما زاد فيكم وقال طلقت الدنيا منذ خمسين سنة اشتهت نفسي لبنا منذ أربعين سنة فوالله لا أطعمها حتى ألحق بالله تعالى وقال حماد بن أبي حنيفة أتيت داود الطائي والباب مغلق عليه فسمعته يقول نفسي اشتهيت جزرا فأطعمتك جزرا ثم اشتهيت تمرا فآليت أن لا تأكليه أبدا فسلمت ودخلت فإذا هو وحده ومر أبو حازم يوما في السوق فرأى الفاكهة فاشتهاها فقال لابنه اشتر لنا من هذه الفاكهة المقطوعة الممنوعة لعلنا نذهب إلى الفاكهة التي لا مقطوعة ولا ممنوعة فلما اشتراها وأتى بها إليه قال لنفسه قد خدعتيني حتى نظرت واشتهيت وغلبتيني حتى اشتريت والله لأذقتيه فبعث بها إلى يتامى من الفقراء وعن موسى الأشج أنه قال نفسي تشتهي ملحا جريشا منذ عشرين سنة وعن أحمد بن خليفة قال نفسي تشتهي منذ عشرين سنة ما طلبت مني إلا الماء حتى تروى فما أرويتها وروي أن عتبة الغلام اشتهى لحما سبع سنين فلما كان بعد ذلك قال استحييت من نفسي أن أدافعها منذ سبع سنين سنة بعد سنة فاشتريت قطعة لحم على خبز وشويتها وتركتها على رغيف فلقيت صبيا فقلت ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك قال بلى فناولته إياها قالوا وأقبل يبكي ويقرأ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيرا ثم لم يذقه بعد ذلك ومكث يشتهي تمرا سنين فلما كان ذات يوم اشترى تمرا بقيراط ورفعه إلى الليل ليفطر عليه قال فهبت ريح شديدة حتى أظلمت الدنيا ففزع الناس فأقبل عتبة على نفسه يقول هذا لجراءتي عليك وشرائي التمر بالقيراط ثم قال لنفسه ما أظن أخذ الناس إلا بذنبك على أن لا تذوقيه واشترى داود الطائي بنصف فلس بقلا وبفلس خلا وأقبل ليلته كلها يقول لنفسه ويلك يا دواد ما أطول حسابك يوم القيامة ثم لم يأكل بعده إلا قفارا وقال عتبة الغلام يوما لعبد الواحد بن زيد إن فلانا يصف من نفسه منزلة ما أعرفها من نفسي فقال لأنك تأكل مع خبزك تمرا وهو لا يزيد على الخبز شيئا قال فإن أنا تركت أكل التمر عرفت تلك المنزلة قال نعم وغيرها فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه لا أبكي الله عينك أعلى التمر تبكي فقال عبد الواحد دعه فإن نفسه قد عرفت صدق عزمه في الترك وهو إذا ترك شيئا لم يعاوده وقال جعفر بن نصر أمرني الجنيد أن أشتري له التين الوزيري فلما اشتريته أخذ واحدة عند الفطور فوضعها في فمه ثم ألقاها وجعل يبكي ثم قال احمله فقلت له في ذلك فقال هتف بي هاتف أما تستحي تركته من أجلي ثم تعود إليه وقال صالح المري قلت لعطاء السلمي أني متكلف لك شيئا فلا ترد علي كرامتي فقال افعل ما تريد قال فبعثت إليه مع ابني شربة من سويق قد لتته بسمن وعسل فقلت لا تبرح حتى يشربها فلما كان من الغد جعلت له نحوها فردها ولم يشربها فعاتبته ولمته على ذلك وقلت سبحان الله رددت على كرامتي فلما رأى وجدي لذلك قال لا يسوءك هذا إني قد شربتها أول مرة وقد راودت نفسي في المرة الثانية على شربها فلم أقدر على ذلك كلما أردت ذلك ذكرت قوله تعالى يتجرعه ولا يكاد يسيغه الآية قال صالح فبكيت وقلت في نفسي أنا في واد وأنت في واد آخر وقال السري السقطي نفسي منذ ثلاثين سنة تطالبني أن أغمس جزرة في دبس فما أطعمتها وقال أبو بكر الجلاء أعرف رجلا تقول له نفسه أنا أصبر لك على طي عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها فيقول لها لا أريد أن تطوي عشرة أيام ولكن أتركي هذه الشهوة وروي أن عابدا دعا بعض إخوانه فقرب إليه رغفانا فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها فقال له العابد مه أي شيء تصنع أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا وكذا حكمة وعمل فيه كذا وكذا صانعا حتى استدار من السحاب الذي يحمل الماء والماء الذي يسقي الأرض والرياح والأرض والبهائم وبني آدم حتى صار إليك ثم أنت بعد هذا تقلبه ولا ترضى به وفي الخبر لا يستدير الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل عليه السلام الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة ثم الملائكة التي تزجي السحاب والشمس والقمر والأفلاك وملائكة الهواء ودواب الأرض وآخرهم الخباز وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها حديث لا يستدير الرغيف ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلثمائة وستون صانعا أولهم ميكائيل الحديث لم أجد له أصل وقال بعضهم أتيت قاسما الجرعي فسألت عن الزهد أي شيء هو فقال أي شيء سمعت فيه فعددت أقوالا فسكت فقلت أي شيء تقول أنت فقال اعلم أن البطن دنيا العبد فبقدر ما يملك من بطنه يملك من الزهد وبقدر ما يملكه بطنه تملكه الدنيا وكان بشر بن الحرث قد اعتل مرة فأتى عبد الرحمن الطبيب يسأله عن شيء يوافقه من المأكولات فقال تسألني فإذا وصفت لك لم تقبل مني قال صف لي حتى أسمع قال تشرب سكنجبينا وتمص سفرجلا وتأكل بعد ذلك اسفيذباجا فقال له بشر هل تعلم شيئا أقل من السكنجبين يقوم مقامه قال لا قال أنا أعرف قال ما هو قال الهندبا بالخل ثم قال أتعرف شيئا أقل من السفرجل يقوم مقامه قال لا قال أنا اعرف قال ما هو قال الخرنوب الشامي قال فتعرف شيئا أقل من الاسفيذباج يقوم مقامه قال لا قال أنا أعرف ماء الحمص بسمن البقر في معناه فقال له عبد الرحمن أنت اعلم مني بالطب فلم تسألني فقد عرفت بهذا أن هؤلاء امتنعوا من الشهوات ومن الشبع من الأقوات وكان امتناعهم للفوائد التي ذكرناها وفي بعض الأوقات لأنهم كانوا لا يصفو لهم الحلال فلم يرخصوا لأنفسهم إلا في قدر الضرورة والشهوات ليست من الضرورات حتى قال أبو سليمان الملح شهوة لأنه زيادة على الخبز وما وراء الخبز شهوة وهذا هو النهاية فمن لم يقدر على ذلك فينبغي أن لا يغفل عن نفسه ولا ينهمك في الشهوات فكفى بالمرء إسرافا أن يأكل كل ما يشتهيه ويفعل كل ما يهواه فينبغي أن لا يواظب على أكل اللحم وقال علي كرم الله وجهه من ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه وقيل إن للمداومة على اللحم ضراوه كضراوة الخمر ومهما كان جائعا وتاقت نفسه إلى الجماع فلا ينبغي أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه وربما طلبت النفس الأكل لينشط في الجماع ويستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعاد الفتور ويقسو قلبه لذلك ولكن ليصل أو ليجلس فيذكر الله تعالى فإنه أقرب إلى الشكر وفي الحديث أذيبوا طعامكم بالذكر والصلاة ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم حديث أذيبوا طعامكم بالصلاة والذكر ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم أخرجه الطبراني وابن السني في اليوم والليلة من حديث عائشة بسند ضعيف وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات أو يسبح مائة تسبيحة أو يقرأ جزءا من القرآن عقيب أكله فقد كان سفيان الثوري إذا شبع ليلة أحياها وإذا شبع في يوم واصله بالصلاة والذكر وكان يقول أشبع الزنجي وكده ومرة يقول أشبع الحمار وكده ومهما اشتهى شيئا من الطعام وطيبات الفواكه فينبغي أن يترك الخبز ويأكلها بدلا منه لتكون قوتا ولا تكون تفكها لئلا يجمع للنفس بين عادة وشهوة نظر سهل إلى ابن سالم وفي يده خبز وتمر فقال له ابدأ بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز بعده بقدر حاجتك ومهما وجد طعاما لطيفا وغليظا فليقدم اللطيف فإنه لا يشتهي الغليظ بعده ولو قدم الغليظ لأكل اللطيف أيضا للطافته وكان بعضهم يقول لأصحابه لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها فإن طلبتموها فلا تحبوها وطلب بعض أنواع الخبز شهوة قال عبد الله ابن عمر رحمة الله عليهما ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز فرأى ذلك الخبز فاكهة وعلى الجملة لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات المباحات واتباعها بكل حال فبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال له يوم القيامة أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته يتمتع في الدار الآخر بشهواته قال بعض أهل البصرة نازعتني نفسي خبز أرز وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة فلما مات قال بعضهم رأيته في المنام فقلت ماذا فعل الله بك قال لا أحسن أن أصف ما تلقاني به ربي من النعم والكرامات وكان أول شيء استقبلني به خبز أرز وسمكا وقال كل اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب وقد قال تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية وكانوا قد أسلفوا ترك الشهوات ولذلك قال أبو سليمان ترك شهوة من الشهوات أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها وفقنا الله لما يرضيه.

بيان اختلاف حكم الجوع وفضيلته واختلاف أحوال الناس فيه

اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يوميء إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يوميء عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد فيعلم أنه لا ينتهي إلى الغاية فإنه إن أسرف مسرف في مضادة الطبع كان في الشرع أيضا ما يدل على إساءته كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ثم لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله نهى عنه حديث النهي عن صوم الدهر كله وقيام الليل كله تقدم فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلا فإن مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة وثقل المعدة يمنع من العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها فالمقصود أن يأكل أكلا لا يبقي للمأكول فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام وألم الجوع وغاية الإنسان الاقتداء بهم وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال ومثال طلب الآدمي البعد عن هذه الأطراف المتقابلة بالرجوع إلى الوسط مثال نملة ألقيت في وسط حلقة محمية على النار مطروحة على الأرض فإن النملة تهرب من حرارة الحلقة وهي محيطة بها لا تقدر على الخروج منها فلا تزال تهرب حتى تستقر على المركز الذي هو الوسط فلو ماتت ماتت على الوسط لأن الوسط هو أبعد المواضع عن الحرارة التي في الحلقة المحيطة فكذلك الشهوات محيطة بالإنسان إحاطة تلك الحلقة بالنملة والملائكة خارجون عن تلك الحلقة ولا مطمع للإنسان في الخروج وهو يريد أن يتشبه بالملائكة في الخلاص فأشبه أحواله بهم البعد وأبعد المواضع عن الأطراف الوسط فصار الوسط مطلوبا في جميع هذه الأحوال المتقابلة وعنه عبر بقوله صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم وإليه الإشارة بقوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا ومهما لم يحس الإنسان بجوع ولا شبع تيسرت له العبادة والفكر وخف في نفسه وقوى على العمل مع خفته ولكن هذا بعد اعتدال الطبع أما في بداية الأمر إذا كانت النفس جموحا متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط فالاعتدال لا ينفعها بل لا بد من المبالغة في إيلامها بالجوع كما يبالغ في إيلام الدابة التي ليست مروضة بالجوع والضرب وغيره إلى أن تعتدل فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها ولأجل هذا السر يأمر الشيخ مريده بما لا يتعاطاه هو في نفسه فيأمره بالجوع وهو لا يجوع ويمنعه الفواكه والشهوات وقد لا يمتنع هو منها لأنه قد فرغ من تأديب نفسه فاستغنى عن التعذيب ولما كان أغلب أحوال النفس الشره والشهوة والجماح والامتناع عن العبادة كان الأصلح لها الجوع الذي تحس بألمه في أكثر الأحوال لتنكسر نفسه والمقصود أن تنكسر حتى تعتدل فترد بعد ذلك الغذاء أيضا إلى الاعتدال وإنما يمتنع من ملازمة الجوع من سالكي طريق الآخرة إما صديق وإما مغرور أحمق أما الصديق المستقيم فلاستقامة نفسه على الصراط المستقيم واستغنائه عن أن يساق بسياط الجوع إلى الحق وأما المغرور فلظنه بنفسه أنه الصديق المستغني عن تأديب نفسه الظان بها خيرا وهذا غرور عظيم وهو الأغلب فإن النفس قلما تتأدب تأدبا كاملا وكثيرا ما تغتر فتنظر إلى الصديق ومسامحته نفسه في ذلك فيسامح نفسه كالمريض ينظر إلى من قد صح من مرضه فيتناول ما يتناوله ويظن بنفسه الصحة فيهلك والذي يدل على أن تقدير الطعام بمقدار يسير في وقت مخصوص ونوع مخصوص ليس مقصودا في نفسه وإنما هو مجاهدة نفس متنائية عن الحق غير بالغة رتبة الكمال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له تقدير وتوقيت لطعامه قالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم حديث عائشة كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم متفق عليه وكان يدخل على أهله فيقول هل عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل وإن قالوا لا قال إني إذن صائم حديث كان يدخل على أهله فيقول هل عندكم من شيء فإن قالوا نعم أكل وإن قالوا لا قال إني صائم أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث عائشة وهو عند مسلم بنحوه كما سيأتي وكان يقدم إليه الشيء فيقول أما إني قد أردت الصوم ثم يأكل حديث كان يقدم إليه الشيء فيقول أما إني كنت أريد الصوم أخرجه البيهقي من حديث عائشة بلفظ وإن كنت قد فرضت الصوم وقال إسناد صحيح وعند مسلم قد كنت أصبحت صائما وخرج صلى الله عليه وسلم يوما وقال إني صائم فقالت له عائشة رضي الله عنها قد أهدى إلينا حيس فقال كنت أردت الصوم ولكن قربيه حديث خرج وقال إني صائم فقالت عائشة يا رسول الله قد أهدى إلينا حيس فقال كنت أردت الصوم ولكن قربيه أخرجه مسلم بلفظ قد كنت أصبحت صائما وفي رواية له أدنيه فقد أصبحت صائما فأكل وفي لفظ للبيهقي إني كنت أريد الصوم ولكن قربيه ولذلك حكي عن سهل أنه قيل له كيف كنت في بدايتك فأخبر بضروب من الرياضات منها أنه كان يقتات ورق النبق مدة ومنها أنه أكل دقاق التين مدة ثلاث سنين ثم ذكر أنه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين فقيل له فكيف أنت في وقتك هذا فقال آكل بلا حد ولا توقيت وليس المراد بقوله بلا حد ولا توقيت أني آكل كثيرا بل أني لا أقدر بمقدار واحد ما آكله وقد كان معروف الكرخي يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل فقيل له إن أخاك بشرا لا يأكل مثل هذا فقال إن أخي بشرا قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة ثم قال إنما أنا ضيف في دار مولاي فإذا أطعمني أكلت وإذا جوعني صبرت مالي والاعتراض والتمييز ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم وقال خذ لنا بهذه الدراهم زبدا وعسلا وخبزا حواريا فقيل يا أبا إسحاق بهذا كله قال ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال وأصلح ذات يوم طعاما كثيرا ودعا إليه نفرا يسيرا فيهم الأوزاعي والثوري فقال له الثوري يا أبا إسحاق أما تخاف أن يكون هذا إسرافا فقال ليس في الطعام إسراف إنما الإسراف في اللباس والأثاث فالذي أخذ العلم من السماع والنقل تقليدا يرى هذا من إبراهيم بن أدهم ويسمع عن مالك بن دينار أنه قال ما دخل بيتي الملح منذ عشرين سنة وعن سري السقطي أنه منذ أربعين سنة يشتهي أن يغمس جزرة في دبس فما فعل فيراه متناقضا فيتحير أو يقطع بأن أحدهما مخطئ والبصير بأسرار القول يعلم أن كل ذلك حق ولكن بالإضافة إلى اختلاف الأحوال ثم هذه الأحوال المختلفة يسمعها فطن محتاط أو غبي مغرور فيقول المحتاط ما أنا من جملة العارفين حتى أسامح نفسي فليس نفسي أطوع من نفس سري السقطي ومالك بن دينار وهؤلاء من الممتنعين عن الشهوات فيقتدي بهم والمغرور يقول ما نفسي بأعصى على من نفس معروف الكرخي وإبراهيم بن أدهم فاقتدى بهم وأرفع التقدير في مأكولي فأنا أيضا ضيف في دار مولاي فمالي وللاعتراض ثم إنه لو قصر أحد في حقه وتوقيره أو في ماله وجاهه بطريقة واحدة قامت القيامة عليه واشتغل بالاعتراض وهذا مجال رحب للشيطان مع الحمقى بل رفع التقدير في الطعام والصيام وأكل الشهوات لا يسلم إلا لمن ينظر من مشكاة الولاية والنبوة فيكون بينه وبين الله علامة في استرساله وانقباضه ولا يكون ذلك إلا بعد خروج النفس عن طاعة الهوى والعادة بالكلية حتى يكون أكله إذا أكل على نية كما يكون إمساكه بنية فيكون عاملا لله في أكله وإفطاره فينبغي أن يتعلم الحزم من عمر رضي الله عنه فإنه كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل ويأكله حديث كان يحب العسل ويأكله متفق عليه من حديث عائشة كان يحب الحلواء والعسل الحديث وفيه قصة شربه العسل عند بعض نسائه ثم لم يقس نفسه عليه بل لما عرضت عليه شربة باردة ممزوجة بعسل جعل يدير الإناء في يده ويقول أشربها وتذهب حلاوتها وتبقى تبعتها اعزلوا عني حسابها وتركها وهذه الأسرار لا يجوز لشيخ أن يكاشف بها مريده بل يقتصر على مدح الجوع فقط ولا يدعوه إلى الاعتدال فإنه يقصر لا محال عما يدعوه إليه فينبغي أن يدعوه إلى غاية الجوع حتى يتيسر له الاعتدال ولا يذكر له أن العارف الكامل يستغني عن الرياضة فإن الشيطان يجد متعلقا من قلبه فيلقي إليه كل ساعة إنك عارف كامل وما الذي فاتك من المعرفة والكمال بل كان من عادة إبراهيم الخواص أن يخوض مع المريد في كل رياضة كان يأمره بها كيلا يخطر بباله أن الشيخ يأمره بما لم يفعل فينفره ذلك من رياضته والقوي إذا اشتغل بالرياضة وإصلاح الغير لزمه النزول إلى حد الضعفاء تشبها بهم وتلطفا في سياقتهم إلى السعادة وهذا ابتلاء عظيم للأنبياء والأولياء وإذا كان الاعتدال خفيا في حق كل شخص فالحزم والاحتياط ينبغي أن لا يترك في كل حال ولذلك أدب عمر رضي الله عنه ولده عبد الله إذ دخل عليه فوجده يأكل لحما مأدوما بسمن فعلاه بالدرة وقال لا أم لك كل يوما خبزا ولحما ويوما خبزا ولبنا ويوما خبزا وسمنا ويوما خبزا وزيتا ويوما خبزا وملحا ويوما خبزا قفارا وهذا هو الاعتدال فأما المواظبة على اللحم والشهوات فإفراط وإسراف ومهاجرة اللحم بالكلية إقتار وهذا قوام بين ذلك والله تعالى أعلم.

بيان آفة الرياء المتطرق إلى من ترك أكل الشهوات وقلل الطعام

اعلم أنه يدخل على تارك الشهوات آفتان عظيمتان هما أعظم من أكل الشهوات إحداهما أن لا تقدر النفس على ترك بعض الشهوات فتشتهيها ولكن لا يريد أن يعرف بأنه يشتهيها فيخفى الشهوة ويأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة وهذا هو الشرك الخفي سئل بعض العلماء عن بعض الزهاد فسكت عنه فقيل له هل تعلم به بأسا قال يأكل في الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة وهذه آفة عظيمة بل حق العبد إذا ابتلى بالشهوات وحبها أن يظهرها فإن هذا صدق الحال وهو بدل عن فوات المجاهدات بالأعمال فإن إخفاء النقص وإظهار ضده من الكمال هو نقصانان متضاعفان والكذب مع الإخفاء كذبان فيكون مستحقا لمقتين ولا يرضى منه إلا بتوبتين صادقتين ولذلك شدد أمر المنافقين فقال تعالى إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار لأن الكافر كفر وأظهر وهذا كفر وستر فكان ستره لكفره كفرا آخر لأنه استخف بنظر الله سبحانه وتعالى إلى قلبه وعظم نظر المخلوقين فمحا الكفر عن ظاهره والعارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي ولا يبتلون بالرياء والغش والإخفاء بل كمال العارف أن يترك الشهوات لله تعالى ويظهر من نفسه الشهوة إسقاطا لمنزلته من قلوب الخلق وكان بعضهم يشتري الشهوات ويعلقها في البيت وهو فيها من الزاهدين وإنما يقصد به تلبيس حاله ليصرف عنه نفسه قلوب الغافلين حتى لا يشوشون عليه حاله فنهاية الزهد الزهد في الزهد بإظهار ضده وهذا عمل الصديقين فإنه جمع بين صدقين كما أن الأول جمع بين كذبين وهذا قد حمل على النفس ثقلين وجرعها كأس الصبر مرتين مرة بشربه ومرة برميه فلا جرم أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا وهذا يضاهي طريق من يعطي جهرا فيأخذ ويرد سرا ليكسر نفسه بالذل جهرا وبالفقر سرا فمن فاته هذا فلا ينبغي أن يفوته إظهار شهوته ونقصانه والصدق فيه ولا ينبغي أن يغره قول الشيطان إنك إذا أظهرت اقتدى بك غيرك فاستره إصلاحا لغيرك فإنه لو قصد إصلاح غيره لكان إصلاح نفسه أهم عليه من غيره فهذا إنما يقصد الرياء المجرد ويروجه الشيطان عليه في معرض إصلاح غيره فلذلك ثقل عليه ظهور ذلك منه واعلم أن من اطلع عليه ليس يقتدي به في الفعل أو لا ينزجر باعتقاده أنه تارك للشهوات الآفة الثانية أن يقدر على ترك الشهوات لكنه يفرح أن يعرف به فيشتهر بالتعفف عن الشهوات فقد خالف شهوة ضعيفة وهي شهوة الأكل وأطاع شهوة هي شر منها وهي شهوة الجاه وتلك هي الشهوة الخفية فمهما أحس بذلك من نفسه فكسر هذه الشهوة آكد من كسر شهوة الطعام فليأكل فهو أولى له قال أبو سليمان إذا قدمت إليك شهوة وقد كنت تاركا لها فأصب منها شيئا يسيرا ولا تعط نفسك مناها فتكون قد أسقطت عن نفسك الشهوة وتكون قد نغصت عليها إذا لم تعطها شهوتها وقال محمد بن جعفر الصادق إذا قدمت إلى شهوة نظرت إلى نفسي فإن هي أظهرت شهوتها أطعمتها منها وكان ذلك أفضل من منعها وإن أخفت شهوتها وأظهرت العزوب عنها عاقبتها بالترك ولم أنلها منها شيئا وهذا طريق في عقوبة النفس على هذه الشهوة الخفية وبالجملة من ترك شهوة الطعام ووقع في شهوة الرياء كان كمن هرب من عقرب وفزع إلى حية لأن شهوة الرياء أضر كثيرا من شهوة الطعام والله ولي التوفيق القول في شهوة الفرج اعلم أن شهوة الوقاع سلطت على الإنسان لفائدتين إحداهما أن يدرك لذته فيقيس به لذات الآخرة فإن لذة الوقاع لو دامت لكانت أقوى لذات الأجساد كما أن النار وآلامها أعظم آلام الجسد والترغيب والترهيب يسوق الناس إلى سعادتهم وليس ذلك إلا بألم محسوس ولذة محسوسة مدركة فإن ما لا يدرك بالذوق لا يعظم إليه الشوق الفائدة الثانية بقاء النسل ودوام الوجود فهذه فائدتها ولكن فيها من الآفات ما يهلك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم تقهر ولم ترد إلى حد الاعتدال وقد قيل في تأويل قوله تعالى ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به معناه شدة الغلمة وعن ابن عباس في قوله تعالى ومن شر غاسق إذا وقب قال هو قيام الذكر وقد أسنده بعض الرواة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه قال في تفسيره الذكر إذا دخل وقد قيل إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله حديث ابن عباس موقوفا مسندا في قوله تعالى ومن شر غاسق إذا وقب قال هو قيام الذكر وقال الذي أسنده الذكر إذا دخل هذا حديث لا أصل له وكان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وهني ومني حديث اللهم أني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وهني ومني تقدم في الدعوات وقال صلى الله عليه وسلم النساء حبائل الشيطان ولولا هذه الشهوة لما كان للنساء سلطنة على الرجال حديث النساء حبائل الشيطان أخرجه الأصفهاني في الترغيب والترهيب من حديث خالد بن زيد الجهني بإسناد فيه جهالة روي أن موسى عليه السلام كان جالسا في بعض مجالسه إذا أقبل إليه إبليس وعليه برنس يتلون فيه ألوانا فلما دنا منه خلع البرنس فوضعه ثم أتاه فقال السلام عليك يا موسى فقال له موسى من أنت فقال أنا إبليس فقال لا حياك الله ما جاء بك قال جئت لأسلم عليك لمنزلتك من الله ومكانتك منه قال فما الذي رأيت عليك قال برنس أختطف به قلوب بني آدم قال فما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه قال إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه وأحذرك ثلاثا لا تخل بامرأة لا تحل لك فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها وأفتنها به ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج رجل صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها ثم ولى وهو يقول علم موسى ما يحذر به بني آدم وعن سعيد بن المسيب قال ما بعث الله نبيا فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء ولا شيء أخوف عندي منهن وما بالمدينة بيت أدخله إلا بيتي وبيت ابنتي أغتسل فيه يوم الجمعة ثم أروح وقال بعضهم إن الشيطان يقول للمرأة أنت نصف جندي وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطيء وأنت موضع سري وأنت رسولي في حاجتي فنصف جنده الشهوة ونصف جنده الغضب وأعظم الشهوات شهوة النساء وهذه الشهوة أيضا لها إفراط وتفريط واعتدال فالإفراط ما يقهر العقل حتى يصرف همة الرجال إلى الاستمتاع بالنساء والجواري فيحرم عن سلوك طريق الآخرة أو يقهر الدين حتى يجر إلى اقتحام الفواحش وقد ينتهي إفراطها بطائفة إلى أمرين شنيعين أحدهما أن يتناولوا ما يقوي شهواتهم على الاستكثار من الوقاع كما قد يتناول بعض الناس أدوية تقوي المعدة لتعظم شهوة الطعام وما مثال ذلك إلا كمن ابتلى بسباع ضارية وحيات عادية فتنام عنه في بعض الأوقات فيحتال لإثارتها وتهييجها ثم يشتغل بإصلاحها وعلاجها فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يريد الإنسان الخلاص منها فيدرك لذة بسبب الخلاص فإن قلت فقد روي في غريب الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شكوت إلى جبرائيل ضعف الوقاع فأمرني بأكل الهريسة حديث شكوت إلى جبريل ضعف الوقاع فأمرني بأكل الهريسة أخرجه العقيلي في الضعفاء والطبراني في الأوسط من حديث حذيفة وقد تقدم وهو موضوع فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان تحته تسع نسوة ووجب عليه تحصينهن بالإمتاع وحرم على غيره نكاحهن وإن طلقهن فكان طلبه القوة لهذا لا للتمتع والأمر الثاني أنه قد تنتهي هذه الشهوة ببعض الضلال إلى العشق وهو غاية الجهل بما وضع له الوقاع وهو مجاوزة في البهيمية لحد البهائم لأن المتعشق ليس يقنع بإراقة شهوة الوقاع وهي أقبح الشهوات وأجدرها أن يستحي منه حتى اعتقد أن الشهوة لا تنقضي إلا من محل واحد والبهيمة تقضي الشهوة أين اتفق فتكتفي به وهذا لا يكتفي إلا بشخص واحد معين حتى يزداد به ذلا إلى ذل وعبودية إلى عبودية وحتى يستسخر العقل لخدمة الشهوة وقد خلق ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة ومحتالا لأجلها وما العشق إلا سعة إفراط الشهوة وهو مرض قلب فارغ لا هم له وإنما يجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة النظر والفكر وإلا فإذا استحكم عسر دفعه فكذلك عشق المال والجاه والعقار والأولاد حتى حب اللعب بالطيور والنرد والشطرنج فإن هذه الأمور قد تستولي على طائفة بحيث تنغص عليهم الدين والدنيا ولا يصبرون عنها ألبتة ومثال من يكثر سورة العشق في أول انباعثه مثال من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب لتدخله وما أهون منعها بصرف عنانها ومثال من يعالجها بعد استحكامها مثل من يترك الدابة حتى تدخل وتجاوز الباب ثم يأخذ بذنبها ويجرها إلي ورائها وما أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر والعسر فليكن الاحتياط في بدايات الأمور فأما في آواخرها فلا تقبل العلاج إلا بجهد جهيد يكاد يؤدي إلى نزع الروح فإذن إفراط الشهوة أن يغلب العقل إلى هذا الحد وهو مذموم جدا وتفريطها بالعنة أو بالضعف عن إمتاع المنكوحة وهو أيضا مذموم وإنما المحمود أن تكون معتدلة ومطيعة للعقل والشرع في انقباضها وانبساطها ومهما أفرطت فكسرها بالجوع والنكاح قال صلى الله عليه وسلم معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فالصوم له وجاء حديث معاشر الشباب من استطاع منكم النكاح فليتزوج الحديث تقدم في النكاح.

بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله

اعلم أن المريد في ابتداء أمره ينبغي أن لا يشغل نفسه بالتزويج فإن ذلك شغل شاغل يمنعه من السلوك ويستجره إلى الأنس بالزوجة ومن أنس بغير الله تعالى شغل عن الله ولا يغرنه كثرة نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا عن الله تعالى حديث كان لا يشغل قلبه عن الله تعالى جميع ما في الدنيا تقدم فلا تقاس الملائكة بالحدادين ولذلك قال أبو سليمان الداراني من تزوج فقد ركن إلى الدنيا وقال ما رأيت مريدا تزوج فثبت على حاله الأول وقيل له مرة ما أحوجك إلى امرأة تأنس بها فقال لا آنسني الله بها أي أن الأنس بها يمنع الأنس بالله تعالى وقال أيضا كل ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم فكيف يقاس غير رسول الله صلى الله عليه وسلم به وقد كان استغراقه بحب الله تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الأحوال أن يسري ذلك إلى قالبه فيهدمه فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة أحيانا ويقول كلميني يا عائشة لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه حديث كان يضرب يده على فخذ عائشة أحيانا ويقول كلميني يا عائشة لم أجد له أصلا فقد كان طبعه الأنس بالله عز وجل وكان أنسه بالخلق عارضا رفقا ببدنه ثم إنه كان لا يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم فإذا ضاق صدره قال أرحنا بها يا بلال حديث أرحنا بها يا بلال تقدم في الصلاة حتى يعود إلى ما هو قرة عينه حديث أن الصلاة كانت قرة عينه تقدم أيضا فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذه الأمور فهو مغرور لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله صلى الله عليه وسلم فشرط المريد العزبة في الابتداء إلى أن يقوى في المعرفة هذا إذا لم تغلبه الشهوة فإن غلبته الشهوة فليكسرها بالجوع الطويل والصوم الدائم فإن لم تنقمع الشهوة بذلك وكان بحيث لا يقدر على حفظ العين مثلا وإن قدر على حفظ الفرج فالنجاح له أولى لتسكن الشهوة وإلا فمهما لم يحفظ عينه لم يحفظ عليه فكره ويتفرق عليه همه وربما وقع في بلية لا يطيقها وزنا العين من كبائر الصغائر وهو يؤدي إلى القرب على الكبيرة الفاحشة وهي زنا الفرج ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ فرجه قال عيسى عليه السلام إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب شهوة وكفى بها فتنة وقال سعيد بن جبير إنما جاءت الفتنة لداود عليه السلام من قبل النظرة ولذلك قال لابنه عليه السلام يا بني امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف المرأة وقيل ليحيى عليه السلام ما بدء الزنا قال النظر والتمني وقال الفضيل يقول إبليس هو قوسي القديمة وسهمي الذي لا أخطيء به يعني النظر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن تركها خوفا من الله تعالى أعطاه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه حديث النظرة سهم مسموم من سهام إبليس الحديث تقدم أيضا وقال صلى الله عليه وسلم ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء حديث ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء متفق عليه من حديث أسامة بن زيد وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من قبل النساء حديث اتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وقال تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الآية وقال صلى الله عليه وسلم لكل ابن آدم حظ من الزنا فالعينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والفم يزني وزناه القبلة والقلب يهم أو يتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه حديث لكل ابن آدم حظه من الزنا فالعينان تزنيان الحديث أخرجه مسلم والبيهقي واللفظ له من حديث أبي هريرة واتفق عليه الشيخان من حديث ابن عباس نحوه وقالت أم سلمة استأذن ابن أم مكتوم الأعمى على رسول الله وأنا وميمونة جالستانفقال صلى الله عليه وسلم احتجبا فقلنا أو ليس بأعمى لا يبصر فقال وأنتما لا تبصرانه حديث أم سلمة استأذن ابن أم مكتوم الأعمى وأنا وميمونة جالستان فقال احتجبا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وهذا يدل على أنه لا يجوز للنساء مجالسة العميان كما جرت به العادة في المآتم والولائم فيحرم على الأعمى الخلوة بالنساء ويحرم على المرأة مجالسة الأعمى وتحديق النظر إليه لغير حاجة وإنما جوز للنساء محادثة الرجال والنظر إليهم لأجل عموم الحاجة وإن قدر على حفظ عينه عن النساء ولم يقدر على حفظها عن الصبيان فالنكاح أولى به فإن الشر في الصبيان أكثر فإنه لو مال قلبه إلى امرأة أمكنه الوصول إلى استباحتها بالنكاح والنظر إلى وجه الصبي بالشهوة حرام بل كل من يتأثر قلبه بجمال صورة الأمرد بحيث يدرك التفرقة بينه وبين الملتحي لم يحل له النظر إليه فإن قلت كل ذي حس يدرك التفرقة بين الجميل والقبيح لا محالة ولم تزل وجوه الصبيان مكشوفة فأقول لست أعني تفرقة العين فقط بل ينبغي أن يكون إدراكه التفرقة كإدراكه التفرقة بين شجرة خضراء وأخرى يابسة وبين ماء صاف وماء كدر وبين شجرة عليها أزهارها وأنوارها وشجرة تساقطت أوراقها فإنه يميل إلى إحداهما بعينه وطبعه ولكن ميلا خاليا عن الشهوة ولأجل ذلك لا يشتهي ملامسة الأزهار والأنوار وتقبيلها ولا تقبيل الماء الصافي وكذلك الشيبة الحسنة قد تميل العين إليها وتدرك التفرقة بينها وبين الوجه القبيح ولكنها تفرقة لا شهوة فيها ويعرف ذلك بميل النفس إلى القرب والملامسة فمهما وجد ذلك الميل في قلبه وأدرك تفرقة بين الوجه الجميل وبين النبات الحسن والأثواب المنقشة والسقوف المذهبة فنظره نظر شهوة فهو حرام وهذا مما يتهاون به الناس ويجرهم ذلك إلى المعاطب وهم لا يشعرون قال بعض التابعين ما أنا بأخوف من السبع الضاري على الشاب الناسك من غلام أمرد يجلس إليه وقال سفيان لو أن رجلا عبث بغلام بين أصبعين من أصابع رجله يريد الشهوة لكان لواطا وعن بعض السلف قال سيكون في هذه الأمة ثلاث أصناف لوطيون صنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون فإذن آفة النظر إلى الأحداث عظيمة فمهما عجز المريض عن غظ بصره وضبط فكره فالصواب له أن يكسر شهوته بالنكاح فرب نفس لا يسكن توقانها بالجوع وقال بعضهم غلبت على شهوتي في بدء إرادتي بما لم أطق فأكثرت الضجيج إلى الله تعالى فرأيت شخصا في المنام فقال مالك فشكوت إليه فقال تقدم إلي فتقدمت إليه فوضع يده على صدري فوجدت بردها في فؤادي وجميع جسدي فأصبحت وقد زال ما بي فبقيت معافى سنة ثم عاودني ذلك فأكثرت الاستغاثة فأتاني شخص في المنام فقال لي أتحب أن يذهب ما تجده وأضرب عنقك قلت نعم فقال مد رقبتك فمددتها فجرد سيفا من نور فضرب به عنقي فأصبحت وقد زال ما بي فبقيت معافى سنة ثم عاودني ذلك أو أشد منه فرأيت كأن شخصا فيما بين جنبي وصدري يخاطبني ويقول ويحك كم تسأل الله تعالى ما لا يحب رفعه قال فتزوجت فانقطع ذلك عني وولد لي ومهما احتاج المريد إلى النكاح فلا ينبغي أن يترك شرط الإرادة في ابتداء النكاح ودوامه أما في ابتدائه فبالنية الحسنة وفي داومه بحسن الخلق وسداد السيرة والقيام بالحقوق الواجبة كما فصلنا جميع ذلك في كتاب آداب النكاح فلا نطول بإعادته وعلامة صدق إرادته أن ينكح فقيرة متدينة ولا يطلب الغنية قال بعضهم من تزوج غنية كان له منها خمس خصال مغالاة الصداق وتسويف الزفاف وفوت الخدمة وكثرة النفقة وإذا أراد طلاقها لم يقدر خوفا على ذهاب مالها والفقيرة بخلاف ذلك وقال بعضهم ينبغي أن تكون المرأة دون الرجل بأربع وإلا استحقرته بالسن والطول والمال والحسب وأن تكون فوقه بأربع بالجمال والأدب والورع والخلق وعلامة صدق الإرادة في دوام النكاح الخلق تزوج بعض المريدين بامرأة فلم يزل يخدمها حتى استحيت المرأة وشكت ذلك إلى أبيها وقالت قد تحيرت في هذا الرجل أنا في منزله منذ سنين ما ذهبت إلى الخلاء قط إلا وحمل الماء قبلي إليه وتزوج بعضهم امرأة ذات جمال فلما قرب زفافها أصابها الجدري فاشتد حزن أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها فأراهم الرجل أنه قد أصابه رمد ثم أراهم أن بصره قد ذهب حتى زفت إليه فزال عنهم الحزن فبقيت عنده عشرين سنة ثم توفيت ففتح عينيه حين ذلك فقيل له في ذلك فقال تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا فقيل له قد سبقت إخوانك بهذا الخلق وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها فقيل له لم لا تطلقها فقال أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها فإن تزوج المريد فهكذا ينبغي أن يكون وإن قدر على الترك فهو أولى له إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح وسلوك الطريق وعلم أن ذلك يشغله عن حاله كما روي أن محمد بن سليمان الهاشمي كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم فكتب إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوجها فأجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها الله تعالى فكتب إليها بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الله تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مائة ألف وأنا أصير لك مثلها ومثلها فأجيبيني فكتبت إليه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن والرغبة فيها تورث الهم والحزن فإذا أتاك كتابي هذا فهيء زادك وقدم لمعادك وكن وصي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا تراثك فصم الدهر وليكن فطرك الموت وأما أنا فلو أن الله تعالى خولني أمثال الذي خولك وأضعافه ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين وهذه إشارة إلى أن كل ما يشغل عن الله تعالى فهو نقصان فلينظر المريد إلى حاله وقلبه فإن وجده في العزوبة فهو الأقرب وإن عجز عن ذلك فالنكاح أولى به ودواء هذه العلة ثلاثة أمور الجوع وغض البصر والاشتغال بشغل يستولي على القلب فإن لم تنفع هذه الثلاثة فالنكاح هو الذي يستأصل مادتها فقط ولهذا كان السلف يبادرون إلى النكاح وإلى تزويج البنات قال سعيد بن المسيب ما أيس إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء وقال سعيد أيضا وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى ما شيء أخوف عندي من النساء وعن عبد الله بن أبي وداعة قال كنت أجالس سعيد بن المسيب فتفقدني أياما فلما أتيته قال أين كنت قلت توفيت أهلي فاشتغلت بها فقال هلا أخبرتنا فشهدناها قال ثم أردت أن أقوم فقال هل استحدثت امرأة فقلت يرحمك الله تعالى ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة فقال أنا فقلت وتفعل قال نعم فحمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال ثلاثة قال فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي فأسرجت وكنت صائما فقدمت عشائي لأفطر وكان خبزا وزيتا وإذا بابي يقرع فقلت من هذا قال سعيد قال فأفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب وذلك أنه لم ير أربعين سنة إلا بين داره والمسجد قال فخرجت إليه فإذا به سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدا له فقلت يا أبا محمد لو أرسلت إلي لأتيتك فقال لا أنت أحق أن تؤتى قلت فما تأمر قال إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت أن أبيتك الليلة وحدك وهذه امرأتك وإذا هي قائمة خلفه في طوله ثم أخذ بيدها فدفعها في الباب ورده فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت فوضعتها في ظل السراج لكيلا تراه ثم صعدت السطح فرميت الجيران فجاءوني وقالوا ما شأنك قلت ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها الليلة على غفلة فقالوا أو سعيد زوجك قلت نعم قالوا وهي في الدار قلت نعم فنزلوا إليها وبلغ ذلك أمي فجاءت وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام قال فأقمت ثلاثا ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل النساء وأحفظ الناس لكتاب الله تعالى وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحق الزوج قال فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه فلما كان بعد الشهر أتيته وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تفرق الناس من المجلس فقال ما حال ذلك الإنسان فقلت بخير يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو قال إن رابك منه أمر فدونك والعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم قال عبد الله بن سليمان وكانت بنت سعيد بن المسيب هذه قد خطبها منه عبد الملك بن مروان لابنه الوليد حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف فاستعجال سعيد في الزفاف تلك الليلة يعرفك غائلة الشهوة ووجوب المبادرة في الدين إلى تطفئة نارها بالنكاح رضي الله تعالى عنه ورحمه.

بيان فضيلة من يخالف شهوة الفرج والعين

اعلم أن هذه الشهوة هي أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل إلا أن مقتضاها قبيح يستحيا منه ويخشى من اقتحامه وامتناع أكثر الناس عن مقتضاها إما لعجز أو لخوف أو لحياء أو لمحافظة على جسمه وليس في شيء من ذلك ثواب فإنه إيثار حظ من حظوظ النفس على حظ آخر نعم من العصمة أن لا يقدر ففي هذه العوائق فائدة وهي دفع الإثم فإن من ترك الزنا اندفع عنه إثمه بأي سبب كان تركه وإنما الفضل والثواب الجزيل في تركه خوفا من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وهذه درجة الصديقين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد حديث من عشق فعف فكتم فمات فهو شهيد أخرجه الحاكم في التاريخ من حديث ابن عباس وقال أنكر على سويد بن سعيد ثم قال يقال إن يحيى لما ذكر له هذا الحديث قال لو كان لي فرس ورمح غزوت سويدا ورواه الخرائطي من غير طريق سويد بسند فيه نظر وقال صلى الله عليه وسلم سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وعد منهم رجل دعته امرأة ذات جمال وحسب إلى نفسها فقال إني أخاف الله رب العالمين حديث سبعة يظلهم الله في ظله الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم وقصة يوسف عليه السلام وامتناعه من زليخا مع القدرة ومع رغبتها معروفة وقد أثنى الله تعالى عليه بذلك في كتابه العزيز وهو إمام لكل من وفق لمجاهدة الشيطان في هذه الشهوة العظيمة وروي أن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه فامتنع عليها وخرج هاربا من منزله وتركها فيه قال سليمان فرأيت تلك الليلة في المنام يوسف عليه السلام وكأني أقول له أنت يوسف قال نعم أنا يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم تهم أشار إلى قوله تعالى ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وعنه أيضا ما هو أعجب من هذا وذلك أنه خرج من المدينة حاجا ومعه رفيق له حتى نزلا بالأبواء فقام رفيقه وأخذ السفرة وانطلق إلى السوق ليبتاع شيئا وجلس سليمان في الخيمة وكان من أجمل الناس وجها وأورعهم فبصرت به أعرابية من قلة الجبل وانحدرت إليه حتى وقفت بين يديه وعليها البرقع والقفازان فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر وقالت أهنئني فظن أنها تريد طعاما فقام إلى فضلة السفرة ليعطيها فقالت لست أريد هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله فقال جهزك إلى إبليس ثم وضع رأسه بين ركبتيه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكي فلما رأت منه ذلك سدلت البرقع على وجهها وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من البكاء وانقطع حلقه فقال ما يبكيك قال خير ذكرت صبيتي قال لا والله إلا أن لك قصة إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها فلم يزل به حتى أخبره خبر الأعرابية فوضع رفيقه السفرة وجعل يبكي بكاء شديدا فقال سليمان وأنت ما يبكيك قال أنا أحق بالبكاء منك لأني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها فلم يزالا يبكيان فلما انتهى سليمان إلى مكة فسعى وطاف ثم أتى الحجر فاحتبى بثوبه فأخذته عينه فنام وإذا رجل وسيم طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة فقال له سليمان رحمك الله من أنت قال له أنا يوسف قال يوسف الصديق قال نعم قال إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا فقال له يوسف شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب وروي عن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انطلق ثلاثة نفر مما كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوا فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلى أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم فقال رجل منهم اللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين فكرهت أن أغبق قبلها أهلا ومالا فلبثت والقدح في يدي انتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون حول قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج منه وقال الآخر اللهم إنك تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بي سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي من أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عنهم حتى أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجورهم غير رجل واحد فإنه ترك الأجر الذي له وذهب فنميت له أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أعطني أجري فقلت كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله أتهزأ بي فقلت لا أستهزئ بك فخذه فاستاقه وأخذه كله ولم يترك منه شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون حديث ابن عمر انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فذكر الحديث بطوله رواه البخاري فهذا فضل من تمكن من قضاء هذه الشهوة فعف وقريب منه من تمكن من قضاء شهوة العين فإن العين مبدأ الزنا فحفظها مهم وهو عسر من حيث إنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه والآفات كلها منه تنشأ والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها والمعاودة يؤاخذ بها قال صلى الله عليه وسلم لك الأولى وعليك الثانية حديث لك الأولى وليست لك الثانية أي النظرة أخرجه أبو داود والترمذي من حديث بريدة قاله لعلي قال الترمذي حديث غريب أي النظرة وقال العلاء بن زياد لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة وقلما يخلو الإنسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت الشهوة وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر وإن استقبح لم يلتذ وتألم لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه فلا يخلو في كلتا حالتيه عن معصية وعن تألم وعن تحسر ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ونهاية التوفيق فقد روي عن أبي بكر بن عبد الله المزني أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى فتبعها وراودها عن نفسها فقالت له لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ولكني أخاف الله قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كان يهلك فإذا برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال ما لك قال العطش قال تعال حتى ندعو الله بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية قال مالي من عمل صالح فأدعو فادع أنت قال أنا أدعو وأمن أنت على دعائي فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فأخذ القصاب إلى مكانه فمالت السحابة معه فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم زعمت أن ليس لك عمل صالح وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني بأمرك فأخبره فقال الرسول إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه وعن أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال كان عندنا بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال عليها ذلك فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت له يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت فمضى ولم يكلمها ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها فأطرق مليا وقال لها هذا موقف تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا فقالت له والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير وأنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها وجملة ما أقول لك إن جوارحي كلها مشغولة بك فالله الله في أمري وأمرك قال فمضى الشباب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم خرج من منزله وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى منزله وكان فيه بسم الله الرحمن الرحيم أعلمي أيتها المرأة أن الله عز وجل إذا عصاه العبد حلم فإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا يطيق غضبه فإن كان ما ذكرت باطلا فإني أذكرك يوما تكون السماء فيه كالمهل وتصير الجبال كالعهن وتجثوا الأمم لصولة الجبار العظيم وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري وإن كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع المرمضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقوله تعالى وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فأين المهرب من هذه الآية ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها فقالت يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدا بين يدي الله تعالى ثم بكت بكاء شديدا وقالت أسأل لك الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك ثم إنها تبعته وقالت امنن علي بموعظة أحملها عنك وأوصني بوصية أعمل عليها فقال لها أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله تعالى وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار قال فأطرقت وبكت بكاء شديدا أشد من بكائها الأول ثم إنها أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا فكان الفتى يذكرها بعد موتها ثم يبكي فيقال له مم بكاؤك وأنت قد أيأستها من نفسك فيقول إني قد ذبحت طمعها في أول أمرها وجعلت قطيعتها ذخيرة لي عند الله تعالى فأنا أستحي منه أن أسترد ذخيرة ادخرتها عنده تعالى تم كتاب كسر الشهوتين بحمد الله تعالى وكرمه يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب آفات اللسان والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلاته على سيدنا محمد خير خلقه وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء وسلم تسليما كثيرا.

 

كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب

كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلب

وهو الكتاب الثاني من ربع المهلكات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره وفوض تحسين الأخلاق إلى اجتهاد العبد وتشميره واستحثه على تهذيبها بتخويفه وتحذيره وسهل على خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليهم بتسهيل صعبه وعسيره والصلاة والسلام على محمد عبد الله ونبيه وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستشرف حقيقة الحق من مخايله وتباشيره وعلى آله وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر ودياجيره وحسموا مادة الباطل فلم يتدنسوا بقليله ولا بكثيره.

أما بعد فالخلق الحسن صفة سيد المرسلين وأفضل أعمال الصديقين وهو على التحقيق شطر الدين وثمرة مجاهدة المتقين ورياضة المتعبدين والأخلاق السيئة هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة والمخازي الفاضحة والرذائل الواضحة والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة كما أن الأخلاق الجميلة هي الأبواب المفتوحة من القلب إلى نعيم الجنان وجوار الرحمن والأخلاق الخبيثة أمراض القلوب وأسقام النفوس إلا أنه مرض يفوت حياة الأبد وأين منه المرض الذي لا يفوت إلا حياة الجسد ومهما اشتدت عناية الأطباء بضبط قوانين العلاج للأبدان وليس في مرضها إلا فوت الحياة الفانية فالعناية بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حياة باقية أولى وهذا النوع من الطب واجب تعلمه على كل ذي لب إذ لا يخلو قلب من القلوب عن أسقام لو أهملت تراكمت وترادفت العلل وتظاهرت فيحتاج العبد إلى تأنق في معرفة علمها وأسبابها ثم إلى تشمير في علاجها وإصلاحها فمعالجتها هو المراد بقوله تعالى قد أفلح من زكاها وإهمالها هو المراد بقوله وقد خاب من دساها ونحن نشير في هذا الكتاب إلى جمل من أمراض القلوب وكيفية القول في معالجتها على الجملة من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض فإن ذلك يأتي في بقية الكتب من هذا الربع وغرضنا الآن النظر الكلي في تهذيب الأخلاق وتمهيد منهاجها ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالا له ليقرب من الأفهام دركه ويتضح ذلك ببيان فضيلة حسن الخلق ثم بيان حقيقة حسن الخلق ثم بيان قبول الأخلاق للتغير بالرياضة ثم بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق ثم بيان الطرق التي بها يعرف تفصيل الطرق إلى تهذيب الأخلاق ورياضة النفوس ثم بيان العلامات التي بها يعرف مرض القلب ثم بيان الطرق التي بها يعرف الإنسان عيوب نفسه ثم بيان شواهد النقل على أن طريق المعالجة للقلوب بترك الشهوات لا غير ثم بيان علامات حسن الخلق ثم بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول النشو ثم بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة فهي أحد عشر فصلا يجمع مقاصدها هذا الكتاب إن شاء الله تعالى بيان فضيلة حسن الخلق ومذمة سوء الخلق قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه وإنك لعلى خلق عظيم وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن حديث عائشة كان خلقه القرآن تقدم وهو عند مسلم وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسن الخلق فتلا قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين ثم قال صلى الله عليه وسلم هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك حديث تأويل قوله تعالى خذ العفو الآية هو أن تصل من قطعك الحديث أخرجه ابن مردويه من حديث جابر وقيس بن سعد بن عبادة وأنس بأسانيد حسان وقال صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق حديث بعثت لأتمم مكارم الأخلاق أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وتقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق حديث أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق فأتاه من قبل يمينه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق ثم أتاه من قبل شماله فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من ورائه فقال يا رسول الله ما الدين فالتفت إليه وقال أما تفقه هو أن لا تغضب حديث جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال ما الدين قال حسن الخلق الحديث أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة من رواية أبي العلاء بن الشخير مرسلا وقيل يا رسول الله ما الشؤم قال سوء الخلق حديث ما الشؤم قال سوء الخلق أخرجه أحمد من حديث عائشة الشؤم سوء الخلق ولأبي داود من حديث رافع بن مكيث سوء الخلق شؤم وكلاهما لا يصح وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن حديث قال رجل أوصني قال اتق الله حيثما كنت الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي ذر وقال حسن صحيح وسئل عليه السلام أي الأعمال أفضل قال خلق حسن وقال صلى الله عليه وسلم ما حسن الله خلق عبد وخلقه فيطعمه النار حديث ما حسن الله خلق امرئ وخلقه فتطعمه النار تقدم في آداب الصحبة وقال الفضيل قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها قال لا خير فيها هي من أهل النار وقال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق والسخاء ولما خلق الله الإيمان قال اللهم قوني فقواه بحسن الخلق والسخاء ولما خلق الله الكفر قال اللهم قوني فقواه بالبخل وسوء الخلق حديث أبي الدرداء أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق الحديث لم أقف له على أصل هكذا ولأبي داود والترمذي من حديث أبي الدرداء ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق وقال غريب وقال في بعض طرقه حسن صحيح وقال صلى الله عليه وسلم إن الله استخلص هذا الدين لنفسه ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق ألا فزينوا دينكم بهما حديث إن الله استخلص هذا الدين لنفسه الحديث أخرجه الدارقطني في كتاب المستجاد والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد فيه لين وقال عليه السلام حسن الخلق خلق الله الأعظم حديث حسن الخلق خلق الله الأعظم أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمار ابن ياسر بسند ضعيف وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيمانا قال أحسنهم خلقا حديث قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضلهم إيمانا قال أحسنهم خلقا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم من حديث أبي هريرة وتقدم في النكاح بلفظ أكمل المؤمنين والطبراني من حديث أبي أمامة أفضلكم إيمانا أحسنكم خلقا وقال صلى الله عليه وسلم إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق حديث إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق أخرجه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وبعض طرق البزار رجاله ثقات وقال أيضا صلى الله عليه وسلم سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل حديث سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وأبي هريرة أيضا وضعفهما ابن جرير وعن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فحسن خلقك حديث إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب وفيه ضعف وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا حديث البراء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق بسند حسن وعن أبي مسعود البدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي حديث أبي مسعود البدري اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق هكذا من رواية عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي مسعود البدري وإنما هو ابن مسعود أي عبد الله هكذا رواه ابن حبان في صحيحه ورواه أحمد من حديث عائشة وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء فيقول اللهم إني أسألك الصحة والعافية وحسن الخلق حديث عبد الله بن عمرو اللهم إني أسألك الصحة والعافية وحسن الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بإسناد فيه لين وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كرم المؤمن دينه وحسبه حسن خلقه ومروءته عقله حديث أبي هريرة كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسن خلقه أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم والبيهقي قلت فيه مسلم بن خالد الزنجي وقد تكلم فيه قال البيهقي وروى من وجهين آخرين ضعيفين ثم رواه موقوفا على عمر وقال إسناد صحيح وعن أسامة بن شريك قال شهدت الأعاريب يسألون النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ما خير ما أعطى العبد قال خلق حسن حديث أسامة بن شريك شهدت الأعاريب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير ما أعطى العبد قال خلق الحسن أخرجه ابن ماجه وتقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا حديث إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي هريرة إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا وللطبراني في مكارم الأخلاق من حديث جابر إن أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا وقد تقدم الحديثان في آداب الصحبة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث من لم تكن فيه أو واحدة منهن فلا تعتدوا بشيء من عمله تقوى تحجزه عن معاصي الله أو حلم يكف به السفيه أو خلق يعيش به بين الناس حديث ابن عباس ثلاث من لم يكن فيه أو واحدة منهم فلا يعتد بشيء من عمله الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف ورواه الطبراني في الكبير وفي مكارم الأخلاق من حديث أم سلمة وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم في افتتاح الصلاة اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت حديث اللهم اهدني لأحسن الأخلاق الحديث أخرجه مسلم من حديث علي وقال أنس بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إذ قال إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد حديث أنس إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف ورواه الطبراني والطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وضعفه وكذا رواه من حديث أبي هريرة وضعفه أيضا وقال صلى الله عليه وسلم من سعادة المرء حسن الخلق حديث من سعادة المرء حسن الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في الشعب من حديث جابر بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم اليمن حسن الخلق حديث اليمن حسن الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق من حديث علي بإسناد ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق حديث يا أبا ذر لا عقل كالتدبير ولا حسب كحسن الخلق أخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث أبي ذر وعن أنس قال قالت أم حبيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما هي تكون قال لأحسنهما خلقا كان عندها في الدنيا يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة حديث أنس قالت أم حبيبة يا رسول الله أرأيت المرأة يكون لها زوجان الحديث أخرجه البزار والطبراني في الكبير والخرايطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه وكرم مرتبته حديث إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه الحديث أخرجه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بالرواية الأولى ومن حديث أبي هريرة بالرواية الثانية وفيهما ابن لهيعة وفي رواية درجة الظمآن في الهواجر وقال عبد الرحمن بن سمرة كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه وبينه وبين الله حجاب فجاء حسن خلقه فأدخله على الله تعالى حديث عبد الرحمن بن سمرة إني رأيت البارحة عجبا الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة وشرف المنازل وإنه لضعيف في العبادة حديث إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة الحديث أخرجه الطبراني والخرايطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد وروي أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر رضي الله عنه تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر رضي الله عنه مم تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر أنت كنت أحق أن يهبنك يا رسول الله ثم أقبل عليهن عمر فقال يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلن نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم أيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك حديث إن عمر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه الحديث متفق عليه وقال صلى الله عليه وسلم سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة تفوح حديث سوء الخلق ذنب لا يغفر الحديث أخرجه الطبراني في الصغير من حديث عائشة ما من شيء إلا له توبة إلا صاحب سوء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا عاد في شر منه وإسناده ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم حديث إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم أخرجه الطبراني والخرايطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد وهو بعض الحديث الذي قبله بحديثين الآثار قال ابن لقمان الحكيم لأبيه يا أبت أي الخصال من الإنسان خير قال الدين قال فإذا كانت اثنتين قال الدين والمال قال فإذا كانت ثلاثا قال الدين والمال والحياء قال فإذا كانت أربعا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق قال فإذا كانت خمسا قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال فإذا كانت ستا قال يا بني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقى والله ولي ومن الشيطان يري وقال الحسن من ساء خلقه عذب نفسه وقال أنس بن مالك إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق وقال وهب ابن منبه مثل السيء الخلق كمثل الفخارة المكسورة لا ترقع ولا تعاد طينا وقال الفضيل لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيي الخلق وصحب ابن المبارك رجلا سيي الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمة له فارقته وخلقه معه لم يفارقه وقال الجنيد أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان وقال الكناني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر رضي الله عنه خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات وسئل ابن عباس ما الكرم فقال هو ما بين الله في كتابه العزيز إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل فما الحسب قال أحسنكم خلقا أفضلكم حسبا وقال لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق وقال عطاء ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم فأقرب الخلق إلى الله عز وجل السالكون آثاره بحسن الخلق.

بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق

اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق وأنه ما هو وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضرا في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك كقول الحسن حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أن لا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى وقال شاه الكرماني هو كف الأذى واحتمال المؤن وقال بعضهم هو أن يكون من الناس قريبا وفيما بينهم غريبا وقال الواسطي مرة هو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال أبو عثمان هو الرضا عن الله تعالى وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقال مرة أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه وفيما بينه وبين الناس وقال علي رضي الله عنه حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال وقال الحسين بن منصور هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال أبو سعيد الخراز هو أن لا يكون لك هم غير الله تعالى فهذا وأمثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه ثم ليس هو محيطا بجميع الثمرات أيضاوكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معا يقال فلان حسن الخلق والخلق أي حسن الباطن والظاهر فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ويراد بالخلق الصورة الباطنة وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا سميت تلك الهيئة خلقا حسنا وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا وإنما قلنا إنها هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير روية لأن من تكلف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وروية لا يقال خلقه السخاء والحلم فههنا أربعة أمور أحدها فعل الجميل والقبيح والثاني القدرة عليهما والثالث المعرفة بهما والرابع هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء وليس هو عبارة عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعا على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقا لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة العقل والشرع وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع فالعقل مثاله مثال الناصح المشير وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضا مؤدبا وتارة يكون جموحا فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقا ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهورا وإن مالت إلى الضعف والنقضان تسمى جبنا وخورا وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرها وإن مالت إلى النقصان تسمى جمودا والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثا وجربزة ويسمى تفريطها بلها والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة فإذن أمهات الأخلاق وأصولها أربعة الحكمة والشجاعة والعفة والعدل ونعني بالحكمة حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية ونعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها ونعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها ونعني بالعفة تأدب قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ومن إفراطها تصدر الجربزة والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق والجنون وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل فقد يكون الإنسان غمرا في شيء دون شيء والفرق بين الحمق الجنون أن الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض وأما المجنون فإنه يحتار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسدا وأما خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ والاستشاطة والتكبر والعجب وأما تفريطها فيصدر منه المهانة والذلة والجزع والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب وأما خلق العفة فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع وأما ميلها إلى الإفراط أو التفريط فيحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل والباقي فروعها ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد فينبغي أن يبعد كما أن الأول قريب من الملك المقرب فينبغي أن يقتدي به ويتقرب إليه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما قال حديث بعثت لأتمم مكارم الأخلاق تقدم في آداب الصحبة وقد أشار القرآن إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين فقال تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال أشداء على الكفار رحماء بينهم إشارة إلى أن للشدة موضعا وللرحمة موضعا فليس الكمال في الشدة بكل حال ولا في الرحمة بكل حال فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان أركانه وثمراته وفروعه.

بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة

اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه استثقل المجاهدة والرياضة والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك لقصوره ونقصه وخبث دخلته فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها فإن الطباع لا تتغير واستدل فيه بأمرين أحدهما أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلا ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى والثاني أنهم قالوا حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده فنقول لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسنوا أخلاقكم حديث حسنوا أخلاقكم أخرجه أبو بكر ابن لال في مكارم الأخلاق من حديث معاذ يا معاذ حسن خلقك للناس منقطع ورجاله ثقات وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق والقول الكاشف للغطاء عن ذلك أن نقول الموجودات منقسمة إلى ما لا مدخل للآدمي واختياره في أصله وتفصيله كالسماء والكواكب بل أعضاء البدن داخلا وخارجا وسائر أجزاء الحيوانات وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لقبول الكمال بعد أن وجد شرطه وشرطه قد يرتبط باختيار العبد فأن النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها ولا تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا ولو أردنا سلاستهما وقودهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا عليه وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى نعم الجبلات مختلفة بعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة القبول ولاختلافها سببان أحدهما قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود فإن قوة الشهوة والغضب والتكبر موجودة في الإنسان ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على التغيير قوة الشهوة فإنها أقدم وجودا إذ الصبي في مبدإ الفطرة تخلق له الشهوة ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب وبعد ذلك يخلق له قوة التمييز والسبب الثاني أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له وباعتقاد كونه حسنا ومرضيا والناس فيه على أربع مراتب الأولى وهو الإنسان الغفل الذي لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح بل بقي كما فطر عليه خاليا عن جميع الاعتقادات ولم تستتم شهوته أيضا باتباع اللذات فهذا سريع القبول للعلاج جدا فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة فيحسن خلقه في أقرب زمان والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فتعاطاه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأول إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولا من كثرة الاعتياد للفساد والآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح ولكنه بالجملة محل قابل للرياضة إن انتهض لها بجد وتشمير وحزم والثالثة أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة وأنها حق وجميل وتربى عليها فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور وذلك لتضاعف أسباب الضلال والرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر واستهلاك النفوس ويباهي به ويظن أن ذلك يرفع قدره وهذا هو أصعب المراتب وفي مثله قيل ومن العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب والأول من هؤلاء جاهل فقط والثاني جاهل وضال والثالث جاهل وضال وفاسق والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به وهو قولهم إن الآدمي ما دام حيا فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق فهذا غلط وقع لطائفة ظنوا أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها وهيهات فإن الشهوة خلقت لفائدة وهي ضرورية في الجبلة فلو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل ولو انعدم الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه ولهلك ومهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك المال وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي هو وسط بين الإفراط والتفريط والمطلوب في صفة الغضب حسن الحمية وذلك بأن يخلو عن التهور وعن الجبن جميعا وبالجملة أن يكون في نفسه قويا ومع قوته منقادا للعقل ولذلك قال الله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم وصفهم بالشدة وإنما تصدر الشدة عن الغضب ولو بطل الغضب لبطل الجهاد وكيف يقصد قلع الشهوة والغضب بالكلية والأنبياء عليهم السلام لم ينفكوا عن ذلك إذ قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر حديث إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر أخرجه مسلم من حديث أنس وله من حديث أبي هريرة إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وكان إذا تكلم بين يديه بما يكرهه يغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان عليه السلام لا يخرجه غضبه عن الحق حديث أنه كان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتى تحمر وجنتاه ولكن لا يقول إلا حقا فكان الغضب لا يخرجه عن الحق أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير في قصة شراج الحرة فقال لأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهما من حديث أبي سعيد الخدري وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ولهما من حديث عائشة وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ولمسلم ما ينال منه شيء قط فينتقم من صاحبه الحديث وقال تعالى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ولم يقل والفاقدين الغيظ فرد الغضب والشهوة إلى حد الاعتدال بحيث لا يقهر واحد منهما العقل ولا يغلبه بل يكون العقل هو الضابط لهما والغالب عليهما ممكن وهو المراد بتغيير الخلق فإنه ربما تستولي الشهوة على الإنسان بحيث لا يقوى عقله على دفعها فيقدم على الانبساط إلى الفواحش وبالرياضة تعود إلى حد الاعتدال فدل أن ذلك ممكن والتجربة والمشاهدة تدل على ذلك دلالة لا شك فيها والذي يدل على أن المطلوب هو الوسط في الأخلاق دون الطرفين أن السخاء خلق محمود شرعا وهو وسط بين طرفي التبذير والتقتير وقد أثنى الله تعالى عليه فقال والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقال تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وكذلك المطلوب في شهوة الطعام الاعتدال دون الشره والجمود قال الله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين وقال في الغضب أشداء على الكفار رحماء بينهم وقال صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوساطها حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلا وهذا له سر وتحقيق وهو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم قال الله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم والبخل من عوارض الدنيا والتبذير أيضا من عوارض الدنيا وشرط القلب أن يكون سليما منهما أي لا يكون ملتفتا إلى المال ولا يكون حريصا على إنفاقه ولا على إمساكه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعا وإذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين وأبعد عن الطرفين وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد بل هو وسط بينهما فكأنه خال عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير والشجاعة بين الجبن التهور والعفة بين الشره والجمود وكذلك سائر الأخلاق فكلا طرفي الأمور ذميم هذا هو المطلوب وهو ممكن نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأسا ويذم إمساك المال رأسا ولا يرخص له في شيء منه لأنه لو رخص له في أدنى شيء اتخذ ذلك عذرا في استبقاء بخله وغضبه وظن أنه القدر المرخص فيه فإذا قصد الأصل وبالغ فيه ولم يتيسر له إلا كسر سورته بحيث يعود إلى الاعتدال فالصواب له أن يقصد قلع الأصل حتى يتيسر له القدر المقصود فلا يكشف هذا السر للمريد فإنه موضع غرور الحمقى إذ يظن بنفسه أن غضبه بحق وأن إمساكه بحق.

بيان السبب الذي به ينال حسن الخلق على الجملة

قد عرفت أن حسن الخلق يرجع إلى اعتدال قوة العقل وكمال الحكمة وإلى اعتدال قوة الغضب والشهوة وكونها للعقل مطيعة وللشرع أيضا وهذا الاعتدال يحصل على وجهين أحدهما بجود إلهي وكمال فطري بحيث يخلق الإنسان ويولد كامل العقل حسن الخلق قد كفى سلطان الشهوة والغضب بل خلقتا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالما بغير تعليم ومؤدبا بغير تأديب كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام وكذا سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ولا يبعد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجة سخيا جريا وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق وربما يحصل بالتعلم والوجه الثاني اكتساب هذه الأخلاق بالمجاهدة والرياضة وأعني به حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفا مجاهدا نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعا له ويتيسر عليه فيصير به جوادا وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقا له وطبعا فيتيسر عليه وجميع الأخلاق المحمودة شرعا تحصل بهذا الطريق وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذا فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي يبذله دون الذي يبذله عن كراهة و المتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها كما قال صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة حديث وجعلت قرة عيني في الصلاة أخرجه النسائي من حديث أنس وقد تقدم ومهما كانت العبادات وترك المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير ولكن بالإضافة إلى تركها لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع ولذلك قال الله تعالى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين وقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير حديث اعبد الله في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير أخرجه الطبراني ثم لا يكن في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دون زمان بل ينبغي أن يكون ذلك على الدوام وفي جملة العمر وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن السعادة فقال طول العمر في طاعة الله تعالى حديث سئل عن السعادة فقال طول العمر في عبادة الله رواه القضاعي في مسند الشهاب وأبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف وللترمذي من حديث أبي بكرة وصححه أي الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى عز وجل فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى وذلك بأن يكون موزونا بميزان الشرع والعقل ثم يكون بعد ذلك فرحا به مستلذا له ولا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة ونرى المقامر قد يغلب عليه من الفرح واللذة بقماره وما هو فيه ما يستثقل معه فرح الناس بغير قمار مع أن القمار ربما سلبه ماله وخرب بيته وتركه مفلسا ومع ذلك فهو يحبه ويلتذ به وذلك لطول إلفه له وصرف نفسه إليه مدة وكذلك اللاعب بالحمام قد يقف طول النهار في حر الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء بل نرى الفاجر العيار يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على السياط وعلى أن يتقدم به للصلب وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوته بالصبر على ذلك حتى يرى ذلك فخرا لنفسه ويقطع الواحد منهم إربا إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصر على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده كمالا وشجاعة ورجولية فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال قرة عينه وسبب افتخاره بل لا حالة أخس وأقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطة النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين حتى يجري بين الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين الملوك والعلماء فكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة ومشاهدة ذلك في المخالطين والمعارف فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى المقابح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل إلى أكل الطين فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب فإنه مقتضى طبع القلب فإنه أمر رباني وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عز وجل ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها فكل قلب مال إلى حب شيء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض فإذن قد عرفت بهذا قطعا أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة وهي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح أعني النفس والبدن فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتبا بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفا ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعا كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفا فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسنا ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس وكذلك من أراد أن يصير سخيا عفيف النفس حليما متواضعا فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا حتى يصير ذلك طبعا له فلا علاج له إلا ذلك وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار ليلة فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم وهو معنى قولنا إن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلا قليلا حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأسا فيفوتها فضيلة الفقه وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامة فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد منها تأثير فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوما فيوما إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيدا بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعني بانسداد باب التوبة وهو المراد بقوله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا الآية ولذلك قال رضي الله تعالى عنه إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب كله وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق أسود القلب كله فإذا عرفت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع والفطرة وتارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة وتارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة ومصاحبتهم وهم قرناء الخير وإخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعا فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاثة حتى صار ذا فضيلة طبعا واعتيادا وتعلما فهو في غاية الفضيلة ومن كان رذلا بالطبع واتفق له قرناء السوء فتعلم منهم وتيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها فهو في غاية البعد من الله عز وجل وبين الرتبتين من اختلفت فيه من هذه الجهات ولكل درجة في القرب والبعد بحسب ما تقتضيه صورته وحالته فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

بيان تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق

قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحة النفس والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له والميل عن الاعتدال مرض فيه فلنتخذ البدن مثالا فنقول مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا وإنما يكمل ويقوى بالنشو والتربية بالغذاء فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم وكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد القانون الحافظ للصحة وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إليها واكتساب زيادة صفائها وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة المرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة وإن كانت من برودة فبالحرارة فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها فيعالج مرض الجهل بالتعلم ومرض البخل بالتسخي ومرض الكبر بالتواضع ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولى فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله تعالى مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه وبالكثرة والقلة ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار وكما أن معيار الدواء مأخوذ من معيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته فإن كان المريد مبتدئا جاهلا بحدود الشرع فيعلمه أولا الطهارة والصلاة وظواهر العبادات وإن كان مشغولا بمال حرام أو مقارفا لمعصية فيأمره أولا بتركها فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال فإن عزة النفس والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلا إلى ذلك فرحا به ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنما فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يخسو بترك الرعونة رأسا أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعه فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه كالذي يغسل الدم بالبول ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه وكذلك سائر الصفات وكذلك إذا رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام ثم يكلفه أن يهيءالأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوى بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه وكذلك إذا رآه شابا متشوقا إلى النكاح وهو عاجز عن الطول فيأمره بالصوم وربما لا تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم والأدم رأسا حتى تذل نفسه وتنكسر شهوته فلا علاج في مبدأ الإرادة أنفع من الجوع وإن رأى الغضب غالبا عليه ألزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصبحه ممن فيه سوء خلق ويلزمه خدمة من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه كما حكي عن بعضهم أنه كان يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب فكان يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبة واحدة وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود والرياء بالبذل فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض فإن ذلك سيأتي في بقية الكتب وإنما غرضنا الآن التنبيه على أن الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضاد لكل ما تهواه النفس وتميل إليه وقد جمع الله ذلك كله في كتابه العزيز في كملة واحدة فقال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى والأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها ويكون ذلك ابتلاء من الله تعالى واختبارا فينبغي أن يصبر ويستمر فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت وإذا اتفق منه نقض عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه كما ذكرناه في معاقبة النفس في كتاب المحاسبة والمراقبة وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته وحسنت عنده تناول الشهوة فتفسد بها الرياضة بالكلية.

بيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة

اعلم أن كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق له حتى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار وكذلك مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة سواهوالاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ففي كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصة النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله عز وجل الذي جعلها أشياء فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله عز وجل فكأنه لم يعرف شيئا وعلامة المعرفة المحبة فمن عرف الله تعالى أحبه وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات كما قال الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم إلى قوله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبه مريض كما أن كل معدة صار الطين أحب إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضة فهذه علامات المرض وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله إلا أن من الأمراض ما لا يعرفها صاحبها ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو نزع الروح فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه فإن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض فالطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه فلهذا صار الداء عضالا والمرض مزمنا واندرس هذا العلم وأنكر بالكلية طب القلوب وأنكر مرضها وأقبل الخلق على حب الدنيا وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات فهذه علامات أصول الأمراض وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها فإن كان يعالج داء البخل فهو المهلك المبعد عن الله عز وجل وإنما علاجه ببذل المال وإنفاقه ولكنه قد يبذل المال إلى حد يصير به مبذرا فيكون التبذير أيضا داء فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة حتى تغلب الحرارة فهو أيضا داء بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة وكذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية من البعد عن الطرفين إن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ولا يترجح عندك البذل على الإمساك فكل قلب صار كذلك فقد أتى الله سليما عن هذا المقام خاصة ويجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها غير ملتفتة إليها ولا متشوقة إلى أسبابها فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله المقربين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض بل هو أدق من الشعر وأحد من السيف فلا جرم أن من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم أعني الوسط حتى لا يميل إلى أحد الجانبين فيكون قلبه معلقا بالجانب الذي مال إليه ولذلك لا ينفك عن عذاب ما واجتياز على النار وإن كان مثل البرق قال الله تعالى وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا أي الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه ولأجل عسر الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله اهدنا الصراط المستقيم إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة فقد روى أن بعضهم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال قد قلت يا رسول الله شيبتني هود فلم قلت ذلك فقال عليه السلام لقوله تعالى فاستقم كما أمرت فالاستقامة على سواء السبيل في غاية الغموض ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها فكل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه وليعددها وليشتغل بعلاج واحد واحد فيها على الترتيب فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من المتقين.

بيان الطريق الذي يعرف به الإنسان عيوب نفسه

اعلم أن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه فإذا عرف العيوب أمكنه العلاج ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق الأول أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه وهذا قد عز في الزمان وجوده الثاني أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله فما كره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر من أئمة الدين كان عمر رضي الله عنه يقول رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي وكان يسأل سلمان عن عيوبه فلما قدم عليه قال له ما الذي بلغك عني مما تكرهه فاستعفى فألح عليه فقال بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل قال وهل بلغك غير هذا قال لا فقال أما هذان فقد كفيتهما وكان يسأل حذيفة ويقول له أنت صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه فكل من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا كان أقل إعجابا وأعظم اتهاما لنفسه إلا أن هذا أيضا قد عز فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب فلا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا أو عن مداهن يخفى عنك بعض عيوبك ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له لم لا تخالط الناس فقال وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان فإن الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقربا لتقلدنا منه منة وفرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها وإنما نكايتها على البدن ويدوم ألمها يوما فما دونه ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبدا وآلافا من السنين ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته فنقول له وأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب وأصل كل ذلك ضعف الإيمان فنسأل الله عز وجل أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا بمنه وفضله الطريق الثالث أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه فإن عين السخط تبدي المساويا ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثنى عليه ويمدحه ويخفى عنه عيوبه إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو وحمل ما يقوله على الحسد ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم الطريق الرابع أن يخالط الناس فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق فليطالب نفسه به وينسبها إليه فإن المؤمن مرآة المؤمن فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به واحد من الأقران لا ينفك القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه فليتفقد نفسه ويطهرها من كل ما يذمه من غيره وناهيك بهذا تأديبا فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب قيل لعيسى عليه السلام من أدبك قال ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل شينا فاجتنبته وهذا كله حيل من فقد شيخا عارفا ذكيا بصيرا بعيوب النفس مشفقا ناصحا في الدين فارغا من تهذيب نفسه مشتغلا بتهذيب عباد الله تعالى ناصحا لهم فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده.

بيان شواهد النقل من أرباب البصائر وشواهد الشرع على أن الطريق في معالجة أمراض القلب ترك الشهوات وأن مادة أمراضها هي اتباع الشهوات

اعلم أن ما ذكرناه إن تأملته بعين الاعتبار انفتحت بصيرتك وانكشف لك علل القلوب وأمراضها وأدويتها بنور العلم واليقين فإن عجزت عن ذلك فلا ينبغي أن يفوتك التصديق والإيمان على سبيل التلقي والتقليد لمن يستحق التقليد فإن للإيمان درجة كما أن للعلم درجة والعلم يحصل بعد الإيمان وهو وراءه قال الله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات فمن صدق بأن مخالفة الشهوات هي الطريق إلى الله عز وجل ولم يطلع على سببه وسره فهو من الذين آمنوا وإذا اطلع على ما ذكرناه من أعوان الشهوات فهو من الذين أوتوا العلم وكلا وعد الله الحسنى والذي يقتضي الإيمان بهذا الأمر في القرآن والسنة وأقاويل العلماء أكثر من أن يحصر قال الله تعالى ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وقال تعالى أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى قيل نزع منها محبة الشهوات وقال صلى الله عليه وسلم المؤمن بين خمس شدائد مؤمن يحسده ومنافق يبغضه وكافر يقاتله وشيطان يضله ونفس تنازعه حديث المؤمن بين خمس شدائد مؤمن يحسده ومنافق يبغضه الحديث أخرجه أبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس بسند ضعيف فبين أن النفس عدو منازع يجب عليه مجاهدتها ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة وقال عيسى عليه السلام طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره وقال نبينا صلى الله عليه وسلم لقوم قدموا من الجهاد مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر قال جهاد النفس حديث مرحبا بكم قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر أخرجه البيهقي في الزهد وقد تقدم في شرح عجائب القلب وقال صلى الله عليه وسلم المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل حديث المجاهد من جاهد نفسه أخرجه الترمذي في أثناء حديث وصححه وابن ماجه من حديث فضالة بن عبيد وقال صلى الله عليه وسلم كف أذاك عن نفسك ولا تتابع هواها في معصية الله تعالى إذن تخاصمك يوم القيامة فيلعن بعضك بعضا إلا أن يغفر الله تعالى ويستر حديث كف أذاك عن نفسك ولا تتابع هواها في معصية الله الحديث لم أجده في هذا السيرة وقال سفيان الثوري ما عالجت شيئا أشد على من نفسي مرة لي ومرة علي وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين كأني بك بين الجنة والنار تحبسين يا نفس ألا تستحين وقال الحسن ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك وقال يحيى بن معاذ الرازي جاهد نفسك بأسياف الرياضة والرياضة على أربع أوجه القوت من الطعام والغمض من المنام والحاجة من الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن قلة المنام صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام فتأمن من بوائقها من بين سائر الأنام وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية فتجول في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان وقال أيضا أعداء الإنسان ثلاثة دنياه وشيطانه ونفسه فاحترس من الدنيا بالزهد فيها ومن الشيطان بمخالفته ومن النفس بترك الشهوات قال بعض الحكماء من استولت عليه النفس صار أسيرا في حب شهواتها محصورا في سجن هواها مقهورا مغلولا زمامه في يدها تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من الفوائد وقال جعفر بن حميد أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم وقال أبو يحيى الوراق من أرضى الجوارح بالشهوات فقد غرس في قلبه شجر الندامات وقال وهيب بن الورد ما زاد على الخبز فهو شهوة وقال أيضا من أحب شهوات الدنيا فليتهيأ للذل ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثنى عشر ألفا من عظماء مملكته سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم له إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيدا وذلك جزاء المفسدين وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكا فقال يوسف كما أخبر الله تعالى عنه إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقال الجنيد أرقت ليلة فقمت إلى وردي فلم أجد الحلاوة التي كنت أجدها فأردت أن أنام فلم أقدر فجلست فلم أطق الجلوس فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق فلما أحس بي قال يا أبا القاسم إلى الساعة فقلت يا سيدي من غير موعد قال بلى سألت الله عز وجل أن يحرك لي قلبك فقلت قد فعل فما حاجتك قال فمتى يصير داء النفس دواءها فقلت إذا خالفت النفس هواها فأقبل على نفسه فقال اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مرات فأبيت أن تسمعيه إلا من الجنيدها قد سمعتيه ثم انصرف وما عرفته وقال يزيد الرقاشي إليكم عني الماء البارد في الدنيا لعلي لا أحرمه في الآخرة وقال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى متى أتكلم قال إذا اشتهيت الصمت قال متى أصمت قال إذا اشتهيت الكلام وقال علي رضي الله عنه من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا وكان مالك بن دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه اصبري فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك علي فإذن قد اتفق العلماء والحكماء على أن لا طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن الهوى ومخالفة الشهوات فالإيمان بهذا واجب وأما علم تفصيل ما يترك من الشهوات وما لا يترك فلا يدرك إلا بما قدمناه وحاصل الرياضة وسرها أن لا تتمتع النفس بشيء مما لا يوجد في القبر إلا بقدر الضرورة فيكون مقتصرا من الأكل والنكاح واللباس والمسكن وكل ما هو مضطر إليه على قدر الحاجة والضرورة فإنه لو تمتع بشيء منه أنس به وألفه فإذا مات تمنى الرجوع إلى الدنيا بسببه ولا يتمنى الرجوع إلى الدنيا إلا من لا حظ له في الآخرة بحال ولا خلاص منه إلا بأن يكون القلب مشغولا بمعرفة الله وحبه والتفكر فيه والانقطاع إليه ولا قوة على ذلك إلا بالله ويقتصر من الدنيا على ما يدفع عوائق الذكر والفكر فقط فمن لم يقدر على حقيقة ذلك فليقرب منه والناس فيه أربعة رجل مستغرق قلبه بذكر الله فلا يلتفت إلى الدنيا إلا في ضرورات المعيشة فهو من الصديقين ولا ينتهي إلى هذه الرتبة إلا بالرياضة الطويلة والصبر عن الشهوات مدة مديدة الثاني رجل استغرقت الدنيا قلبه ولم يبق لله تعالى ذكر في قلبه إلا من حيث حديث النفس حيث يذكره باللسان لا بالقلب فهذا من الهالكين والثالث رجل اشتغل بالدنيا والدين ولكن الغالب على قلبه هو الدين فهذا لا بد له من ورود النار إلا أنه ينجو منها سريعا بقدر غلبة ذكر الله تعالى على قلبه والرابع رجل اشتغل بهما جميعا لكن الدنيا اغلب على قلبه فهذا يطول مقامه في النار لكن يخرج منها لا محالة لقوة ذكر الله تعالى في قلبه وتمكنه من صميم فؤاده وإن كان ذكر الدنيا أغلب على قلبه اللهم إنا نعوذ بك من خزيك فإنك أنت المعاذ وربما يقول القائل إن التنعم بالمباح مباح فكيف يكون التنعم سبب البعد من الله عز وجل وهذا خيال ضعيف بل حب الدنيا رأس كل خطيئة وسبب إحباط كل حسنة والمباح الخارج عن قدر الحاجة أيضا من الدنيا وهو سبب البعد وسيأتي ذلك في كتاب ذم الدنيا وقد قال إبراهيم الخواص كنت مرة في جبل اللكام فرأيت رمانا فاشتهيته فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا مطروحا وقد اجتمعت عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا إبراهيم فقلت كيف عرفتني فقال من عرف الله عز وجل لم يخف عليه شيء فقلت أرى لك حالا مع الله عز وجل فلو سألته أن يحميك من هذه الزنابير فقال وأرى لك حالا مع الله تعالى فلو سألته أن يحميك من شهوة الرمان فإن لدغ الرمان يجد الإنسان ألمه في الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه في الدنيا فتركته ومضيت وقال السري أنا منذ أربعين سنة تطالبني نفسي أن أغمس خبزه في دبس فما أطعتها فإذن لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات فمن أراد حفظ لسانه عن الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلى ما لا يحل وكذلك سائر الشهوات لأن الذي يشتهي به الحلال هو بعينه الذي يشتهي الحرام فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعودها الاقتصاد على قدر الضرورة من الشهوات غلبته فهذه إحدى آفات المباحات ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه وهو أن النفس تفرح بالتنعم في الدنيا وتركن إليها وتطمئن إليها أشرا وبطرا حتى تصير ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة وهذا هو موت القلب قال الله تعالى ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وقال تعالى وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع وقال تعالى اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد الآية وكل ذلك ذم لها فنسأل الله السلامة فأولو الحزم من أرباب القلوب جربوا قلوبهم في حال الفرح بمؤاتاة الدنيا فوجدوها قاسية نفرة بعيدة التأثر عن ذكر الله واليوم الآخر وجربوها في حالة الحزن فوجدوها لينة رقيقة صافية قابلة لأثر الذكر فعلموا أن النجاة في الحزن الدائم والتباعد من أسباب الفرح والبطر ففطموها عن ملاذها وعودوها الصبر عن شهواتها حلالها وحرامها وعلموا أن حلالها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب وهو نوع عذاب فمن نوقش الحساب في عرصات القيامة فقد عذب فخلصوا أنفسهم من عذابها وتوصلوا إلى الحرية والملك الدائم في الدنيا والآخرة بالخلاص من أسر الشهوات ورقها والأنس بذكر الله عز وجل والاشتغال بطاعته وفعلوا بها ما يفعل بالبازي إذا قصد تأديبه ونقله من التوثب والاستيحاش إلى الانقياد والتأديب فإنه يحبس أولا في بيت مظلم وتخاط عيناه حتى يحصل به الفطام عن الطيران في جو الهواء وينسى ما قد كان ألفه من طبع الاسترسال ثم يرفق باللحم حتى يأنس بصاحبه ويألفه إلفا إذا دعاه أجابه ومهما سمع صوته رجع إليه فكذلك النفس لا تألف ربها ولا تأنس بذكره إلا إذا فطمت عن عادتها بالخلوة والعزلة أولا ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات ثم عودت الثناء والذكر والدعاء ثانيا في الخلوة حتى يغلب عليها الإنس بذكر الله عز وجل عوضا عن الإنس بالدنيا وسائر الشهوات وذلك يثقل على المريد في البداية ثم يتنعم به في النهاية كالصبي يفطم عن الثدي وهو شديد عليه إذا كان لا يصبر عنه ساعة فلذلك يشتد بكاؤه وجزعه عند الفطام ويشتد نفوره عن الطعام الذي يقدم إليه بدلا عن اللبن ولكنه إذا منع اللبن رأسا يوما فيوما وعظم تعبه في الصبر عليه وغلبه الجوع تناول الطعام تكلفا ثم يصير له طبعا فلورد بعد ذلك إلى الثدي لم يرجع إليه فيهجر الثدي ويعاف اللبن ويألف الطعام وكذلك الدابة في الابتداء تنفر عن السرج واللجام والركوب فتحمل على ذلك قهرا وتمنع عن السرج الذي الفته بالسلاسل والقيود أولا ثم تأنس به بحيث تترك في موضعها فتقف فيه من غير قيد فكذلك تؤدب النفس كما تؤدب الطير والدواب وتأديبها بأن تمنع من النظر والأنس والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايلها بالموت إذ قيل له أحبب ما أحببت فإنك مفارقه فإذا علم أنه من أحب شيئا يلزمه فراقة ويشقى لا محالة لفراقه شغل قلبه بحب ما لا يفارقه وهو ذكر الله تعالى فإن ذلك يصحبه في القبر ولا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أولا أياما قلائل فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة وما من عاقل إلا وهو راض باحتمال المشقة في سفر وتعلم صناعة وغيرها شهرا ليتنعم به سنة أو دهرا وكل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا فلا بد من الصبر والمجاهدة فعند الصباح يحمد القوم السري وتذهب عنهم عمايات الكرى كما قاله علي رضي الله عنه وطريق المجاهدة والرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله والأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحة من أسباب الدنيا فالذي يفرح بالمال أو بالجاه أو بالقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الأتباع في التدريس والإفادة فينبغي أن يترك أولا ما به فرحه فإنه إن منع عن شيء من ذلك وقيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع فكره ذلك وتألم به فهو ممن فرح بالحياة الدنيا واطمأن بها وذلك مهلك في حقه ثم إذا ترك أسباب الفرح فليعتزل الناس ولينفرد بنفسه وليراقب قلبه حتى لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والفكر فيه وليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة ووسواس حتى يقمع مادته مهما ظهر فإن لكل وسوسة سببا ولا تزول إلا بقطع ذلك السبب والعلاقة وليلازم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا بالموت.

بيان علامات حسن الخلق

اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة حتى ترك فواحش المعاصي ربما يظن بنفسه أنه هذب نفسه وحسن خلقه واستغنى عن المجاهدة فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق فإن حسن الخلق هو الإيمان وسوء الخلق هو النفاق وقد ذكر الله تعالى صفات المؤمنين والمنافقين في كتابه وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق وسوء الخلق فلنورد جملة من ذلك لتعلم آية حسن الخلق قال الله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون إلى قوله أولئك هم الوارثون وقال عز وجل التائبون العابدون الحامدون إلى قوله وبشر المؤمنين وقال عز وجل إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا وقال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما إلى آخر السورة من أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميع هذه الصفات علامة حسن الخلق وفقد جميعها علامة سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على البعض دون البعض فليشتغل بتحصيل ما فقده وحفظ ما وجده وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن بصفات كثيرة وأشار بجميعها إلى محاسن الأخلاق فقال المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه حديث المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه أخرجه الشيخان من حديث أنس لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقال عليه السلام من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه حديث من كان يؤمن بالله والله الآخر فليكرم ضيفه متفق عليه من حديث أبي شريح الخزاعي ومن حديث أبي هريرة وقال صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره متفق عليه من حديثهما وهو بعض الحديث الذي قبله وقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت حديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت متفق عليه أيضا من حديثهما وهو بعض الذي قبله وذكر أن صفات المؤمنين هي حسن الخلق فقال صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا حديث أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا تقدم غير مرة وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة حديث إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة أخرجه ابن ماجه من حديث أبي خلاد بلفظ إذا رأيتم الرجل قد أعطى زهدا في الدنيا وقلة منطق وقال من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن حديث من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه على شرطهما من حديث أبي موسى ورواه الطبراني والحاكم وصححه على شرط الشيخين من حديث أبي أمامة وقال لا يحل لمؤمن أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه حديث لا يحل لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة يؤذيه أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق وفي البر والصلة مرسلا وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم لا يحل لمسلم أن يروع مسلما حديث لا يحل لمسلم أن يروع مسلما أخرجه الطبراني والطيالسي من حديث النعمان بن بشير والبزار من حديث عمر وإسناده ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله عز وجل فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكرهه حديث إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله الحديث تقدم في آداب الصحبة وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال هو أن يكون كثير الحياء قليل الأذى كثير الصلاح صدوق اللسان قليل الكلام كثير العمل قليل الزلل قليل الفضول برا وصولا وقورا صبورا شكورا رضيا حليما رفيقا عفيفا شفيقا لا لعانا ولا سبابا ولا نماما ولا مغتابا ولا عجولا ولا حقودا ولا بخيلا ولا حسودا بشاشا هشاشا يحب في الله ويبغض في الله ويرضى في الله ويغضب في الله فهذا هو حسن الخلق وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامة المؤمن والمنافق فقال إن المؤمن همته في الصلاة والصيام والعبادة والمنافق همته في الطعام والشراب كالبهيمة حديث سئل عن علامة المؤمن والمنافق فقال إن المؤمن همه في الصلاة والصيام الحديث لم أجد له أصلا وقال حاتم الأصم المؤمن مشغول بالفكر والعبر والمنافق مشغول بالحرص والأمل والمؤمن آيس من كل أحد إلا من الله والمنافق راج كل أحد إلا الله والمؤمن آمن من كل أحد إلا من الله والمنافق خائف من كل أحد إلا من الله والمؤمن يقدم ماله دون دينه والمنافق يقدم دينه دون ماله والمؤمن يحسن ويبكي والمنافق يسيء ويضحك والمؤمن يحب الخلوة والوحدة والمنافق يحب الخلطة والملأ والمؤمن يزرع ويخشى الفساد والمنافق يقلع ويرجو الحصاد والمؤمن يأمر وينهى للسياسة فيصلح والمنافق يأمر وينهى للرياسة فيفسد وأولى ما يمتحن به حسن الخلق الصبر على الأذى واحتمال الجفاء ومن شكا من سوء خلق غيره دل ذلك على سوء خلقه فإن حسن الخلق احتمال الأذى فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يمشي ومعه أنس فأدركه أعرابي فجذبه جذبا شديدا وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية قال أنس رضي الله عنه حتى نظرت إلى عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جذبه فقال يا محمد هب لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحك ثم أمر بإعطائه حديث كان يمشي فأدركه أعرابي فجذبه جذبا شديدا وكان عليه برد نجراني غليظ الحاشية الحديث متفق عليه من حديث أنس ولما أكثرت قريش إيذاءه وضربه قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون حديث اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون أخرجه ابن حبان والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سهل ابن سعد وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود أنه حكاه صلى الله عليه وسلم عن نبي من الأنبياء ضربه قومه قيل إن هذا يوم أحد فلذلك أنزل الله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم ويحكى أن إبراهيم بن أدهم خرج يوما إلى بعض البراري فاستقبله رجل جندي فقال أنت عبد قال نعم فقال له أين العمران فأشار إلى المقبرة فقال الجندي إنما أردت العمران فقال هو المقبرة فغاظه ذلك فضرب رأسه بالسوط فشجه ورده إلى البلد فاستقبله أصحابه فقالوا ما الخبر فأخبرهم الجندي ما قال له فقالوا هذا إبراهيم بن أدهم فنزل الجندي عن فرسه وقبل يديه ورجليه وجعل يعتذر إليه فقيل بعد ذلك له لم قلت له أنا عبد فقال إنه لم يسألني عبد من أنت بل قال أنت عبد فقلت نعم لأني عبد الله فلما ضرب رأسي سألت الله له الجنة قيل كيف وقد ظلمك فقال علمت أنني أوجر على ما نالني منه فلم أرد يكون نصيبي منه الخير ونصيبه مني الشر ودعي أبو عثمان الحيري إلى دعوة وكان الداعي قد أراد تجربته فلما بلغ منزله قال له ليس لي وجه فرجع أبو عثمان فلما ذهب غير بعيد دعاه ثانيا فقال له يا أستاذ ارجع فرجع أبو عثمان فقال له مثل مقالته الأولى فرجع ثم دعاه الثالثة وقال ارجع على ما يوجب الوقت فرجع فلما بلغ الباب فان له مثل مقالته الأولى فرجع أبو عثمان ثم جاءه الرابعة فرده حتى عامله بذلك مرات وأبو عثمان لا يتغير من ذلك فأكب على رجليه وقال يا أستاذ إنما أردت أن أختبرك فما أحسن خلقك فقال إن الذي رأيت مني هو خلق الكلب إن الكلب إذا دعي أجاب وإذا زجر انزجر وروي عنه أيضا أنه اجتاز يوما في سكة فطرحت عليه إجانة رماد فنزل عن دابته فسجد سجدة الشكر ثم جعل ينفض الرماد عن ثيابه ولم يقل شيئا فقيل ألا زبرتهم فقال إن من استحق النار فصولح على الرماد لم يجز له أن يغضب وروي أن علي بن موسى الرضا رحمة الله عليه كان لونه يميل إلى السواد إذ كانت أمه سوداء وكان بنيسابور حمام على باب داره وكان إذا أراد دخول الحمام فرغه له الحمامي فدخل ذات يوم فأغلق الحمامي الباب ومضى في بعض حوائجه فتقدم رجل رستاقي إلى باب الحمام ففتحه ودخل فنزع ثيابه ودخل فرأى علي بن موسى الرضا فظن أنه بعض خدام الحمام فقال له قم واحمل إلي الماء فقام علي بن موسى وامتثل جميع ما كان يأمره به فرجع الحمامي فرأى ثياب الرستاقي وسمع كلامه مع علي بن موسى الرضا فخاف وهرب وخلاهما فلما خرج علي بن موسى سأل عن الحمامي فقيل له إنه خاف مما جرى فهرب قال لا ينبغي له أن يهرب إنما الذنب لمن وضع ماءه عند أمة سوداء وروي أن أبا عبد الله الخياط كان يجلس على دكانه وكان له حريف مجوسي يستعمله في الخياطة فكان إذا خاط له شيئا حمل إليه دراهم زائفة فكان أبو عبد الله يأخذ منه ولا يخبره بذلك ولا يردها عليه فاتفق يوما أن أبا عبد الله قام لبعض حاجته فأتى المجوسي فلم يجده فدفع إلى تلميذه الأجرة واسترجع ما قد خاطه فكان درهما زئفا فلما نظر إليه التلميذ عرف أنه زائف فرده عليه فلما عاد أبو عبد الله أخبره بذلك فقال بئس ما عملت هذا المجوسي يعاملني بهذه المعاملة منذ سنة وأنا أصبر عليه وآخذ الدراهم منه وألقيها في البئر لئلا يغر بها مسلما وقال يوسف بن أسباط علامة حسن الخلق عشر خصال قلة الخلاف وحسن الإنصاف وترك طلب العثرات وتحسين ما يبدو من السيئات والتماس المعذرة واحتمال الأذى والرجوع بالملامة على النفس والتفرد بمعرفة عيوب نفسه دون عيوب غيره وطلاقة الوجه للصغير والكبير ولطف الكلام لمن دونه ولمن فوقه وسئل سهل عن حسن الخلق فقال أدناه احتمال الأذى وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم قيل ما وبلغ من حلمه قال بينما هو جالس في داره إذ أتته جارية له بسفود عليه شواء فسقط من يدها فوقع على ابن له صغير فمات فدهشت الجارية فقال لها لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى فقيل إن أويسا القرني كان إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة فكان يقول لهم يا إخوتاه إن كان ولا بد فارموني بالصغار حتى لا تدموا ساقي فتمنعوني عن الصلاة وشتم رجل الأحنف بن قيس وهو لا يجيبه وكان يتبعه فلما قرب من الحي وقف وقال إن كان قد بقي في نفسك شيء فقله كي لا يسمعك بعض سفهاء الحي فيؤذوك وروي أن عليا كرم الله وجهه دعا غلاما فلم يجبه فدعاه ثانيا وثالثا فلم يجبه فقام إليه فرآه مضطجعا فقال أما تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك على ترك إجابتي قال أمنت عقوبتك فتكاسلت فقال امض فأنت حر لوجه الله تعالى وقالت امرأة لمالك بن دينار رحمه الله يا مرائي فقال يا هذه وجدت اسمي الذي أضله أهل البصرة وكان ليحيى بن زياد الحارثي غلام سوء فقيل له لم تمسكه فقال لأتعلم الحلم عليه فهذه نفوس قد ذللت بالرياضة فاعتدلت أخلاقها ونقيت من الغش والغل والحقد بواطنها فأثمرت الرضا بكل ما قدره الله تعالى وهو منتهى حسن الخلق فإن من يكره فعل الله تعالى ولا يرضى به فهو غاية سوء خلقه فهؤلاء ظهرت العلامات على ظواهرهم كما ذكرناه فمن لم يصادف من نفسه هذه العلامات فلا ينبغي أن يغتر بنفسه فيظن بها حسن الخلق بل ينبغي أن يشتغل بالرياضة والمجاهدة إلى أن يبلغ درجة حسن الخلق فإنها درجة رفيعة لا ينالها إلا المقربون والصديقون.

بيان الطريق في رياضة الصبيان في أول نشوهم ووجه تأديبهم وتحسين أخلاقهم

اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها والصبيان أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبوه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة والرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث ومهما رأى فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإنه إذا كان يحتشم ويستحي ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام فينبغي أن يؤدب فيه مثل أن لا يأخذ الطعام إلا بيمينه وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه وأن يأكل مما يليه وأن لا يبادر إلى الطعام قبل غيره وأن لا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل وأن لا يسرع في الأكل وأن يجيد المضغ وأن لا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ولا ثوبه وأن يعود الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الأدم حتما ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه كل من يكثر الأكل بالبهائم وبأن يذم بين يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح عنده الصبي المتأدب القليل الأكل وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به والقناعة بالطعام الخشن أي طعام كان وأن يحبب إليه من الثياب البيض دون الملون والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك شأن النساء والمخنثين وأن الرجال يستنكفون منه ويكرر ذلك عليه ومهما رأى على صبي ثوبا من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا التنعم والرفاهية ولبس الثياب الفاخرة وعن مخالطة كل من يسمعه ما يرغبه فيه فإن الصبي مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا فصول وضحك وكياد ومجانة وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ثم يشتغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرة واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسروا أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة فعند ذلك إن عاد ثانيا فينبغي أن يعاتب سرا ويعظم الأمر فيه ويقال له إياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك في مثل هذا فتفتضح بين الناس ولا تكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه وليكن الأب حافظا هيبة الكلام معه فلا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح وينبغي أن يمنع عن النوم نهارا فإنه يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا ولكن يمنع الفرش الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التنعم بل يعود الخشونة في المفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود أن لا يكشف أطرافه ولا يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه أو بشيء من مطاعمه وملابسه أو لوحه ودواته بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع من أن يأخذ من الصبيان شيئا بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم وخسة ودناءة وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة والطمع فيها وبالجملة يقبح إلى الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أضر من آفة السموم على الصبيان بل على الأكابر أيضا وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه ولا يمتخط ولا يتثاءب بحضرة غيره ولا يستدبر غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضع كفه تحت ذقنه ولا يعمد رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل ويعلم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة وأنه فعل أبناء اللئام ويمنع اليمين رأسا صادقا كان أو كاذبا حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتديء بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا وأن يقوم لمن فوقه ويوسع له المكان ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه ومن اللعن والسب ومن مخالطة من يجري على لسانه شيء من ذلك فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء وأصل تأديب الصبيان الحفظ من قرناء السوء وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكتاب أن يلعب لعبا جميلا يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه ويبطل ذكاءه وينغص عليه العيش حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ومعلمه ومؤدبه ومن هو أكبر منه سنا من قريب وأجنبي وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوه كذلك في الصبا فمهما قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله عز وجل وأن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وإن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإذا كان النشو صالحا كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ناجعا يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قبله عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلا للخير والشر جميعا وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حديث كل مولود يولد على الفطرة الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة قال سهل بن عبد الله التستري كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوما ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت كيف أذكره قال قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال قل في كل ليلة سبعة مرات فقلت ذلك ثم أعلمته فقال قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة فقلته فوقع في قلبي حلاوته فلما كان بعد سنة قال لي خالي احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوما يا سهل من كان الله معه وناظرا إليه وشاهده أيعصيه إياك والمعصية فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بي إلى المكتب فقلت إني لأخشى أن يتفرق علي همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها فأتيت البصرة فسألت علماءها فلم يشف أحد عني شيئا فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن أبي عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة انتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصادا على أن يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ثم خمسا ثم سبعا ثم خمسا وعشرين ليلة فكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى.

بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة وتدريج المريد في سلوك سبيل الرياضة

واعلم أن من شاهد الآخرة بقلبه مشاهدة يقين أصبح بالضرورة مريدا حرث الآخرة مشتاقا إليها سالكا سبلها مستهينا بنعيم الدنيا ولذاتها فإن من كانت عنده خرزة فرأى جوهرة نفيسة لم يبق له رغبة في الخرزة وقويت إرادته في بيعها بالجوهرة ومن ليس مريدا حرث الآخرة ولا طالبا للقاء الله تعالى فهو لعدم إيمانه بالله واليوم الآخر ولست أعني بالإيمان حديث النفس وحركة اللسان بكلمتي الشهادة من غير صدق وإخلاص فإن ذلك يضاهي قول من صدق بأن الجوهرة خير من الخرزة إلا أنه لا يدري من الجوهرة إلا لفظها وأما حقيقتها فلا ومثل هذا المصدق إذا ألف الخرزة قد لا يتركها ولا يعظم اشتياقه إلى الجوهرة فإذن المانع من الوصول عدم السلوك والمانع من السلوك عدم الإرادة والمانع من الإرادة عدم الإيمان وسبب عدم الإيمان عدم الهداة والمذكرين والعلماء بالله تعالى الهادين إلى طريقه والمنبهين على حقارة الدنيا وانقراضها وعظم أمر الآخرة ودوامها فالخلق غافلون قد انهمكوا في شهواتهم وغاصوا في رقدتهم وليس في علماء الدين من ينبههم فإن تنبه منهم متنبه عجز عن سلوك الطريق لجهله فإن طلب الطريق من العلماء وجدهم مائلين إلى الهوى عادلين عن نهج الطريق فصار ضعف الإرادة والجهل بالطريق ونطق العلماء بالهوى سببا لخلق طريق الله تعالى عن السالكين فيه ومهما كان المطلوب محجوبا والدليل مفقودا والهوى غالبا والطالب غافلا امتنع الوصول وتعطلت الطرق لا محالة فإن تنبه متنبه من نفسه أو من تنبيه غيره وانبعث له إرادة في حرث الآخرة وتجارتها فينبغي أن يعلم له شروطا لا بد من تقديمها في بداية الإرادة وله معتصم لا بد من التمسك به وله حصن لا بد من التحصن به ليأمن من الأعداء القطاع لطريقه وعليه وظائف لا بد من ملازمتها في وقت سلوك الطريق أما الشروط التي لا بد من تقديمها في الإرادة فهي رفع السد والحجاب الذي بينه وبين الحق فإن حرمان الخلق عن الحق سببه تراكم الحجب ووقوع السد على الطريق قال الله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون والسد بين المريد وبين الحق أربعة المال والجاه والتقليد والمعصية وإنما يرفع حجاب المال بخروجه عن ملكه حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة فما دام يبقى له درهم يلتفت إليه فهو مقيد به محجوب عن الله عز وجل وإنما يرتفع حجاب الجاه بالبعد عن موضع الجاه بالتواضع وإيثار الخمول والهرب من أسباب الذكر وتعاطي أعمال تنفر قلوب الخلق عنه وإنما يرتفع حجاب التقليد بأن يترك التعصب للمذاهب وأن يصدق بمعنى قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله تصديق إيمان ويحرض في تحقيق صدقه بأن يرفع كل معبود له سوى الله تعالى وأعظم معبود له الهوى حتى إذا فعل ذلك انكشف له حقيقة الأمر في معنى اعتقاده الذي تلقفه تقليدا فينبغي أن يطلب كشف ذلك من المجاهدة لا من المجادلة فإن غلب عليه التعصب لمعتقده ولم يبق في نفسه متسع لغيره صار ذلك قيدا له وحجابا إذ ليس من شرط المريد الانتماء إلى مذهب معين أصلا وأما المعصية فهي حجاب ولا يرفعها إلا التوبة والخروج من المظالم وتصميم العزم على ترك العود وتحقيق الندم على ما مضى ورد المظالم وإرضاء الخصوم فإن من لم يصحح التوبة ولم يهجر المعاصي الظاهرة وأراد أن يقف على أسرار الدين بالمكاشفة كان كمن يريد أن يقف على أسرار القرآن وتفسيره وهو بعد لم يتعلم لغة العرب فإن ترجمة عربية القرآن لا بد من تقديمها أولا ثم الترقي منها إلى أسرار معانيه فكذلك لا بد من تصحيح الشريعة أولا وآخرا ثم الترقي إلى أغوارها وأسرارها فإذا قدم هذه الشروط الأربعة وتجرد عن المال والجاه كان كمن تطهر وتوضأ ورفع الحدث وصار صالحا للصلاة فيحتاج إلى إمام يقتدي به فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل فإن سبيل الدين غامض وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير قد خاطر بنفسه وأهلكها ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطيءالنهر بالقائد بحيث يفوض أمره إليه بالكلية ولا يخالفه في ورده ولا صدره ولا يبقى في متابعته شيئا ولا يذر وليعلم أن نفعه في خطأ شيخه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب فإذا وجد مثل هذا المعتصم وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق وهو أربعة أمور الخلوة والصمت والجوع والسهر وهذا تحصن من القواطع فإن مقصود المريد إصلاح قلبه ليشاهد به ربه ويصلح لقربه أما الجوع فإنه ينقص دم القلب ويبيضه وفي بياضه نوره ويذيب شحم الفؤاد وفي ذوبانه رقته ورقته مفتاح المكاشفة كما أن قساوته سبب الحجاب ومهما نقص دم القلب ضاق مسلك العدو فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات وقال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم لعل قلوبكم ترى ربكم وقال سهل بن عبد الله التستري ما صار الأبدال أبدالا إلا بأربع خصال بإخماص البطون والسهر والصمت والاعتزال عن الناس ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر يشهد له التجربة وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين وأما السهر فإنه يجلو القلب ويصفيه وينوره فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع فيصير القلب كالكوكب الدري والمرآة المجلوة فيلوح فيه جمال الحق ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة وحقارة الدنيا وآفاتها فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وإقباله على الآخرة والسهر أيضا نتيجة الجوع فإن السهر مع الشبع غير ممكن والنوم يقسي القلب ويميته إلا إذا كان بقدر الضرورة فيكون سبب المكاشفة لأسرار الغيب فقد قيل في صفة الأبدال إن أكلهم فاقه ونومهم غلبة وكلامهم ضرورة وقال إبراهيم الخواص رحمه الله أجمع رأي سبعين صديقا على أن كثرة النوم من كثرة شرب الماء وأما الصمت فإنه تسهله العزلة ولكن المعتزل لا يخلو عن مشاهدة من يقوم له بطعامه وشرابه وتدبير أمره فينبغي أن لا يتكلم إلا بقدر الضرورة فإن الكلام يشغل القلب وشره القلوب إلى الكلام عظيم فإنه يستروح إليه ويستثقل التجرد للذكر والفكر فيستريح إليه فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع ويعلم التقوى وأما حياة الخلوة ففائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر فإنهما دهليز القلب والقلب في حكم حوض تنصب إليه مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه ومن الطين الحاصل منها ليتفجر أصل الحوض فيخرج منه الماء النظيف الطاهر وكيف يصح له أن ينزح الماء من الحوض والأنهار مفتوحة إليه فيتجدد في كل حال أكثر مما ينقص فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة وليس يتم ذلك إلا بالخلوة في بيت مظلم وإن لم يكن له مكان مظلم فليلف رأسه في جيبه أو يتدثر بكساء أو إزار ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال الحضرة الربوبية أما ترى أن نداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه وهو على مثل هذه الصفة فقيل له يا أيها المزمل يا أيها المدثر حديث بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مدثر فقيل له يا أيها المزمل يا أيها المدثر متفق عليه من حديث جابر جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يمينى الحديث وفيه فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا علي الماء باردا فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال فنزلت يا أيها المدثر وفي رواية فقلت زملوني زملوني ولهما من حديث عائشة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فهذه الأربعة جنة وحصن بها تدفع عنه القواطع وتمنع العوارض القاطعة للطريق فإذا فعل ذلك اشتغل بعده بسلوك الطريق وإنما سلوكه بقطع العقبات ولا عقبة على طريق الله تعالى إلا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا وبعض تلك العقبات أعظم من بعض والترتيب في قطعها أن يشتغل بالأسهل فالأسهل وهي تلك الصفات أعني أسرار العلائق التي قطعها في أول الإرادة وآثارها أعني المال والجاه وحب الدنيا والالتفات إلى الخلق والتشوف إلى المعاصي فلا بد أن يخلى الباطن عن آثارها كما أخلى الظاهر عن أسبابها الظاهرة وفيه تطول المجاهدة ويختلف ذلك باختلاف الأحوال فرب شخص قد كفى أكثر الصفات فلا تطول عليه المجاهدة وقد ذكرنا أن طريق المجاهدة مضادة الشهوات ومخالفة الهوى في كل صفة غالبة على نفس المريد كما سبق ذكره فإذا كفى ذلك أو ضعف بالمجاهدة ولم يبق في قلبه علاقة شغله بعد ذلك بذكر يلزم قلبه على الدوام ويمنعه من تكثير الأوراد الظاهرة بل يقتصر على الفرائض والرواتب ويكون ورده وردا واحدا وهو لباب الأوراد وثمرتها أعني ملازمة القلب لذكر الله تعالى بعد الخلو من ذكر غيره ولا يشغله به مادام قلبه ملتفتا إلى علائقهقال الشبلي للحصري إن كان يخطر بقلبك من الجمعة التي تأتيني فيها إلى الجمعة الأخرى شيء غير الله تعالى فحرام عليك أن تأتيني وهذا التجرد لا يحصل إلا مع صدق الإرادة واستيلاء حب الله تعالى على القلب حتى يكون في صورة العاشق المستهتر الذي ليس له إلا هم واحد فإذا كان كذلك ألزمه الشيخ زاوية ينفرد بها ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال فإن أصل طريق الدين القوت الحلال وعند ذلك يلقنه ذكرا من الأذكار حتى يشغل به لسانه وقلبه فيجلس ويقول مثلا الله الله أو سبحان الله سبحان الله أو ما يراه الشيخ من الكلمات فلا يزال يواظب عليه حتى تسقط حركة اللسان وتكون الكلمة كأنها جارية على اللسان من غير تحريك ثم لا يزال يواظب عليه حتى يسقط الأثر عن اللسان وتبقي صورة اللفظ في القلب ثم لا يزال كذلك حتى يمحى عن القلب حروف اللفظ وصورته وتبقى حقيقة معناه لازمة للقلب حاضرة معه غالبة عليه قد فرغ عن كل ما سواه لأن القلب إذا شغل بشيء خلا عن غيره أي شيء كان فإذا اشتغل بذكر الله تعالى وهو المقصود خلا لا محالة عن غيره وعند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب والخواطر التي تتعلق بالدنيا وما يتذكر فيه مما قدر مضى من أحواله وأحوال غيره فإنه مهما اشتغل بشيء منه ولو في لحظة خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة وكان أيضا نقصانا فليجتهد في دفع ذلك ومهما دفع الوساوس كلها ورد النفس إلى هذه الكلمة جاءته الوساوس من هذه الكلمة وأنها ما هي وما معنى قولنا الله ولأي معنى كان إلها وكان معبودا ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر وربما يرد عليه من وساوس الشيطان ما هو كفر وبدعة ومهما كان كارها لذلك ومتشمرا لإماطته عن القلب لم يضره ذلك وهي منقسمة إلى ما يعلم قطعا أن الله تعالى منزه عنه ولكن الشيطان يلقي ذلك في قلبه ويجريه على خاطره فشرطه أن يبالي به ويفزع إلى ذكر الله تعالى ويبتهل إليه ليدفعه عنه كما قال الله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقال تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإلى ما يشك فيه فينبغي أن يعرض ذلك على شيخه بل كل ما يجد في قلبه من الأحوال من فترة أو نشاط أو التفات إلى علقة أو صدق في إرادة فينبغي أن يظهر ذلك لشيخه وأن يستره عن غيره فلا يطلع عليه أحدا ثم إن شيخه ينظر في حاله ويتأمل في ذكائه وكياسته فلو علم أنه لو تركه وأمره بالفكر تنبه من نفسه على حقيقة الحق فينبغي أن يحيله على الفكر ويأمره بملازمته حتى يقذف في قلبه من النور ما يكشف له حقيقته وإن علم إن ذلك مما لا يقوى عليه مثله رده إلى الاعتقاد القاطع بما يحتمله قلبه من وعظ وذكر ودليل قريب من فهمه وينبغي أن يتأنق الشيخ ويتلطف به فإن هذه مهالك الطريق ومواضع أخطارها فكم من مريد اشتغل بالرياضة فغلب عليه خيال فاسد لم يقو على كشفه فانقطع عليه طريقه فاشتغل بالبطالة وسلك طريق الإباحة وذلك هو الهلاك العظيم ومن تجرد للذكر ودفع العلائق الشاغلة عن قلبه لم يخل عن أمثال هذه الأفكار فإنه قد ركب سفينة الخطر فإن سلم كان من ملوك الدين وإن أخطأ كان من الهالكين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عليكم بدين العجائز حديث عليكم بدين العجائز قال ابن طاهر في كتاب التذكرة هذا اللفظ تداوله العامة ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة حتى رأيت حديثا لمحمد بن عبد الرحمن بن السلماني عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في آخر الزمان واختلف الأهواء فعليكم بدين أهل البادية والنسائي وابن السلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها انتهى وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن السلماني والله أعلم وهو تلقي أصل الإيمان وظاهر الاعتقاد بطريق التقليد والاشتغال بأعمال الخير فإن الخطر في العدول عن ذلك كثير ولذلك قيل يجب على الشيخ أن يتفرس في المريد فإن لم يكن ذكيا فطنا متمكنا من اعتقاد الظاهر لم يشغله بالذكر والفكر بل يرده إلى الأعمال الظاهرة والأوراد المتواترة أو يشغله بخدمة المتجردين للفكر لتشمله بركتهم فإن العاجز عن الجهاد في صف القتال ينبغي أن يسقي القوم ويتعهد دوابهم ليحشر يوم القيامة في زمرتهم وتعمه بركتهم وإن كان لا يبلغ درجتهم ثم المريد المتجرد للذكر والفكر قد يقطعه قواطع كثيرة من العجب والرياء والفرح بما ينكشف له من الأحوال وما يبدو من أوائل الكرامات ومهما التفت إلى شيء من ذلك وشغلت به نفسه كان ذلك فتورا في طريقه ووقوفا بل ينبغي أن يلازم حاله جملة عمره ملازمة العطشان الذي لا ترويه البحار ولو أفيضت عليه ويدوم على ذلك ورأس ماله الانقطاع عن الخلق إلى الحق والخلوة قال بعض السياحين قلت لبعض الأبدال المنقطعين عن الخلق كيف الطريق إلى التحقيق فقال أن تكون في الدنيا كأنك عابر طريق وقال مرة قلت له دلني على عمل أجد قلبي فيه مع الله تعالى على الدوام فقال لي لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت لا بد لي من ذلك قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي من ذلك قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم وحشة قلت أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم قال فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة قلت هذا لعلة قال يا هذا أتنظر إلى الغافلين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتريد أن تجد قلبك مع الله تعالى على الدوام هذا ما لا يكون أبدا فإذا منتهى الرياضة أن يجد قلبه مع الله تعالى على الدوام ولا يمكن ذلك إلا بأن يخلو عن غيره ولا يخلو عن غيره إلا بطول المجاهدة فإذا حصل قلبه مع الله تعالى انكشف له جلال الحضرة الربوبية وتجلى له الحق وظهر له من لطائف الله تعالى ما لا يجوز أن يوصف بل لا يحيط به الوصف أصلا وإذا انكشف للمريد شيء من ذلك فأعظم القواطع عليه أن يتكلم به وعظا ونصحا ويتصدى للتذكير فتجد النفس فيه لذة ليس وراءها لذة فتدعوه تلك اللذة إلى أن يتفكر في كيفية إيراد تلك المعاني وتحسين الألفاظ المعبرة عنها وترتيب ذكرها وتزيينها بالحكايات وشواهد القرآن والأخبار وتحسين صنعة الكلام لتميل إليه القلوب والأسماع فربما يخيل إليه الشيطان أن هذا إحياء منك لقلوب الموتى الغافلين عن الله تعالى وإنما أنت واسطة بين الله تعالى وبين الخلق تدعو عباده إليه ومالك فيه نصيب ولا لنفسك فيه لذة ويتضح كيد الشيطان بأن يظهر في أقرانه من يكون أحسن كلاما منه وأجزل لفظا وأقدر على استجلاب قلوب العوام فإنه يتحرك في باطنه عقرب الحسد لا محالة إن كان محركه كيد القبول وإن كان محركه هو الحق حرصا على دعوة عباد الله تعالى إلى صراطه المستقيم فيعظم به فرحه ويقول الحمد لله الذي عضدني وأيدني بمن وازرني على إصلاح عباده كالذي وجب عليه مثلا أن يحمل ميتا ليدفنه إذ وجده ضائعا وتعين عليه ذلك شرعا فجاء من أعانه عليه فإنه يفرح به ولا يحسد من يعينه والغافلون موتى القلوب والوعاظ هم المنبهون والمحيون لهم ففي كثرتهم استرواح وتناصر فينبغي أن يعظم الفرح بذلك وهذا عزيز على الوجود جدا فينبغي أن يكون المريد على حذر منه فإنه أعظم حبائل الشيطان في قطع الطريق على من انفتحت له أوائل الطريق فإن إيثار الحياة الدنيا طبع غالب على الإنسان ولذلك قال الله تعالى بل تؤثرون الحياة الدنيا ثم بين أن الشر قديم في الطباع وأن ذلك مذكور في الكتب السالفة فقال إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى فهذا منهاج رياضة المريد وتربيته في التدريج إلى لقاء الله تعالى فأما تفصيل الرياضة في كل صفة فسيأتي فإن أغلب الصفات على الإنسان بطنه وفرجه ولسانه أعني به الشهوات المتعلقة بها ثم الغضب الذي هو كالجند لحماية الشهوات ثم مهما أحب الإنسان شهوة البطن والفرج وأنس بهما أحب الدنيا ولم يتمكن منها إلا بالمال والجاه وإذا طلب المال والجاه حدث فيه الكبر والعجب والرياسة وإذا ظهر ذلك لم تسمح نفسه بترك الدنيا رأسا وتمسك من الدين بما فيه الرياسة وغلب عليه الغرور فلهذا وجب علينا بعد تقديم هذين الكتابين أن نستكمل ربع المهلكات بثمانية كتب إن شاء الله تعالى كتاب في كسر شهوة البطن والفرج وكتاب في آفات اللسان وكتاب في كسر الغضب والحقد والحسد وكتاب في ذم الدنيا وتفصيل خدعها وكتاب في كسر حب المال وذم البخل وكتاب في ذم الرياء وحب الجاه وكتاب في ذم الكبر والعجب وكتاب في مواقع الغرور وبذكر هذه المهلكات وتعليم طرق المعالجة فيها يتم غرضنا من ربع المهلكات إن شاء الله تعالى فإن ما ذكرناه في الكتاب الأول هو شرح لصفات القلب الذي هو معدن المهلكات والمنجيات وما ذكرناه في الكتاب الثاني هو إشارة كلية إلى طريق تهذيب الأخلاق ومعالجة أمراض القلوب أما تفصيلها فإنه يأتي في هذه الكتب إن شاء الله تعالى تم كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق بحمد الله وعونه وحسن توفيقه يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب كسر الشهوتين والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

 

كتاب شرح عجائب القلب

 

كتاب شرح عجائب القلب

وهو الكتاب الأول من ربع المهلكات

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

الحمد لله الذي تتحير دون إدراك جلاله القلوب والخواطر وتدهش في مبادي إشراق أنواره الأحداق والنواظر المطلع على خفيات السرائر العالم بمكنونات الضمائر المستغني في تدبير مملكته عن المشاور والموازر مقلب القلوب وغفار الذنوب وستار العيوب ومفرج الكروب والصلاة على سيد المرسلين وجامع شمل الدين وقاطع دابر الملحدين وعلى آله الطيبين الطاهرين وسلم كثيرا أما بعد فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدته وذخره وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله وهو المتقرب إلى الله وهو العامل لله وهو الساعي إلى الله وهو المكاشف بما عند الله ولديه وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة فالقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من الله فيفلح إذا زكاه وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه وهو المطيع بالحقيقة لله تعالى وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره وهو العاصي المتمرد على الله تعالى وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء ينضح بما فيه وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل إذ أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وقد حيل بينهم وبين أنفسهم فإن الله يحول بين المرء وقلبه وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصبعين مع أصابع الرحمن وأنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال الله تعالى فيه نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري على الجوارح من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن فلا بد أن نقدم عليه كتابين كتابا في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه وكتابا في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام.

بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي

أعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي واشتراكها بين مسميات مختلفة ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا اللفظ الأول لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وهو لحم مخصوص وفي باطنه تجويف وفي ذلك التجويف دم أسود هو منبع الروح ومعدنه ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته إذ يتعلق به غرض الأطباء ولا يتعلق به الأغراض الدينية وهذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميت ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك فإنه قطعة لحم لا قدر له وهو من عالم الملك والشهادة إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ولها علاقة مع القلب الجسماني وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما أنه متعلق بعلوم المكاشفة وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة والثاني أن تحقيقه يستدعي إفشاء سر الروح وذلك مما لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم[1] فليس لغيره أن يتكلم فيه والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللطيفة وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها اللفظ الثاني الروح وهو أيضا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجمساني فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانه في البدن وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت فإنه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثالها السراج وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب وليس شرحه من غرضنا إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان فأما غرض أطباء الدين المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلا المعنى الثاني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب وهو الذي أراده الله تعالى بقوله قل الروح من أمر ربي وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته اللفظ الثالث النفس وهو أيضا مشترك بين معان ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك[2] المعنى الثاني هي اللطيفة التي ذكرناها التي هي الإنسان بالحقيقة وهي نفس الإنسان وذاته ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة قال الله تعالى في مثلها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى فإنها مبعدة عن الله وهي من حزب الشيطان وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه قال الله تعالى ولا أقسم بالنفس اللوامة وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذن النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة لأنها نفس الإنسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وسائر المعلومات اللفظ الرابع العقل وهو أيضا مشترك لمعان مختلفة ذكرناها في كتاب العلم والمتعلق بغرضنا من جملتها معنيان أحدهما أنه قد يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة ونحن نعلم أن كل عالم فله في نفسه وجود هو أصل قائم بنفسه والعلم صفة حالة فيه والصفة غير الموصوف والعقل قد يطلق ويراد به صفة العالم وقد يطلق ويراد به محل الإدراك أعني المدرك وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم أول ما خلق الله العقل[3] فإن العلم عرض لا يتصور أن يكون أول مخلوق بل لابد وأن يكون المحل مخلوقا قبله أو معه ولأنه لا يمكن الخطاب معه وفي الخبر أنه قال له تعالى أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر الحديث فإذن قد انكشف لك أن معاني هذه الأسماء موجودة وهي القلب الجسماني والروح الجسماني والنفس الشهوانية والعلوم فهذه أربعة معان يطلق عليها الألفاظ الأربعة ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان والألفاظ الأربعة بجملتها تتوارد عليها فالمعاني خمسة والألفاظ أربعة وكل لفظ أطلق لمعنيين وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الألفاظ وتواردها فتراهم يتكلمون في الخواطر ويقولون هذا خاطر العقل وهذا خاطر الروح وهذا خاطر القلب وهذا خاطر النفس وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الأسماء ولأجل كشف الغطاء عن ذلك قدمنا شرح هذه الأسامي وحيث ورد في القرآن والسنة لفظ القلب فالمراد به المعنى الذي يفقه من الإنسان ويعرف حقيقة الأشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لأن بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة فإنها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب فتعلقها الأول بالقلب وكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها ولذلك شبه سهل التستري القلب بالعرش والصدر بالكرسي فقال القلب هو العرش والصدر هو الكرسي ولا يظن به أنه يرى أنه عرش الله وكرسيه فإن ذلك محال بل أراد به أنه مملكة الإنسان والمجرى الأول لتدبيره وتصرفه فهما بالنسبة إليه كالعرش والكرسي بالنسبة إلى الله تعالى ولا يستقيم هذا التشبيه أيضا إلا من بعض الوجوه وشرح ذلك أيضا لا يليق بغرضنا فلنجاوزه.

بيان جنود القلب

قال الله تعالى وما يعلم جنود ربك إلا هو فلله سبحانه في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنود مجندة لا يعرف حقيقتها وتفصيل عددها إلا هو ونحن الآن نشير إلى بعض جنود القلب فهو الذي يتعلق بغرضنا وله جندان جند يرى بالأبصار وجند لا يرى إلا بالبصائر وهو في حكم الملك والجنود في حكم الخدم والأعوان فهذا معنى الجند فأما جنده المشاهد بالعين فهو اليد والرجل والعين والأذن واللسان وسائر الأعضاء الظاهرة والباطنة فإن جميعها خادمة للقلب ومسخرة له فهو المتصرف فيها والمردد لها وقد خلقت مجبولة على طاعته لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا فإذا أمر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت وإذا أمر اللسان بالكلام وجزم الحكم به تكلم وكذا سائر الأعضاء وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه من وجه تسخير الملائكة لله تعالى فإنهم مجبولون على الطاعة لا يستطيعون له خلافا بل لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وإنما يفترقان في شيء وهو أن الملائكة عليهم السلام عالمة بطاعتها وامتثالها والأجفان تطيع القلب في الانفتاح والانطباق على سبيل التسخير ولا خبر لها من نفسها ومن طاعتها للقلب وإنما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهو السفر إلى الله سبحانه وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وإنما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الأسباب التي توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح وليس يمكن العبد أن يصل إلى الله سبحانه ما لم يسكن البدن ولم يجاوز الدنيا فإن المنزل الأدنى لا بد من قطعه للوصول إلى المنزل الأقصى فالدنيا مزرعة الآخرة وهي منزل من منازل الهدى وإنما سميت دنيا لأنها أدنى المنزلتين فاضطر إلى أن يتزود من هذا العالم فالبدن مركبه الذي يصل به إلى هذا العالم فافتقر إلى تعهد البدن وحفظه وإنما يحفظ البدن بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وأن يدفع عنه ما ينافيه من أسباب الهلاك فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين باطن وهو الشهوة وظاهر وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء فخلق في القلب من الشهوات ما احتاج إليه وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين باطن وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء وظاهر وهو اليد والرجل للذين بهما يعمل بمقتضى الغضب وكل ذلك بأمور خارجة فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها ثم المحتاج إلى الغذاء ما لم يعرف الغذاء لم تنفعه شهوة الغذاء وإلفه فافتقر للمعرفة إلى جندين باطن وهو إدراك السمع والبصر والشم واللمس والذوق وظاهر وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة وقد أشرنا إلى طرف يسير منها في كتاب الشكر فليقتنع به فجملة جنود القلب تحصرها ثلاثة أصناف صنف باعث ومستحث إما إلى جلب النافع الموافق كالشهوة وإما إلى دفع الضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا الباعث بالإرادة والثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة وهي جنود مبثوثة في سائر الأعضاء لا سيما العضلات منها والأوتار والثالث هو المدرك المتعرف للأشياء كالجواسيس وهي قوة البصر والسمع والشم والذوق واللمس وهي مبثوثة في أعضاء معينة ويعبر عن هذا بالعلم والإدراك ومع كل واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة وهي الأعضاء المركبة من الشحم واللحم والعصب والدم والعظم التي أعدت آلات لهذه الجنود فإن قوة البطش إنما هي بالأصابع وقوة البصر إنما هي بالعين وكذا سائر القوى ولسنا نتكلم في الجنود الظاهرة أعني الأعضاء فإنها من عالم الملك والشهادة وإنما نتكلم الآن فيما أيدت به من جنود لم تروها وهذا الصنف الثالث وهو المدرك من هذه الجملة ينقسم إلى ما قد أسكن المنازل الظاهرة وهي الحواس الخمس أعني السمع والبصر والشم والذوق واللمس وإلى ما أسكن منازل باطنة وهي تجاويف الدماغ وهي أيضا خمسة فإن الإنسان بعد رؤية الشيء يغمض عينه فيدرك صورته في نفسه وهو الخيال ثم تبقى تلك الصورة معه بسبب شيء يحفظه وهو الجند الحافظ ثم يتفكر فيما حفظه فيركب بعض ذلك إلى البعض ثم يتذكر ما قد نسيه ويعود إليه ثم يجمع جملة معاني المحسوسات في خياله بالحس المشترك بين المحسوسات ففي الباطن حس مشترك وتخيل وتفكر وتذكر وحفظ ولولا خلق الله قوة الحفظ والفكر والذكر والتخيل لكان الدماغ يخلو عنه كما تخلو اليد والرجل عنه فتلك القوى أيضا جنود باطنة وأماكنها أيضا باطنة فهذه هي أقسام جنود القلب وشرح ذلك بحيث يدركه فهم الضعفاء بضرب الأمثلة يطول ومقصود مثل هذا الكتاب أن ينتفع به الأقوياء والفحول من العلماء ولكنا نجتهد في تفهيم الضعفاء بضرب الأمثلة ليقرب ذلك من أفهامهم.

بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة

اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما فيعينه ذلك على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد حتى يملكاه ويستبعداه وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر كما سيأتي شرحه وحقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب الله تعالى على الجندين الآخرين فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان فإن ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا وخسر خسرانا مبينا وذلك حالة أكثر الخلق فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم فيما يفتقر العقل إليه ونحن نقرب ذلك إلى فهمك بثلاثة أمثلة المثال الأول أن نقول مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة والقوة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة والغضب والحمية له كصاحب الشرطة والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنيا في تدبيراته بوزيره مستشيرا له ومعرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث مستدلا بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه أدبه صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوسا لا سائسا ومأمورا مدبرا لا أميرا مدبرا استقام أمر بلده وانتظم العدل بسببه فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدبت بحمية الغضب وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمخالفة الشهوة واستدراجها وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال الله تعالى فيه أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وقال تعالى واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء الله تعالى المثال الثاني اعلم أن البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعيته والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط فإن هو جاهد عدوه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره وإذا عاد إلى الحضرة كما قال الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره فانتقم منه عند الله تعالى فيقال له يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم أنتقم منك[4] كما ورد في الخبر وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر[5] المثال الثالث مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجاح ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال ما طلب وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته وجماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه نسأل الله حسن التوفيق بلطفه.

بيان خاصية قلب الإنسان

أعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم الله به على سائر الحيوانات سوى الآدمي إذ للحيوان الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة أيضا حتى إن الشاة ترى الذئب بعينها فتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فذلك هو الإدراك الباطن فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب من الله تعالى وهو راجع إلى علم وإرادة أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية فإن هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة وهذا حكم منه على كل شخص ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص فحكمه على جميع الأشخاص زائد على ما أدركه الحس وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر وأما الإرادة فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها وذلك غير إرادة الشهوة وإرادة الحيوانات بل يكون على ضد الشهوة فإن الشهوة تنفر عن الفصد والحجامة والعقل يريدها ويطلبها ويبذل المال فيها والشهوة تميل إلى لذائذ الأطعمة في حين المرض والعاقل يجد في نفسه زاجرا عنها وليس ذلك زاجر الشهوة ولو خلق الله العقل المعرف بعواقب الأمور ولم يخلق هذا الباعث المحرك للأعضاء على مقتضى حكم العقل لكان حكم العقل ضائعا على التحقيق فإذن قلب الإنسان اختص بعلم وإرادة ينفك عنها سائر الحيوان بل ينفك عنها الصبي في أول الفطرة وإنما يحدث ذلك فيه بعد البلوغ وأما الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة فإنها موجودة في حق الصبي ثم الصبي في حصول هذه العلوم فيه له درجتان إحداهما أن يشتمل قلبه على سائر العلوم الضرورية الأولية كالعلم باستحالة المستحيلات وجواز الجائزات الظاهرة فتكون العلوم النظرية فيها غير حاصلة إلا أنها صارت ممكنة قريبة الإمكان والحصول ويكون حاله بالإضافة إلى العلوم كحال الكاتب الذي لا يعرف من الكتابة إلا الدواة والقلم والحروف المفردة دون المركبة فإنه قد قارب الكتابة ولم يبلغها بعد الثانية أن تتحصل له العلوم المكتسبة بالتجارب والفكر فتكون كالمخزونة عنده فإذا شاء رجع إليها وحاله حال الحاذق بالكتابة إذ يقال له كاتب وإن لم يكن مباشرا للكتابة بقدرته عليها وهذه هي غاية درجة الإنسانية ولكن في هذه الدرجة مراتب لا تحصى بتفاوت الخلق فيها بكثرة المعلومات وقلتها وبشرف المعلومات وخستها وبطريق تحصيلها إذ تحصل لبعض القلوب بإلهام إلهي على سبيل المبادأة والمكاشفة ولبعضهم بتعلم واكتساب وقد يكون سريع الحصول وقد يكون بطئ الحصول وفي هذا المقام تتباين منازل العلماء والحكماء والأنبياء والأولياء فدرجات الترقي فيه غير محصورة إذ معلومات الله سبحانه لا نهاية لها وأقصى الرتب رتبة النبي الذي تنكشف له كل الحقائق أو أكثرها من غير اكتساب وتكلف بكشف إلهي في أسرع وقت وبهذه السعادة يقرب العبد العبد من الله تعالى قربا بالمعنى والحقيقة والصفة لا بالمكان والمسافة ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى الله تعالى ولا حصر لتلك المنازل وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنزل فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة والنبي ونصدق بوجوده ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من العلوم الضرورية ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح الله على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود والكرم من الله سبحانه وتعالى غير مضنون بها على أحد ولكن إنما تظهر في القلوب المتعرضه لنفحات رحمة الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها[6] والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة كما سيأتي بيانه وإلى هذا الجود الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيافيقول هل من داع فأستجيب له وبقوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عز وجل لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي وأنا إلى لقائهم أشد شوقا[7] وبقوله تعالى من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا[8] كل ذلك إشارة إلى أن أنوار العلوم لم تحتجب عن القلوب لبخل ومنع من جهة المنعم تعالى عن البخل والمنع علوا كبيرا ولكن حجبت لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب فإن القلوب كالأواني فما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بحلال الله تعالى وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء[9] ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة وأشرف أنواع العلم هو العلم بالله وصفاته وأفعاله فبه كمال الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال فالبدن مركب للنفس والنفس محل للعلم والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته التي لأجله خلق وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية فإن تعطلت منه نزل إلى حضيض رتبة الحمار وكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ويفارقها في أمور هي خاصيته وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين من رب العالمين والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل فنبات ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء من استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل فقد تشبه بالملائكة فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا كما أخبر الله تعالى عن صواحبات يوسف عليه السلام بقوله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ومن صرف همته إلى أتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمرا كثور وإما شرها كخنزير وإما ضربا ككلب أو سنور أو حقودا كجمل أو متكبرا كنمر أو ذا روغان كثعلب أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على طريق الوصول إلى الله تعالى كما سيأتي بيان طرف منه في كتاب الشكر فمن استعمله فيه فقد فاز ومن عدل عنه فقد خسر وخاب وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء الله تعالى مقصده والدار الآخرة مستقره والدنيا منزله والبدن مركبه والأعضاء خدمه فيستقر هو أعني المدرك من الإنسان في القلب الذي هو وسط مملكته كالملك ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريدة إذ تجتمع أخبار المحسوسات عنده ويجري القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى خازنه ويجري اللسان مجرى ترجمانه ويجري الأعضاء المتحركة مجرى كتابه ويجري الحواس الخمس مجرى جواسيسه فيوكل كل واحد منها بأخبار صقع من الأصقاع فيوكل العين بعالم الألوان والسمع بعالم الأصوات والشم بعالم الروائح وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه العوالم ويؤدونها إلى القوة الخيالية التي هي كصاحب البريد ويسلمها صاحب البريد إلى الخازن وهي الحافظة ويعرضها الخازن على الملك فيقتبس الملك منها ما يحتاج إليه في تدبير مملكته وإتمام سفره الذي هو بصدده وقمع عدوه الذي هو مبتلي به ودفع قواطع الطريق عليه فإذا فعل ذلك كان موفقا سعيدا شاكرا نعمة الله وإذا عطل هذه الجملة أو استعملها لكن في مراعاة أعدائه وهي الشهوة والغضب وسائر الحظوظ العاجلة أو في عمارة طريقه دون منزله إذ الدنيا طريقه التي عليها عبوره ووطنه ومستقره الآخرة كان مخذولا شقيا كافرا بنعمة الله تعالى مضيعا لجنود الله تعالى ناصرا لأعداء الله مخذلا لحزب الله فيستحق المقت والإبعاد في المنقلب والمعاد نعوذ بالله من ذلك وإلى المثال الذي ضربناه أشار كعب الأحبار حيث قال دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت الإنسان عيناه هاد وأذناه قمع ولسانه ترجمان ويداه جناحان ورجلاه بريد والقلب منه ملك[10] فإذا طاب الملك طابت جنوده فقالت هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقال علي رضي الله عنه في تمثيل القلوب إن لله تعالى في أرضه آنية وهي القلوب فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها ثم فسره فقال أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان وهو إشارة إلى قوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم وقوله تعالى مثل نوره كمشكاة فيها مصباح قال أبي بن كعب رضي الله عنه معناه مثل نور المؤمن وقلبه وقوله تعالى أو كظلمات في بحر لجي مثل قلب المنافق وقال زيد بن أسلم في قوله تعالى في لوح محفوظ وهو قلب المؤمن وقال سهل مثل القلب والصدر مثل العرش والكرسي فهذه أمثلة القلب.

بيان مجامع أوصاف القلب وأمثلته

اعلم أن الإنسان قد اصطحب في خلقته وتركيبه أربع شوائب فلذلك اجتمع عليه أربعة أنواع من الأوصاف وهي الصفات السبعية والبهيمية والشيطانية والربانية فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطى أفعال السباع من العداوة والبغضاء والتهجم على الناس بالضرب والشتم ومن حيث سلطت عليه الشهوة يتعاطى أفعال البهائم من الشره والحرص والشبق وغيره ومن حيث إنه في نفسه أمر رباني كما قال الله تعالى قل الروح من أمر ربي فإنه يدعي لنفسه الربوبية ويحب الاستيلاء والاستعلاء والتخصص والاستبداد بالأمور كلها والتفرد بالرياسة والانسلال عن ربقة العبودية والتواضع ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها بل يدعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور ويفرح إذا نسب إلى العلم ويحزن إذا نسب إلى الجهل والإحاطة بجميع الحقائق والاستيلاء بالقهر على جميع الخلائق من أوصاف الربوبية وفي الإنسان حرص على ذلك ومن حيث يختص من البهائم بالتمييز مع مشاركته لها في الغضب والشهوة حصلت فيه شيطانية فصار شريرا يستعمل التمييز في استنباط وجوه الشر ويتوصل إلى الأغراض بالمكر والحيلة والخداع ويظهر الشر في معرض الخير وهذه أخلاق الشياطين وكل إنسان فيه شوب من هذه الأصول الأربعة أعني الربانية والشيطانية والسبعية والبهيمية وكل ذلك مجموع في القلب فكأن المجموع في إهاب الإنسان خنزير وكلب وشيطان وحكيم فالخنزير هو الشهوة فإنه لم يكن الخنزير مذموما للونه وشكله وصورته بل لجشعه وكلبه وحرصه والكلب هو الغضب فإن السبع الضاري والكلب العقور ليس كلبا وسبعا باعتبار الصورة واللون والشكل بل روح معنى السبعية الضراوة والعدوان والعقر وفي باطن الإنسان ضراوة السبع وغضبه وحرص الخنزير وشبقه فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر والسبع بالغضب إلى الظلم والإيذاء والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير وغيظ السبع ويغري أحدهما بالآخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهورا تحت سياسته فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم وإن عجز عن قهرها وقهروه واستخدموه فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضى الكلب فيكون دائما في عبادة كلب وخنزير وهذا حال أكثر الناس مهما كان أكثر همتهم البطن والفرج ومنافسة الأعداء والعجب منه أنه ينكر على عبدة الأصنام عبادتهم للحجارة ولو كشف الغطاء عنه وكوشف بحقيقة حاله ومثل له حقيقة حاله كما يمثل للمكاشفين إما في النوم أو في اليقظة لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرة وراكعا أخرى ومنتظرا لإشارته وأمره فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهواته انبعث على الفور في خدمته وإحضار شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا سامعا لما يقتضيه ويلتمسه مدققا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا والرب مربوبا والسيد عبدا والقاهر مقهروا إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طابعا ورينا مهلكا للقلب ومميتا له أما طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والحرص والجشع والملق والحسد والحقد والشماتة وغيرها وأما طاعة كلب الغضب فتنتشر منها إلى القلب صفة التهور والبذالة والبذخ والصلف والاستشاطة والتكبر والعجب والاستهزاء والاستخفاف وتحقير الخلق وإرادة الشر وشهوة الظلم وغيرها وأما طاعة الشيطان بطاعة الشهوة والغضب فيحصل منها صفة المكر والخداع والحيلة والدهاء والجراءة والتلبيس والتضريب والغش والخب والخنا وأمثالها ولو عكس الأمر وقهر الجميع تحت سياسة الصفة الربانية لاستقر في القلب من الصفات الربانية العلم والحكمة واليقين والإحاطة بحقائق الأشياء ومعرفة الأمور على ما هي عليه والاستيلاء على الكل بقوة العلم والبصيرة واستحقاق التقدم على الخلق لكمال العلم وجلاله ولاستغنى عن عبادة الشهوة والغضب ولانتشر إليه من ضبط خنزير الشهوة ورده إلى حد الاعتدال صفات شريفة مثل العفة والقناعة والهدو والزهد والورع والتقوى والانبساط وحسن الهيئة والحياء والظرف والمساعدة وأمثالها ويحصل فيه من ضبط قوة الغضب وقهرها وردها إلى حد الواجب صفة الشجاعة والكرم والنجدة وضبط النفس والصبر والحلم والاحتمال والعفو والثبات والنبل والشهامة والوقار وغيرها فالقلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الأمور المؤثرة فيه وهذه الآثار على التواصل واصلة إلى القلب أما الآثار المحمودة التي ذكرناها فإنها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا ونورا وضياء حتى يتلألأ فيه جلية الحق وينكشف فيه حقيقة الأمر المطلوب في الدين وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه[11] وبقوله صلى الله عليه وسلم من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ[12] وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب وأما الآثار المذمومة فإنها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم ويصير بالكلية محجوبا عن الله تعالى وهو الطبع وهو الرين قال الله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال عز وجل أن لو نشاء أصبناهم بذنبوهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون فربط عدم السماع بالطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى فقال تعالى واتقوا الله واسمعوا واتقوا الله ويعلمكم الله ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق وصلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة قال ميمون بن مهران إذا أذنب العبد ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه فهو الران وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس[13] فطاعة الله سبحانه بمخالفة الشهوات مصقلة للقلب ومعاصيه مسودات له فمن أقبل على المعاصي اسود قلبه ومن أتبع السيئة الحسنة ومحا أثرها لم يظلم قلبه ولكن ينقص نوره كالمرآة التي يتنفس فيها ثم تمسح ويتنفس ثم تتمسح فإنها لا تخلو عن كدورة وقد قال صلى الله عليه وسلم القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر وقلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق[14] فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلبت عليه حكم له بها وفي رواية ذهبت به قال الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا فالتقوى باب الذكر والذكر باب الكشف والكشف باب الفوز الأكبر وهو الفوز بلقاء الله تعالى.

بيان مثل القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة

اعلم أن محل العلم هو القلب أعني اللطيفة المدبرة لجميع الجوارح وهي المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات فكما أن للمتلون صورة ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها كذلك لكل معلوم حقيقة ولتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتضح فيها وكما أن المرآة غير وصور الأشخاص غير وحصول مثالها في المرآة غير فهي ثلاثة أمور فك