كتاب ذم البخل وذم حب المال

كتاب ذم البخل وذم حب المال

وهو الكتاب السابع من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مستوجب الحمد برزقه المبسوط وكاشف الضر بعد القنوت الذي خلق الخلق ووسع الرزق وأفاض على العالمين أصناف الأموال وابتلاهم فيها بتقلب الأحوال ورددهم فيها بين العسر واليسر والغنى والفقر والطمع واليأس والثروة والإفلاس والعجز والاستطاعة والحرص والقناعة والبخل والجود والفرح بالموجود والأسف على المفقود والإيثار والإنفاق والتوسع والإملاق والتبذير والتقتير والرضا بالقليل واستحقار الكثير كل ذلك ليبلوهم أيهم أحسن عملا وينظر أيهم آثر الدنيا على الآخرة بدلا وابتغى عن الآخرة عدولا وحولا واتخذ الدنيا ذخيرة وخولا والصلاة على محمد الذي نسخ بملته مللا وطوى بشريعته أديانا ونحلا وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبيل ربهم ذللا وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فإن فتن الدنيا كثيرة الشعب والأطراف واسعة الأرجاء والأكناف ولكن الأموال أعظم فتنها وأطم محنها وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها ثم إذا وجدت فلا سلامة منها فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا وبالجملة فهي لا تخلو من الفوائد والآفات وفوائدها من المنجيات وآفاتها من المهلكات وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في الدين من العلماء الراسخين دون المسترسمين المغترين وشرح ذلك مهم على الانفراد فإن ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في الدنيا عامة إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل والمال بعض أجزاء الدنيا والجاه بعضها واتباع شهوة البطن والفرج بعضها وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها والكبر وطلب العلو بعضها ولها أبعاض كثيرة ويجمعها كل ما كان للإنسان فيه حظ عاجل ونظرنا الآن في هذا الكتاب في المال وحده إذ فيه آفات وغوائل وللإنسان من فقده صفة الفقر ومن وجوده وصف الغنى وهما حالتان يحصل بهما الاختبار والامتحان ثم للفاقد حالتان القناعة والحرص وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللحريص حالتان طمع فيما في أيدي الناس وتشمر للحرف والصناعات مع اليأس عن الخلق والطمع شر الحالتين وللواجد حالتان إمساك بحكم البخل والشح وإنفاق وإحداهما مذمومة والأخرى محمودة وللمنفق حالتان تبذير واقتصاد والمحمود هو الاقتصاد وهذه أمور متشابهة وكشف الغطاء عن الغموض فيها مهم ونحن نشرح ذلك في أربعة عشر فصلا إن شاء الله تعالى وهو بيان ذم المال ثم مدحه ثم تفصيل فوائد المال وآفاته ثم ذم الحرص والطمع ثم علاج الحرص والطمع ثم فضيلة السخاء ثم حكايات الأسخياء ثم ذم البخل ثم حكايات البخلاء ثم الإيثار وفضله ثم حد السخاء والبخل ثم علاج البخل ثم مجموع الوظائف في المال ثم ذم الغنى ومدح الفقر إن شاء الله تعالى بيان ذم المال وكراهة حبه قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وقال تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فمن اختار ماله وولده على ما عند الله فقد خسر وغبن خسرانا عظيما وقال عز وجل من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآية وقال تعالى إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقال تعالى ألهاكم التكاثر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل حديث حب المال والشرف ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل لم أجده بهذا اللفظ وذكره بعد هذا بلفظ الجاه بدل الشرف وقال صلى الله عليه وسلم ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم حديث ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر إفسادا لها من حب المال والجاه في دين الرجل المسلم أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى من حديث كعب بن مالك وقالا جائعان مكان ضاريان ولم يقولا في زريبة وقالا الشرف بدل الجاه قال الترمذي حسن صحيح وللطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد ما ذئبان ضاريان في زريبة غنم الحديث وللبزار من حديث أبي هريرة ضاريان جائعان وإسناد الطبراني فيهما ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم هلك المكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا وهكذا وقليل ما هم حديث هلك الأكثرون إلا من قال به في عباد الله هكذا وهكذا الحديث أخرجه الطبراني من حديث عبد الرحمن ابن أبزي بلفظ المكثرون ولم يقل في عباد الله ورواه أحمد من حديث أبي سعيد بلفظ المكثرون وهو متفق عليه من حديث أبي ذر بلفظ هم الأخسرون فقال أبو ذر من هم فقال هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا الحديث وقيل يا رسول الله أي أمتك شر قال الأغنياء حديث قيل يا رسول الله أي أمتك شر قال الأغنياء غريب لم أجده بهذا اللفظ وللطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن جعفر شرار أمتي الذين ولدوا في النعيم وغذوا به يأكلون من الطعام ألوانا وفيه أصرم بن حوشب ضعيف ورواه هناد بن السري في الزهد له من رواية عروة بن رويم مرسلا وللبزار من حديث أبي هريرة بسند ضعيف إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم وتنبت عليه أجسامهم وقال صلى الله عليه وسلم سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطايب الدنيا وألوانها ويركبون فرة الخيل وألوانها وينكحون أجمل النساء وألوانها ويلبسون أجمل الثياب وألوانها لهم بطون من القليل لا تشبع وأنفس بالكثير لا تقنع عاكفون على الدنيا يغدون ويروحون إليها اتخذوها آلهة من دون إلههم وربا دون ربهم إلى أمرها ينتهون ولهواهم يتبعون فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدركه ذلك الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أن لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم ولا يتبع جنائزهم ولا يوقر كبيرهم فمن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام حديث سيأتي بعدكم قوم يأكلون أطايب الدنيا وألوانها وينكحون أجمل النساء وألوانها الحديث بطوله أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث أبي أمامة سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ألوان الثياب يتشدقون في الكلام أولئك شرار أمتي وسنده ضعيف ولم أجد لباقيه أصلا وقال صلى الله عليه وسلم دعوا الدنيا لأهلها من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر حديث دعوا الدنيا لأهلها من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر أخرجه البزار من حديث أنس وفيه هانيء بن المتوكل ضعفه ابن حبان وقال صلى الله عليه وسلم يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت حديث يقول العبد مالي مالي الحديث أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن الشخير وأبي هريرة وقد تقدم وقال رجل يا رسول الله مالي لا أحب الموت فقال هل معك من مال قال نعم يا رسول الله قال قدم مالك فإن قلب المؤمن مع ماله إن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب أن يتخلف معه حديث قال رجل يا رسول الله مالي لا أحب الموت الحديث لم أقف عليه وقال صلى الله عليه وسلم أخلاء ابن آدم ثلاثة واحد يتبعه إلى قبض روحه والثاني إلى قبره والثالث إلى محشره فالذي يتبعه إلى قبض روحه فهو ماله والذي يتبعه إلى قبره فهو أهله والذي يتعبه إلى محشره فهو عمله حديث أخلاء ابن آدم ثلاثة واحد يتبعه إلى قبض روحه والثاني إلى قبره الحديث أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث النعمان بن بشير بإسناد جيد نحوه ورواه أبو داود الطيالسي وأبو الشيخ في كتاب الثواب والطبراني في الأوسط من حديث أنس بسند جيد أيضا وفي الكبير من حديث سمرة بن جندب وللشيخين من حديث أنس يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد الحديث وقال الحواريون لعيسى عليه السلام مالك تمشي على الماء ولا نقدر على ذلك فقال لهم ما منزلة الدينار والدرهم عندكم قالوا حسنة قال لكنهما والمدر عندي سواء وكتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله عنهما يا أخي إياك أن تجمع من الدنيا مالا تؤدي شكره فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله امض فقد أديت حق الله في ثم يجاء بصاحب الدنيا الذي لم يطع الله فيها وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله ويلك ألا أديت حق الله في فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور حديث كتب سلمان إلى أبي الدرداء وفيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه الحديث قلت ليس هو من حديث سلمان إنما هو من حديث أبي الدرداء أنه كتب إلى سلمان كذا رواه البيهقي في الشعب وقال بدل الدنيا المال وهو منقطع وكل ما أوردناه في كتاب الزهد والفقر في ذم الغنى ومدح الفقر يرجع جميعه إلى ذم المال فلا نطول بتكريره وكذا كل ما ذكرناه في ذم الدنيا فيتناول ذم المال بحكم العموم لأن المال أعظم أركان الدنيا وإنما نذكر الآن ما ورد في المال خاصة قال صلى الله عليه وسلم إذا مات العبد قالت الملائكة ما قدم وقال الناس ما خلف حديث إذا مات العبد قالت الملائكة ما قدم الحديث أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة يبلغ به وقد تقدم في آداب الصحبة وقال صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا حديث لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا أخرجه الترمذي والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن مسعود بلفظ فترغبوا الآثار روى أن رجلا نال من أبي الدرداء وأراه سوءا فقال اللهم من فعل بي سوءا فأصح جسمه وأطل عمره وأكثر ماله فانظر كيف رأى كثرة المال غاية البلاء مع صحة الجسم وطول العمر لأنه لا بد وأن يفضي إلى الطغيان ووضع علي كرم الله وجهه درهما على كفه ثم قال أما إنك ما لم تخرج عني لا تنفعني وروي أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى زينب بنت جحش بعطائها فقالت ما هذا قالوا أرسل إليك عمر بن الخطاب قالت غفر الله له ثم سلت سترا كان لها فقطعته وجعلته صررا وقسمته في أهل بيتها ورحمها وأيتامها ثم رفعت يديها وقالت اللهم لا يدركني عطاء عمر بعد عامي هذا فكانت أول نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوقا به وقال الحسن والله ما أعز الدرهم أحد إلا أذله الله وقيل إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعهما إبليس ثم وضعهما على جبهته ثم قبلهما وقال من أحبكما فهو عبدي حقا وقال سميط بن عجلان إن الدراهم والدنانير أزمة المنافقين يقادون بها إلى النار وقال يحيى بن معاذ الدرهم عقرب فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه فإنه إن لدغك قتلك سمه قيل وما رقيته قال أخذه من حله ووضعه في حقه وقال العلاء بن زياد تمثلت لي الدنيا وعليها من كل زينة فقلت أعوذ بالله من شرك فقالت إن سرك أن يعيذك الله مني فأبغض الدرهم والدينار وذلك لأن الدرهم والدينار هما الدنيا كلها إذ يتوصل بهما إلى جميع أصنافها فمن صبر عنهما صبر عن الدنيا وفي ذلك قيل إني وجدت فلا تظنوا غيره أن التورع عند هذا الدرهم فإذا قدرت عليه ثم تركته فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم وفي ذلك قيل أيضا لا يغرنك من المر قميص رقعه أو إزار فوق عظم الساق منه رفعه أو جبين لاح فيه أثر قد خلعه أره الدرهم تعرف حبه أو ورعه ويروي عن مسلمة بن عبد الملك أنه دخل على عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند موته فقال يا أمير المؤمنين صنعت صنيعا لم يصنعه أحد قبلك تركت ولدك ليس لهم درهم ولا دينار وكان له ثلاثة عشر من الولد فقال عمر أقعدوني فأقعدوه فقال أما قولك لم أدع لهم دينار ولا درهما فإني لم أمنعهم حقا لهم ولم أعطهم حقا لغيرهم وإنما ولدي أحد رجلين إما مطيع لله فالله كافيه والله يتولى الصالحين وإما عاص لله فلا أبالي على ما وقع وروي أن محمد بن كعب القرظي أصاب مالا كثيرا فقيل له لو ادخرته لولدك من بعدك قال لا ولكني ادخره لنفسي عند ربي وأدخر ربي لولدي ويروى أن رجلا قال لأبي عبد ربه يا أخي لا تذهب بشر وتترك أولادك بخير فأخرج أبو عبد ربه من ماله مائة ألف درهم وقال يحيى بن معاذ مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته قبل وما هما قال يؤخذ منه كله ويسئل عنه كله بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم اعلم أن الله تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال جل وعز إن ترك خيرا الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم المال الصالح للرجل الصالح حديث نعم المال الصالح للرجل الصالح أخرجه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمرو بن العاص بسند صحيح بلفظ نعما وقالا للمرء وكل ما جاء في ثواب الصدقة والحج فهو ثناء على المال إذ لا يمكن الوصول إليهما إلا به وقال تعالى ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وقال تعالى ممتنا على عباده ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا وقال صلى الله عليه وسلم كاد الفقر أن يكون كفرا حديث كاد الفقر أن يكون كفرا أخرجه أبو مسلم الليثي في سننه والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أنس وتقدم في كتاب ذم الغضب وهو ثناء على المال ولا تقف على وجه الجمع بعد الذم والمدح إلا بأن تعرف حكمة المال ومقصوده وآفاته وغوائله حتى ينكشف لك أنه خير من وجه وشر من وجه وأنه محمود من حيث هو خير ومذموم من حيث هو شر فإنه ليس بخير محض ولا شر محض بل هو سبب لأمرين جميعا وما هذا وصفه فيمدح لا محالة تارة ويذم أخرى ولكن البصير المميز يدرك أن المحمود منه غير المذموم وبيانه بالاستمداد مما ذكرناه في كتاب الشكر من بيان الخيرات وتفصيل درجات النعم والقدر المقنع فيه هو أن مقصد الأكياس وأرباب البصائر سعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم والملك المقيم والقصد إلى هذا دأب الكرام والأكياس إذ قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أكرم الناس وأكيسهم فقال أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا حديث من أكرم الناس وأكيسهم قال أكثرهم للموت ذكرا الحديث أخرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ أي المؤمنين أكيس ورواه ابن أبي الدنيا في الموت بلفظ المصنف وإسناده جيد وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا وهي الفضائل النفسية كالعلم وحسن الخلق والفضائل البدنية كالصحة والسلامة والفضائل الخارجة عن البدن كالمال وسائر الأسباب وأعلاها النفسية ثم البدنية ثم الخارجة فالخارجة أخسها والمال من جملة الخارجات وأدناها الدراهم والدنانير فإنهما خادمان ولا خادم لهما ومرادان لغيرهما ولا يرادان لذاتهما إذ النفس هي الجوهر النفيس المطلوب سعادتها وأنها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصلها صفة في ذاتها والبدن يخدم النفس بواسطة الحواس والأعضاء والمطاعم والملابس تخدم البدن وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن ومن المناكح إبقاء النسل ومن البدن تمكيل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخلق ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه وأنه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة كمال النفس الذي هو خير ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده واستعمله لتلك الغاية ملتفتا إليها غير ناس لها فقد أحسن وانتفع وكان ما حصل له الغرض محمودا في حقه فإذا المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح ويصلح أن يتخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة وهي المقاصد الصادة عن سعادة الآخرة وتسد سبيل العلم والعمل فهو إذن محمود مذموم محمود بالإضافة إلى المقصد المحمود ومذموم بالإضافة إلى المقصد المذموم فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر حديث من أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو لا يشعر تقدم قبله بتسعة أحاديث وهو بقية احذروا الدنيا كما ورد به الخبر ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله وكان المال مسهلا لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية فاستعاذ الأنبياء من شره حتى قال نبيا صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا حديث اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا متفق عليه من حديث أبي هريرة فلم يطلب من الدنيا إلا ما يتمحض خيره وقال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين حديث اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا أخرجه الترمذي من حديث أنس وابن ماجه والحاكم وصحح إسناده من حديث أبي سعيد وقد تقدم واستعاذ إبراهيم صلى الله عليه وسلم فقال واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وعنى بها هذين الحجرين الذهب والفضة إذ رتبة النبوة أجل من أن يخشى عليها أن تعتقد الإلهية في شيء من هذه الحجارة إذ قد كفى قبل النبوة مع الصغر وإنما معنا عبادتهما حبهما والاغترار بهما والركون إليهما قال نبيا صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم تعس ولن تعش وإذا شيك فلا إنتفش حديث تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ولم يقل وانتفش وإنما علق آخره بلفظ تعس وانتكس ووصل ذلك ابن ماجه والحاكم فبين أن محبهما عابد لهما ومن عبد حجرا فهو عابد صنم بل كان من كان عبدا لغير الله فهو عابد صنم أي قطعه ذلك عن الله تعالى وعن آداء حقه فهو كعابد صنم وهو شرك إلا أن الشرك شركان شرك خفي لا يوجب الخلود في النار وقلما ينفك عنه المؤمنون فإنه أخفى من دبيب النمل وشرك جلي يوجب الخلود في النار نعوذ بالله من الجميع بيان تفصيل آفات المال وفوائده اعلم أن المال مثل حية فيها سم وترياق ففوائده ترياقه وغوائله سمومه فمن عرف غوائله وفوائده أمكنه أن يحترز من شره ويستدر من خيره أما الفوائد فهي تنقسم إلى دنيوية ودينية أما الدنيوية فلا حاجة إلى ذكرها فإن معرفتها مشهورة مشتركة بين أصناف الخلق ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها وأما الدينية فتنحصر جميعها في ثلاثة أنواع النوع الأول أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة أما في العبادة فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال وهما من أمهات القربات والفقير محروم من فضلهما وأما فيما يقويه على العبادة فذلك هو المطعم والملبس والمسكن والمنكح وضرورات المعيشة فإن هذه الحاجات إذا لم تتيسر كان القلب مصروفا إلى تدبيرها فلا يتفرغ للدين وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة فأخذ الكفاية من الدنيا لأجل الاستعانة على الدين من الفوائد الدينية ولا يدخل في هذا التنعم والزيادة على الحاجة فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط النوع الثاني ما يصرفه إلى الناس وهو أربعة أقسام الصدقة والمروءة ووقاية العرض وأجرة الاستخدام أما الصدقة فلا يخفى ثوابها وإنها لتطفيء غضب الرب تعالى وقد ذكرنا فضلها فيما تقدم وأما المروءة فنعني بها صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وما يجري مجراها فإن هذه لا تسمى صدقة بل الصدقة ما يسلم إلى المحتاج إلا أن هذا من الفوائد الدينية إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء وبه يكتسب صفة السخاء ويلتحق بزمرة الأسخياء فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف ويسلك سبيل المروءة والفتوة وهذا أيضا مما يعظم الثواب فيه فقد وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها وأما وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء وقطع ألسنتهم ودفع شرهم وهو أيضا مع تنجز فائدته بالعاجلة من الحظوظ الدينية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة حديث ما وقى به المرء عرضه به فهو صدقة رواه أبو يعلى من حديث جابر وقد تقدم وكيف لا وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكافئة والانتقام على مجاوزة حدود الشريعة وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين ومن لا مال له فيفتقر إلى أن يتولى بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام وطحنه وكنس البيت حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه وكل ما يتصور أن يقوم به غيرك ويحصل به غرضك فأنت متعوب إذا اشتغلت به إذ عليك من العلم والعمل والذكر والفكر ما لا يتصور أن يقوم به غيرك فتضييع الوقت في غيره خسران النوع الثالث ما لا يصرفه إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام كبناء المساجد والقناطر والرباطات ودور المرضى ونصب الجباب في الطريق وغير ذلك من الأوقاف المرصدة للخيرات وهي من الخيرات المؤبدة الدارة بعد الموت المستجلبة بركة أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية وناهيك بها خيرا فهذه جملة فوائد المال في الدين سوى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق وكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء والوقار والكرامة في القلوب فكل ذلك مما يقتضيه المال من الحظوظ الدنيوية وأما الآفات فدينية ودنيوية وأما الدينية فثلاث الأولى أن تجر إلى المعاصي فإن الشهوات متفاضلة والعجز قد يحول بين المرء والمعصية ومن العصمة أن لا يجد ومهما كان الإنسان آيسا عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته فإذا استشعر القدرة عليها انبعثت داعيته والمال نوع من القدرة يحرك داعية المعاصي وارتكاب الفجور فإن اقتحم ما اشتهاه هلك وإن صبر وقع في شدة إذ الصبر مع القدرة أشد وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء الثانية أنه يجر إلى التنعم في المباحات وهذا أول الدرجات فمتى يقدر صاحب المال على أن يتناول خبز الشعير ويلبس الثوب الخشن ويترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام في ملكه فأحسن أحواله أن لا يتنعم بالدنيا ويمرن عليها نفسه فيصير التنعم مألوفا عنده ومحبوبا لا يصبر عنه ويجره البعض منه إلى البعض فإذا اشتد أنسه به ربما لا يقدر على التوصل إليه بالكسب الحلال فيقتحم الشبهات ويخوض في المراءاة والمداهنة والكذب والنفاق وسائر الأخلاق الرديئة لينتظم له أمر دنياه ويتيسر له تنعمه فإن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس ومن احتاج إلى الناس فلا بد وأن ينافقهم ويعصي الله في طلب رضاهم فإن سلم الإنسان من الآفة الأولى وهي مباشرة الحظوظ فلا يسلم عن هذه أصلا ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة وينشأ عنه الحسد والحقد والرياء والكبر والكذب والنميمة والغيبة وسائر المعاصي التي تخص القلب واللسان ولا يخلو عن التعدي أيضا إلى سائر الجوارح وكل ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه الثالثة وهي التي لا ينفك عنها أحد وهو أنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله تعالى وكل ما شغل العبد عن الله فهو خسران ولذلك قال عيسى عليه الصلاة والسلام في المال ثلاث آفات أن يأخذه من غير حله فقيل إن أخذه من حله فقال يضعه في غير حقه فقيل إن وضعه في حقه فقال يشغله إصلاحه عن الله تعالى وهذا هو الداء العضال فإن أصل العبادات ومخها وسرها ذكر الله والتفكر في جلاله وذلك يستدعي قلبا فارغا وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته وفي خصومة الشركاء ومنازعتهم في المال والحدود وخصومة أعوان السلطان في الخراج وخصومة الأجراء على التقصير في العمارة وخصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل وتضييعه للمال وكذلك صاحب المواشي وهكذا سائر أصناف الأموال وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنوز تحت الأرض ولا يزال الفكر مترددا فيما يصرف إليه وفي كيفية حفظه وفي الخوف مما يعثر عليه وفي دفع أطماع الناس عنه وأودية أفكار الدنيا لا نهاية لها والذي معه قوت يومه في سلامة من جميع ذلك فهذه جملة الآفات الدنيوية سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف والحزن والغم والهم والتعب في دفع الحساد وتجشم المصاعب في حفظ المال وكسبه فإذن ترياق المال أخذ القوت منه وصرف الباقي إلى الخيرات وما عدا ذلك سموم وآفات نسأل الله تعالى السلامة وحسن العون بلطفه وكرمه أنه على ذلك قدير بيان ذم الحرص والطمع ومدح القناعة واليأس مما في أيدي الناس اعلم أن الفقر محمود كما أوردناه في كتاب الفقر ولكن ينبغي أن يكون الفقير قانعا منقطع الطمع عن الخلق غير ملتفت إلى ما في أيديهم ولا حريصا على اكتساب المال كيف كان ولا يمكنه ذلك إلا بأن يقنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس والمسكن ويقتصر على أقله قدرا وأخسه نوعا ويرد أمله إلى يومه أو إلى شهره ولا يشغل قلبه بما بعد شهر فإن تشوق إلى الكثير أو طول أمله فاته عز القناعة وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص وجره الحرص والطمع إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب حديث لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا الحديث متفق عليه من حديث ابن عباس وأنس وعن أبي واقد الليثي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى أليه أتيناه يعلمنا مما أوحى إليه فجئته ذات يوم فقال إن الله عز وجل يقول إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولو كان لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له ثان ولو كان له الثاني لأحب أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب حديث أبي واقد الليثي إن الله عز وجل يقول إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الحديث أخرجه أحمد والبيهقي في الشعب بسند صحيح وقال أبو موسى الأشعري نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب حديث أبي موسى نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم لو أن لابن آدم واديين من مال الحديث أخرجه مسلم مع اختلاف دون قوله إن الله يؤيد هذا الدين ورواه بهذه الزيادة الطبراني وفيه علي بن زيد متكلم فيه وقال صلى الله عليه وسلم منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال حديث منهومان لا يشبعان الحديث أخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الأمل وحب المال أو كما قال حديث يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الحديث متفق عليه من حديث أنس ولما كانت هذه جبلة للآدمي مضلة وغريزة مهلكة أثنى الله تعالى ورسوله على القناعة فقال صلى الله عليه وسلم طوبي لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به حديث طوبى لمن هدي للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به أخرجه الترمذي وصححه والنسائي في الكبرى من حديث فضالة ابن عبيد ولمسلم من حديث عبد الله بن عمر وقد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه وقال صلى الله عليه وسلم ما من أحد فقير ولا غني إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي قوتا في الدنيا حديث ما من أحد غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أنه كان أوتي في الدنيا قوتا أخرجه ابن ماجه من رواية نفيع بن الحارث عن أنس ونفيع ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس حديث ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى النفس متفق عليه من حديث أبي هريرة ونهى عن شدة الحرص والمبالغة في الطلب فقال أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة حديث ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له أخرجه الحاكم من حديث جابر بنحوه وصحح إسناده وقد تقدم في آداب الكسب والمعاش وروي أن موسى عليه السلام سأل ربه تعالى فقال أي عبادك أغنى قال أقنعهم مما أعطيته قال فأيهم أعدل قال من أنصف من نفسه وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن روح القدس نفث في روعي إن نفس لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب حديث ابن مسعود إن روح القدس نفث في روعي إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في القناعة والحاكم مع اختلاف وقد تقدم فيه وقال أبو هريرة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة إذا اشتد بك الجوع فعليك برغيف وكوز من ماء وعلى الدنيا الدمار وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا حديث أبي هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس الحديث أخرجه ابن ماجه وقد تقدم ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطمع فيما رواه أبو أيوب الأنصاري أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عظني وأوجز فقال إذا صليت فصل صلاة مودع ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا وأجمع اليأس مما في أيدي الناس حديث أبي أيوب إذا صليت فصل صلاة مودع ولا تحدثن بحديث تعتذر منه وأجمع اليأس مما في أيدي الناس أخرجه ابن ماجه وتقدم في الصلاة وللحاكم نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص وقال صحيح الإسناد وقال عوف بن مالك الأشجعي كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع أو ثمانية أو سبعة فقال ألا تبايعون رسول الله قلنا أو ليس قد بايعناك يا رسول الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله فبسطنا أيدينا فبايعناه فقال قائل منا قد بايعناك فعلى ماذا نبايعك قال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وتصلوا الخمس وأن تسمعوا وتطيعوا وأسر كلمة خفية ولا تسألوا الناس شيئا حديث عوف بن مالك كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أو ثمانية أو تسعة فقال ألا تبايعون الحديث وفيه ولا تسألوا الناس أخرجه مسلم من حديثه ولم يقل فقال قائل ولا قال تسمعوا وقال سوط أحدهم وهي عند أبي داود وابن ماجه كما ذكرها المصنف قال فلقد كان بعض أولئك النفر يسقط سوطه فلا يسأل أحدا أن يناوله إياه الآثار قال عمر رضي الله عنه إن الطمع فقر وإن اليأس غنى وإنه من ييأس عما في أيدي الناس استغنى عنهم وقيل لبعض الحكماء ما الغنى قال قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك وفي ذلك قيل العيش ساعات تمر وخطوب أيام تكر اقنع بعيشك ترضه واترك هواك تعيش حر فلرب حتف ساقه ذهب وياقوت ودر وكان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد وقال سفيان خير دنياكم ما لم تبتلوا به وخير ما ابتليتم به ما خرج من أيديكم وقال ابن مسعود ما من يوم إلا وملك ينادي يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك وقال سميط بن عجلان إنما بطنك يابن آدم شبر في شبر فلم يدخلك النار وقيل لحكيم ما مالك قال التجمل في الظاهر والقصد في الباطن واليأس مما في أيدي الناس ويروى أن الله عز وجل قال يا ابن آدم لو كانت الدنيا كلها لك لم يكن لك منها إلا القوت وإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على غيرك فأنا إليك محسن وقال ابن مسعود إذا طلب أحدكم الحاجة فليطلبها طلبا يسيرا ولا يأتي الرجل فيقول إنك وإنك فيقطع ظهره فإنما يأتيه ما قسم له من الرزق أو ما رزق وكتب بعض بني أمية إلى أبي حازم يعزم عليه إلا رفع إليه حوائجه فكتب إليه قد رفعت حوائجي إلى مولاي فما أعطاني منها قبلت وما أمسك عني قنعت وقيل لبعض الحكماء أي شيء أسر للعاقل وأيما شيء أعون على دفع الحزن فقال أسرها إليه ما قدم من صالح العمل وأعونها له على دفع الحزن الرضا بمحتوم القضاء وقال بعض الحكماء وجدت أطول الناس غما الحسود وأهنأهم عيشا القنوع وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع وأخفضهم عيشا أرفضهم للدنيا وأعظمهم ندامة العالم المفرط وفي ذلك قيل أرفه ببال فتى أمسى على ثقة أن الذي قسم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون لا يدنسه والوجه منه جديد ليس يخلقه إن القناعة من يحلل بساحتها لم يلق في دهره شيئا يؤرقه وقد قيل أيضا حتى متى أنا في حل وترحال وطول سعي وإدبار وإقبال ونازح الدار لا أنفك مغتربا عن الأحبة لا يدرون ما حالي بمشرق الأرض طورا ثم مغربها لا يخطر الموت من حرصي على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعه إن القنوع الغني لا كثرة المال وقال عمر رضي الله عنه ألا أخبركم بما أستحل من مال الله تعالى حلتان لشتائي وقيظي وما يسعني من الظهر لحجي وعمرتي وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم فوالله ما أدري أيحل ذلك أم لا كأنه شك في أن هذا القدر هل هو زيادة على الكفاية التي تجب القناعة بها وعاتب أعرابي أخاه على الحرص فقال يا أخي أنت طالب ومطلوب يطلبك من لا تفوته وتطلب أنت ما قد كفيته وكأن ما غاب عنك قد كشف لك وما أنت فيه قد نقلت عنه كأنك يا أخي لم تر حريصا محروما وزاهدا مرزوقا وفي ذلك قيل أراك يزيدك الإثراء حرصا على الدنيا كأنك لا تموت فهل لك غاية إن صرت يوما إليها قلت حسبي قد رضيت وقال الشعبي حكى أن رجلا صاد قنبرة فقالت ما تريد أن تصنع بي قال أذبحك وآكلك قالت والله ما أشفى من قرم ولا أشبع من جوع ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي أما واحدة فأعلمك وأنا في يدك وأما الثانية فإذا صرت على الشجرة وأما الثالثة فإذا صرت على الجبل قالت هات الأولى قالت لا تلهفن على ما فاتك فخلاها فلما صارت على الشجرة قال هات الثانية لا تصدقن بما لا يكون أنه يكون ثم طارت فصارت على الجبل فقالت يا شقي لو ذبحتني لأخرجت من حوصلتي درتين زنة كل درة عشرون مثقالا قال فعض على شفته وتلهف وقال هات الثالثة قالت أنت قد نسيت اثنتين فكيف أخبرك بالثالثة ألم أقل لك لا تلهفن على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون أن يكون أنا لحمي ودمي وريشي لا يكون عشرين مثقالا فكيف يكون في حوصلتي درتان كل واحدة عشرون مثقالا ثم طارت فذهبت وهذا مثال لفرط طمع الآدمي فإنه يعميه عن درك الحق حتى يقدر ما لا يكون أنه يكون وقال ابن السماك إن الرجاء حبل في قلبك وقيد في رجلك فأخرج الرجاء من قلبك يخرج القيد من رجلك وقال أبو محمد اليزيدي دخلت على الرشيد فوجدته ينظر في ورقة مكتوب فيها بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير المؤمنين قال نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما وقد أضفت إليهما ثالثا وأنشدني إذا سد باب عنك من دون حاجة فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها ولا تك مبذالا لعرضك واجتنب ركوب المعاصي يجتنبك عقابها وقال عبد الله بن سلام لكعب ما يذهب العلوم من قلوب العلماء إذ وعوها وعقلوها قال الطمع وشره النفس وطلب الحوائج وقال رجل للفضيل فسر لي قول كعب قال يطمع الرجل في الشيء يطلبه فيذهب عليه دينه وأما الشره فشره النفس في هذا حتى لا تحب أن يفوتها شيء ويكون لك إلى هذا حاجة وإلى هذا حاجة فإذا قضاها لك خرم أنفك وقادك حيث شاء واستمكن منك وخضعت له فمن حبك للدنيا سلمت عليه إذا مررت به وعدته إذا مرض لم تسلم عليه لله عز وجل ولم تعده لله فلو لم يكن لك إليه حاجة كان خيرا لك ثم قال هذا خير لك من مائة حديث عن فلان عن فلان قال بعض الحكماء من عجيب أمر الإنسان أنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة التمتع وتوقع الزوال وقال عبد الواحد بن زيد مررت براهب فقلت له من أين تأكل قال من بيدر اللطيف الخبير الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين وأومأ بيده إلى رحا أضراسه فسبحان القدير الخبير بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي يكتسب به صفة القناعة اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان الصبر والعلم والعمل ومجموع ذلك خمسة أمور الأول وهو العمل الاقتصاد في المعيشة والرفق في الإنفاق فمن أراد عز القناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخروج ما أمكنه ويرد نفسه إلا ما لا بد له منه فمن كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن ويقنع بأي طعام كان ويقلل من الإدام ما أمكنه ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيرد كل واحد إلى هذا القدر فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد ويمكن معه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة وهو الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الرفق الأمر كله حديث إن الله يحب الرفق في الأمر كله متفق عليه من حديث عائشة وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم ما عال من اقتصد حديث ما عال من اقتصد أخرجه أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود ورواه من حديث ابن عباس بلفظ مقتصد وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب حديث ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب أخرجه البزار والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند ضعيف وروي أن رجلا أبصر أبا الدرداء يلتقط حبا من الأرض وهو يقول إن من فقهك رفقك في معيشتك وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءا من النبوة حديث ابن عباس الاقتصاد وحسن السمت والهدى الصالح جزء من بعض وعشرين جزءا من النبوة أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس مع تقديم وتأخير وقال السمت الصالح وقال من خمسة وعشرين ورواه الترمذي وحسنه من حديث عبد الله بن سرجس وقال التؤدة بدل الهدي الصالح وقال من أربعة وفي الخبر التدبير نصف المعيشة حديث التدبير نصف المعيشة رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس وفيه خلاد بن عيسى جهله العقيلي ووثقه ابن معين وقال صلى الله عليه وسلم من اقتصد أغناه الله ومن بذر أفقره الله ومن ذكر الله عز وجل أحبه الله حديث من اقتصد أغناه الله الحديث أخرجه البزار من حديث طلحة بن عبيد الله دون قوله ومن ذكر الله أحبه الله وشيخه فيه عمران بن هارون البصري قال الذهبي شيخ لا يعرف حاله أتى بخبر منكر أي هذا الحديث ولأحمد وأبي يعلى في حديث لأبي سعيد ومن أكثر من ذكر الله أحبه الله وقال صلى الله عليه وسلم إذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا حديث ذا أردت أمرا فعليك بالتؤدة حتى يجعل الله فيه فرجا ومخرجا رواه ابن المبارك في البر والصلة وقد تقدم والتؤدة في الإنفاق من أهم الأمور الثاني أنه إذا تيسر له في الحال ما يكفيه فلا ينبغي أن يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل ويعينه على ذلك قصر الأمل والتحقق بأن الرزق الذي قدر له لا بد وأن يأتيه وإن لم يشتد حرصه فإن شدة الحرص ليست هي السبب لوصول الأرزاق بل ينبغي أن يكون واثقا بوعد الله تعالى إذ قال عز وجل وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول إن لم تحرص على الجمع والادخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفا من الفقر ويضحك عليه في احتماله التعب نقدا مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال وربما لا يكون وفي مثله قيل ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافه فقر فالذي فعل الفقر وقد دخلا ابنا خالد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشر ثم يرزقه الله تعالى حديث لا تيأسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما الحديث رواه ابن ماجه من حديث حبة وسواء ابني خالد وقد تقدم ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن مسعود وهو حزين فقال له لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك حديث لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك قاله لابن مسعود أخرجه أبو نعيم من حديث خالد بن رافع وقد اختلف في صحبته ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب من رواية مالك بن عمرو المغافري مرسلا وقال صلى الله عليه وسلم ألا أيها الناس أجملوا في الطلب فإنه ليس لعبد إلا ما كتب له ولن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ما كتب له من الدنيا وهي راغمة حديث ألا أيها الناس أجملوا في الطلب الحديث تقدم قبل هذا بثلاثة عشر حديثا ولا ينفك الإنسان عن الحرص إلا بحسن ثقته بتدبير الله تعالى في تقدير أرزاق العباد وأن ذلك يحصل لا محالة مع الإجمال في الطلب بل ينبغي أن يعلم أن رزق الله للعبد من حيث لا يحتسب أكثر قال الله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فإذا انسد عليه باب كان ينتظر الرزق منه فلا ينبغي أن يضطرب قلبه لأجله وقال صلى الله عليه وسلم أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب حديث أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بإسناد رواه ورواه ابن الجوزي في الموضوعات وقال سفيان اتق الله فما رأيت تقيا محتاجا أي لا يترك التقى فاقدا لضرورته بل يلقى الله في قلوب المسلمين أن يوصلوا إليه رزقه وقال المفضل الضبي قلت لأعرابي من أين معاشك قال نذر الحاج قلت فإذا صدروا فبكى وقال لو لم نعش إلا من حيث ندري لم نعش وقال أبو حازم رضي الله عنه وجدت الدنيا شيئين شيئا منهما هو لي فلن أعجله قبل وقته ولو طلبته بقوة السماوات والأرض وشيئا منهما هو لغيري فلذلك لم أنله فيما مضى فلا أرجوه فيما بقي يمنع الذي لغيري مني كما يمنع الذي لي من غيري ففي أي هذين أفنى عمري فهذا دواء من جهة المعرفة لا بد منه لدفع تخويف الشيطان وإنذاره بالفقر الثالث أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء وما في الحرص والطمع من الذل فإذا تحقق عنده ذلك انبعثت رغبته إلى القناعة لأنه في الحرص لا يخلو من تعب وفي الطمع لا يخلو من ذل وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات والفضول وهذا ألم لا يطلع عليه أحد إلا الله وفيه ثواب الآخرة وذلك مما يضاف إليه نظر الناس وفيه الوبال والمأثم ثم يفوته عز النفس والقدرة على متابعة الحق فإن من كثر طعمه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحق ويلزمه المداهنة وذلك يهلك دينه ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان قال صلى الله عليه وسلم عز المؤمن استغناؤه عن الناس حديث عز المؤمن استغناؤه عن الناس أخرجه الطبراني في الأوسط والحاكم وصحح إسناده وأبو الشيخ في كتاب الثواب وأبو نعيم في الحلية من حديث سهل بن سعد أن جبريل قاله للنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء حديث وفيه زفر بن سليمان عن محمد بن عيينة وكلاهما مختلف فيه وجعله القضاعي في مسند الشهاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم ففي القناعة الحرية والعز ولذلك قيل استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره الرابع أن يكثر تأمله في تنعم اليهود والنصارى وأراذل الناس والحمقى من الأكراد والأعراب الأجلاف ومن لا دين لهم ولا عقل ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والأولياء وإلى سمت الخلفاء الراشدين وسائر الصحابة والتابعين ويستمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم ويخير عقله بين أن يكون على مشابهة أراذل الناس أو على الاقتداء بمن هو أعز أصناف الخلق عند الله حتى يهون عليه بذلك الصبر على الضنك والقناعة باليسير فإنه إن تنعم في البطن فالحمار أكثر أكلا منه وإن تنعم في الوقاع فالخنزير أعلى رتبة منه وإن تزين في الملبس والحلي ففي اليهود من هو أعلى زينة منه وإن قنع بالقليل ورضي به لم يساهمه في رتبته إلا الأنبياء والأولياء الخامس أن يفهم ما في جمع المال من الخطر كما ذكرنا في آفات المال وما فيه من خوف السرقة والنهب والضياع وما في خلو اليد من الأمن والفراغ ويتأمل ما ذكرناه في آفات المال مع ما يفوته من المدافعة عن باب الجنة إلى خمسمائة عام فإنه إذا لم يقنع مما يكفيه ألحق بزمرة الأغنياء وأخرج من جريدة الفقراء ويتم ذلك بأن ينظر أبدا إلى من دونه في الدنيا لا إلى من فوقه فإن الشيطان أبدا يصرف نظره في الدنيا إلى من فوقه فيقول لم تفتر عن الطلب وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس ويصرف نظره في الدين إلى من دونه فيقول ولم تضيق على نفسك وتخاف الله وفلان أعلم منك وهو لا يخاف الله والناس كلهم مشغولون بالتنعم فلم تريد أن تتميز عنهم قال أبو ذر أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو دوني لا إلا من هو فوقي حديث أبي ذر أوصاني خليلي صلوات الله عليه أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر لمن هو فوقي أخرجه أحمد وابن حبان في أثناء حديث وقد تقدم أي في الدنيا وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نظر أحدكم إلى من فضله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه حديث أبي هريرة إذا نظر أحدكم إلى من فضله الله عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه متفق عليه وقد تقدم فبهذه الأمور يقدر على اكتساب خلق القناعة وعماد الأمر الصبر وقصر الأمل وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل للتمتع دهرا طويلا فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لشدة طعمه في انتظار الشفاء بيان فضيلة السخاء اعلم إن المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة وقلة الحرص وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار والسخاء واصطناع المعروف والتباعد عن الشح والبخل فإن السخاء من أخلاق الأنبياء عليهم السلام وهو أصل من أصول النجاة وعنه عبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية إلى الأرض فمن أخذ بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة حديث السخاء شجرة في الجنة الحديث أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث عائشة وابن عدي والدارقطني في المستجاد من حديث أبي هريرة وسيأتي بعده وأبو نعيم من حديث جابر وكلاهما ضعيف ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من حديثهم ومن حديث الحسين وأبي سعيد وقال جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى إن هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه بهما ما استطعتما حديث جابر مرفوعا حكاية عن جبريل عن الله تعالى إن هذا دين رضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق أخرجه الدارقطني في المستجاد وقد تقدم وفي رواية فأكرموه بهما ما صحبتموه وعن عائشة الصديقية رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جبل الله تعالى وليا له إلا على حسن الخلق والسخاء حديث عائشة ما جبل الله تعالى وليا له إلا على السخاء وحسن الخلق أخرجه الدارقطني في المستجاد دون قوله وحسن الخلق بسند ضعيف ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات وذكره بهذه الزيادة ابن عدي من رواية بقية عن يوسف بن أبي السفر عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة ويوسف ضعيف جدا وعن جابر قال قيل يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال الصبر والسماحة حديث جابر أي الإيمان أفضل قال الصبر والسماحة أخرجه أبو يعلى وابن حبان في الضعفاء بلفظ سئل عن الإيمان وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفه الجمهور ورواه أحمد من حديث عائشة وعمرو بن عنبسة بلفظ ما الإيمان قال الصبر والسماحة وفيه شهر بن حوشب ورواه البيهقي في الزهد بلفظ أي الأعمال أفضل قال الصبر والسماحة وحسن الخلق وإسناده صحيح وقال عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقان يحبهما الله عز وجل وخلقان يبغضهما الله عز وجل فأما اللذان يحبهما الله تعالى فحسن الخلق والسخاء وأما اللذان يبغضهما الله فسوء الخلق والبخل وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس حديث عبد الله بن عمرو خلقان يحبهما الله وخلقان يبغضهما الله فأما اللذان يحبهما الله فحسن الخلق والسخاء الحديث أخرجه أبو منصور الديلمي دون قوله في آخره وإذا أراد الله بعبد خيرا وقال فيه الشجاعة بدل حسن الخلق وفيه محمد بن يونس الكديمي كذبه أبو داود وموسى بن هارون وغيرهما ووثقه الخطيب وروى الأصفهاني جميع الحديث موقوفا على عبد الله بن عمرو وروى الديلمي أيضا من حديث أنس إذا أراد الله بعبده خيرا صير حوائج الناس إليه وفيه يحيى بن شبيب ضعفه ابن حبان وروى المقدام بن شريح عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال إن موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام حديث المقدام بن شريح عن أبيه عن جده إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام أخرجه الطبراني بلفظ بذل السلام وحسن الكلام وفي رواية له يوجب الجنة إطعام الطعام وإفشاء السلام وفي رواية له عليك بحسن الكلام وبذل الطعام وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه ذلك الغصن حتى يدخله الجنة حديث أبو هريرة السخاء شجرة في الجنة الحديث وفيه والشح شجرة في النار الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وفيه عبد العزيز ابن عمران الزهري ضعيف جدا وقال أبو سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم فإني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم فإن جعلت فيهم سخطي حديث أبي سعيد يقول الله تعالى اطلبوا الفضل من الرحماء من عبادي تعيشوا في أكنافهم الحديث أخرجه ابن حبان في الضعفاء والخرائطي في مكارم الأخلاق والطبراني في الأوسط وفيه محمد بن مروان السدي الصغير ضعيف ورواه العقيلي في الضعفاء فجعله عبد الرحمن السدي وقال إنه مجهول وتابع محمد بن مروان السدي عليه عبد الملك ابن الخطاب وقد غمزه ابن القطان وتابعه عليه عبد الغفار بن الحسن بن دينار قال فيه أبو حاتم لا بأس بحديثه وتكلم فيه الجوزجاني والأزدي ورواه الحاكم من حديث علي وقال إنه صحيح الإسناد وليس كما قال وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر حديث ابن عباس تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر أخرجه الطبراني في الأوسط والخرائطي في مكارم الأخلاق وقال الخرائطي أقيلوا السخي زلته وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه ورواه الطبراني فيه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود نحوه بإسناد ضعيف ورواه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الدارقطني وقال ابن مسعود قال صلى الله عليه وسلم الزرق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير وإن الله تعالى لباهي بمطعم الطعام الملائكة عليهم السلام حديث ابن مسعود الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير الحديث لم أجده من حديث ابن مسعود ورواه ابن ماجه من حديث أنس ومن حديث ابن عباس بلفظ الخير أسرع إلى البيت الذي يغشى وفي حديث ابن عباس يؤكل فيه عن الشفرة إلى سنام البعير ولأبي الشيخ في كتاب الثواب من حديث جابر الرزق إلى أهل البيت الذي فيه السخاء الحديث وكلها ضعيفة وقال صلى الله عليه وسلم إن الله جواد يحب الجود ويحب مكارم الأخلاق ويكره سفسافها حديث إن الله جواد يجب الجود ويحب معالي الأمور ويكره سفسافها أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث طلحة بن عبيد الله ابن كريز وهذا مرسل وللطبراني في الكبير والأوسط والحاكم والبيهقي من حديث سهل بن سعد إن الله كريم يحب الكرم ويحب معالي الأمور وفي الكبير والبيهقي معالي الأخلاق الحديث وإسناده صحيح وتقدم آخر الحديث في أخلاق النبوة وقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل على الإسلام شيئا إلا أعطاه وأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة حديث أنس لم يسأل عن الإسلام شيئا إلا أعطاه فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين الحديث أخرجه مسلم وتقدم في أخلاق النبوة وقال ابن عمر قال صلى الله عليه وسلم إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد فمن بخل بتلك المنافع على العباد نقلها الله تعالى عنه وحولها إلى غيره حديث ابن عمر إن لله عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد الحديث أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وأبو نعيم وفيه محمد بن حسان السمتي وفيه لين ووثقه ابن معين يرويه عن أبي عثمان عبد الله بن زيد الحمصي ضعفه الأزدي وعن الهلالي قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلا فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يا رسول الله الرب واحد والدين واحد والذنب واحد فما بال هذا من بينهم فقال صلى الله عليه وسلم نزل علي جبريل فقال اقتل هؤلاء واترك هذا فإن الله تعالى شكر له سخاء فيه حديث الهلالي أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأسرى من بني العنبر فأمر بقتلهم وأفرد منهم رجلا الحديث وفيه فإن الله شكر له سخاء فيه لم أجد له أصلا وقال صلى الله عليه وسلم إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح حديث إن لكل شيء ثمرة وثمرة المعروف تعجيل السراح لم أقف له على أصل وعن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء حديث نافع عن ابن عمر طعام الجواد دواء وطعام البخيل داء أخرجه ابن عدي والدارقطني في غرائب مالك وأبو علي الصدفي في عواليه رجاله ثقات أئمة قال ابن القطان ومنهم لمشاهير ثقات إلا مقدام بن داود فإن أهل مصر تكلموا فيه وقال صلى الله عليه وسلم من عظمت نعمة الله عنده عظمت مؤنة الناس عليه حديث من عظمت نعمة الله عليه عظمت مؤنة الناس عليه رواه ابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث معاذ بلفظ ما عظمت نعمة الله على عبد إلا ذكره وفيه أحمد بن مهران قال أبو حاتم مجهول والحديث باطل ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمر بإسناد منقطع وفيه حليس بن محمد أحد المتروكين ورواه العقيلي من حديث ابن عباس قال ابن عدي يروى من وجوه كلها غير محفوظة فمن لم يحتمل تلك المؤنة عرض تلك النعمة للزوال وقال عيسى عليه السلام استكثروا من شيء لا تأكله النار وقيل وما هو قال المعروف وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة دار الأسخياء حديث عائشة الجنة دار الأسخياء أخرجه ابن عدي والدارقطني في المستجاد والخرائطي قال الدارقطني لا يصح ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الموضوعات وقال الذهبي حديث منكر ما آفته سوى جحدر قلت رواه الدارقطني فيه من طريق آخر وفيه محمد بن الوليد الموقري وهو ضعيف جدا وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار وإن البخيل بعيد من الله من الناس بعيد من الجنة قريب من النار وجاهل سخي أحب إلى الله من عالم بخيل وأدوأ الداء البخل حديث أبي هريرة إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة الحديث أخرجه الترمذي وقال غريب ولم يذكر فيه وأدوأ الداء البخل ورواه بهذه الزيادة الدارقطني فيه وقال صلى الله عليه وسلم اصنع المعروف إلى من هو أهله وإلى من ليس بأهله فإن أصبت أهله فقد أصبت أهله وإن لم تصب أهله فأنت من أهله حديث اصنع المعروف إلى أهله وإلى من ليس من أهله أخرجه الدارقطني في المستجاد من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرسلا وتقدم في آداب المعيشة وقال صلى الله عليه وسلم إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام ولكن دخلوها بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للمسلمين حديث إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام ولكن دخلوها بسماحة الأنفس الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد وأبو بكر بن لال في مكارم الأخلاق من حديث أنس وفيه محمد بن عبد العزيز المبارك الدينوي أورد ابن عدي له مناكير وفي الميزان أنه ضعيف منكر الحديث ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد نحوه وفيه صالح المري متكلم فيه وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى البلدة الجدبة فيحييها ويحيى به أهلها حديث أبي سعيد إن الله جعل للمعروف وجوها من خلقه حبب إليهم المعروف الحديث أخرجه الدارقطني في المستجاد من رواية أبي هارون العبدي عنه وأبي هارون ضعيف ورواه الحاكم من حديث علي وصححه وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفس وأهله كتب له صدقة وما وقى به الرجل عرضه فهو له صدقة وما أنفق الرجل من نفقه فعلى الله خلفها حديث كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة الحديث أخرجه ابن عدي والدارقطني في المستجاد والخرائطي والبيهقي في الشعب من حديث جابر وفيه عبد الحميد بن الحسن الهلالي وثقه ابن معين وضعفه الجمهور والجملة الأولى منه عند البخاري من حديث جابر وعند مسلم من حديث حذيفة وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله الله يحب إغاثة اللهفان حديث كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان أخرجه الدارقطني في المستجاد من رواية الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والحجاج ضعيف وقد جاء مفرقا فالجملة الأولى تقدمت قبله والجملة الثانية تقدمت في العلم من حديث أنس وغيره والجملة الثالثة رواها أبو يعلى من حديث أنس أيضا وفيها زياد النميري ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم كل معروف فعلته إلى غني أو فقير صدقة حديث كل معروف فعلته إلى غني أو فقير صدقة أخرجه الدارقطني فيه من حديث أبي سعيد وجابر والطبراني والخرائطي كلاهما في مكارم الأخلاق من حديث ابن مسعود وابن منبع من حديث ابن عمر بإسنادين ضعيفين وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام لا تقتل السامري فإنه سخي وقال جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم قيس تسع ركائب فحدثوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال صلى الله عليه وسلم إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت حديث جابر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا عليهم قيس بن سعد بن عبادة فجهدوا فنحر لهم الحديث وفيه فقال إن الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت أخرجه الدارقطني فيه من رواية أبي حمزة الحميري عن جابر ولا يعرف اسمه ولا حاله الآثار قال علي كرم الله وجهه إذا أقبلت عليك الدنيا فأنفق منها فإنها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنها لا تبقى وأنشد لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله عنهم عن المروءة والنجدة والكرم فقال أما المروءة فحفظ الرجل دينه وحذره نفسه وحسن قيامه بضيفه وحسن المنازعة والإقدام في الكراهية وأما النجدة فالذب عن الجار والصبر في المواطن وأما الكرم فالتبرع بالمعروف قبل السؤال والإطعام في المحل والرأفة بالسائل مع بذل النائل ورفع رجل إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما رقعة فقال حاجتك مقضية فقيل له يا ابن رسول الله لو نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ذلك فقال يسألني الله عز وجل عن ذل مقامه بين يدي حتى أقرأ رقعته وقال ابن السماك عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه وسئل بعض الأعراب من سيدكم فقال من احتمل شتمنا وأعطى سائلنا وأغضى عن جاهلنا وقال علي بن الحسين رضي الله عنهما من وصف ببذل ما له لطلابه لم يكن سخيا وإنما السخي من يبتديء بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حب الشكر له إذا كان يقينه بثواب الله تعالى تاما وقيل للحسن البصري ما السخاء فقال أن تجود بمالك في الله عز وجل قيل فما الحزم قال أن تمنع مالك فيه قيل فما الإسراف قال الإنفاق لحب الرياسة وقال جعفر الصادق رحمة الله عليه لا مال أعون من العقل ولا مصيبة أعظم من الجهل ولا مظاهرة كالمشاورة ألا وإن الله عز وجل يقول إني جواد كريم لا يجاورني لئيم واللؤم من الكفر وأهل الكفر في النار والجود والكرم من الإيمان وأهل الإيمان في الجنة وقال حذيفة رضي الله عنه رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة بسماحته وروي أن الأحنف بن قيس رأى رجلا في يده درهم فقال لمن هذا الدرهم فقال لي فقال أما إنه ليس لك حتى يخرج من يدك وفي معناه قيل أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك وسمى واصل بن عطاء الغزال لأنه كان يجلس إلى الغزالين فإذا رأى امرأة ضعيفة أعطاها شيئا وقال الأصمعي كتب الحسن بن علي إلى الحسين بن علي رضوان الله عليهم يعتب عليه في إعطاء الشعراء فكتب إليه خير المال ما وقى به العرض وقيل لسفيان بن عيينة ما السخاء قال السخاء البر بالإخوان والجود بالمال قال وورث أبي خمسين ألف درهم فبعث بها صررا إلى إخوانه وقال قد كنت أسأل الله تعالى لأخواني الجنة في صلاتي أفأبخل عليهم بالمال وقال الحسن بذل المجهود في بذل الموجود منتهى الجود وقيل لبعض الحكماء من أحب الناس إليك قال من كثرت أياديه عندي قيل فإن لم يكن قال من كثرت أيادي عنده وقال عبد العزيز بن مروان إذا الرجل أمكنني من نفسه حتى أضع معروفي عنده فيده عندي مثل يدي عنده وقال المهدي لشبيب بن شبة كيف رأيت الناس في داري فقال يا أمير المؤمنين إن الرجل منهم ليدخل راجيا ويخرج راضيا وتمثل متمثل عند عبد الله بن جعفر فقال إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع فإذا اصطنعت صنيعة فاعمد بها لله أو لذوي القرابة أو دع فقال عبد الله بن جعفر إن هذين البيتين ليبخلان الناس ولكن أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام كانوا له أهلا وإن أصاب اللئام كنت له أهلا حكايات الأسخياء عن محمد بن المنكدر عن أم درة وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها قالت إن معاوية بعث إليها بمال في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس فلما أمست قالت يا جارية هلم فطوري فجاءتها بخبز وزيت فقالت لها أم درة ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه فقالت لو كنت ذكرتيني لفعلت وعن أبان بن عثمان قال أراد رجل أن يضار عبيد الله بن عباس فأتى وجوه قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم فأتوه حتى ملؤا عليه الدار فقال ما هذا فأخبر الخبر فأمر عبيد الله بشراء فاكهة وأمر قوما فطبخوا وخبزوا وقدمت الفاكهة إليهم فلم يفرغوا منها حتى وضعت الموائد فأكلوا حتى صدروا فقال عبيد الله لوكلائه أو موجود لنا هذا كل يوم قالوا نعم قال فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم وقال مصعب بن الزبير حج معاوية فلما انصرف مر بالمدينة فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن لا تلقه ولا تسلم عليه فلما خرج معاوية قال الحسن إن علينا دينا فلا بد لنا من إتيانه فركب في أثره ولحقه فسلم عليه وأخبره بدينه فمروا عليه ببختي عليه ثمانون ألف دينار وقد أعيا وتخلف عن الإبل وقوم يسوقونه فقال معاوية ما هذا فذكر له فقال اصرفوه بما عليه إلى أبي محمد وعن واقد بن محمد الواقدي قال حدثني أبي أنه رفع رقعة إلى المأمون يذكر فيها كثرة الدين وقلة صبره عليه فوقع المأمون على ظهر رقعته إنك رجل اجتمع فيك خصلتان السخاء والحياء فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يديك وأما الحياء فهو الذي يمنعك عن تبليغنا ما أنت عليه وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فإن كنت قد أصبت فازدد في بسط يدك وإن لم أكن قد أصبت فجنايتك على نفسك وأنت حدثتني وكنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحق عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير بن العوام يا زبير اعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش يبعث الله عز وجل إلى كل عبد بقدر نفقته فمن كثر كثر له ومن قلل قلل له وأنت أعلم حديث أنس يا زبير أعلم أن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش الحديث وفي أوله قصة مع المأمون أخرجه الدارقطني فيه وفي إسناده الواقدي عن محمد بن إسحاق عن الزهري بالعنعنة ولا يصح قال الواقدي فوالله لمذاكرة المأمون إياي بالحديث أحب إلي من الجائزة وهي مائة ألف درهم وسأل رجل الحسن بن علي رضي الله عنهما حاجة فقال له يا هذا حق سؤالك إياي يعظم لدي ومعرفتي بما يجب لك تكبر علي ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله والكثير في ذات الله تعالى قليل وما في ملكي وفاه لشكرك فإن قبلت الميسور ورفعت عني مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلفه من واجب حقك فعلت فقال يا ابن رسول الله أقبل وأشكر العطية وأعذر على المنع فدعا الحسن بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها فقال هات الفضل من الثلثمائة ألف درهم فأحضر خمسين ألف قال فما فعلت بالخمسمائة دينار قال هي عندي قال أحضرها فأحضرها فدفع الدنانير والدراهم إلى الرجل وقال هات من يحملها لك فأتاه بحمالين فدفع إليه الحسن رداءه لكراء الحمالين فقال له مواليه والله ما عندنا درهم فقال أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم واجتمع قراء البصرة إلى ابن عباس وهو عامل بالبصرة فقالوا لنا جار صوام قوام يتمنى كل واحد منا أن يكون مثله وقد زوج بنته من ابن أخيه وهو فقير وليس عنده ما يجهزها به فقام عبد الله بن عباس فأخذ بأيديهم وأدخلها داره وفتح صندوقا فأخرج منه ست بدر فقال احملوا فحملوا فقال ابن عباس ما أنصفناه أعطيناه ما يشغله عن قيامه وصيامه ارجعوا بنا نكن أعوانه على تجهيزها فليس للدنيا من القدر ما يشغل مؤمنا عن عبادة ربه وما بنا من الكبر ما لا نخدم أولياء الله تعالى ففعل وفعلوا وحكى أنه لما أجدب الناس بمصر وعبد الحميد بن سعد أميرهم فقال والله لأعلمن الشيطان أني عدوه فعال محاويجهم إلى أن رخصت الأسعار ثم عزل عنهم فرحل وللتجار عليه ألف ألف درهم فرهنهم بها حلي نسائه وقيمتها خمسمائة ألف ألف فلما تعذر عليه ارتجاعها كتب إليهم ببيعها ودفع الفاضل منها عن حقوقهم إلى من لم تنله صلاته وكان أبو طاهر بن كثير شيعيا فقال له رجل بحق علي بن أبي طالب لما وهبت لي نخلتك بموضع كذا وكذا فقال قد فعلت وحقه لأعطينك ما يليها وكان ذلك أضعاف ما طلب الرجل وكان أبو مرثد أحد الكرماء فمدحه بعض الشعراء فقال للشاعر والله ما عندي ما أعطيك ولكن قدمني إلى القاضي وادع علي بعشرة آلاف درهم حتى أقر لك بها ثم احبسني فإنأهلي لا يتركوني محبوسا ففعل ذلك فلم يمس حتى دفع إليه عشرة آلاف درهم وأخرج أبو مرثد من الحبس وكان معن بن زائدة عاملا على العراقين بالبصرة فحضر بابه شاعر فأقام مدة وأراد الدخول على معن فلم يتهيأ له فقال يوما لبعض خدام معن إذا دخل الأمير البستان فعرفني فلما دخل الأمير البستان أعلمه فكتب الشاعر بيتا على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان وكان معن على رأس الماء فلما بصر بالخشبة أخذها وقرأها فإذا مكتوب عليها أيا جود معن ناج معنا بحاجتي فما لي إلى معن سواك شفيع فقال من صاحب هذه فدعي بالرجل فقال له كيف قلت فقال له فأمر له بعشر بدر فأخذهاووضع الأمير الخشبة تحت بسطاه فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط وقرأها ودعا بالرجل فدفع إليه مائة ألف درهم فلما أخذها الرجل تفكر وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج فلما كان في اليوم الثالث قرأ ما فيها ودعا بالرجل فطلب فلم يوجد فقال معن حق علي أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي ولا دينار وقال أبو الحسن المدائني خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجا ففاتهم أثقالهم فجاعوا وعطشوا فمروا بعجوز في خباء لها فقالوا هل من شراب فقالت نعم فأناخوا إليها وليس لها إلا شويهة في كسر الخيمة فقالت احلبوها وامتذقوا لبنها ففعلوا ذلك ثم قالوا لها هل من طعام قالت لا إلا هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتى أهيء لكم ما تأكلون فقام إليها أحدهم وذبحها وكشطها ثم هيأت لهم طعاما فأكلوا وأقاموا حتى أبردوا فلما ارتحلوا قالوا لها نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألمي بنا فإنا صانعون بك خيرا ثم ارتحلوا وأقبل زوجها فأخبرته بخبر القوم والشاة فغضب الرجل وقال ويلك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفيهم ثم تقولين نفر من قريش قال ثم بعد مدة ألجأتهما الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها وجعلا ينقلان البعر إليها ويبيعانه ويتعيشان بثمنه فمرت العجوز ببعض سكك المدينة فإذا الحسن بن علي جالس على باب داره فعرف العجوز وهي له منكرة فبعث غلامه فدعا بالعجوز وقال لها يا أمة الله أتعرفيني قالت لا قال أنا ضيفك يوم كذا ويوم كذا فقالت العجوز بأبي أنت وأمي أنت هو قال نعم ثم أمر الحسن فاشتروا لها من شياه الصدقة ألف شاة وأمر لها معها بألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى الحسين فقال لها الحسين بكم وصلك أخي قالت بألف شاة وألف دينار فأمر لها الحسين أيضا بمثل ذلك ثم بعث بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر فقال لها بكم وصلك الحسن والحسين قالت بألفي شاة وألفي دينار فأمر لها عبد الله بألفي شاة وألفي دينار وقال لها لو بدأت بي لأتعبتهما فرجعت العجوز إلى زوجها بأربعة آلاف شاة وأربعة آلاف دينار وخرج عبد الله بن عامر بن كريز من المسجد يريد منزله وهو وحده فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه فقال له عبد الله ألك حاجة يا غلام قال صلاحك وفلاحك رأيتك تمشي وحدك فقلت أقيك بنفسي وأعوذ بالله إن طار بجانبك مكروه فأخذ عبد الله بيده ومشى معه إلى منزله ثم دعا بألف دينار فدفعها إلى الغلام وقال استنفق هذه فنعم ما أدبك أهلك وحكى أن قوما من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم للزيارة فنزلوا عند قبره وباتوا عنده وقد كانوا جاءوا من سفر بعيد فرأى رجل منهم في النوم صاحب القبر وهو يقول له هل لك أن تبادل بعيرك بنجيبي وكان السخي الميت قد خلف نجيبا معروفا به ولهذا الرجل بعير سمين فقال له في النوم نعم فباعه في النوم بعيره بنجيبه فلما وقع بينهما العقد عمد هذا الرجل إلى بعيره فنحره في النوم فانتبه الرجل من نومه فإذا الدم يثج من نحر بعيره فقام الرجل فنحره وقسم لحمه فطبخوه وقضوا حاجتهم منه ثم رحلوا وساروا فلما كان اليوم الثاني وهم في الطريق استقبلهم ركب فقال رجل منهم من فلان بن فلان منكم باسم ذلك الرجل فقال أنا فقال له هل بعت من فلان بن فلان شيئا وذكر الميت صاحب القبر قال نعم بعت بعيري بنجيبه في النوم فقال خذ هذا نجيبه ثم قال هو أبى وقد رأيته في النوم وهو يقول إن كنت ابني فادفع نجيبي إلى فلان بن فلان وسماه وقدم رجل من قريش من السفر فمر برجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضر به المرض فقال يا هذا أعنا على الدهر فقال الرجل لغلامه ما بقي معك من النفقة فادفعه إليه فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف فبكى فقال له الرجل ما يبكيك لعلك استقللت ما أعطيناك قال لا ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني واشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق بتسعين ألف درهم فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد فقال لأهله ما لهؤلاء قالوا يبكون لدارهم فقال يا غلام ائتهم فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا وقيل بعث هارون الرشيد إلى مالك بن أنس رحمه الله بخمسمائة دينار فبلغ ذلك الليث به سعد فأنفذ إليه ألف دينار فغضب هارون وقال أعطيته خمسمائة وتعطيه ألفا وأنت من رعيتي فقال يا أمير المؤمنين إن لي من غلتي كل يوم ألف دينار فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم وحكي أنه لم تجب عليه الزكاة مع أن دخله كل يوم ألف دينار وحكي أن امرأة سألت الليث بن سعد رحمة الله عليه شيئا من عسل فأمر لها بزق من عسل فقيل له إنها كانت تقنع بدون هذا فقال إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر النعمة علينا وكان الليث ابن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلثمائة وستين مسكينا وقال الأعمش اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني هل استوفت علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها وكان تحتي لبد أجلس عليه فإذا خرج قال خذ ما تحت اللبد حتى وصل إلي في علة الشاة أكثر من ثلثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ وقال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بلغني عنك خصال فحدثني بها فقال هي من غيري أحسن منها مني فقال عزمت عليك إلا حدثتني بها فقال يا أمير المؤمنين ما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط ولا صنعت طعاما قط فدعوت عليه قوما إلا كانوا أمن علي مني عليهم ولا نصب لي رجل وجهه قط يسألني شيئا فاستكثرت شيئا أعطيته إياه ودخل سعيد بن خالد على سليمان بن عبد الملك وكان سعيد رجلا جوادا فإذا لم يجد شيئا كتب لمن سأله صكا على نفسه حتى يخرج عطاؤه فلما نظر إليه سليمان تمثل بهذا البيت فقال إني سمعت مع الصباح مناديا يا من يعين على الفتى المعوان ثم قال ما حاجتك قال ديني قال وكم هو قال ثلاثون ألف دينار قال لك دينك ومثله وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ إخوانه فقيل له إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا فنادى من كان عليه لقيس بن سعد حق فهو منه بريء قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة من زاره وعاده عن أبي إسحاق قال صليت العصر في مسجد الأشعث بالكوفة أطلب غريما لي فلما صليت وضع بين يدي حلة ونعلان فقلت لست من أهل هذا المسجد فقالوا إن الأشعث بن قيس الكندي قدم البارحة من مكة فأمر لكل من صلى في المسجد بحلة ونعلين وقال الشيخ أبو سعد الحركوشي النيسابوري رحمه الله سمعت محمد بن محمد الحافظ يقول سمعت الشافعي المجاور بمكة يقول كان بمصر رجل عرف بأن يجمع للفقراء شيئا فولد لبعضهم مولود قال فجئت إليه وقلت له ولد لي مولود وليس معي شيء فقام معي ودخل على جماعة فلم يفتح بشيء فجاء إلى قبر رجل وجلس عنده وقال رحمك الله كنت تفعل وتصنع وإني درت اليوم على جماعة فكلفتهم دفع شيء لمولود فلم يتفق لي شيء قال ثم قام وأخرج دينارا وقسمه نصفين وناولني نصفه وقال هذا دين عليك إلى أن يفتح الله عليك بشيء قال فأخذته وانصرفت فأصلحت ما اتفق لي به قال فرأى ذلك المحتسب تلك الليلة ذلك الشخص في منامه فقال سمعت جميع ما قلت وليس لنا إذن في الجواب ولكن احضر منزلي وقل لأولادي يحفروا مكان الكانون ويخرجوا قرابة فيها خمسمائة دينار فاحملها إلى هذا الرجل فلما كان من الغد تقدم إلى منزل الميت وقص عليهم القصة فقالوا له اجلس وحفروا الموضع وأخرجوا الدنانير وجاءوا بها فوضعوها بين يديه فقال هذا مالكم وليس لرؤياي حكم فقالوا هو يتسخى ميتا ولا نتسخى نحن أحياء فلما ألحوا عليه حمل الدنانير إلى الرجل صاحب المولود وذكر له القصة قال فأخذ منها دينارا فكسره نصفين فأعطاه النصف الذي أقرضه وحمل النصف الآخر وقال يكفيني هذا وتصدق به على الفقراء فقال أبو سعيد فلا أدري أي هؤلاء أسخى وروي أن الشافعي رحمه الله لما مرض مرض موته بمصر قال مروا فلانا يغسلني فلما توفي بلغه خبر وفاته فحضر وقال ائتوني بتذكرته فأتى بها فنظر فيها فإذا على الشافعي سبعون ألف درهم دين فكتبها على نفسه وقضاها عنه وقال هذا غسلي إياه أي أراد به هذا وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشى لما قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرجل فدلوني عليه فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم فرأيت فيهم سيما الخير وآثار الفضل فقلت بلغ أثره في الخير إليهم وظهرت بركته فيهم مستدلا بقوله تعالى وكان أبوهما صالحا وقال الشافعي رحمه الله لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان لشيء بلغني عنه أنه كان ذات يوم راكبا حماره فحركه فانقطع زره فمر على الخياط فأراد أن ينزل إليه ليسوي زره فقال الخياط والله لا نزلت فقام الخياط إليه فسوى زره فأخرج إليه صرة فيها عشرة دنانير فسلمها إلى الخياط واعتذر إليه من قلتها وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يا لهف قلبي على مال أجود به على المقلين من أهل المروءات إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات وعن الربيع بن سليمان قال أخذ رجل بركاب الشافعي رحمه الله فقال يا ربيع أعطه أربعة دنانير واعتذر إليه عني وقال الربيع سمعت الحميدي يقول قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف دينار فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة ونثرها على ثوب ثم أقبل على كل من دخل عليه يقبض له قبضة ويعطيه حتى صلى الظهر ونفض الثوب وليس عليه شيء وعن أبي ثور قال أراد الشافعي الخروج إلى مكة ومعه مال وكان قلما يمسك شيئا من سماحته فقلت له ينبغي أن تشتري بهذا المال ضيعة تكون لك ولولدك قال فخرج ثم قدم علينا فسألته عن ذلك المال فقال ما وجدت بمكة ضيعة يمكنني أن أشتريها لمعرفتي بأصلها وقد وقف أكثرها ولكني بنيت بمنى مضربا يكون لأصحابنا إذا حجوا أن ينزلوا فيه وأنشد الشافعي رحمه الله لنفسه يقول أرى نفسي تتوق إلى أمور يقصر دون مبلغهن مالي فنفسي لا تطاوعني ببخل ومالي لا يبلغني فعالي وقال محمد بن عباد المهلبي دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم فلما قام من عنده تصدق بها فأخبر بذلك المأمون فلما عاد إليه عاتبه المأمون في ذلك فقال يا أمير المؤمنين منع الموجود سوء ظن بالمعبود فوصله بمائة ألف أخرى وقام رجل إلى سعيد بن العاص فسأله فأمر له بمائة ألف درهم فبكى فقال له سعيد ما يبكيك قال أبكي على الأرض أن تأكل مثلك فأمر له بمائة ألف أخرى ودخل أبو تمام على إبراهيم بن شكلة بأبيات امتدحه بها فوجده عليلا فقبل منه المدحة وأمر حاجبه بنيله ما يصلحه وقال عسى أن أقوم من مرضي فأكافئه فأقام شهرين فوحشه طول المقام فكتب إليه يقول إن حراما قبول مدحتنا وترك ما نرتجي من الصفد كما الدراهم والدنانير في البيعحرام إلا يدا بيد فلما وصل البيتان إلى إبراهيم قال لحاجبه كم أقام بالباب قال شهرين قال أعطه ثلاثون ألف وجئني بدواة فكتب إليه أعجلتنا فأتاك عاجل برنا قلا ولو أمهلتنا لم نقلل فخذ القليل وكن كأنك لم تقل ونقول نحن كأننا لم نفعل وروي أنه كان لعثمان على طلحة رضي الله عنهما خمسون ألف درهم فخرج عثمان يوما إلى المسجد فقال له طلحة قد تهيأ مالك فاقبضه فقال هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك وقالت سعدى بنت عوف دخلت على طلحة فرأيت منه ثقلا فقلت له مالك فقال اجتمع عندي مال وقد غمني فقلت وما يغمك ادع قومك فقال يا غلام علي بقومي فقسمه فيهم فسألت الخادم كم كان قال أربعمائة ألف وجاء أعرابي إلى طلحة فسأله وتقرب إليه برحم فقال إن هذه الرحم ما سألني بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلثمائة ألف فإن شئت فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فباعها من عثمان ودفع إليه الثمن وقيل بكى علي كرم الله وجهه يوما فقيل ما يبكيك فقال لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام أخاف أن يكون الله قد أهانني وأتى رجل صديقا له فدق عليه الباب فقال ما جاء بك قال علي أربعمائة درهم دين فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليها وعاد يبكي فقالت امرأته لم أعطيته إذ شق عليك فقال إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي فرحم الله من هذه صفاتهم وغفر لهم أجمعين بيان ذم البخل قال الله تعالى ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقال تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وقال تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم حديث إياكم والشح الحديث أخرجه مسلم من حديث جابر بلفظ واتقوا الشح فإن الشح الحديث ولأبي داود والنسائي في الكبرى وابن حبان والحاكم وصححه من حديث عبد الله بن عمرو إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم فقطعوا أرحامهم حديث إياكم والشح فإنه دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم ودعاهم فاستحلوا محارمهم ودعاهم فقطعوا أرحامهم أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ حرماتهم مكان أرحامهم وقال صحيح على شرط مسلم وقال صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة حديث لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيء الملكة وفي رواية ولا منان أخرجه أحمد والترمذي وحسنه من حديث أبي بكر واللفظ لأحمد دون قوله ولا منان فهي عند الترمذي وله ولابن ماجه لا يدخل الجنة سيء الملكة وفي رواية ولا جبار وفي رواية ولا منان وقال صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه حديث ثلاث مهلكات الحديث تقدم في العلم وقال صلى الله عليه وسلم إن الله يبغض ثلاث الشيخ الزاني والبخيل المنان والمعيل المختال حديث أن الله يبغض ثلاثا الشيخ الزاني والبخيل المنان والفقير المختال أخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي ذر دون قوله البخيل المنان وقال فيه الغني الظلوم وقد تقدم وللطبراني في الأوسط من حديث علي إن الله ليبغض الغني الظلوم والشيخ الجهول والعائل المختال وسنده ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثديهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفى بنانه وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا قلصت ولزمت كل حلقة مكانها حتى أخذت بتراقيه فهو يوسعها ولا تتسع حديث مثل المنفق والبخيل كمثل رجلين عليهما جبة من حديد الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق حديث خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال غريب وقال صلى الله عليه وسلم اللهم إن أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر حديث اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن الحديث أخرجه البخاري من حديث سعد وتقدم في الأذكار وقال صلى الله عليه وسلم إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة وإياكم والفحش إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا حديث إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة الحديث أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو دون قوله أمرهم بالكذب فكذبوا وأمرهم بالظلم فظلموا قال عوضا عنهما وبالبخل فبخلوا وبالفجور ففجروا وكذا رواه أبو داود على ذكر الشح وقد تقدم قبله بسبعة أحاديث ولمسلم من حديث جابر اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فذكره بلفظ آخر ولم يذكر الفحش وقال صلى الله عليه وسلم شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع حديث شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع أخرجه أبو داود من حديث جابر بسند جيد وقتل شهيد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكته باكية فقالت واشهيداه فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه حديث وما يدريك أنه شهيد فلعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه أخرجه أبو يعلى من حديث أبي هريرة بسند ضعيف وللبيهقي في الشعب من حديث أنس أن أمه قالت ليهنك الشهادة وهو عند الترمذي إلا أن رجلا قال له أبشر بالجنة وقال جبير بن مطعم بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من خيبر إذ علقت برسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف صلى الله عليه وسلم فقال أعطوني ردائي فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد هذه العصاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا حديث جبير بن مطعم بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفلة من حنين علقت الأعراب به الحديث أخرجه البخاري وتقدم في أخلاق النبوة وقال عمر رضي الله عنه قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقلت غير هؤلاء كان أحق به منهم فقال إنهم يخيروني بين أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني ولست بباخل حديث عمر قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما الحديث وفيه ولست بباخل أخرجه مسلم وقال أبو سعيد الخدري دخل رجلان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه ثمن بعير فأعطاهما دينارين فخرجا من عنده فلقيهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأثنيا وقالا معروفا وشكرا ما صنع بهما فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما قالا فقال صلى الله عليه وسلم لكن فلان أعطيته ما بين عشرة إلى مائة ولم يقل ذلك إن أحدكم ليسألني فينطلق في مسألته متأبطها وهي نار فقال عمر فلم تعطهم ما هو نار فقال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل حديث أبي سعيد في الرجلين اللذين أعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارين فلقيهما عمر فأثنيا وقالا معروفا الحديث وفيه ويأبى الله لي البخل رواه أحمد وأبو يعلى والبزار نحوه ولم يقل أحمد إنهما سألاه ثمن بعير ورواه البزار من رواية أبي سعيد عن عمر ورجال أسانيدهم ثقات وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجود من جود الله تعالى فجودوا يجد الله لكم ألا إن الله عز وجل خلق الجود فجعله في صورة رجل وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة طوبى وشد أغصانها بأغصان سدرة المنتهى ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله الجنة ألا إن السخاء من الإيمان والإيمان في الجنة وخلق البخل من مقته وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة الزقوم ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا فمن تعلق بغصن منها أدخله النار ألا إن البخل من الكفر والكفر في النار حديث ابن عباس الجود من جود الله فجودوا يجد الله لكم الحديث بطوله ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده ولم أقف له على إسناد وقال صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج الجنة إلا سخي والبخل شجرة تنبت في النار فلا يلج النار إلا بخيل حديث السخاء شجرة تنبت في الجنة فلا يلج في الجنة إلا سخي الحديث تقدم دون قوله فلا يلج في الجنة إلى آخره وذكره بهذه الزيادة صاحب الفردوس من حديث علي ولم يخرجه ولده في مسنده وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد بني لحيان من سيدكم يا بني لحيان قالوا سيدنا جد بن قيس إلا أنه رجل فيه بخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ولكن سيدكم عمرو بن الجموح حديث أبي هريرة من سيدكم يا بني لحيان قالوا سيدنا جد بن قيس الحديث أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم بلفظ يا بني سلمة وقال سيدكم بشر بن البراء وأما الرواية التي قال فيها سيدكم عمرو بن الجموح فرواها الطبراني في الصغير من حديث كعب بن مالك بإسناد حسن وفي رواية أنهم قالوا سيدنا جد بن قيس فقال بم تسودونه قالوا إنه أكثر مالا وأنا على ذلك لنرى منه البخل فقال صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوأ من البخل ليس ذلك سيدكم قالوا فمن سيدنا يا رسول الله قالوا سيدكم بشر بن البراء وقال علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يبغض البخيل في حياته السخي عنه موته حديث علي إن الله ليبغض البخيل في حياته السخي عند موته ذكره صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده ولم أجد له إسنادا وقال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل حديث أبي هريرة السخي الجهول أحب إلى الله من العابد البخيل أخرجه الترمذي بلفظ ولجاهل سخي وهو بقية حديث إن السخي قريب من الله وقد تقدم وقال أيضا قال صلى الله عليه وسلم الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب عبد حديث أبي هريرة لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أخرجه النسائي وفي إسناده اختلاف وقال أيضا خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق حديث خصلتان لا تجتمعان في مؤمن الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لمؤمن أن يكون بخيلا ولا جبانا حديث لا ينبغي لمؤمن أن يكون جبانا ولا بخيلا لم أره بهذا اللفظ وقال صلى الله عليه وسلم يقول قائلكم الشحيح أعذر من الظالم وأي ظلم أظلم عند الله من الشح حلف الله تعالى بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل حديث يقول قائلكم الشحيح أعذر من الظالم وأي ظلم أظلم من الشح الحديث وفيه لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل لم أجده بتمامه وللترمذي من حديث أبي بكر لا يدخل الجنة بخيل وقد تقدم وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي ذنبي فقال صلى الله عليه وسلم وما ذنبك صفه لي فقال هو أعظم من أن أصفه لك فقال ويحك ذنبك أعظم أم الأرضون فقال بل ذنبي أعظم يا رسول الله قال فذنبك أعظم أم الجبال قال بل ذنبي أعظم يا رسول الله قال فذنبك أعظم أم البحار قال فذنبك أعظم أم السموات قال بل ذنبي أعظم يا رسول الله قال فذنبك أعظم أم العرش قال بل ذنبي أعظم يا رسول الله قال فذنبك أعظم أم الله قال بل الله أعظم وأعلى قال ويحك فصف لي ذنبك قال يا رسول الله إني رجل ذو ثروة من المال وإن السائل ليأتيني يسألني فكأنما يستقبلني بشعلة من نار فقال صلى الله عليه وسلم إليك عني لا تحرقني بنارك فوالذي بعثني بالهداية والكرامة لو قمت بين الركن والمقام ثم صليت ألفي ألف عام ثم بكيت حتى تجري من دموعك الأنهار وتسقي بها الأشجار ثم مت وأنت لئيم لأكبك الله في النار ويحك أما علمت أن البخل كفر وأن الكفر في النار ويحك أما علمت أن الله تعالى يقول ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون حديث كان يطوف بالبيت فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي الحديث في ذم البخل وفيه قال إليك عني لا تحرقني بنارك الحديث بطوله وهو باطل لا أصل له الآثار قال ابن عباس رضي الله عنهما لما خلق الله جنة عدن قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها أظهري أنهارك فأظهرت عين السلسبيل وعين الكافور وعين التسنيم فتفجر منها في الجنان أنهار الخمر وأنهار العسل واللبن ثم قال لها أظهري سررك وحجالك وكراسيك وحليك وحللك وحور عينك فأظهرت فنظر إليها فقال تكلمي فقالت طوبى لمن دخلني فقال الله تعالى وعزتي لا أسكنك بخيلا وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز أف للبخيل لو كان البخل قميصا ما لبسته ولو كان طريقا ما سلكته وقال طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه إنا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكننا نتصبر وقال محمد بن المنكدر كان يقال إذا أراد الله بقوم شرا أمر الله عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم وقال علي كرم الله وجهه في خطبته إنه سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك قال الله تعالى ولا تنسوا الفضل بينكم وقال عبد اللهبن عمرو الشح أشد من البخل لأن الشحيح هو الذي يشح على ما في يد غيره حتى يأخذه ويشح بما في يده فيحبسه والبخيل هو الذي يبخل بما في يده وقال الشعبي لا أدري أيهما أبعد غورا في نار جهنم البخل أو الكذب وقيل ورد على أنوشروان حكيم الهند وفيلسوف الروم فقال للهندي تكلم فقال خير الناس من ألفى سخيا وعند الغضب وقورا وفي القول متأنيا وفي الرفعة متواضعا وعلى كل ذي رحم مشفقا وقام الرومي فقال من كان بخيلا ورث عدوه ماله ومن قل شكره لم ينل النجح وأهل الكذب مذمومون وأهل النميمة يموتون فقراء ومن لم يرحم سلط عليه من لا يرحمه وقال الضحاك في قوله تعالى إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا قال البخل أمسك الله تعالى أيديهم عن النفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى وقال كعب ما من صباح إلا وقد وكل به ملكان يناديان اللهم عجل لممسك تلفا وعجل لمنفق خلفا وقال الأصمعي سمعت أعرابيا وقد وصف رجلا فقال لقد صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه وكأنما يرى السائل ملك الموت إذا أتاه وقال أبو حنيفة رحمه الله لا أرى أن أعدل بخيلا لأن البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقه خيفة من أن يغبن فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة وقال علي كرم الله وجهه والله ما استقصى كريم قط حقه قال الله تعلى عرف بعضه وأعرض عن بعض وقال الجاحظ ما بقي من اللذات إلا ثلاث دم البخلاء وأكل القديد وحك الجرب وقال بشر بن الحارث البخيل لا غيبة له قال النبي صلى الله عليه وسلم إنك إذا لبخيل ومدحت امرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا قال فما خيرها إذن حديث مدحت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا صوامة قوامة إلا أن فيها بخلا الحديث تقدم في آفات اللسان وقال بشر النظر إلى البخيل يقسي القلب ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين وقال يحيى بن معاذ ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجارا وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبرارا وقال ابن المعتز أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه ولقي يحيى بن زكريا عليهما السلام إبليس في صورته فقال له يا إبليس أخبرني بأحب الناس إليك وأبغض الناس إليك قال أحب الناس إلي المؤمن البخيل وأبغض الناس إلي الفاسق السخي قال له لم قال لأن البخيل قد كفاني بخله والفاسق السخي الخوف أن يطلع الله عليه في سخائه فيقبله ثم ولى وهو يقول لولا أنك يحيى لما أخبرتك حكايات البخلاء قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل فدعاه بعض جيرانه وقدم إليه طباهجة ببيض فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت فجعل يتلوى فلما جهده الأمر وصف حاله للطبيب فقال لا بأس عليك تقيأ ما أكلت فقال هاه أتقيأ طباهجة ببيض الموت ولا ذلك وقيل أقبل أعرابي يطلب رجلا وبين يديه تين فغطى التين بكسائه فجلس الأعرابي فقال له الرجل هل تحسن من القرآن شيئا قال نعم فقرأ والزيتون وطور سينين فقال وأين التين قال هو تحت كسائك ودعا بعضهم أخا له ولم يطعمه شيئا فحبسه إلى العصر حتى اشتد جوعه وأخذه مثل الجنون فأخذ صاحب البيت العود وقال له بحياتي أي صوت تشتهي أن أسمعك قال صوت المقلى ويحكى أن محمد بن يحيى بن خالد بن برمك كان بخيلا قبيح البخل فسئل نسيب له كان يعرفه عنه فقال له قائل صف لي مائدته فقال هي فتر في فتر وصحافه منقورة من حب الخشخاش قيل فمن يحضرها قال الكرام الكاتبون قال فما يأكل معه أحد قال بلى الذباب فقال سوأتك بدت وأنت خاص به وثوبك مخرق قال أنا والله ما أقدر على إبرة أخيطه بها ولو ملك محمد بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا ثم جاءه جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبي عليه السلام يطلبون منه إبرة ويسألونه إعارتهم إياها ليخيط بها قميص يوسف الذي قد من دبر ما فعل ويقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللحم بخلا حتى يقرم إليه فإذا قرم إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له نراك لا تأكل إلا الرءوس في الصيف والشتاء فلم تختار ذلك قال نعم الرأس أعرف سعره فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه إن مس عينا أو أذنا أو خدا وقفت على ذلك وآكل منه ألوانا عينه لونا وأذنه لونا ولسانه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا وأكفى مؤونة طبخه فقد اجتمعت لي فيه مرافق وخرج يوما يريد الخليفة المهدي فقالت له امرأة من أهله مالي عليك إن رجعت بالجائزة فقال إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما فأعطي ستين ألف فأعطاها أربعة دوانق واشترى مرة لحما بدرهم فدعاه صديق له فرد اللحم إلى القصاب بنقصان دانق وقال أكره الإسراف وكان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش فقال سر بنا فدخل منزله فقرب إليه كسرة وملحا فجاء سائل فقال له رب المنزل بورك فيك فأعاد عليه المسألة فقال له بورك فيك فلما سأل الثالثة قال له اذهب والله وإلا خرجت إليك بالعصا قال فناداه الأعمش وقال اذهب ويحك فلا والله ما رأيت أحدا أصدق مواعيد منه هو منذ مدة يدعوني على كسرة وملح فوالله ما زادني عليهما بيان الإيثار وفضله اعلم أن السخاء والبخل كل منهما ينقسم إلى درجات فأرفع درجة السخاء الإيثار وهو أن يجود بالمال مع الحاجة وإنما السخاء عبارة عن بذل ما لا يحتاج إليه لمحتاج أو لغير محتاج والبذل مع الحاجة أشد وكما أن السخاوة قد تنتهي إلى أن يسخو الإنسان على غيره مع الحاجة فالبخل قد ينتهي إلى أن يبخل على نفسه مع الحاجة فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى ويشتهي الشهوة فلا يمنعه منها إلا البخل بالثمن ولو وجدها مجانا لأكلها فهذا بخيل على نفسه مع الحاجة وذلك يؤثر على نفسه غيره مع أنه محتاج إليه فانظر ما بين الرجلين فإن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء وليس بعد الإيثار درجة في السخاء وقد أثنى الله على الصحابة رضي الله عنهم به فقال ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرئ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له حديث أيما رجل اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه غفر له أخرجه ابن حبان في الضعفاء وأبو الشيخ في الثواب من حديث ابن عمر بسند ضعيف وقد تقدم وقالت عائشة رضي الله عنها ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا حديث عائشة ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام متواليات ولو شئنا لشبعنا ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا أخرجه البيهقي في الشعب بلفظ ولكنه كان يؤثر على نفسه وأول الحديث عند مسلم بلفظ ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله وللشيخين ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة ثلاثة ليال تباعا حتى قبض زاد مسلم من طعام ونزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب بالضيف إلى أهله ثم وضع بين يديه الطعام وأمر امرأته بإطفاء السراج وجعل يمد يده إلى الطعام كأنه يأكل ولا يأكل حتى أكل الضيف فلما أصبح قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجب الله من صنيعكم الليلة إلى ضيفكم ونزلت ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة حديث نزل به ضيف فلم يجد عند أهله شيئا فدخل عليه رجل من الأنصار فذهب به إلى أهله الحديث في نزول قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة متفق عليه من حديث أبي هريرة فالسخاء خلق من أخلاق الله تعالى والإيثار أعلى درجات السخاء وكان ذلك من أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سماه الله تعالى عظيما فقال تعالى وإنك لعلى خلق عظيم وقال سهل بن عبد الله التستري قال موسى عليه السلام يا رب أرني بعض درجات محمد صلى الله عليه وسلم وأمته فقال يا موسى إنك لن تطيق ذلك ولكن أريك منزلة من منازله جليلة عظيمة فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي قال فكشف له عن ملكوت السموات فنظر إلى منزلة كادت تتلف نفسه من أنوارها وقربها من الله تعالى فقال يارب بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة قال بخلق اختصصته به من بينهم وهو الإيثار يا موسى لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من محاسبته وبوأته من جنتي حيث يشاء وقيل خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له فنزل على نخيل قوم وفيه غلام أسود يعمل فيه إذ أتى الغلام بقوته فدخل الحائط كلب ودنا من الغلام فرمى إليه الغلام بقرص فأكله ثم رمى إليه الثاني والثالث فأكله وعبد الله ينظر إليه فقال يا غلام كم قوتك كل يوم قال ما رأيت قال فلم آثرت به هذا الكلب قال ما هي بأرض كلاب إنه جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت أن أشبع وهو جائع قال فما أنت صانع اليوم قال أطوي يومي هذا فقال عبد الله بن جعفر ألام على السخاء إن هذا الغلام لأسخى مني فاشترى الحائط والغلام وما فيه من الآلات فأعتق الغلام ووهبه منه وقال عمر رضي الله عنه أهدى إلي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال إن أخي كان أحوج مني إليه فبعث به إليه فلم يزل واحد يبعث به إلى آخر حتى تداوله سبعة أبيات ورجع إلى الأول وبات علي كرم الله وجهه على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى الله تعالى إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختارا كلاهما الحياة وأحباها فأوحى الله عز وجل إليهما أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجبريل عليه السلام يقول بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب والله تعالى يباهي بك الملائكة فأنزل الله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد حديث بات علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل إني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر الحديث في نزول قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله أخرجه أحمد مختصرا من حديث ابن عباس شرى على نفسه فلبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه الحديث وليس فيه ذكر جبريل وميكائيل ولم أقف لهذه الزيادة على أصل وفيه أبو بلج مختلف فيه والحديث منكر وعن أبي الحسن الأنطاكي أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون نفسا وكانوا في قرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تشبع جميعهم فكسروا الرغفان وأطفئوا السراج وجلسوا للطعام فلما رفع فإذا الطعام بحاله ولم يأكل أحد منه شيئا إيثارا لصاحبه على نفسه وروي أن شعبة جاءه سائل وليس عنده شيء فنزع خشبة من سقف بيته فأعطاه ثم اعتذر إليه وقال حذيفة العدوي انطلقت يوم اليرموك اطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت به وجهه فإذا أنا به فقلت أسقيك فأشار إلى أن نعم فإذا رجل يقول آه فأشار ابن عمي إلي أن انطلق به إليه فجئته فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع به آخر فقال آه فأشار هشام انطلق به إليه فجئته فإذا هو قد مات فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات فرجعت إن ابن عمي فإذا هو قد مات رحمة الله عليهم أجمعين وقال عباس بن دهقان ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحرث فإنه آتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه واستعار ثوبا فمات فيه وعن بعض الصوفية قال كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد فلما بلغنا ظاهر الباب إذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع عال وقعدنا فلما نظر الكلب إلى الميتة رجع إلى البلد ثم عاد بعد ساعة ومعه مقدار عشرين كلبا فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية ووقعت الكلاب في الميتة فما زالت تأكلها وذلك الكلب قاعد ينظر إليها حتى أكلت الميتة وبقي العظم ورجعت الكلاب إلى البلد فقام ذلك الكلب وجاء إلى تلك العظام فأكل مما بقي عليها قليلا ثم انصرف وقد ذكرنا جملة من أخبار الإيثار وأحوال الأولياء في كتاب الفقر والزهد فلا حاجة إلى الإعادة ههنا وبالله التوفيق وعليه التوكل فيما يرضيه عز وجل بيان حد السخاء والبخل وحقيقتهما لعلك تقول قد عرف بشواهد الشرع أن البخل من المهلكات ولكن ما حد البخل وبماذا يصير الإنسان بخيلا وما من إنسان إلا وهو يرى نفسه سخيا وربما يراه غيره بخيلا وقد يصدر فعل من إنسان فيختلف فيه الناس فيقول قوم هذا بخل ويقول آخرون ليس هذا من البخل وما من إنسان إلا ويجد من نفسه حبا للمال ولأجله يحفظ المال ويمسكه فإن كان يصير بإمساك المال بخيلا فإذا لا ينفك أحد عن البخل وإذا كان الإمساك مطلقا لا يوجب البخل ولا معنى للبخل إلا الإمساك فما البخل الذي يوجب الهلاك وما حد السخاء الذي يستحق به البعد صفة السخاوة وثوابها فنقول قد قال قائلون حد البخل منع الواجب فكل من أدى ما يجب عليه فليس ببخيل وهذا غير كاف فإن من يرد اللحم مثلا إلى القصاب والخبز للخباز بنقصان حبة أو نصف حبة فإنه يعد بخيلا بالاتفاق وكذلك من يسلم إلى عياله القدر الذي يفرضه القاضي ثم يضايقهم في لقمة ازدادوها عليه أو تمرة أكلوها من ماله يعد بخيلا ومن كان بين يديه رغيف فحضر من يظن أنه يأكل معه فأخفاه عنه عد بخيلا وقال قائلون البخيل هو الذي يستصعب العطية وهو أيضا قاصر فإنه إن أريد به أنه يستصعب كل عطية فكم من بخيل لا يستصعب العطية القليلة كالحبة وما يقرب منها ويستصعب ما فوق ذلك وإن أريد به أنه يستصعب بعض العطايا فمن من جواد إلا وقد يستصعب بعض العطايا وهو ما يستغرق جميع ماله أو المال العظيم فهذا لا يوجب الحكم بالبخل وكذلك تكلموا في الجود فقيل الجود عطاء بلا من وإسعاف من غير روية وقيل الجود عطاء من غير مسألة على رؤية التقليل وقيل الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن وقيل الجود عطاء على رؤية أن المال لله تعالى والعبد لله عز وجل فيعطى عبد الله مال الله على غير رؤية الفقر وقيل من أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء ومن بذل الأكثر وأبقى لنفسه شيئا فهو صاحب جود ومن قاسى الضر وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار ومن لم يبذل شيئا فهو صاحب بخل وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة الجود والبخل بل نقول المال خلق لحكمة ومقصود وهو صلاحه لحاجات الخلق ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن بذله بالصرف إلى ما لا يحسن الصرف إليه ويمكن التصرف فيه بالعدل وهو أن يحفظ حيث يجب الحفظ ويبذل حيث يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل والبذل حيث يجب الإمساك تبذير وبينهما وسط وهو المحمود وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقد قيل له ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقال تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض وهو أن يقدر بذله وإمساكه بقدر الواجب ولا يكفي أن يفعل ذلك بجوارحه ما لم يكن قلبه طيبا به غير منازع له فيه فإن بذل في محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يصابرها فهو متسخ وليس بسخي بل ينبغي أن لا يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له وهو صرفه إلى ما يجب صرفه إليه فإن قلت فقد صار هذا موقوفا على معرفة الواجب فما الذي يجب بذله فأقول إن الواجب قسمان واجب بالشرع وواجب بالمروءة والعادة والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة أو يؤديها ولكنه يشق عليه فإنه بخيل بالطبع وإنما يتسخي بالتكلف أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه فهذا كله بخل وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك مستقبح واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب ويستقبح من الجار ما لا يستقبح مع البعيد ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح في المعاملة فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة أو معاملة وبما به المضايقة من طعام أو ثوب إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها ويستقبح في شراء الكفن مثلا أو شراء الأضحية أو شراء خبز الصدقة ما لا يستقبح في غيره من المضايقة وكذلك بمن معه المضايقة من صديق أو أخ أو قريب أو زوجة أو ولد أو أجنبي وبمن منه المضايقة من صبي أو امرأة أو شيخ أو شاب أو عالم أو جاهل أو موسر أو فقير فالبخيل هو الذي يمنع حيث ينبغي أن لا يمنع إما بحكم الشرع وإما بحكم المروءة وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره ولعل حد البخل هو إمساك المال عن غرض ذلك الغرض هو أهم من حفظ المال فإن صيانة الدين أهم من حفظ المال فمانع الزكاة والنفقة بخيل وصيانة المروءة أهم من حفظ المال والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحب المال فهو بخيل ثم تبقى درجة أخرى وهو أن يكون الرجل ممن يؤدي الواجب ويحفظ المروءة ولكن معه مال كثير قد جمعه ليس يصرفه إلى الصدقات وإلى المحتاجين فقد تقابل غرض حفظ المال ليكون له عدة على نوائب الزمان وغرض الثواب ليكون رافعا لدرجاته في الآخرة وإمساك المال عن هذا الغرض بخل عند الأكياس وليس ببخل عند عوام الخلق وذلك لأن نظر العوام مقصور على حظوظ الدنيا فيرون إمساكه لدفع نوائب الزمان مهما وربما يظهر عند العوام أيضا سمة البخل عليه إن كان في جواره محتاج فمنعه وقال قد أديت الزكاة الواجبة وليس على غيرها ويختلف استقباح ذلك باختلاف مقدار ماله وباختلاف شدة حاجة المحتاج وصلاح دينه واستحقاقه فمن أدى واجب الشرع وواجب المروءة اللائقة به فقد تبرأ من البخل نعم لا يتصف بصفة الجود والسخاء ما لم يبذل زيادة على ذلك لطلب الفضيلة ونيل الدرجات فإذا اتسعت نفسه لبذل المال حيث لا يوجبه الشرع ولا تتوجه إليه الملامة في العادة فهو جواد بقدر ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير ودرجات ذلك لا تحصر وبعض الناس أجود من بعض فاصطناع المعروف وراء ما توجبه العادة والمروءة هو الجود ولكن بشرط أن يكون عن طيب نفس ولا يكون طمع ورجاء خدمة أو مكافأة أو شكر أو ثناء فإن من طمع في الشكر والثناء فهو بياع وليس بجواد فإنه يشتري المدح بماله والمدح لذيذ وهو مقصود في نفسه والجود هو بذل الشيء من غير عوض هذا هو الحقيقة ولا يتصور ذلك إلا من الله تعالى أما الآدمي فاسم الجود عليه مجاز إذ لا يبذل الشيء إلا لغرض ولكنه إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة أو اكتساب فضيلة الجود وتطهير النفس عن رذالة البخل فيسمى جوادا فإن كان الباعث عليه الخوف من الهجاء مثلا أو من ملامة الخلق أو ما يتوقعه من نفع يناله من المنعم عليه فكل ذلك ليس من الجود لأنه مضطر إليه بهذه البواعث وهي أعواض معجلة له عليه فهو معتاض لا جواد كما روي عن بعض المتعبدات أنها وقفت على حبان بن هلال وهو جالس مع أصحابه فقالت هل فيكم من أسأله عن مسألة فقالوا لها سلي عما شئت وأشاروا إلى حبان بن هلال فقالت ما السخاء عندكم قالوا العطاء والبذل والإيثار قالت هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين قالوا أن نعبد الله سبحانه سخية بها أنفسنا غير مكرهة قالت فتريدون على ذلك أجرا قالوا نعم قالت ولم قالوا لأن الله تعالى وعدنا بالحسنة عشر أمثالها قالت سبحان الله فإذا أعطيتم واحدة وأخذتم عشرة فبأي شيء تسخيتم عليه قالوا لها فما السخاء عندك يرحمك الله قالت السخاء عندي أن تعبدوا الله متنعمين متلذذين بطاعته غير كارهين لا تريدون على ذلك أجرا حتى يكون مولاكم يفعل بكم ما يشاء ألا تستحيون من الله أن يطلع على قلوبكم فيعلم منها أنكم تريدون شيئا بشيء إن هذا في الدنيا لقبيح وقالت بعض المتعبدات أتحسبون أن السخاء في الدرهم والدينار فقط قيل ففيم قالت السخاء عندي في المهج وقال المحاسبي السخاء في الدين أن تسخوا بنفسك تتلفها لله عز وجل ويسخو قلبك ببذل مهجتك وإهراق دمك لله تعالى بسماحة من غير إكراه ولا تريد بذلك ثوابا عاجلا ولا آجلا وإن كنت غير مستغن عن الثواب ولكن يغلب على ظنك حسن كمال السخاء بترك الاختيار على الله حتى يكون مولاك هو الذي يفعل لك ما لا تحسن أن تختار لنفسك بيان علاج البخل اعلم أن البخل سببه حب المال ولحب المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد يوم ربما أنه كان لا يبخل بماله إذ القدر الذي يحتاج إليه في يوم أو في شهر أو في سنة قريب وإن كان قصير الأمل ولكن كان له أولاد أقام الولد مقام طول الأمل فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم ولذلك صلى الله عليه وسلم قال عليه السلام الولد مبخلة مجبنة مجهلة حديث الولد مبخلة زاد في رواية محزنة ابن ماجه من حديث يعلى بن مره دون قوله محزنة رواه بهذه الزيادة أبو يعلى والبزار من حديث أبي سعيد والحاكم من حديث الأسود بن خلف وإسناده صحيح فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر وقلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت به عادته بنفقته وتفضل آلاف وهو شيخ بلا ولد ومعه أموال كثيرة ولا تسمح نفسه بإخراج الزكاة ولا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا للدنانير عاشقا لها يلتذ بوجودها في يده وبقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض وهو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه هذا فلا تسمح نفسه بأن يأكل أو يتصدق منها بحبة واحدة وهذا مرض للقلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن وهو مرض مزمن لا يرجى علاجه ومثال صاحبه مثال رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله فإن الدنانير رسول يبلغ إلى الحاجات فصارت محبوبة لذلك لأن الموصل إلى اللذيذ لذيذ ثم قد تنسى الحاجات ويصير الذهب عنده كأنه محبوب في نفسه وهو غاية الضلال بل من رأى بينه وبين الحجر فرقا فهو جاهل إلا من حيث قضاء حاجته به فالفاضل عن قدر حاجته والحجر بمثابة واحدة فهذه أسباب حب المال وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فتعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر وتعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم وتعالج التفات القلب إلى الولد بأن خالقه خلق معه رزقه وكم من ولد ولم يرث من أبيه مالا وحاله أحسن ممن ورث وبأن يعلم أنه يجمع المال لولده يريد أن يترك ولده بخير وينقلب هو إلى شر وأن ولده إن كان تقيا صالحا فالله كافيه وإن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية وترجع مظلمته إليه ويعالج أيضا قلبه بكثرة التأمل في الأخبار الواردة في ذم البخل ومدح السخاء وما توعد الله به على البخل من العقاب العظيم ومن الأدوية النافعة كثرة التأمل في أحوال البخلاء ونفرة الطبع عنهم واستقباحهم له فإنه ما من بخيل إلا ويستقبح البخل من غيره ويستثقل كل بخيل من أصحابه فيعلم أنه مستثقل ومستقذر في قلوب الناس مثل سائر البخلاء في قلبه ويعالج أيضا قلبه بأن يتفكر في مقاصد المال وأنه لماذا خلق ولا يحفظ من المال إلا بقدر حاجته إليه والباقي يدخره لنفسه في الآخرة بأن يحصل له ثواب بذله فهذه الأدوية من جهة المعرفة والعلم فإذا عرف بنور البصيرة أن البذل خير له من الإمساك في الدنيا والآخرة هاجت رغبته في البذل إن كان عاقلا فإن تحركت الشهوة فينبغي أن يجيب الخاطر الأول ولا يتوقف فإن الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه حكي أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذا له وقال انزع عني القميص وادفعه إلى فلان فقال هلا صبرت حتى تخرج قال لم آمن على نفسي أن تتغير وكان قد خطر لي بذله ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره حتى إذا سافر وفارق تكلفا وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفا بأن يبذله بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له ومن لطائف الحيل فيه إن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء فيبذل على قصد الرياء حتى تسمح نفسه بالبذل طمعا في حشمة الجود فيكون قد أزال عن نفسه خبث البخل واكتسب بها خبث الرياء ولكن ينعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه ويكون طلب الاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال كما يسلى الصبي عند الفطام عن الثدي باللعب بالعصافير وغيرها لا ليخلى واللعب ولكن لينفك عن الثدي إليه ثم ينقل عنه إلى غيره فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط بعضها على بعض كما تسلط الشهوة على الغضب وتكسر سورته بها ويسلط الغضب على الشهوة وتكسر رعونتها به إلا أن هذا مفيد في حق من كان البخل أغلب عليه من حب الجاه والرياء فيبذل الأقوى بالأضعف فإن كان الجاه محبوبا عنده كالمال فلا فائدة فيه فإنه يقلع من علة ويزيد في أخرى مثلها إلا أن علامة ذلك أن لا يثقل عليه البذل لأجل الرياء فلذلك يتبين أن الرياء أغلب عليه فإن كان البذل يشق عليه مع الرياء فينبغي أن يبذل فإن ذلك يدل على أن مرض البخل أغلب على قلبه ومثال دفع هذه الصفات بعضها ببعض ما يقال إن الميت تستحيل جمع أجزائه دودا ثم يأكل بعض الديدان البعض حتى يقل عددها ثم يأكل بعضها بعضا حتى ترجع إلى اثنتين قويتين عظيمتين ثم لا تزالان تتقاتلان إلى أن تغلب إحداهما الأخرى فتأكلها وتسمن بها ثم لا تزال تبقى جائعة وحدها إلى أن تموت فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعضها على بعض حتى يقمعها ويجعل الأضعف قوتا للأقوى إلى أن لا يبقى إلا واحدة ثم تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة وهو منع القوت عنها ومنع القوت عن الصفات أن لا يعمل بمقتضاها فإنها تقتضي لا محالة أعمالا وإذا خولفت خمدت الصفات وماتت مثل البخل فإنه يقتضي إمساك المال فإذا منع مقتضاه وبذل المال مع الجهد مرة بعد أخرى ماتت صفة البخل وصار البذل طبعا وسقط التعب فيه فإن علاج البخل بعلم وعمل فالعلم يرجع إلى معرفة آفة البخل وفائدة الجود والعمل يرجع إلى الجود والبذل على سبيل التكلف ولكن قد يقوى البخل بحيث يعمي ويصم فيمنع تحقق المعرفة فيه وإذا لم تتحقق المعرفة لم تتحرك الرغبة فلم يتيسر العمل فتبقى العلة مزمنة كالمرض الذي يمنع معرفة الدواء وإمكان استعماله فإنه لا حيلة فيه إلا الصبر إلى الموت وكان من عادة بعض شيوخ الصوفية في معالجة علة البخل في المريدين أن يمنعهم من الاختصاص بزواياهم وكان إذا توهم في مريد فرحه بزاويته وما فيها نقله إلى زاوية غيرها ونقل زاوية غيره إليه وأخرجه عن جميع ما ملكه وإذا رآه يلتفت إلى ثوب جديد يلبسه أو سجادة يفرح بها يأمره بتسليمها إلى غيره ويلبسه ثوبا خلقا لا يميل إليه قلبه فبهذا يتجافى القلب عن متاع الدنيا فمن لم يسلك هذا السبيل أنس بالدنيا وأحبها فإن كان له ألف متاع كان له ألف محبوب ولذلك إذا سرق كل واحد منه ألمت به مصيبة بقدر حبه له فإذا مات نزل به ألف مصيبة دفعة واحدة لأنه كان يحب الكل وقد سلب عنه بل هو في حياته على خطر المصيبة بالفقد والهلاك حمل إلى بعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجواهر لم ير له نظير ففرح الملك بذلك فرحا شديدا فقال لبعض الحكماء عنده كيف ترى هذا قال أراه مصيبة أو فقرا قال كيف قال إن كسر كان مصيبة لا جبر لها وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر ثم اتفق يوما أن كسر أو سرق وعظمت مصيبة الملك عليه فقال صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا وهذا شأن جميع أسباب الدنيا فإن الدنيا عدوة لأعداء الله تسوقهم إلى النار وعدوة أولياء الله إذ تغمهم بالصبر عنها وعدوة الله إذ تقطع طريقه على عباده وعدوة نفسها فإنها تأكل نفسها فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس والخزائن والحراس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال وهو بذل الدراهم والدنانير فالمال يأكل نفسه ويضاد ذاته حتى يفنى ومن عرف آفة المال لم يأنس به ولم يفرح ولم يأخذ منه إلا بقدر حاجته ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأن ما أمسكه لحاجته فليس ببخل ولا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله بل هو كالماء على شط الدجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله اعلم أن المال كما وصفناه خير من وجه وشر من وجه ومثاله مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري ولا يخلو أحد عن سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف الأولى أن يعرف مقصود المال وأنه لماذا خلق وأنه لم يحتج إليه حتى يكتسب ولا يحفظ إلا قدر الحاجة ولا يعطيه من همته فوق ما يستحقه الثانية أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض وما الغالب عليه الحرام كمال السلطان ويجتنب الجهات المكروهة القادحة في المروءة كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك المروءة وما يجري مجراه الثالثة في المقدار الذي يكتسبه فلا يستكثر منه ولا يستقل بل القدر الواجب ومعياره الحاجة والحاجة ملبس ومسكن ومطعم ولكل واحد ثلاث درجات أدنى وأوسط وأعلى وما دام مائلا إلى جانب القلة ومتقربا من حد الضرورة كان محقا ويجيء من جملة المحقين وإن جاوز ذلك وقع في هاوية لا آخر لعمقها وقد ذكرنا تفصيل هذه الدرجات في كتاب الزهد الرابعة أن يراعي جهة المخرج ويقتصد في الإنفاق غير مبذر ولا مقتر كما ذكرناه فيضع ما اكتسبه من حله في حقه ولا يضعه في غير حقه فإن الإثم في الأخذ من غير حقه والوضع في غير حقه سواء الخامسة أن يصلح نيته في الأخذ والترك والإنفاق والإمساك فيأخذ ما يأخذ ليستعين به على العبادة ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له إذا فعل ذلك لم يضره وجود المال ولذلك قال علي رضي الله عنه لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه الله تعالى فهو زاهد ولو أنه ترك الجميع ولم يرد به وجه الله تعالى فليس بزاهد فلتكن جميع حركاتك وسكناتك لله مقصورة على عبادة أو ما يعين على العبادة فإن أبعد الحركات عن العبادة الأكل وقضاء الحاجة وهما معينان على العبادة فإذا كان ذلك قصدك بهما صار ذلك عبادة في حقك وكذلك ينبغي أن تكون نيتك في كل ما يحفظك من قميص وإزار وفراش وآنية لأن كل ذلك مما يحتاج إليه في الدين وما فضل من الحاجة ينبغي أن يقصد به أن ينتفع به عبد من عباد الله ولا يمنعه منه عند حاجته فمن فعل ذلك فهو الذي أخذ من حية المال جوهرها وترياقها واتقى سمها فلا تضره كثرة المال ولكن لا يتأتى ذلك إلا لمن رسخ في الدين قدمه وعظم فيه علمه والعامي إذا تشبه بالعالم في الاستكثار من المال وزعم أنه يشبه أغنياء الصحابة شابه الصبي الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ الحية ويتصرف فيها فيخرج ترياقها فيقتدي به ويظن أنه أخذها مستحسنا صورتها وشكلها ومستلينا جلدها فيأخذها اقتداء به فتقتله في الحال إلا أن قتيل الحية يدري أنه قتيل وقتيل المال قد لا يعرف وقد شبهت الدنيا بالحية فقيل هي دنيا كحية تنفث السم وإن كانت المجسة لانت وكما يستحيل أن يتشبه الأعمى بالبصير في تخطي قلل الجبال وأطراف البحر والطرق المشوكة فمحال أن يتشبه العامي بالعالم الكامل في تناول المال بيان ذم الغنى ومدح الفقر اعلم أن الناس قد اختلفوا في تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر وقد أوردنا ذلك في كتاب الفقر والزهد وكشفنا عن تحقيق الحق فيه ولكنا في هذا الكتاب ندل على أن الفقر أفضل وأعلى من الغنى على الجملة من غير التفات إلى تفصيل الأحوال ونقتصر فيه على حكاية فصل ذكره الحارث المحاسبي رضي الله عنه في بعض كتبه في الرد على بعض العلماء من الأغنياء حيث احتج بأغنياء الصحابة وبكثرة مال عبد الرحمن بن عوف وشبه نفسه بهم والمحاسبي رحمه الله حبر الأمة في علم المعاملة وله السبق على جميع الباحثين عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات وكلامه جدير بأن يحكى على وجهه وقد قال بعد كلام له في الرد على علماء السوء بلغنا أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال يا علماء السوء تصومون وتصلون وتصدقون ولا تفعلون ما تؤمرون وتدرسون مالا تعملون فيا سوء ما تحكمون تتوبون بالقول والأماني وتعملون بالهوى وما يغني عنكم أن تنقو جلودكم وقلوبكم دنسة بحق أقول لكم لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكم من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم يا عبيد الدنيا كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع منها رغبته بحق أقول لكم إن قلوبكم تبكي من أعمالكم جعلتم الدنيا تحت ألسنتكم والعمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم أفسدتم آخرتكم فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة فأي الناس أخسر منكم لو تعلمون ويلكم حتام تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محل المتحيرين كأنكم تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم مهلا مهلا ويلكم ماذا يغني عن البيت المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم كذلك لا يغني عنكم أن يكون نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة متعطلة يا عبيد الدنيا لا كعبيد أتقياء ولا كأحرار كرام توشك الدنيا أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ثم تدفعكم من خلفكم حتى تسلمكم إلى الملك الديان عراة فرادى فيوقفكم على سوآتكم ثم يجزيكم بسوء أعمالكم ثم قال الحارث رحمه الله إخواني فهؤلاء علماء السوء شياطين الإنس وفتنة على الناس رغبوا في عرض الدنيا ورفعتها وآثروها على الآخرة واولوا الدين للدنيا فهم في العاجل عار وشين وفي الآخرة هم الخاسرون أو يعفو الكريم بفضله وبعد فأني رأيت الهالك المؤثر للدنيا سروره ممزوج بالتنغيص فيتفجر عنه أنواع الهموم وفنون المعاصي وإلى البوار والتلف مصيره فرح الهالك برجائه فلم تبق له دنياه ولم يسلم له دينه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين فيا لها من مصيبة ما أفظعها ورزية ما أجلها ألا فراقبوا الله إخواني ولا يغرنكم الشيطان وأولياؤه من الآنسين بالحجج الداحضة عند الله فإنهم يتكالبون على الدنيا ثم يطلبون لأنفسهم المعاذير والحجج ويزعمون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت لهم أموال فيتزين المغرورون بذكر الصحابة ليعذرهم الناس على جمع المال ولقد دهاهم الشيطان وما يشعرون ويحك أيها المفتون إن احتجاجك بمال عبد الرحمن بن عوف مكيدة من الشيطان ينطق بها على لسانك فتهلك لأنك متى زعمت أن أخيار الصحابة أرادوا المال للتكاثر والشرف والزينة فقد اغتبت السادة ونسبتهم إلى أمر عظيم ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى وأفضل من تركه فقد إزدريت محمدا والمرسلين ونسبتهم إلى قلة الرغبة والزهد في هذا الخير الذي رغبت فيه أنت وأصحابك من جمع المال ونسبتهم إلى الجهل إذ لم يجمعوا المال كما جمعت ومتى زعمت أن جمع المال الحلال أعلى من تركه فقد زعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينصح للأمة إذ نهاهم عن جمع المال حديث النهي عن جمع المال أخرجه ابن عدي من حديث ابن مسعود ما أوحى الله إلى أن أجمع المال وأكون من الفاجرين الحديث ولأبي نعيم والخطيب في التاريخ والبيهقي في الزهد من حديث الحارث بن سويد في أثناء الحديث لا تجمعوا ما لا تأكلون وكلاهما ضعيف وقد علم أن جمع المال خير للأمة فقد غشهم بزعمك حين نهاهم عن جمع المال كذبت ورب السماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان للأمة ناصحا وعليهم مشفقا وبهم رءوفا ومتى زعمت أن جمع المال أفضل فقد زعمت أن الله عز وجل لم ينظر لعباده حين نهاهم عن جمع المال وقد علم أن جمع المال خير لهم أو زعمت أن الله تعالى لم يعلم أن الفضل في الجمع فلذلك نهاهم عنه وأنت عليم بما في المال من الخير والفضل لذلك رغبت في الاستكثار كأنك أعلم بموضع الخير والفضل من ربك تعالى الله عن جهلك أيها المفتون تدبر بعقلك ما دهاك به الشيطان حين زين لك الاحتجاج بمال الصحابة ويحك ما ينفعك الاحتجاج بمال عبد الرحمن بن عوف وقد ود عبد الرحمن بن عوف في القيامة أنه لم يؤت من الدنيا إلا قوتا وقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا نخاف على عبد الرحمن فيما ترك فقال كعب سبحان الله وما تخافون على عبد الرحمن كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا فمر بعظم لحى بعير فأخذه بيده ثم انطلق يريد كعبا فقيل لكعب إن أبا ذر يطلبك فخرج هاربا حتى دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر وأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر فقال له أبو ذر هيه يا ابن اليهودية تزعم أن لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف ولقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما نحو أحد وأنا معه فقال يا أبا ذر فقلت لبيك يا رسول الله فقال الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله وقدامه وخلفه وقليل ما هم ثم قال يا أبا ذر قلت نعم يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال ما يسرني أن لي مثل أحد أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وأترك منه قيراطين قلت أو قنطارين يا رسول الله قال بل قيراطان ثم قال يا أبا ذر أنت تريد الأكثر وأنا أريد الأقل حديث أبي ذر الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا الحديث متفق عليه وقد تقدم دون هذه الزيادة التي في أوله من قول كعب حين مات عبد الرحمن بن عوف كسب طيبا وترك طيبا وإنكار أبي ذر عليه فلم أقف على هذه الزيادة إلا في قول الحارث بن أسد المحاسبي بلغني كما ذكره المصنف وقد رواها أحمد وأبو يعلى أخصر من هذا ولفظ كعب إذا كان قضى عنه حق الله فلا بأس به فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أحب لو كان هذا الجبل لي ذهبا الحديث وفيه ابن لهيعة فرسول الله يريد هذا وأنت تقول يا ابن اليهودية لا بأس بما ترك عبد الرحمن بن عوف كذبت وكذب من قال فلم يرد عليه خوفا حتى خرج وبلغنا أن عبد الرحمن بن عوف قدمت عليه عير من اليمن فضجت المدينة ضجة واحدة فقالت عائشة رضي الله عنها ما هذا قيل عير قدمت لعبد الرحمن قالت صدق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك عبد الرحمن فسألها فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني رأيت الجنة فرأيت فقراء المهاجرين والمسلمين يدخلون سعيا ولم أر أحدا من الأغنياء يدخلها معهم إلا عبد الرحمن بن عوف يدخلها معهم حبوا حديث عائشة رأيت الجنة فرأيت فقراء المهاجرين والمسلمين يدخلون سعيا الحديث في أن عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا رواه أحمد مختصرا في كون عبد الرحمن يدخل حبوا دون ذكر فقراء المهاجرين والمسلمين وفيه عمارة بن زاذان مختلف فيه فقال عبد الرحمن إن العير وما عليها في سبيل الله وإن أرقاءها أحرارا لعلي أدخلها معهم سعيا وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن عوف أما إنك أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي وما كدت أن تدخلها إلا حبوا حديث أنه قال أما إنك أول من يدخل الجنة من أغنياء أمتي وما كدت تدخلها إلا حبوا أخرجه البزار من حديث أنس بسند ضعيف والحاكم من حديث عبد الرحمن ابن عوف يا ابن عوف إنك من الأغنياء ولن تدخل الجنة إلا زحفا وقال صحيح الإسناد قلت بل ضعيف فيه خالد بن أبي مالك ضعفه الجهور ويحك أيها المفتون فما احتجاجك بالمال وهذا عبد الرحمن في فضله وتقواه وصنائعه المعروف وبذله الأموال في سبيل الله مع صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبشراه بالجنة حديث بشر النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف بالجنة أخرجه الترمذي والنسائي في الكبرى من حديثه أبو بكر في الجنة الحديث وفيه وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وهو عند الأربعة من حديث سعيد بن زيد قال البخاري والترمذي وهذا أصح أيضا يوقف في عرصات القيامة وأهوالها بسبب ماله كسبه من حلال للتعفف ولصنائع المعروف وأنفق منه قصدا وأعطى في سبيل الله سمحا منع من السعي إلى الجنة مع الفقراء المهاجرين وصار يحبو في آثارهم حبوا فما ظنك بأمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وبعد فالعجب كل العجب لك يا مفتون تتمرغ في تخاليط الشبهات والسحت وتتكالب على أوساخ الناس وتتقلب في الشهوات والزينة والمباهاة وتتقلب في فتن الدنيا ثم تحتج بعبد الرحمن وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة كأنك أشبهت السلف وفعلهم ويحك إن هذا من قياس إبليس ومن فتياه لأوليائه وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف لتعرف فضائحك وفضل الصحابة ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل الله فكسبوا حلالا وأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا ولم يمنعوا منها حقا ولم يبخلوا بها لكنهم جادوا لله بأكثرها وجاد بعضهم بجميعها وفي الشدة آثروا الله على أنفسهم كثيرا فبالله أكذلك أنت والله إنك لبعيد الشبه بالقوم وبعد فإن أخيار الصحابة كانوا للمسكنة محبين ومن خوف الفقر آمنين وبالله في أرزاقهم واثقين وبمقادير الله مسرورين وفي البلاء راضين وفي الرخاء شاكرين وفي الضراء صابرين وفي السراء حامدين وكانوا لله متواضعين وعن حب العلو والتكاثر ورعين لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم بالبلغة منها وزجوا الدنيا وصبروا على مكارهها وتجرعوا مرارتها وزهدوا في نعيمها وزهرتها فبالله أكذلك أنت ولقد بلغنا أنهم كانوا إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا ذنب عجلت عقوبته من الله وإذا رأوا الفقر مقبلا قالوا مرحبا بشعار الصالحين وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيبا حزينا وإذا لم يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا وإذا كان عندهم شيء فرحوا وأنت لست كذلك قال إني إذا أصبحت وليس عند عيالي شيء فرحت إذ كان لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وإذا كان عند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد أسوة وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا ما لنا وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا الآن تعاهدنا ربنا فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفنا فبالله أكذلك أنت إنك لبعيد الشبه بالقوم وسأصف لك أحوالك أيها المفتون ضدا لأحوالهم وذلك أنك تطغى عند الغنى وتبطر عند الرخاء وتمرح عند السراء وتغفل عن شكر ذي النعماء وتقنط عند الضراء وتسخط عند البلاء ولا ترضى بالقضاء نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم وأنت تدخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله عز وجل وقلة اليقين بضمانه وكفى به إثما وعساك تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها ولقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم فربت عليهم أجسامهم حديث شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الحديث تقدم ذكره في أوائل كتاب ذم البخل عند الحديث الرابع منه من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة سنة وبلغنا أن بعض أهل العلم قال ليجيء يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم فيقال لهم أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها وأنت في غفلة قد حرمت نعيم الآخرة بسبب نعيم الدنيا فيا لها حسرة ومصيبة نعم وعساك أن تجمع المال للتكاثر والعلو والفخر والزينة في الدنيا وقد بلغنا أنه من طلب الدنيا للتكاثر أو للتفاخر لقي الله وهو عليه غضبان وأنت غير مكترث بما حل بك من غضب ربك حين أردت التكاثر والعلو نعم وعساك المكث في الدنيا أحب إليك من النقلة إلى جوار الله فأنت تكره لقاء الله والله للقائك أكره وأنت في غفلة وعساك تأسف على ما فاتك من عرض الدنيا وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أسف على دنيا فاتته اقترب من النار مسيرة شهر وقيل سنة وأنت تأسف على ما فاتك غير مكترث بقربك من عذاب الله نعم ولعلك تخرج من دينك أحيانا لتوفير دنياك وتفرح بإقبال الدنيا عليك وترتاح لذلك سرورا بها وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أحب الدنيا وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه حديث من أحب الدنيا وسر بها ذهب خوف الآخرة من قلبه لم أجده إلا بلاغا للحارث بن أسد المحاسبي كما ذكره المصنف عنه وبلغنا أن بعض أهل العلم قال إنك تحاسب على التحزن على ما فاتك من الدنيا وتحاسب بفرحك في الدنيا إذا قدرت عليها وأنت فرح بدنياك وقد سلبت الخوف من الله تعالى وعساك تعنى بأمور دنياك أضعاف ما تعنى بأمور آخرتك وعساك ترى مصيبتك في معاصيك أهون من مصيبتك في انتقاص دنياك ونعم وخوفك من ذهاب مالك أكثر من خوفك من الذنوب وعساك تبذل للناس ما جمعت من الأوساخ كلها للعلو والرفعة في الدنيا وعساك ترضى المخلوقين مساخطا لله تعالى كيما تكرم وتعظم ويحك فكأن احتقار الله تعالى لك في القيامة أهون عليك من احتقار الناس إياك وعساك تخفي من المخلوقين مساويك ولا تكترث باطلاع الله عليك فيها فكأن الفضيحة عند الله أهون عليك من الفضيحة عند الناس فكأن العبيد أعلى عندك قدرا من الله تعالى الله عن جهلك فكيف تنطق عند ذوي الألباب وهذه المثالب فيك أف لك متلوثا بالأقذار وتحتج بمال الأبرار هيهات هيهات ما أبعدك عن السلف الأخيار والله لقد بلغني أنهم كانوا فيما أحل لهم أزهد منكم فيما حرم عليكم إن الذي لا بأس به عندكم كان من الموبقات عندهم وكانوا للزلة الصغيرة أشد استعظاما منكم لكبائر المعاصي فليت أطيب مالك وأحله مثل شبهات أمولهم وليتك أشفقت من سيئاتك كما أشفقوا على حسناتهم أن لا تقبل ليت صومك على مثال إفطارهم وليت اجتهادك في العبادة مثل فتورهم ونومهم وليت جميع حسناتك مثل واحدة من سيئاتهم وقد بلغني عن بعض الصحابة أنه قال غنيمة الصديقين ما فاتهم من الدنيا ونهمتهم ما زوى عنهم منها فمن لم يكن كذلك فليس معهم في الدنيا ولا معهم في الآخرة فسبحان الله كم بين الفريقين من التفاوت فريق خيار الصحابة في العلو عند الله وفريق أمثالكم في السفالة أو يعفو الله الكريم بفضله وبعد فإنك إن زعمت أنك متأس بالصحابة بجمع المال للتعفف والبذل في سبيل الله فتدبر أمرك ويحك هل تجد من الحلال في دهرك كما وجدوا في دهرهم أو تحسب أنك محتاط في طلب الحلال كما احتاطوا لقد بلغني أن بعض الصحابة قال كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام أفتطمع من نفسك في مثل هذا الاحتياط لا ورب الكعبة ما أحسبك كذلك ويحك كن على يقين أن جمع المال لأعمال البر مكر من الشيطان ليوقعك بسبب البر في اكتساب الشبهات الممزوجة بالسحت والحرام وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اجترأ على الشبهات أوشك أن يقع في الحرام حديث من اجترأ على الشبهات أوشك أن يقع في الحرام متفق عليه من حديث النعمان بن بشير نحوه وقد تقدم في كتاب الحلال والحرام أول الحديث أيها المغرور أما علمت أن خوفك من اقتحام الشبهات أعلى وأفضل وأعظم لقدرك عند الله من اكتساب الشبهات وبذلها في سبيل الله وسبيل البر بلغنا ذلك عن بعض أهل العلم قال لأن تدع درهما واحدا مخافة أن لا يكون حلالا خير لك من أن تتصدق بألف دينار من شبهة لا تدري أيحل لك أم لا فإن زعمت أنك أتقى وأورع من أن تتلبس بالشبهات وإنما تجمع المال بزعمك من الحلال للبذل في سبيل الله ويحك إن كنت كما زعمت بالغا في الورع فلا تتعرض للحساب فإن خيار الصحابة خافوا المسألة وبلغنا أن بعض الصحابة قال ما سرني أن أكتسب كل يوم ألف دينار من حلال وأنفقها في طاعة الله ولم يشغلني الكسب عن صلاة الجمعة قالوا ولم ذاك رحمك الله قال لأني غني عن مقام يوم القيامة فيقول عبدي من أين اكتسبت وفي أي شيء أنفقت فهؤلاء المتقون كانوا في جدة الإسلام والحلال موجود لديهم تركوا المال وجلا من الحساب مخافة أن لا يقوم خير المال بشره وأنت بغاية الأمن والحلال في دهرك مفقود تتكالب على الأوساخ ثم تزعم أنك تجمع المال من الحلال ويحك أين الحلال فتجمعه وبعد فلو كان الحلال موجودا لديك أما تخاف أن يتغير عند الغنى قلبك وقد بلغنا أن بعض الصحابة كان يرث المال الحلال فيتركه مخافة أن يفسد قلبه أفتطمع أن يكون قلبك أنقى من قلوب الصحابة فلا يزول عن شيء من الخلق في أمرك وأحوالك لئن ظننت ذلك لقد أحسنت الظن بنفسك الأمارة بالسوء ويحك إني لك ناصح أرى لك أن تقنع بالبلغة ولا تجمع المال لأعمال البر ولا تتعرض للحساب فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من نوقش الحساب عذب حديث من نوقش الحساب عذب متفق عليه من حديث عائشة وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم يؤتى برجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار ويؤتى برجل قد جمع مالا من حرام وأنفقه في حلال فيقال اذهبوا به إلى النار ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حلال فيقال له قف لعلك قصرت في طلب هذا بشيء مما فرضت عليك من صلاة لم تصلها لوقتها وفرطت في شيء من ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت في حلال ولم أضيع شيئا فرضت علي فيقال لعلك اختلت في هذا المال في شيء من مركب أو ثوب باهيت به فيقول لا يا رب لم أختل ولم أباه في شيء فيقال لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فيقول لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت في حلال ولم أضيع شيئا مما فرضت علي ولم أختل ولم أباه ولم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطيه قال فيجئ أولئك فيخاصمونه فيقولون يا رب أعطيته وأغنيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته أن يعطينا فإن كان أعطاهم وما ضيع من ذلك شيئا من الفرائض ولم يختل في شيء فيقال قف الآن هات شكر كل نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لذة فلا يزال يسئل حديث يؤتى بالرجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام فيقال اذهبوا به إلى النار الحديث بطوله لم أقف له على أصل ويحك فمن ذا الذي يتعرض لهذه المسألة التي كانت لهذا الرجل الذي تقلب في الحلال وقام بالحقوق كلها وأدى الفرائض بحدودها حوسب هذه المحاسبة فكيف ترى يكون حال أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها وشبانها وشهواتها وزينتها ويحك لأجل هذه المسائل يخاف المتقون أن يتلبسوا بالدنيا فرضوا بالكفاف منها وعملوا بأنواع البر من كسب المال فلك ويحك بهؤلاء الأخيار أسوة فإن أبيت ذلك وزعمت أنك بالغ من الورع والتقى ولم تجمع المال إلا من حلال بزعمك للتعفف والبذل في سبيل الله ولم تنفق شيئا من الحلال إلا بحق ولم يتغير بسبب المال قلبك عما يحب الله ولم تسخط الله في شيء من سرائرك وعلانيتك ويحك فإن كنت كذلك ولست كذلك فقد ينبغي لك أن ترضى بالبلغة وتعتزل ذوي الأموال إذا وقفوا للسؤال وتسق مع الرعيل الأول في زمرة المصطفى لا حبس عليك للمسألة والحساب فإما سلامة وإما عطب فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يدخل صعاليك المهاجرين قبل أغنيائهم الجنة بخمسمائة عام حديث يدخل صعاليك المهاجرين قبل أغنيائهم الجنة بخمسمائة عام أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد بلفظ فقراء مكان صعاليك ولهما وللنسائي في الكبرى من حديث أبي هريرة يدخل الفقراء الجنة الحديث ولمسلم من حديث عبد الله بن عمر إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء إلى الجنة بأربعين خريفا وقال عليه السلام يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم فيأكلون ويتمتعون والآخرون جثاة على ركبهم فيقول قبلكم طلبتي أنتم حكام الناس وملوكهم فأروني ماذا صنعتم فيما أعطيتكم حديث يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم فيتمتعون ويأكلون الحديث لم أر له أصلا وبلغنا أن بعض أهل العلم قال ما سرني أن لي حمر النعم ولا أكون في الرعيل الأول مع محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه يا قوم فاستبقوا السباق مع المخفين في زمرة المرسلين عليهم السلام وكونوا وجلين من التخلف والانقطاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجل المتقين لقد بلغني أن بعض الصحابة وهو أبو بكر رضي الله عنه عطش فاستسقى فأتي بشربة من ماء وعسل فلما ذاقه خنقته العبرة ثم بكى وأبكى ثم مسح الدموع عن وجهه وذهب ليتكلم فعاد في البكاء فلما أكثر البكاء قيل له أكل هذا من أجل هذه الشربة قال نعم بينا أنا ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه أحد في البيت غيري فجعل يدفع عن نفسه وهو يقول إليك عني فقلت له فداك أبي وأمي ما أرى بين يديك أحدا فمن تخاطب فقال هذه الدنيا تطاولت إلي بعنقها ورأسها فقالت لي يا محمد خذني فقلت إليك عني فقالت إن تنج مني يا محمد فإنه لا ينجو مني من بعدك فأخاف أن تكون هذه قد لحقتني تقطعني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث إن بعض الصحابة عطش فاستسقى بشربة ماء وعسل الحديث في دفع النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا عن نفسه وقوله إليك عني الحديث أخرجه البزار والحاكم من حديث زيد بن أرقم وقال كنا عند أبي بكر فدعا بشراب فأتي بماء وعسل الحديث قال الحاكم صحيح الإسناد قلت بل ضعيف وقد تقدم قبل هذا الكتاب يا قوم فهؤلاء الأخبار بكوا وجلا أن تقطعهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من حلال ويحك أنت في أنواع من النعم والشهوات من مكاسب السحت والشبهات لا تخشى الانقطاع أف لك ما أعظم جهلك ويحك فإن تخلفت في القيامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد المصطفى لتنظرن إلى أهوال جزعت منها الملائكة والأنبياء ولئن قصرت عن السباق فليطولن عليك اللحاق ولئن أردت الكثرة لتصيرن إلى حساب عسير ولئن لم تقنع بالقليل لتصيرن إلى وقوف طويل وصراخ وعويل ولئن رضيت بأحوال المتخلفين لتقطعن عن أصحاب اليمين وعن رسول رب العالمين ولتبطئن عن نعيم المتنعمين ولئن خالفت أحوال المتقين لتكونن من المحتسبين في أهوال يوم الدين فتدبر ويحك ما سمعت وبعد فإن زعمت أنك في مثال خيار السلف قانع بالقليل زاهد في الحلال بذول لمالك مؤثر على نفسك لا تخشى الفقر ولا تدخر شيئا لغدك مبغض للتكاثر والغنى راض بالفقر والبلاء فرح بالقلة والمسكنة مسرور بالذل والضعة كاره للعلو والرفعة قوي في أمرك لا يتغير عن الرشد قلبك قد حاسبت نفسك في الله وحكمت أمورك كلها على ما وافق رضوان الله ولن توقف في المسألة ولن يحاسب مثلك من المتقين وإنما تجمع المال الحلال للبذل في سبيل الله ويحك أيها المغرور فتدبر الأمر وأمعن النظر أما علمت أن ترك الاشتغال بالمال وفراغ القلب للذكر والتذكر والتذكار والفكر والاعتبار أسلم للدين وأيسر للحساب وأخف للمسألة وآمن من روعات القيامة وأجزل للثواب وأعلى لقدرك عند الله أضعافا بلغنا عن بعض الصحابة أنه قال لو أن رجلا في حجره دنانير يعطيها والآخر يذكر الله لكان الذاكر أفضل وسئل بعض أهل العلم عن الرجل يجمع المال لأعمال البر قال تركه أبر به وبلغنا أن بغض خيار التابعين سئل عن رجلين أحدهما طلب الدنيا حلالا فأصابها فوصل بها رحمه وقدم لنفسه وأما الآخر فإنه جانبها فلم يطلبها ولم يتناولها فأيهما أفضل قال بعيد والله ما بينهما الذي جانبها أفضل كما بين مشارق الأرض ومغاربها ويحك فهذا الفضل لك بترك الدنيا على من طلبها ولك في العاجل إن تركت الأشتغال بالمال وإن ذلك أروح لبدنك وأقل لتعبك وأنعم لعيشك وأرضى لبالك وأقل لهمومك فما عذرك في جمع المال وأنت بترك المال أفضل ممن طلب المال لأعمال البر نعم وشغلك بذكر الله أفضل من بذل المال في سبيل الله فاجتمع لك راحة العاجل مع السلامة والفضل في الآجل وبعد فلو كان في جمع المال فضل عظيم لوجب عليك في مكارم الأخلاق أن تتأسى بنبيك إذ هداك الله به وترضى ما اختاره لنفسه من مجانبة الدنيا ويحك تدبر ما سمعت وكن على يقين أن السعادة والفوز في مجانبة الدنيا فسر مع لواء المصطفى سابقا إلى جنة المأوى فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء وإذا استقرض لم يجد قرضا وليس له فضل كسوة إلا ما يواريه ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه يمسي مع ذلك ويصبح راضيا عن ربه فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا حديث سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء الحديث عزاه صاحب مسند الفردوس للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ سادة الفقراء في الجنة الحديث ولم أره في معاجم الطبراني ألا يا أخي متى جمعت هذا المال بعد هذا البيان فإنك مبطل فيما ادعيت أنك للبر والفضل تجمعه لا ولكنك خوفا من الفقر تجمعه وللنعيم والزينة والتكاثر والفخر والعلو والرياء والسمعة والتعظيم والتكرمة تجمعه ثم تزعم أنك لأعمال البر تجمع المال ويحك راقب الله واستحي من دعواك أيها المغرور ويحك إن كنت مفتونا بحب المال والدنيا فكن مقرا أن الفضل والخير في الرضا بالبلغة ومجانبة الفضول نعم وكن عند جمع المال مزريا على نفسك معترفا بإساءتك وجلا من الحساب فذلك أنجى لك وأقرب إلى الفضل من طلب الحجج لجمع المال إخواني اعلموا أن دهر الصحابة كان الحال فيه موجودا وكانوا مع ذلك من أورع الناس وأزهدهم في المباح لهم ونحن في دهر الحلال فيه مفقودا وكيف لنا من الحلال مبلغ القوت وستر العورة فأما جمع المال في دهرنا فأعاذنا الله وإياكم منه وبعد فأين لنا بمثل تقوى الصحابة وورعهم ومثل زهدهم واحتياطهم وأين لنا مثل ضمائرهم وحسن نياتهم دهينا ورب السماء بأدواء النفوس وأهوائها وعن قريب يكون الورود فيا سعادة المخفين يوم النشور وحزن طويل لأهل التكاثر والتخاليط وقد نصحت لكم إن قبلتم والقابلون لهذا قليل وفقنا الله وإياكم فكل خير برحمته آمين هذا آخر كلامه وفيه كفاية في إظهار فضل الفقر على الغنى ولا مزيد عليه ويشهد لذلك جميع الأخبار التي أوردناها في كتاب ذم الدنيا وفي كتاب الفقر والزهد ويشهد له أيضا ما روي عن أبي أمامة الباهلي أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة أما لك في أسوة أما ترضى أن تكون مثل نبي الله تعالى أما والذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت قال والذي بعثك بالحق نبيا لئن دعوت الله أن يرزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه ولأفعلن ولأفعلن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالا فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في الجماعة ويدع ما سواهما ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الجماعة إلا الجمعة وهي تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة وطفق يلقى الركبان يوم الجمعة فيسألهم عن الأخبار في المدينة وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقال ما فعل ثعلبة بن حاطب فقيل يا رسول الله اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة وأخبر بأمره كله فقال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة قال وأنزل الله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وأنزل الله تعالى فرائض الصدقة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من جهينة ورجلا من بني سليم عن الصدقة وكتب لهما كتابا بأخذ الصدقة وأمرهما أن يخرجا فيأخذا من المسلمين وقال مرا بثعلبة بن حاطب وبفلان رجل من بني سليم وخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا جزيه ما هذه إلا أخت الجزية انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلى فانطلقا نحو السليمي فسمع بهما فقام إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم أستقبلهما بها فلما رأوها قالوا لا يجب عليك ذلك وما نريد نأخذ هذا منك قال بلى خذوها فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال أروني كتابكما فنظر فيه فقال هذه أخت الجزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآهما قال يا ويح ثعلبة قبل أن يكلماه ودعا للسليمي فأخبراه بالذي صنع ثعلبة وبالذي صنع السليمي فأنزل الله تعالى في ثعلبة ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة فسمع ما أنزل الله فيه فخرج حتى أتى ثعلبة فقال لا أم لك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عملك أمرتك فلم تطعني فلما أبى أن يقبل منه شيئا رجع إلى منزله فلما قبض رسول صلى الله عليه وسلم جاء بها إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه وجاء بها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأبى أن يقبلها منه وتوفي ثعلبة بعد في خلافة عثمان حديث أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب قال يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا قال يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه الحديث بطوله أخرجه الطبراني بسند ضعيف فهذا طغيان المال وشؤمه وقد عرفته من هذا الحديث ولأجل بركة الفقر وشؤم الغنى آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر لنفسه ولأهل بيته حتى روى عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال كانت لي من رسول الله منزلة وجاه فقال يا عمران إن لك عندنا منزلة وجاها فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقام وقمت معه حتى وقفت بباب منزل فاطمة فقرع الباب وقال السلام عليكم أأدخل فقالت ادخل يا رسول الله قال أنا ومن معي قالت ومن معك يا رسول الله فقال عمران بن حصين فقالت والذي بعثك بالحق نبيا ما علي إلا عباءة فقال اصنعي بها هكذا وهكذا وأشار بيده فقالت هذا جسدي فقد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت عليه خلقة فقال شدي بها على رأسك ثم أذنت له فدخل فقال السلام عليك يابنتاه كيف أصبحت قالت أصبحت والله وجعة وزادني وجعا على ما بي أني لست أقدر على طعام آكله فقد أجهدني الجوع فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا تجزعي يا بنتاه فوالله ما ذقت طعاما منذ ثلاثة وإني لأكرم على الله منك ولو سألت ربي لأطعمني ولكني آثرت الآخرة على الدنيا ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها أبشري فوالله إنك لسيدة نساء أهل الجنة فقالت فأين آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران فقال آسية سيدة نساء عالمها ومريم سيدة نساء عالمها وخديجة سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك إنكن في بيوت من قصب لا أذى فيها ولا صخب ثم قال لها اقنعي بابن عمك فوالله لقد زوجتك سيدا في الدنيا سيدا في الآخرة حديث عمران بن حصين كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وجاء فقال فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله وفيه لقد زوجتك سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة لم أجده من حديث عمران ولأحمد والطبراني من حديث معقل بن يسار وضأت النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال هل لك في فاطمة تعودها الحديث وفيه أما ترضين أن زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما وإسناده صحيح فانظر الآن إلى حال فاطمة رضي الله عنها وهي بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف آثرت الفقر وتركت المال ومن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم وما ورد من أخبارهم وآثارهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده وإن صرف إلى الخيرات إذ أقل ما فيه من أداء الحقوق والتوقي من الشبهات والصرف إلى الخيرات اشتغال لهم بإصلاحه وانصرافه عن ذكر الله إذ لا ذكر إلا مع الفراغ ولا فراغ مع شغل المال وقد روي عن جرير عن ليث قال صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السلام فقال أكون معك وأصحابك فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف فقال للرجل من أخذ الرغيف فقال لا أدري قال فانطق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها قال فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فاشتوى منه فأكل هو وذلك الرجل ثم قال للخشف قم بإذن الله فقام فذهب فقال للرجل أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف فقال لا أدري ثم انتهيا إلى وادي ماء فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء فلما جاوزا قال له أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف فقال لا أدري فانتهيا إلى مفازة فجلسا فأخذ عيسى عليه السلام يجمع ترابا وكثيبا ثم قال كن ذهبا بإذن الله تعالى فصار ذهبا فقسمه ثلاثة أثلاث ثم قال ثلث لي وثلث لك وثلث لمن أخذ الرغيف فقال أنا الذي أخذت الرغيف فقال كله لك وفارقه عيسى عليه السلام فانتهى إليه رجلان في المفازة ومعه المال فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه فقال هو بيننا أثلاثا فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله قال فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال لكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما وآخذ المال وحدي قال ففعل وقال ذانك الرجلان لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ولكن إذا رجع قتلناه واقتسمنا المال بيننا قال فلما رجع إليهما قتلاه وأكلا الطعام فماتا فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده قتلى فمر بهم عيسى عليه السلام على تلك الحالة فقال لأصحابه هذه الدنيا فاحذروها وحكي أن ذا القرنين أتى على أمة من الأمم ليس بأيديهم شيء مما يستمتع به الناس من دنياهم قد احتفروا قبورا فإذا أصبحوا تعهدوا تلك القبور وكنسوها وصلوا عندها ورعوا البقل كما ترعى البهائم وقد قيض لهم في ذلك معايش من نبات الأرض وأرسل ذو القرنين إلى ملكهم فقال له أجب ذو القرنين فقال مالي إليه حاجة فإن كان له حاجة فليأتني فقال ذو القرنين صدق فأقبل إليه ذو القرنين وقال له أرسلت إليك لتأتيني فأبلت فها أنا قد جئت فقال لو كان لي إليك حاجة لأتيتك فقال له ذو القرنين مالي أراكم على حالة لم أر أحدا من الأمم عليها قال وما ذاك قال ليس لكم دنيا ولا شيء أفلا اتخذتم الذهب والفضة فاستمتعتم بهما قالوا إنما كرهناهما لأن أحدا لم يعط منهما شيئا إلا تاقت نفسه ودعته إلى ما هو أفضل منه فقال ما بالكم قد احتفرتم قبورا فإذا أصبحتم تعاهدتموها فكنستموها وصليتم عندها قالوا أردنا إذا نظرنا إليها وأملنا الدنيا منعتنا قبورنا من الأمل قال وأراكم لا طعام لكن إلا البقل من الأرض أفلا اتخذتم البهائم من الأنعام فاحتلبتموها وركبتموها فاستمتعتم بها قالوا كرهنا أن نجعل بطوننا قبورا لها ورأينا في نبات الأرض بلاغا وإنما يكفي ابن أدنى العيش من الطعام وإيما ما جاوز الحنك من الطعام لم نجد له طعما كائنا ما كان من الطعام ثم بسط ملك تلك الأرض يده خلف ذي القرنين فتناول جمجمة فقال ياذا القرنين أتدري من هذا قال لا ومن هو قال ملك من ملوك الأرض أعطاه الله سلطانا على أهل الأرض فغشم وظلم وعتا فلما رأى الله سبحانه ذلك منه جسمه بالموت فصار كالحجر الملقى وقد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته ثم تناول جمجمة أخرى بالية فقال ياذا القرنين هل تدري من هذا قال لا أدري ومن هو قال هذا ملك ملكه الله بعده قد كان يرى ما يصنع الذي قبله بالناس من الغشم والظلم والتجبر فتواضع وخشع لله عز وجل وأمر بالعدل في أهل مملكته فصار كما ترى قد أحصى الله عليه عمله حتى يجزيه به في آخرته ثم أهوى إلى جمجمة ذي القرنين فقال وهذه الجمجمة قد كانت كهذين فانظر ياذا القرنين ما أنت صانع فقال له ذو القرنين هل لك في صحبتي فاتخذك أخا ووزيرا وشريكا فيما آتاني الله من هذا المال قال ما أصلح أنا وأنت في مكان ولا أن نكون جميعا قال ذو القرنين ولم قال من أجل أن الناس كلهم لك عدو ولي صديق قال ولم قال يعادونك لما في يديك من الملك والمال والدنيا ولا أجد أحدا يعاديني لرفضي لذلك ولما عندي من الحاجة وقلة الشيء قال فانصرف عنه ذو القرنين متعجبا منه ومتعظا به فهذه الحكايات تدلك على آفات الغنى مع ما قدمناه من قبل وبالله التوفيق تم كتاب ذم المال والبخل بحمد الله تعالى وعونه ويليه كتاب ذم الجاه والرياء.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: