كتاب التوبة

كتاب التوبة

وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب ، وبذكره يصدر كل خطاب ، وبحمده يتنعم أهل النعيم في دار الثواب ، وباسمه يتسلى الأشقياء وإن أرخى دونهم الحجاب ، وضرب بينهم وبين السعداء بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ومسبب الأسباب ، ونرجوه رجاء من يعلم أنه الملك الرحيم الغفور التواب ، ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا يرتاب ، أنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب.

ونصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه صلاة تنقذنا من هول المطلع يوم العرض والحساب. وتمهد لنا عند الله زلفى وحسن مآب.

أما بعد فإن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب ، مبدأ طريق السالكين ، ورأس مال الفائزين ، وأول أقدام المريدين ، ومفتاح استقامة المائلين ، ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين ، ولأبينا آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين ، وما أجدر بالأولاد الاقتداء بالآباء والأجداد ، فلا غرو إن أذنب الآدمي واجترم فهي شنشنة نعرفها من أخزم ، ومن أشبه أباه فما ظلم. ولكن الأب إذا جبر بعد ما كسر وعمر بعد أن هدم ، فليكن النزوع إليه في كلا طرفي النفي والإثبات والوجود والعدم ، ولقد قرع آدم سن الندم ، وتندم على ما سبق منه وتقدم. فمن اتخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلت به القدم ، بل التجرد لمحض الخير دأب الملائكة المقربين. والتجرد للشر دون التلافي سجية الشياطين ، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الآدميين ، فالمتجرد للخير ملك مقرب عند الملك الديان ، والمتجرد للشر شيطان ، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان ، فقد ازدوج في طينة الإنسان شائبتان ، واصطحب فيه سجيتان. وكل عبد مصحح نسبه إما إلى الملك أو إلى آدم أو إلى الشيطان ، فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حد الإنسان ، والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان ، فإما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد لمحض الخير فخارج عن حيز الإمكان ، فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين: نار الندم أو نار جهنم ، فالإحراق بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان ، وإليك الآن اختيار أهون النارين ، والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوي بساط الاختيار ، ويساق إلى دار الاضطرار ، إما إلى الجنة وإما إلى النار ، وإذا كانت التوبة موقعها من الدين هذا الموقع وجب تقديمها في صدر ربع المنجيات بشرح حقيقتها وشروطها وسببها وعلامتها وثمرتها والآفات المانعة منها والأدوية الميسرة لها ، ويتضح ذلك بذكر أربعة أركان: (الركن الأول) : في نفس التوبة وبيان حدها وحقيقتها ، وأنها واجبة على الفور وعلى جميع الأشخاص وفي جميع الأحوال ، وأنها إذا صحت كانت مقبولة. (الركن الثاني) : فيما عنه التوبة وهو الذنوب وبيان انقسامها إلى صغائر وكبائر ، وما يتعلق بالعباد ، وما يتعلق بحق الله تعالى وبيان كيفية توزع الدرجات والدركات على الحسنات والسيئات ، وبيان الأسباب التي بها تعظم الصغائر. (الركن الثالث) : في بيان شروط التوبة ودوامها ، وكيفية تدارك ما مضى من المظالم ، وكيفية تكفير الذنوب ، وبيان أقسام التائبين في دوام التوبة. (الركن الرابع ) : في السبب الباعث على التوبة وكيفية العلاج في حل عقدة الإصرار من المذنبين. ويتم المقصود بهذه الأركان الأربعة إن شاء الله عز وجل.

 

الركن الأول في نفس التوبة بيان حقيقة التوبة وحده

 

اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتثم من ثلاثة أمور مرتبة: علم ، وحال ، وفعل. فالعلم الأول ، والحال الثاني ، والفعل الثالث. والأول موجب للثاني ، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة الله في الملك والملكوت. أما العلم؛ فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب ، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب ، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم ، فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت ، فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال ، أما تعلقه (بالحال) فبالترك للذنب الذي كان ملابسا ، وأما (بالاستقبال) فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ، وأما (بالماضي) فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ، فالعلم هو الأول ، وهو مطلع هذه الخيرات ، وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة ، واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق ، وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه ، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه ، وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك ، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها ، وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ، ويجعل العلم كالسابق ، والمقدمة والترك كالثمرة ، والتابع المتأخر ، وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه وسلم : ((الندم توبة))[1] إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره ، وعن عزم يتبعه ويتلوه ، فيكون الندم محفوفا بطرفيه فيه أعني ثمرته ومثمره ، وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة: إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ، فإن هذا يعرض لمجرد الألم ، ولذلك قيل: هو نار في القلب تلتهب ، وصدع في الكبد لا ينشعب ، وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء ، ونشر بساط الوفاء. وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ،ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال. وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة. والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ، وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في حدودها قاصر عن الإحاطة بجميع معانيها ، وطلب العلم بحقائق الأمور أهم من طلب الألفاظ المجردة.

 

بيان وجوب التوبة وفضلها

 

اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار[2] والآيات ، وهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدرت على أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة. فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه ، وإما بصير يهدي إلى أول الطريق ثم يهتدي بنفسه ، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام ، فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوه فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا من كتاب الله أو سنة رسوله ، وربما يعوزه ذلك فيتحير ، فسير هذا – وإن طال عمره وعظم جده – مختصر وخطاه قاصرة. ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ، فيتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه نور القرآن ونور الإيمان ، وهو لشدة نور باطنه يجتزيء بأدنى بيان ، فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ، فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ، وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة ، فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ، ثم إلى الوجوب ما معناه ، ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها ، وذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد ، والنجاة من هلاك الأبد فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى. وقول القائل: صار واجبا بالإيجاب ، حديث محض ،  فإن مالا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به ، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه ، فإذا عرف معنى الوجوب ، وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد ، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى ، وأن كل محجوب عنه يشقى لا محاله محول بينه وبين ما يشتهي ، محترق بنار الفراق ونار الجحيم ، وعلم أنه لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات ، والأنس بهذا العالم الفاني ، والإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا ، وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم ، والإقبال بالكلية على الله طلبا للأنس به بدوام ذكره ، وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته ، وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب ، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم ، فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في طريق البعد ، وما لم يتوجع فلا يرجع ومعنى الرجوع الترك والعزم فلا يشك في أن المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول إلى المحبوب وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة ، وأما من لم يترشح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق ، ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك ، فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله ، وقول السلف الصالحين فقد قال الله تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ (النور : 31)  وهذا أمر على العموم ، وقال الله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ﴾ (التحريم : 8)  الآية ومعنى النصوح : الخالص لله تعالى خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ويدل على فضل التوبة قوله تعالى : ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ (البقرة : 222) وقال صلى الله عليه وسلم : ((التائب حبيب الله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له))[3] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومه فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت ، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه ، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته))[4] وفي بعض الألفاظ      (( قال من شدة فرحه إذ أراد شكر الله: أنا ربك وأنت عبدي)) ويروى عن الحسن قال: لما تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام هنأته الملائكة وهبط عليه جبريل وميكائيل عليهما السلام فقالا: يا آدم قرت عينك بتوبة الله عليك ، فقال آدم عليه السلام: يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة سؤال فأين مقامي ؟ فأوحى الله إليه: يا آدم ورثت ذويك التعب والنصب وورثتهم التوبة ، فمن دعاني منهم لبيته كما لبيتك ومن سألني المغفرة لم أبخل عليه لأني قريب مجيب ، يا آدم وأحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب ، والأخبار والآثار في ذلك لا تحصى ، والإجماع منعقد من الأمة على وجوبها ، إذ معناه العلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات ومبعدات من الله تعالى ، وهذا داخل في وجوب الإيمان ولكن قد تدهش الغفلة عنه ، فمعنى هذا العلم إزالة هذه الغفلة ، ولا خلاف في وجوبها ، ومن معانيها: ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال ، وذلك لا يشك في وجوبه . وأما التندم على ما سبق والتحزن عليه فواجب ، وهو روح التوبة ، وبه تمام التلافي ، فكيف لا يكون واجبا ؟ بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط الله.

فإن قلت : تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار ، فكيف يوصف بالوجوب ؟ فاعلم أن سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب وله سبيل إلى تحصيل سببه ، وبمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم يخلقه العبد ويحدثه في نفسه فإن ذلك محال ، بل العلم والندم والفعل والإرادة والقدرة والقادر الكل من خلق الله وفعله          ﴿والله خلقكم وما تعملون ﴾ (الصافات : 96) هذا هو الحق عند ذوي الأبصار وما سوى هذا ضلال.

فإن قلت : أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ؟ قلنا: نعم ، وذلك لا يناقض قولنا: إن الكل من خلق الله تعالى ، بل الاختيار أيضا من خلق الله ، والعبد مضطر في الاختيار الذي له ، فإن الله إذا خلق اليد الصحيحة وخلق الطعام اللذيذ ، وخلق الشهوة للطعام في المعدة ، وخلق العلم في القلب بأن هذا الطعام يسكن الشهوة ، وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام هل فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة ، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا ، ثم خلق العلم بأنه لا مانع ، ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الارادة الباعثة على التناول ، فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمى اختيارا ، ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه ، فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق الله تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة ، إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا فتحصل الحركة ، فتكون الحركة بخلق الله بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة ، وهما أيضا من خلق الله ، وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع ، وهما أيضا من خلق الله تعالى ، ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتيبا جرت به سنة الله تعالى في خلقه ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب : 62 ، الفتح : 23) فلا يخلق الله حركة اليد بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمى قدرة ، وما لم يخلق فيها حياة ، وما لم يخلق إرادة مجزومة ، ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في النفس ، ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تاما ما لم يخلق علما بأنه موافق للنفس إما في الحال أو في المآل ، ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى حركة وإرادة وعلم ؛ فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع الإرادة الجازمة ، والقدرة والإرادة أبدا تستردف الحركة ، وهكذا الترتيب في كل فعل ، والكل من اختراع الله تعالى ، ولكن بعض مخلوقاته شرط لبعض ، فلذلك يجب تقدم البعض ، وتأخر البعض كما لا تخلق الإرادة إلا بعد العلم ، ولا يخلق العلم إلا بعد الحياة ، ولا تخلق الحياة إلا بعد الجسم ، فيكون خلق الجسم شرطا لحدوث الحياة ، لا أن الحياة تتولد من الجسم ، ويكون خلق الحياة شرطا لخلق العلم ، لا أن العلم يتولد من الحياة ، ولكن لا يستعد المحل لقبول العلم إلا إذا كان حيا ، ويكون خلق العلم شرطا لجزم الإرادة ، لا أن العلم يولد الإرادة ، ولكن لا يقبل الإرادة إلا جسم حى عالم ، ولا يدخل في الوجود إلا ممكن ، والإمكان ترتيب لا يقبل التغيير لأن تغييره محال ، فمهما وجد شرط الوصف استعد المحل به لقبول الوصف فحصل ذلك الوصف من الجود الإلهي والقدرة الأزلية عند حصول الاستعداد ، ولما كان للاستعداد بسبب الشروط ترتيب كان لحصول الحوادث بفعل الله تعالى ترتيب ، والعبد مجرى هذه الحوادث المرتبة ، وهي مرتبة في قضاء الله تعالى الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير ، وظهورها بالتفصيل مقدر بقدر لا يتعداها وعنه العبارة بقوله تعالى: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ (القمر : 49) وعن القضاء الكلي الأزلي العبارة بقوله تعالى: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ (القمر : 50) وأما العباد فإنهم مسخرون تحت مجاري القضاء والقدر ، ومن جملة القدر خلق حركة في يد الكاتب بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة ، وبعد خلق ميل قوي جازم في نفسه يسمى القصد ، وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك والمعرفة ، فإذا ظهرت من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت قهر التقدير سبق أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت ، وقالوا: يا أيها الرجل قد تحركت ورميت وكتبت ، ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ (الأنفال : 17) وما قتلت إذ قتلت ولكن ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾(التوبة : 14)  وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة فمن قائل إنه جبر محض ، ومن قائل إنه اختراع صرف ، ومن متوسط مائل إلى أنه كسب ، ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق من وجه ، وأن القصور شامل لجميعهم ، فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط علمه بجوانبه ، وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوة نافذة إلى عالم الغيب ، وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، وقد يطلع على الشهادة من لم يدخل في حيز الارتضاء ، ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم علما يقينا أن لا خالق إلا الله ولا مبدع سواه.

فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع ، والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض ، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل ، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه ،فقالوا : لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه ، فطلبوه ، فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجليه ، ووقع يد بعضهم على نابه ، ووقع يد بعضهم على أذنه ، فقالوا : قد عرفنا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم ، فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها ، وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه ، وأملس لا خشونة فيه ، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود ، وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين ، وفيه خشونة ، فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا هو مثل اسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل ، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل ، ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل ، فاستبصر بهذا المثال واعتبر به فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه ، وإن كان هذا كلاما يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها وليس ذلك من غرضنا ، فلنرجع إلى ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة : العلم والندم والترك ، وأن الندم داخل في الوجوب لكونه واقعا في جملة أفعال الله المحصورة بين علم العبد وإرادته وقدرته المتخللة بينها ، وما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله.

 

بيان أن وجوب التوبة على الفور

 

أما وجوبها على الفور فلا يستراب فيه ، إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان وهو واجب على الفور المتقصي عن وجوبه هو الذي عرفه معرفة زجره ذلك عن الفعل المكروه ، فإن هذه المعرفة ليست من علوم المكاشفات التي لا تتعلق بعمل ، بل هي من علوم المعاملة وكل علم يراد ليكون باعثا على عمل فلا يقع التقصي عن عهدته ما لم يصر باعثا عليه ؛ فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثا لتركها ، فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان ، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))[5] وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله ، فإن ذلك لا ينفيه الزنا والمعاصي ، وإنما أراد به نفي الإيمان لكون الزنا مبعدا عن الله تعالى موجبا للمقت ، كما إذا قال الطبيب : هذا سم فلا تتناوله ، فإذا تناوله يقال : تناول وهو غير مؤمن لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبا وغير مصدق به ، بل المراد أنه غير مصدق بقوله : إنه سم مهلك ، فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلا ، فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان وليس الإيمان بابا واحدا ، بل هو نيف وسبعون بابا ، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، ومثاله قول القائل : ليس الإنسان موجودا ، واحدا بل هو نيف وسبعون موجودا أعلاها القلب والروح ، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأضافر نقي البشرة عن الخبث حتى يتميز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها ، وهذا مثال مطابق ، فالإيمان كالإنسان ، وفقد شهادة التوحيد يوجد البطلان بالكلية كفقد الروح ، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة هو كإنسان مقطوع الأطراف مفقوع العينين فاقد لجميع أعضائه الباطنة والظاهرة لا أصل الروح ، وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التى تخلف عنها الأعضاء التى تمدها وتقويها ، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان وهو مقصر في الأعمال قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده ، فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه ، لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة لا ما يسقى بالطاعات على توالي الأيام والساعات حتى رسخ وثبت ، وقول العاصي للمطيع : إني مؤمن كما أنك مؤمن كقول شجرة القرع لشجرة الصنوبر : أنا شجرة وأنت شجرة ، وما أحسن جواب شجرة الصنوبر إذ قالت : ستعرفين اغترارك بشمول الاسم إذا عصفت رياح الخريف ، فعند ذلك تنقطع أصولك وتتناثر أوراقك وينكشف غرورك بالمشاركة في اسم الشجرة مع الغفلة عن أسباب ثبوت الأشجار :

سوف ترى إذا انجلى الغبار            أفرس تحتــك أم حمـــار

وهذا أمر يظهر عند الخاتمة ، وإنما انقطع نياط[6] العارفين خوفا من دواعي الموت ومقدماته الهائلة التي لا يثبت عليها إلا الأقلون ، فالعاصي إذا كان لا يخاف الخلود في النار بسبب معصيته كالصحيح المنهمك في الشهوات المضرة ، إذا كان لا يخاف الموت بسبب صحته وأن الموت غالبا لا يقع فجأة ، فيقال له : الصحيح يخاف المرض ثم إذا مرض خاف الموت ، وكذلك العاصي يخاف سوء الخاتمة ، ثم إذا ختم له بالسوء – والعياذ بالله – وجب الخلود في النار ، فالعاصي للإيمان كالمأكولات المضرة للأبدان ، فلا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الأخلاط وهو لا يشعر بها ، إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة ، فكذلك المعاصي فإذا كان الخائف من الهلاك في هذه الدنيا المنقضية يجب عليه ترك السموم وما يضره من المأكولات في كل حال وعلى الفور ، فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب عليه ذلك وإذا كان متناول السم إذا ندم يجب عليه أن يتقيأ ويرجع عن تناوله بإبطاله وإخراجه عن المعدة على سبيل الفور والمبادرة تلافيا لبدنه المشرف على هلاك لا يفوت عليه إلا هذه الدنيا الفانية ، فمتناول سموم الدين وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام يبقى للتدارك مهلة وهو العمر ، فإن المخوف من هذا السم فوات الآخرة الباقية التي فيها النعيم المقيم والملك العظيم ، وفي فواتها نار الجحيم والعذاب المقيم الذي تتصرم أضعاف أعمار الدنيا دون عشر عشير مدته ، إذ ليس لمدته آخر البتة ، فالبدار البدار إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملا يجاوز الأمر فيه الأطباء واختيارهم ، ولا ينفع بعده الاحتماء فلا ينجح بعد ذلك نصح الناصحين ، ووعظ الواعظين وتحق الكلمة عليه بأنه من الهالكين ، ويدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ (يس : 8 , 9 ، 10) ولا يغرنك لفظ الإيمان ، فتقول : المراد بالآية الكافر ، إذ بين لك أن الإيمان بضع وسبعون بابا ، وأن الزاني لا يزني حين يزني وهو مؤمن فالمحجوب عن الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في الخاتمة عن الإيمان الذي هو أصل كما أن الشخص الفاقد لجميع الأطراف التي هي حروف وفروع سيساق إلى الموت المعدم للروح التي هي أصل ، فلا بقاء للأصل دون الفرع ، ولا وجود للفرع دون الأصل ، ولا فرق بين الأصل والفرع إلا في شيء واحد : وهو أن وجود الفرع وبقاءه جميعا يستدعي وجود الأصل ، وأما وجود الأصل ، فلا يستدعي وجود الفرع ، فبقاء الأصل بالفرع ، ووجود الفرع بالأصل ، فعلوم المكاشفة وعلوم المعاملة متلازمة كتلازم الفرع والأصل ، فلا يستغني أحدهما عن الآخر وإن كان أحدهما في رتبة الأصل والآخر في رتبة التابع وعلوم المعاملة إذا لم تكن باعثه على العمل فعدمها خير من وجودها ، فإن هي لم تعمل عملها الذي تراد له قامت مؤيدة للحجة على صاحبها ، ولذلك يزاد في عذاب العالم الفاجر ، على عذاب الجاهل الفاجر كما أوردنا من الأخبار في كتاب العلم .

 

بيان أن وجوب التوبة عام في الأشخاص والأحوال فلا ينفك عنه أحد البتة

 

اعلم أن ظاهر الكتاب قد دل على هذا إذ قال تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ (النور : 31) فعمم الخطاب ، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه ، إذ معنى التوبة الرجوع عن الطريق المبعد عن الله المقرب إلى الشيطان ، ولا يتصور ذلك إلا من عاقل ، ولا تكمل غريزة العقل إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات المذمومة التي هي وسائل الشيطان إلى إغواء الإنسان . إذ كمال العقل إنما يكون عند مقاربة الأربعين ، وأصله إنما يتم عند مراهقة البلوغ ، ومباديه تظهر بعد سبع سنين ، والشهوات جنود الشيطان ، والعقول جنود الملائكة ، فإذا اجتمعا قام القتال بينهما بالضرورة ، إذ لا يثبت أحدهما للآخر لأنهما ضدان ، فالتطارد بينهما كالتطارد بين الليل والنهار والنور والظلمة ، ومهما غلب أحدهما أزعج الآخر بالضرورة ، وإذا كانت الشهوات تكمل في الصبا والشباب قبل كمال العقل فقد سبق جند الشيطان واستولى على المكان ووقع للقلب به أنس وإلف لا محالة مقتضيات الشهوات بالعادة وغلب ذلك عليه ويعسر عليه النزوع عنه ، ثم يلوح العقل الذي هو حزب الله وجنده ومنقذ أوليائه ، من أيدي أعدائه شيئا فشيئا على التدريج ، فإن لم يقو ولم يكمل سلمت مملكة القلب للشيطان ، وأنجز اللعين موعده حيث قال : ﴿لأحتنكن ذريته إلا قليلا ﴾ (الإسراء : 62) وإن كمل العقل وقوي كان أول شغله قمع حنود الشيطان بكسر الشهوات ومفارقة العادات ، ورد الطبع على سبيل القهر إلى العبادات ، ولا معنى للتوبة إلا هذا ، وهو الرجوع عن طريق دليله الشهوة وخفيره الشيطان ، إلى طريق الله تعالى ، وليس في الوجود آدمي إلا وشهوته سابقة على عقله وغريزته التي هي عدة الشيطان متقدمة على غريزته التي هي عدة الملائكة ، فكان الرجوع عما سبق إليه على مساعدة الشهوات ضروريا في حق كل إنسان نبيا كان أو غبيا ، فلا تظنن أن هذه الضرورة اختصت بآدم عليه السلام ، وقد قيل :

فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها           سجيـة نفس كـل غانية هنـــد

بل هو حكم أزلي مكتوب على جنس الإنس لا يمكن فرض خلافه ما لم تتبدل السنة الإلهية التي لا مطمع في تبديلها ، فإذن كل من بلغ كافرا جاهلا فعليه التوبة من جهله وكفره ، فإذا بلغ مسلما تبعا لأبويه غافلا عن حقيقة إسلامه فعليه التوبة من غفلته بتفهم معنى الإسلام ، فإنه لا يغني عنه إسلام أبويه شيئا ما لم يسلم بنفسه ، فإن فهم ذلك فعليه الرجوع عن عادته وإلفه للاسترسال ، وراء الشهوات من غير صارف بالرجوع إلى قالب حدود الله في المنع والإطلاق والانفكاك والاسترسال وهو من أشق أبواب التوبة ، وفيه هلك الأكثرون إذ عجزوا عنه ، وكل هذا رجوع وتوبة ، فدل على أن التوبة فرض عين في حق كل شخص يتصور أن يستغني عنها أحد من البشر كما لم يستغن آدم ، فخلقه الولد لا تتسع لما لم يتسع له خلقة الوالد أصلا . وأما بيان وجوبها على الدوام وفي كل حال فهو أن كل بشر فلا يخلو عن معصية بجوارحه ، إذ لم يخل عنه الأنبياء كما ورد في القرآن والأخبار من خطايا الأنبياء وتوبتهم وبكائهم على خطاياهم ، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب ، فإن خلا في بعض الأحوال عن الهم فلا يخلو عن وسواس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله ، فإن خلا عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله ، وكل ذلك نقص وله أسباب ، وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده والمراد بالتوبة الرجوع ، ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص ، وإنما يتفاوتون في المقادير ، فأما الأصل فلا بد منه ، ولهذا قال عليه السلام : (( إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة))[7] الحديث ،  ولذلك أكرمه الله تعالى بأن قال : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ (الفتح : 2) وإذا كان هذا حاله فكيف حال غيره .

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: