كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وهو الكتاب التاسع من ربع العادات الثاني من كتب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لا تستفتح الكتب إلا بحمده ولا تستمنح النعم إلا بواسطة كرمه ورفده والصلاة على سيد الأنبياء محمد رسوله وعبده وعلى آله الطيبين وأصحابه الطاهرين من بعده أما بعد فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الاعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلا بعملها أو متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الداثرة ناهضا بأعبائها ومتشمرا في إحيائها كان مستأثرا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها ومستبدا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها وها نحن نشرح علمه في أربعة أبواب الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته الباب الثاني في أركانه وشروطه الباب الثالث في مجاريه وبيان المنكرات المألوفة في العادات الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف ونهيهم عن المنكر الباب الأول في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضيلته والمذمة في إهماله وإضاعته ويدل على ذلك بعد إجماع الأمة عليه وإشارات العقول السليمة إليه الآيات والاخبار والآثار أما الآيات فقوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ففي الآية بيان الإيجاب فإن قوله تعالى ولتكن أمر وظاهر الأمر الإيجاب وفيها بيان أن الفلاح منوط به إذ حصر وقال وأولئك هم المفلحون وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف بل قال ولتكن منكم أمة فإذا مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة وقال تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله واليوم الآخر حتى اضاف إليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية وقال تعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون وهذا غاية التشديد إذ علل استحقاقهم للعنة بتركهم النهي عن المنكر وقال عز وجل كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وهذا يدل على فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ بين أنهم كانوا به خير أمة أخرجت للناس وقال تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فبين أنهم استفادوا النجاة بالنهي عن السوء ويدل ذلك على الوجوب أيضا وقال تعالى الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقرن ذلك بالصلاة والزكاة في نعت الصالحين والمؤمنين وقال تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان وهو أمر جزم ومعنى التعاون الحث عليه وتسهيل طرق الخير وسد سبل الشر والعدوان بحسب الإمكان وقال تعالى لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون فبين أنهم أثموا بترك النهي وقال تعالى فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض الآية فبين أنه أهلك جميعهم إلا قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم أو الوالدين والاقربين وذلك هو الأمر بالمعروف للوالدين والأقربين وقال تعالى لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه اجرا عظيما وقال تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما الآية والاصلاح نهي عن البغي وإعادة إلى الطاعة فإن لم يفعل فقد أمر الله تعالى بقتاله فقال فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله وذلك هو النهي عن المنكر وأما الأخبار فمنها ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم حديث أبي بكر أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتؤولونها على خلاف تأويلها يا أيها الذين آمنوا عليكم انفسكم الحديث أخرجه أصحاب السنن وتقدم في العزلة وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده وروى عن أبي ثعلبة الخشنى أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم حديث أبي ثعلبة أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه فقال يا أبا ثعلبة مر بالمعروف وانه عن المنكر فإذا رأيت شحا مطاعا وهوىمتبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع عنك العوام إن من ورائكم فتنا كقطع الليل المظلم للمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه أجر خمسين منكم قيل بل منهم يا رسول الله قال لا بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون عليه أعوانا وسئل ابن مسعود رضي الله عنه عن تفسير هذه الآية فقال إن هذا ليس زمانها إنها اليوم مقبولة ولكن قد اوشك أن يأتي زمانها تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا وتقولون فلا يقبل منكم فحينئذ عليكم انفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم حديث لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم أخرجه البزار من حديث عمر بن الخطاب والطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة وكلاهما ضعيف وللترمذي من حديث حذيفة نحوه إلا انه قال أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم قال هذا حديث حسن معناه تسقط مهابتهم من أعين الاشرار فلا يخافونهم وقال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله يقول لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم حديث يا أيها الناس إن الله سبحانه يقول لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم أخرجه أحمد والبيهقي من حديث عائشة بلفظ مروا وانهوا وهو عند ابن ماجه دون عزوه إلى كلام الله تعالى وفي إسناده لين وقال صلى الله عليه وسلم ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثةفي بحر لجي حديث ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله إلا كنفثة في بحر لجي رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس مقتصرا على الشطر الأول من حديث جابر بإسناد ضعيف وأما الشطر الأخير فرواه على بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من رواية يحيى بن عطاء مرسلا أو معضلا ولا أدري من يحيى بن عطاء وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله العبد حجته قال رب وثقت بك وفرقت من الناس حديث إن الله تعالى ليسأل العبد ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره الحديث أخرجه ابن ماجه وقد تقدم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والجلوس على الطرقات قالوا ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقها قالوا وما حق الطريق قال غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث إياكم والجلوس على الطرقاتالحديث متفق عليه من حديث أبي سعيد وقال صلى الله عليه وسلم كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ذكرا لله تعالى حديث كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف الحديث تقدم في العلم وقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يرى المنكر بين أظهرهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه حديث إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة حتى يروا المنكرالحديث أخرجه أحمد من حديث عدي بن عميرة وفيه من يسم والطبراني من حديث أخيه العرس بن عميرة وفيه من لم أعرفه وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كيف انتم إذا طغى نساؤكم وفسق شبانكم وتركتم جهادكم قالوا وان ذلك لكائن يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه يا رسول الله كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراوالمنكر معروفا قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف قالوا وكائن ذلك يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون يقول الله تعالى بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران حديث أبي أمامة كيف بكم إذا طغى نساؤكم وفسق شبابكم وتركتم جهادكم قالوا وإن ذلك كائن يا رسول الله قال نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون قالوا وما أشد منه قال كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا بإسناد ضعيف دون قوله كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ورواه أبو يعلي من حديث أبي هريرة مقتصرا على الاسئلة الثلاثة الأول واجوبتها دون الاخيرين وإسناده ضعيف وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه ولا تقفن عند رجل يضرب مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه حديث عكرمة عن ابن عباس لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه أخرجه الطبراني بسند ضعيف والبيهقي في شعب الإيمان بسند حسن قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له حديث لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له أخرجه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بسند الحديث الذي قبله وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره فإنه قال اللعنة تنزل على من حضر ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارا بأنه عاجز ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والاعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير وهذا يقتضي لزوم الهجر للخلق ولهذا قال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ما ساح السواح وخلوا دورهم وأولادهم إلا بمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس ورأوا أنه لا يقبل ممن تكلم ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تعتريهم وان ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاوره هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين قال ففر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة من السر لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء فيما بلغنا أن الملائكة عليهم السلام لتلقاهم وتصافحهم والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت فتخبره وليس بنبي وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحبها فكأنه حضرها حديث أبي هريرة من حضر معصية فكرهها فكأنه غاب عنها ومن غاب عنها فأحيها فكأنه حضرها رواه ابن عدي وفيه يحيى بن أبي سلمان قال البخاري منكر الحديث ومعنى الحديث أن يحضر لحاجة أو يتفق جريان ذلك يديه فأما الحضور قصدا فممنوع بدليل الحديث الأول وقال ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وله حواري فيمكث النبي بين أظهرهم ما شاء الله تعالى يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره حتى إذا قبض الله نبيه مكث الحواريون يعملون بكتاب الله وبأمره وبسنة نبيهم فإذا انقرضوا كان من بعدهم قوم يركبون رءوس المنابر يقولون ما يعرفون ويعملون ما ينكرون فإذا رأيتم ذلك فحق على كل مؤمن جهادهم بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك إسلام حديث ابن مسعود ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وله حواري الحديث روى مسلم نحوه وقال ابن مسعود رضي الله عنه كان أهل قرية يعملون بالمعاصي وكان فيهم أربعة نفر ينكرون ما يعملون فقام أحدهم فقال إنكم تعملون كذا وكذا فجعل ينهاهم ويخبرهم بقبيح ما يصنعون فجعلوا يردون عليه ولا يرعوون عن أعمالهم فسبهم فسبوه وقاتلهم فغلبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني وقاتلتهم فغلبوني ثم ذهب ثم قام الآخر فنهاههم فلم يطيعوه فسبهم فسبوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني وسببتهم فسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قام الثالث فنهاهم فلم يطيعوه فاعتزل ثم قال اللهم إني قد نهيتهم فلم يطيعوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب ثم قام الرابع فقال اللهم إني لو نهيتهم لعصوني ولو سببتهم لسبوني ولو قاتلتهم لغلبوني ثم ذهب قال ابن مسعود رضي الله عنه كان الرابع أدناهم منزلة وقليل فيكم مثله وقال ابن عباس رضي الله عنهما قيل يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون قال نعم قيل بم يا رسول الله قال بتهاونهم وسكوتهم على معاصي الله تعالى حديث ابن عباس قيل يا رسول الله أتهلك القرية وفيها الصالحون قال نعم قيل بم يا رسول الله قال بتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله أخرجه البزار والطبراني بسند ضعيف وقال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تبارك وتعالى إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانا لم يعصك طرفة عين قال اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط حديث جابر أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال فقال يا رب إن فيهم عبدك فلانا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وضعفه وقال المحفوظ من قول مالك بن دينار وقالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء قالوا يا رسول الله كيف قال لم يكونوا يغضبون لله ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر حديث عائشة عذب أهل قرية فيها ثمانية عشر ألفا عملهم عمل الأنبياء لم أقف عليه مرفوعا وروى ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن إبراهيم بن عمر الصنعاني أوحى الله إلى يوشع بن نون إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم قال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الأخيار قال انهم لم يغضبوا لغضبي فكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم وعن عروة عن أبيه قال قال موسى صلى الله عليه وسلم يا رب أي عبادك أحب إليك قال الذي يتسرع إلى هواي كما يتسرع النسر إلى هواه والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالثدي والذي يغضب إذا أتيت محارمي كما يغضب النمر لنفسه فإن النمر إذا غضب لنفسه لم يبال قل الناس أم كثروا وهذا يدل على فضيلة الحسبة مع شدة الخوف وقال أبو ذر الغفاري قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه يا رسول الله هل من جهاد غير قتال المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم يا أبا بكر إن لله تعالى مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء مرزوقين يمشون على الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة كما تزينت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله ومن هم قال الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمحبون في الله والمبغضون في الله ثم قال والذي نفسي بيده إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء للغرفة منها ثلثمائة ألف باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل منهم ليزوج بثلثمائة ألف حوراء قاصرات الطرف عين كلما التفت إلى واحدة منهن فنظر إليها تقول له أتذكر يوم كذا وكذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر كلما نظر إلى واحدة منهن ذكرت له مقاما أمر فيه بمعروف ونهى فيه عن منكر حديث أبي ذر قال أبو بكر يا رسول الله هل من جهاد غير قتال المشركين قال نعم يا أبا بكر إن لله تعالى مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء فذكر الحديث وفيه فقال هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكرالحديث بطوله لم أقف له على أصل وهو منكر وقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله عز وجل قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله فإن لم يقتله فإن القلم لا يجرى عليه بعد ذلك وإن عاش ما عاش حديث أبي عبيدة قلت يا رسول الله أي الشهداء أكرم على الله قال رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتلهالحديث أخرجه البزار مقتصرا على هذا دون قوله فإن لم يقتله إلى آخره وهذه الزيادة منكره وفيه أبو الحسن غير مشهور لا يعرف وقال الحسن البصري رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر حديث الحسن البصري مرسلا أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك فذلك الشهيد منزلته في الجنة بين حمزة وجعفر لم أره من حديث الحسن وللحاكم في المستدرك وصحح إسناده من حديث جابر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر حديث عمر بئس القوم قوم لا يأمرون بالقسط وبئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر رواه أبو الشيخ ابن حبان من حديث جابر بسند ضعيف وأما حديث عمر فأشار إليه أبو منصور الديلمي بقوله وفي الباب ورواه على بن معبد في كتاب الطاعة والمعصية من حديث الحسن مرسلا وأما الآثار فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعوا عليه خياركم فلا يستجاب لهم وتستنصرون فلا تنصرون وتستغفرون فلا يغفر لكم وسئل حذيفة رضي الله عنه عن ميت الأحياء فقال الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه وقال مالك بن دينار كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى الرجال والنساء منزله يعظهم ويذكرهم بأيام الله عز وجل فرأى بعض بنيه يوما وقد غمز بعض النساء فقال مهلا يا بني مهلا وسقط من سريره فانقطع نخاعة وأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش فأوحى الله تعالى إلى نبي زمانه أن أخبر فلانا الخبر أني لا أخرج من صلبك صديقا أبدا أما كان من غضبك لي إلا أن قلت مهلا يا بني مهلا وقال حذيفة يأتي على الناس زمان لأن تكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم وينهاهم وأوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون عليه السلام إني مهلك من قومك أربعين الفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال يا رب هؤلاء الاشرار فما بال الأخيار قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم وقال بلال بن سعد إن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا اعلنت ولم تغير اضرت بالعامة وقال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك من قومك قال حسنة قال كعب أن التوراة لتقول غير ذلك قال وما تقول قال تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال صدقت التوراة وكذب أبو مسلم وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يأتي العمال ثم قعد عنهم فقيل له لو أتيتهم فلعلهم يجدون في أنفسهم فقال أرهب إن تكلمت أن يروا أن الذي بي غير الذي بي وان سكت رهبت أن آثم وهذا يدل على أن من عجز عن الأمر بالمعروف فعليه أن يبعد عن ذلك الموضع ويستتر عنه حتى لا يجري بمشهد منه وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم الجهاد بألسنتكم ثم الجهاد بقلوبكم فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكس فجعل أعلاه اسفله وقال سهل بن عبد الله رحمه الله أيما عبد عمل في شيء من دينه بما أمر به أو نهى عنه وتعلق به عند فساد الأمور وتنكرها وتشوش الزمان فهو ممن قد قام لله في زمانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه أنه إذا لم يقدر إلا على نفسه فقام بها وأنكر أحوال الغير بقلبه فقد جاء بما هو الغاية في حقه وقيل للفضيل ألا تأمر وتنهى فقال إن قوما أمروا ونهوا فكفروا وذلك أنهم لم يصبروا على ما أصيبوا وقيل للثوري ألا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فقال إذا انبثق البحر فمن يقدر أن يسكره فقد ظهر بهذه الأدلة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وأن فرضه لا يسقط مع القدرة إلا بقيام قائم به فلنذكر الآن شروطه وشروط وجوبه الباب الثاني في أركان الأمر بالمعروف وشروطه أعلم أن الأركان في الحسبة التي هي عبارة شاملة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أربعة المحتسب والمحتسب عليه والمحتسب فيه ونفس الاحتساب فهذه أربعة اركان ولكل واحد منها شروطه الركن الأول المحتسب وله شروط وهو أن يكون مكلفا مسلما قادرا فيخرج منه المجنون والصبي والكافر والعاجز ويدخل فيه آحاد الرعايا وإن لم يكونوا مأذونين ويدخل فيه الفاسق والرقيق والمرأة فلنذكر وجه اشتراط ما اشترطناه ووجه اطراح ما أطرحناه أما الشرط الأول وهو التكليف فلا يخفى وجه اشتراطه فإن غير المكلف لا يلزمه أمر وما ذكرناه أردنا به شرط الوجوب فأما إمكان الفعل وجوازه فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم يكن مكلفا فله إنكار المنكر وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهي وإذا فعل ذلك نال به ثوابا ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف فإن هذه قربة وهو من أهلها كالصلاة والإمامة وسائر القربات وليس حكمه حكم الولايات حتى يشترط فيه التكليف ولذلك اثبتناه للعبد وآحاد الرعية نعم في المنع بالفعل وإبطال المنكر نوع ولاية وسلطنة ولكنها تستفاد بمجرد الإيمان كقتل المشرك وإبطال أسبابه وسلب أسلحته فإن للصبي أن يفعل ذلك حيث لا يستضر به فالمنع من الفسق كالمنع من الكفر وأما الشرط الثاني وهو الإيمان فلا يخفى وجه اشتراطه لأن هذا نصرة للدين فكيف يكون من أهله من هو جاحد لاصل الدين وعدو له وأما الشرط الثالث وهو العدالة فقد اعتبرها قوم وقالوا ليس للفاسق أن يحتسب وربما استدلوا فيه بالنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله مثل قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وقوله تعالى كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وبما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال مررت ليلة اسرى بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت من انتم فقالوا كنا نامر بالخير ولا ناتيه وننهى عن الشر وناتيه حديث مررت ليلة أسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقاريض من نارالحديث تقدم في العلم وبما روى أن الله تعالى أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم عظ نفسك فان أتعظت فعظ الناس وألا فاستحي مني وربما استدلوا من طريق القياس بأن هداية الغير فرع للإهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه فكيف يصلح غيره ومتى يستقيم الظل والعود اعوج وكل ما ذكروه خيالات وانما الحق أن للفاسق أن يحتسب وبرهانه هو أن نقول هل يشترط في الإحتساب أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي كلها فان شرط ذلك فهو خرق للاجماع ثم حسم لباب الاحتساب إذ لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم والأنبياء عليهم السلام قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية وكذا جماعة من الأنبياء ولهذا قال سعيد بن جبير إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء فأعجب مالكا ذلك من سعيد بن جبير وإن زعموا أن ذلك لا يشترط عن الصغائر حتى يجوز للابس الحرير أن يمنع من الزنا وشرب الخمر فنقول وهل لشارب الخمر أن يغزو الكفار ويحتسب عليهم بالمنع من الكفر فإن قالوا لا خرقوا الإجماع إذ جنود المسلمين لم تزل مشتملة على البر والفاجر وشارب الخمر وظالم الايتام ولم يمنعوا من الغزو لا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بعده فإن قالوا نعم فنقول شارب الخمر هل له المنع من القتل أم لا فإن قالوا لا قلنا فما الفرق بينه وبين لابس الحرير إذ جاز له المنع من الخمر والقتل كبيرة بالنسبة إلى الشرب كالشرب بالنسبة إلى لبس الحرير فلا فرق وإن قالوا نعم وفصلوا الأمر فيه بأن كل مقدم على شيء فلا يمنع عن مثله ولا عما دونه وإنما يمنع عما فوقه فهذا تحكم فإنه كما لا يبعد أن يمنع الشارب من الزنا والقتل فمن أين يبعد أن يمنع الزاني من الشرب بل من أين يبعد أن يشرب ويمنع غلمانه وخدمه من الشرب ويقول يجب على الانتهاء والنهي فمن أين يلزمني من العصيان بأحدهما أن أعصى الله تعالى بالثاني وإذا كان النهي واجبا على فمن أين يسقط وجوبه بإقدامي إذ يستحيل أن يقال يجب النهي عن شرب الخمر عليه ما لم يشرب فإذا شرب سقط النهى فإن قيل فيلزم على هذا أن يقول القائل الواجب على الوضوء والصلاة فأنا أتوضأ وإن لم أصل وأتسحر وإن لم أصم لأن المستحب لي السحور والصوم جميعا ولكن يقال أحدهما مرتب على الآخر فكذلك تقويم الغير مرتب على تقويمه بنفسه فليبدأ نفسه ثم بمن يعول والجواب أن التسحر يراد للصوم ولولا الصوم لما كان التسحر مستحبا وما يراد لغيره لا ينفك عن ذلك الغير وإصلاح الغير لا يراد لإصلاح النفس ولا إصلاح النفس لإصلاح الغير فالقول بترتب أحدهما على الآخر تحكم وأما الوضوء والصلاة فهو لازم فلا جرم أن من توضأ ولم يصل كان مؤديا أمر الوضوء وكان عقابه أقل من عقاب من ترك الصلاة والوضوء جميعا فليكن من ترك النهي والانتهاء اكثر عقابا ممن نهى ولم ينته كيف والوضوء شرط لا يراد لنفسه بل للصلاة فلا حكم له دون الصلاة وأما الحسبة فليست شرطا في الانتهاء والائتمار فلا مشابهة بينهما فإن قيل فيلزم على هذا أن يقال إذا زنى الرجل بإمرأة وهي مكرهة مستورة الوجه فكشفت وجهها باختيارها فأخذ الرجل يحتسب في أثناء الزنا ويقول أنت مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير محرم وها أنا غير محرم لك فاستري وجهك فهذا احتساب شنيع يستنكره قلب كل عاقل ويستشنعه كل طبع سليم فالجواب أن الحق قد يكون شنيعا وأن الباطل قد يكون مستحسنا بالطباع والمتبع الدليل دون نفرة الاوهام والخيالات فإنا نقول قوله لها في تلك الحالة لا تكشفي وجهك واجب أو مباح أو حرام فإن قلتم إنه واجب فهو الغرض لأن الكشف معصية والنهي عن المعصية حق وإن قلتم إنه مباح فإذن له أن يقول ما هو مباح فما معنى قولكم ليس للفاسق الحسبة وإن قلتم إنه حرام فنقول وكان هذا واجبا فمن أين حرم بإقدامه على الزنا ومن الغريب أن يصير الواجب حراما بسبب ارتكاب حرام آخر وأما نفرة الطباع عنه واستنكارها له فهو لسببين أحدهما أنه ترك الاهم واشتغل بما هو مهم وكما أن الطباع تنفر عن ترك المهم إلى ما لا يعني فتنفر عن ترك الأهم والاشتغال بالمهم كما تنفر عمن يتحرج عن تناول طعام مغصوب وهو مواظب على الربا وكما تنفر عمن يتصاون عن الغيبة ويشهد بالزور لأن الشهادة بالزور أفحش وأشد من الغيبة التي هي إخبار عن كائن يصدق فيه المخبر وهذا الاستبعاد في النفوس لا يدل على أن ترك الغيبة ليس بواجب وأنه لو اغتاب أو أكل لقمة من حرام لم تزد بذلك عقوبته فكذلك ضرره في الآخرة من معصيته أكثر من ضرره من معصية غيره فاشتغاله عن الأقل بالاكثر مستنكر في الطبع من حيث إنه ترك الأكثر لا من حيث إنه أتى بالاقل فمن غصب فرسه ولجام فرسه فاشتغل بطلب اللجام وترك الفرس نفرت عنه الطباع ويرى مسيئا إذ قد صدر منه طلب اللجام وهو غير منكر ولكن المنكر تركه لطلب الفرس بطلب اللجام فاشتد الإنكار عليه لتركه الاهم بما دونه فكذلك حسبة الفاسق تستبعد من هذا الوجه وهذا لا يدل على أن حسبته من حيث إنها حسبة مستنكرة الثاني أن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ وتارة بالقهر ولا ينجع وعظ من لا يتعظ أولا ونحن نقول من علم أن قوله لا يقبل في الحسبة لعلم الناس بفسقه فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لا فائدة في وعظه فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام فأما إذا كانت الحسبة بالمنع فالمراد منه القهر وتمام القهر أن يكون بالفعل والحجة جميعا وإذا كان فاسقا فإن قهر بالفعل فقد قهر بالحجة إذ يتوجه عليه أن يقال له فأنت لم تقدم عليه فتنفر الطباع عن قهره بالفعل مع كونه مقهورا بالحجة وذلك لا يخرج الفعل عن كونه حقا كما أن يذب الظالم عن آحاد المسلمين ويهمل أباه وهو مظلوم معهم تنفر الطباع عنه ولا يخرج دفعه عن المسلم عن كونه حقا فخرج من هذا أن الفاسق ليس عليه الحسبة بالوعظ على من يعرف فسقه لأنه لا يتعظ وإذا لم يكن عليه ذلك وعلم أنه يفضى إلى تطويل اللسان في عرضه بالإنكار فنقول ليس له ذلك أيضا فرجع الكلام إلى أن أحد نوعي الاحتساب وهو الوعظ قد بطل بالفسق وصارت العدالة مشروطة فيه وأما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها ذلك فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور وكسر الملاهي وغيرها إذا قدر وهذا غاية الإنصاف والكشف في المسألة وأما الآيات التي استدلوا بها فهو إنكار عليهم من حيث تركهم المعروف لا من حيث أمرهم ولكن أمرهم دل على قوة علمهم وعقاب العالم أشد لأنه لا عذر له مع قوة علمه وقوله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون المراد به الوعد الكاذب وقوله عز وجل وتنسون انفسكم إنكار من حيث إنهم نسوا أنفسهم لا من حيث إنهم أمروا غيرهم ولكن ذكر أمر الغير استدلالا به على علمهم وتأكيدا للحجة عليهم وقوله يا ابن مريم عظ نفسك الحديث هو في الحسبة بالوعظ وقد سلمنا أن وعظ الفاسق ساقط الجدوى عند من يعرف فسقه ثم قوله فاستحي مني لا يدل على تحريم وعظ الغير بل معناه استحى مني فلا تترك الأهم وتشتغل بالمهم كما يقال احفظ اباك ثم جارك وإلا فاستحي فإن قيل فليجز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني لأن قوله لا تزن حق في نفسه فمحال أن يكون حراما عليه بل ينبغي أن يكون مباحا أو واجبا قلنا الكافر إن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه فيمنع من حيث إنه تسلط وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وأما مجرد قوله لا تزن فليس بمحرم عليه من حيث إنه نهي عن الزنا ولكن من حيث إنه إظهار دالة الاحتكام على المسلم وفيه إذلال للمحتكم عليه والفاسق يستحق الإذلال ولكن لا من الكافر الذي هو أولى بالذل منه فهذا وجه منعنا إياه من الحسبة وإلا فلسنا نقول إن الكافر يعاقب بسبب قوله لا تزن من حيث إنه نهى بل نقول إنه إذا لم يقل لا تزن يعاقب عليه إن رأينا خطاب الكافر بفروع الدين وفيه نظر استوفيناه في الفقهيات ولا يليق بغرضنا الآن الشرط الرابع كونه مأذونا من جهة الأمام والوالي فقد شرط قوم هذا الشرط ولم يثبتوا للآحاد من الرعية الحسبة وهذا الاشتراط فاسد فإن الآيات والاخبار التي اوردناها تدل على أن كل من رأى منكرا فسكت عليه عصى إذ يجب نهيه اينما رآه وكيفما رآه على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له والعجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم وهؤلاء اخس رتبة من أن يكلموا بل جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم إن نصرتكم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهى عن المنكر وطلبكم لحقكم من جملة المعروف وما هذا زمان النهي عن الظلم وطلب الحقوق لأن الإمام الحق بعد لم يخرج فإن قيل في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية واحتكام على المحكوم عليه ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم مع كونه حقا فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر فنقول أما الكافر فممنوع لما فيه من السلطنة وعز الاحتكام والكافر ذليل فلا يستحق أن ينال عز التحكم على المسلم وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز التعليم والتعريف إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والايجاب لمن هو جاهل ومقدم على المنكر بجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي وفيه عز الارشاد وعلى المعرف ذلك التجهيل وذلك يكفي فيه مجرد الدين وكذلك النهي وشرح القول في هذا أن الحسبة لها خمس مراتب كما سيأتي أولها التعريف والثاني الوعظ بالكلام اللطيف والثالث السب والتعنيف ولست أعنى بالسب الفحش بل أن يقول يا جاهل يا أحمق ألا تخاف الله وما يجري هذا المجرى والرابع المنع بالقهر بطريق المباشرة ككسر الملاهي وإراقة الخمر واختطاف الثوب الحرير من لابسه واستلاب الثوب المغصوب منه ورده على صاحبه والخامس التخويف والتهديد بالضرب ومباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه كالمواظب على الغيبة والقذف فإن سلب لسانه غير ممكن ولكن يحمل على اختيار السكوت بالضرب وهذا قد يحوج إلى استعانة وجمع أعوان من الجانبين ويجر ذلك إلى قتال وسائر المراتب لا يخفى وجه استغنائها عن إذن الإمام إلا المرتبة الخامسة فإن فيها نظرا سيأتي أما التعريف والوعظ فكيف يحتاج إلى إذن الإمام وأما التجهيل والتحميق والنسبة إلى الفسق وقلة الخوف من الله وما يجري مجراه فهو كلام صدق والصدق مستحق بل أفضل الدرجات كلمة حق عند إمام جائر حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري كما ورد في الحديث فإذا جاز الحكم على الإمام على مراغمته فكيف يحتاج إلى إذنه وكذلك كسر الملاهي وإراقة الخمور فإنه تعاطي ما يعرف كونه حقا من غير اجتهاد فلم يفتقر إلى الإمام وأما جمع الاعوان وشهر الاسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر سيأتي واستمرار عادات السلف على الحسبة على الولاة قاطع بإجماعهم على الاستغناء عن التفويض بل كل من أمر بمعروف فإن كان الوالي راضيا به فذاك وإن كان ساخطا له فسخطه له منكر يجب الإنكار عليه فكيف يحتاج إلى اذنه في الإنكار عليه ويدل على ذلك عادة السلف في الإنكار على الأئمة كما روي أن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد فقال له رجل إنما الخطبة بعد الصلاة فقال له مروان اترك ذلك يا فلان فقال أبو سعيد أما هذا فقد قضى ما عليه قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فلينكره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان حديث إن مروان خطب قبل الصلاة في العيد الحديث وفيه حديث أبي سعيد مرفوعا من رأى منكرا الحديث رواه مسلم فلقد كانوا فهموا من هذه العمومات دخول السلاطين تحتها فكيف يحتاج إلى إذنهم وروى أن المهدي لما قدم مكة لبث بها ما شاء الله فلما أخذ في الطواف نحى الناس عن البيت فوثب عبد الله بن مرزوق فلببه بردائه ثم هزه وقال له انظر ما تصنع من جعلك بهذا البيت أحق ممن أتاه من البعد حتى إذا صار عنده حلت بينه وبينه وقد قال الله تعالى سواء العاكف فيه والباد من جعل لك هذا فنظر في وجهه وكان بعرفه لأنه من مواليهم فقال أعبد الله ابن مرزوق قال نعم فأخذ فجىء به إلى بغداد فكره أن يعاقبه عقوبة يشنع بها عليه في العامة فجعله في اصطبل الدواب ليسوس الدواب وضموا إليه فرسا عضوضا سيىء الخلق ليعقره الفرس فلين الله تعالى له الفرس قال ثم صيروه إلى بيت وأغلق عليه وأخذ المهدي المفتاح عنده فإذا هو قد خرج بعد ثلاث إلى البستان يأكل البقل فأوذن به المهدي فقال له من أخرجك فقال الذي حبسني فضج المهدي وصاح وقال ما تخاف أن أقتلك فرفع عبد الله إليه رأسه يضحك وهو يقول لو كنت تملك حياة أو موتا فما زال محبوسا حتى مات المهدي ثم خلوا عنه فرجع إلى مكة قال وكان قد جعل على نفسه نذرا إن خلصه الله من أيديهم أن ينحر مائة بدنة فكان يعمل في ذلك حتى نحرها وروى عن حبان بن عبد الله قال تنزه هارون الرشيد بالدوين ومعه رجل من بني هاشم وهو سليمان بن أبي جعفر فقال له هارون قد كانت لك جارية تغني فتحسن فجئنا بها قال فجاءت فغنت فلم يحمد غناءها فقال لها ما شأنك فقالت ليس هذا عودي فقال للخادم جئنا بعودها قال فجاء بالعود فوافق شيخا يلقط النوى فقال الطريق يا شيخ فرفع الشيخ رأسه فرأى العود فأخذه من الخادم فضرب به الأرض فأخذه الخادم وذهب به إلى صاحب الربع فقال احتفظ بهذا فإنه طلبة أمير المؤمنين فقال له صاحب الربع ليس ببغداد أعبد من هذا فكيف يكون طلبة أمير المؤمنين فقال له اسمع ما أقول لك ثم دخل على هارون فقال إني مررت على شيخ يلقط النوى فقلت له الطريق فرفع رأسه فرأى العود فأخذه فضرب به الأرض فكسره فاستشاط هارون وغضب واحمرت عيناه فقال له سليمان بن أبي جعفر ما هذا الغضب يا أمير المؤمنين ابعث إلى صاحب الربع يضرب عنقه ويرم به في الدجلة فقال لا ولكن نبعث إليه ونناظره اولا فجاء الرسول فقال اجب أمير المؤمنين فقال نعم قال اركب قاللا فجاء يمشي حتى وقف على باب القصر فقيل لهارون قد جاء الشيخ فقال للندماء أي شيء ترون نرفع ما قدامنا من المنكر حتى يدخل هذا الشيخ أو نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر فقالوا له نقوم إلى مجلس آخر ليس فيه منكر اصلح فقاموا إلى مجلس ليس فيه منكر ثم أمر بالشيخ فأدخل وفي كمه الكيس الذي فيه النوى فقال له الخادم اخرج هذا من كمك وادخل على أمير المؤمنين فقال من هذا عشائي الليلة قال نحن نعشيك قال لا حاجة لي في عشائكم فقال هارون للخادم أي شيء تريد منه قال في كمه نوى قلت له اطرحه وادخل على أمير المؤمنين فقال دعه لا يطرحه قال فدخل وسلم وجلس فقال له هارون يا شيخ ما حملك على ما صنعت قال وأي شيء صنعت وجعل هارون يستحي أن يقول كسرت عودي فلما اكثر عليه قال إني سمعت اباك واجدادك يقرءون هذه الآية على المنبر إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي وأنا رأيت منكرا فغيرته فقال فغيره فوالله ما قال إلا هذا فلما خرج أعطى الخليفة رجلا بدرة وقال اتبع الشيخ فإن رأيته يقول قلت لأمير المؤمنين وقال لي فلا تعطه شيئا وإن رأيته لا يكلم أحدا فأعطه البدرة فلما خرج من القصر إذا هو بنواة في الأرض قد غاصت فجعل يعالجها ولم يكلم احدا فقال له يقول لك أمير المؤمنين خذه هذه البدرة فقال قل لأمير المؤمنين يردها من حيث أخذها ويروى أنه أقبل بعد فراغه من كلامه على النواة التي يعالج قلعها من الأرض وهو يقول أرى الدنيا لمن هي في يديه هموما كلما كثرت لديه تهين المكرمين لها بصغر وتكرم كل من هانت عليه إذا استغنيت عن شيء فدعه وخذ ما أنت محتاج إليه وعن سفيان الثوري رحمه الله قال حج المهدي سنة ست وستين ومائة فرأيته يرمي جمرة العقبة والناس يخبطون يمينا وشمالا بالسياط فوقفت فقلت يا حسن الوجه حدثنا أيمن عن وائل عن قدامة بن عبد الله الكلابي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر على جمل لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك حديث قدامة بن عبد الله رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر على جمل لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك رواه الترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن ماجه وأما قوله في أوله إن الثوري قال حج المهدي سنة ست وستين فليس بصحيح فإن الثوري توفي سنة إحدى وستين وها أنت يخبط الناس بين يديك يمينا وشمالا فقال لرجل من هذا قال سفيان الثوري فقال يا سفيان لو كان المنصور ما احتملك على هذا فقال لو اخبرك المنصور لقي لقصرت عما أنت فيه قال فقيل له إنه قال لك يا حسن الوجه ولم يقل لك يا أمير المؤمنين فقال اطلبوه فطلب سفيان فاختفى وقد روى عن المأمون أنه بلغه أن رجلا محتسبا يمشي في الناس يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولم يكن مأمورا من عنده بذلك فأمر بأن يدل عليه فلما صار بين يديه قال له إنني بلغني أنك رأيت نفسك أهلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن نأمرك وكان المأمون جالسا على كرسي ينظر في كتاب أو قصة فأغفله فوقع منه فصار تحت قدمه من حيث لم يشعر به فقال له المحتسب ارفع قدمك عن أسماء الله تعالى ثم قل ما شئت فلم يفهم المأمون مراده فقال ماذا تقول حتى أعاده ثلاثا فلم يفهم فقال إما رفعت أو أذنت لي حتى أرفع فنظر المأمون تحت قدمه فرأى الكتاب فأخذه وقبله وخجل ثم عاد وقال لم تأمر بالمعروف وقد جعل الله ذلك إلينا أهل البيت ونحن الذين قال الله تعالى فيهم الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقال صدقت يا أمير المؤمنين أنت كما وصفت نفسك من السلطان والتمكن غير أنا أعوانك وأولياؤك فيه ولا ينكر ذلك إلا من جهل كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا حديث المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا متفق عليه من حديث أبي موسى وقد تقدم في الباب الثالث من آداب الصحبة وقد مكنت في الأرض وهذا كتاب الله وسنة رسوله فإن انقدت لهما شكرت لمن أعانك لحرمتهما وإن استكبرت عنهما ولم تنقد لما لزمك منهما فإن الذي إليه أمرك وبيده عزك وذلك قد شرط أنه لا يضيع اجر من أحسن عملا فقل الآن ما شئت فأعجب المأمون بكلامه وسر به وقال مثلك يجوز له أن يأمر بالمعروف فامض على ما كنت عليه بأمرنا وعن رأينا فاستمر الرجل على ذلك ففي سياق هذه الحكايات بيان الدليل على الاستغناء عن الإذن فإن قيل أفتثبت ولاية الحسبة للولد على الوالد والعبد على المولى والزوجة على الزوج والتلميذ على الأستاذ والرعية على الوالي مطلقا كما يثبت للوالد على الولد والسيد على العبد والزوج على الزوجة والأستاذ على التلميذ والسلطان على الرعية أو بينهما فرق فاعلم أن الذي نراه أنه يثبت أصل الولاية ولكن بينهما فرق في التفصيل ولنفرض ذلك في الولد مع الوالد فنقول قد رتبنا للحسبة خمس مراتب وللولد الحسبة بالرتبتين الاوليين وهما التعريف ثم الوعظ والنصح باللطف وليس له الحسبة بالسب والتعنيف والتهديد ولا بمباشرة الضرب وهما الرتبتان الأخيرتان وهل له الحسبة بالرتبة الثالثة حيث تؤدي إلى أذى الوالد وسخطه هذا فيه نظر وهو بأن يكسر مثلا عوده ويريق خمره ويحل الخيوط عن ثيابه المنسوجة من الحرير ويرد إلى الملاك ما يجده في بيته من المال الحرام الذي غصبه أو سرقه أو أخذه عن إدرار رزق من ضريبة المسلمين إذا كان صاحبه معينا ويبطل الصور المنقوشة على حيطانه والمنقورة في خشب بيته ويكسر أواني الذهب والفضة فإن فعله في هذه الأمور ليس يتعلق بذات الأب بخلاف الضرب والسب ولكن الوالد يتأذى به ويسخط بسببه إلا أن فعل الولد حق وسخط الاب منشؤه حبه للباطل وللحرام والأظهر في القياس انه يثبت للولد ذلك بل يلزمه أن يفعل ذلك ولا يبعد أن ينظر فيه إلى قبح المنكر والى مقدار الأذى والسخط فإن كان المنكر فاحشا وسخطه عليه قريبا كإراقة خمر من لا يشتد غضبه فذلك ظاهر وإن كان المنكر قريبا والسخط شديدا كما لو كانت له آنية من بلور أو زجاج على صور حيوان وفي كسرها خسران مال كثير فهذا مما يشتد فيه الغضب وليس تجري هذه المعصية مجرى الخمر وغيره فهذا كله مجال النظر فإن قيل ومن أين قلتم ليس له الحسبة بالتعنيف والضرب والارهاق إلى ترك الباطل والأمر بالمعروف في الكتاب والسنة ورد عاما من غير تخصيص وأما النهي عن التأفيف والإيذاء فقد ورد وهو خاص فيما لا يتعلق بارتكاب المنكرات فنقول قد ورد في حق الأب على الخصوص ما يوجب الاستثناء من العموم إذ لا خلاف في أن الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنا حدا ولا له أن يباشر إقامة الحد عليه بل لا يباشر قتل أبيه الكافر بل لو قطع يده لم يلزمه قصاص ولم يكن له أن يؤذيه في مقابلته وقد ورد في ذلك أخبار وثبت بعضها بالإجماع الأخبار الواردة في أن الجلاد ليس له أن يجلد أباه في الزنا ولا أن يباشر إقامة الحد عليه ولا يباشر قتل أبيه الكافر وأنه لو قطع يده لم يلزم القصاص ثم قال وثبت بعضها بالإجماع قلت لم أجد فيه إلا حديث لا يقاد الوالد بالولد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمر قال الترمذي فيه اضطراب فإذا لم يجز له إيذاؤه بعقوبة هي حق على جناية سابقة فلا يجوز له إيذاؤه بعقوبة هي منع عن جناية مستقبلة متوقعة بل أولى وهذا الترتيب أيضا ينبغي أن يجري في العبد والزوجة مع السيد والزوج فهما قريبان من الولد في لزوم الحق وإن كان ملك اليمين آكد من ملك النكاح ولكن في الخبر أنه لو جاز السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها حديث لو جاز السجود لمخلوق لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها تقدم في النكاح وهذا يدل على تأكيد الحق أيضا وأما الرعية مع السلطان فالأمر فيها أشد من الولد فليس لها معه إلا التعريف والنصح فأما الرتبة الثالثة ففيها نظر من حيث إن الهجوم على أخذ الأموال من خزانته وردها إلى الملاك وعلى تحليل الخيوط من ثيابه الحرير وكسر آنية الخمور في بيته يكاد يفضي إلى خرق هيبته واسقاط حشمته وذلك محظور ورد النهي عنه كما ورد النهي عن السكوت على المنكر حديث النهي عن الإنكار على السلطان جهرة بحيث يؤدي إلى خرق هيبته أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث عياض بن غنم ألاشعري من كانت عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه بها علانية وليأخذه بيده فليخل به فإن قبلها قبلها وإلا كان قد أدى الذي عليه والذي له قال صحيح الإسناد وللترمذي وحسنه من حديث أبي بكرة من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله في الأرض فقد تعارض فيه أيضا محذوران والأمر فيه موكول إلى اجتهاد منشؤه النظر في تفاحش المنكر ومقدار ما يسقط من حشمته بسبب الهجوم عليه وذلك مما لا يمكن ضبطه وأما التلميذ والاستاذ فالأمر فيما بينهما أخف لأن المحترم هو الأستاذ المفيد للعلم من حيث الدين ولا حرمة لعالم لا يعمل بعلمه فله أن يعامله بموجب علمه الذي تعلمه منه وروى انه سئل الحسن عن الولد كيف يحتسب على والده فقال يعظه ما لم يغضب فإن غضب سكت عنه الشرط الخامس كونه قادرا ولا يخفى أن العاجز ليس عليه حسبة إلا بقلبه إذ كل من أحب الله يكره معاصيه وينكرها وقال ابن مسعود رضي الله عنه جاهدوا الكفار بأيديكم فإن لم تستطيعوا إلا أن تكفهروا في وجوههم فافعلوا واعلم انه لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها يناله فذلك في معنى العجز وكذلك إذا لم يخف مكروها ولكن علم أن إنكاره لا ينفع فليلتفت إلى معنيين أحدهما عدم إفادة الإنكار امتناعا والآخر خوف مكروه ويحصل من اعتبار المعنيين أربعة أحوال أحدهما أن يجتمع المعنيان بأن يعلم أنه لا ينفع كلامه ويضرب إن تكلم فلا تجب عليه الحسبة بل ربما تحرم في بعض المواضع نعم يلزمه أن لا يحضر مواضع المنكر ويعتزل في بيته حتى لا يشاهد ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب ولا يلزمه مفارقة تلك البلدة والهجرة إلا إذا كان يرهق إلى الفساد أو يحمل على مساعدة السلاطين في الظلم والمنكرات فيلزمه الهجرة إن قدر عليها فإن الاكراه لا يكون عذرا في حق من يقدر على الهرب من الإكراه الحالة الثانية أن ينتفي المعنيان جميعا بأن يعلم أن المنكر يزول بقوله وفعله ولا يقدر له على مكروه فيجب عليه الإنكار وهذه هي القدرة المطلقة الحالة الثالثة أن يعلم أنه لا يفيد إنكاره لكنه لا يخاف مكروها فلا تجب عليه الحسبة لعدم فائدتها ولكن تستحب لإظهار شعائر الإسلام وتذكير الناس بأمر الدين الحالة الرابعة عكس هذه وهو أن يعلم انه يصاب بمكروه ولكن يبطل المنكر بفعله كما يقدر على أن يرمي زجاجة الفاسق بحجر فيكسرها ويريق الخمر أو يضرب العود الذي في يده ضربة مختطفة فيكسره في الحال ويتعطل عليه هذا المنكر ولكن يعلم انه يرجع إليه فيضرب رأسه فهذا ليس بواجب وليس بحرام بل هو مستحب ويدل عليه الخبر الذي اوردناه في فضل كلمة حق عند إمام جائر ولا شك في أن ذلك مظنة الخوف ويدل عليه أيضا ما روى عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى انه قال سمعت من بعض الخلفاء كلاما فأردت أن انكر عليه وعلمت أني أقتل ولم يمنعني القتل ولكن كان في ملأ من الناس فخشيت أن يعتريني التزين للخلق فأقتل من غير إخلاص في الفعل فإن قيل فما معنى قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قلنا لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل وهذا ربما يظن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس التهلكة ذلك بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى أي من لم يفعل ذلك فقد أهلك نفسه وقال البراء بن عازب التهلكة هو أن يذنب الذنب ثم يقول لا يتاب علي وقال أبو عبيدة هو أن يذنب ثم لا يعمل بعده خيرا حتى يهلك وإذا جاز أن يقاتل الكفار حتى يقتل جاز أيضا له ذلك في الحسبة ولكن لو علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجزفذلك حرام وداخل تحت عموم آية التهلكة وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه يقاتل إلى أن يقتل أو علم انه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جراءته واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة وحبهم للشهادة في سبيل الله فتنكسر بذلك شوكتهم فكذلك يجوز للمحتسب بل يستحب له أن يعرض نفسه للضرب وللقتل إذا كان لحسبته تأثير في رفع المنكر أو في كسر جاه الفاسق أو في تقوية قلوب أهل الدين وأما إن رأى فاسقا متغلبا وعنده سيف وبيده قدح وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب القدح وضرب رقبته فهذا مما لا أرى للحسبة فيه وجها وهو عين الهلاك فإن المطلوب أن يؤثر في الدين أثرا ويفديه بنفسه فأما تعريض النفس للهلاك من غير أثر فلا وجه له بل ينبغي أن يكون حراما وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر أو ظهر لفعله فائدة وذلك بشرط أن يقتصر المكروه عليه فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصحابه أو أقاربه أو رفقائه فلا تجوز له الحسبة بل تحرم لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بأن يفضى ذلك إلى منكر آخر وليس ذلك من القدرة في شيء بل لو علم انه لو احتسب لبطل ذلك المنكر ولكن كان ذلك سببا لمنكر آخر يتعاطاه غير المحتسب عليه فلا يحل له الافكار الأظهر لان المقصود عدم مناكير الشرع مطلقا لأمين زيد أو عمرو وذلك بأن يكون مثلا مع الإنسان شراب حلال نجس بسبب وقوع نجاسة فيه وعلم أنه لو أراقه لشرب صاحبه الخمر أو تشرب اولاده الخمر لإعوازهم الشراب الحلال فلا معنى لإراقة ذلك ويحتمل أن يقال إنه يريق ذلك فيكون هو مبطلا لمنكر وأما شرب الخمر فهو الملوم فيه والمحتسب غير قادر على منعه من ذلك المنكر وقد ذهب إلى هذا ذاهبون وليس ببعيد فإن هذه مسائل فقهية لا يمكن فيها الحكم إلا بظن ولا يبعد أن يفرق بين درجات المنكر المغير والمنكر الذي تفضى إليه الحسبة والتغيير فإنه إذا كان يذبح شاة لغيره ليأكلها وعلم أنه لو منعه من ذلك لذبح إنسانا وأكله فلا معنى لهذه الحسبة نعم لو كان منعه عن ذبح إنسان أو قطع طرقه يحمله على أخذ ماله فذلك له وجه فهذه دقائق واقعة في محل الاجتهاد وعلى المحتسب اتباع اجتهاده في ذلك كله ولهذه الدقائق نقول العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلا في الجليات المعلومة كشرب الخمر والزنا وترك الصلاة فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ويفتقر فيه إلى اجتهاد فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه وعن هذا يتأكد ظن من لا يثبت ولاية الحسبة إلا بتعيين الوالي إذ ربما ينتدب لها من ليس أهلا لها لقصور معرفته أو قصور ديانته فيؤدي ذلك إلى وجوه من الخلل وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك إن شاء الله فإن قيل وحيث أطلقتم العلم بأن يصيبه مكروه أو أنه لا تفيد حسبته فلو كان بدل العلم ظن فما حكمه قلنا الظن الغالب في هذه الابواب في معنى العلم وإنما يظهر الفرق عند تعارض الظن والعلم إذ يرجح العلم اليقيني على الظن ويفرق بين العلم والظن في مواضع آخر وهو أنه يسقط وجوب الحسبة عنه حيث علم قطعا أنه لا يفيد فإن كان غالب ظنه أنه لا يفيد ولكن يحتمل أن يفيد وهو مع ذلك لا يتوقع مكروها فقد اختلفوا في وجوبه والأظهر وجوبه إذ لا ضرر فيه وحدواه متوقعة وعموم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تقتضي الوجوب بكل حال ونحن إنما نستثني عنه بطريق التخصيص ما إذا علم أنه لا فائدة فيه إما بالإجماع أو بقياس ظاهر وهو أن الأمر ليس يراد لعينه بل للمأمور فإذا علم اليأس عنه فلا فائدة فيه فأما إذا لم يكن يأس فينبغي أن لا يسقط الوجوب فإن قيل فالمكروه الذي تتوقع إصابته إن لم يكن متيقنا ولا معلوما بغالب الظن ولكن كان مشكوكا فيه أو كان غالب ظنه أنه لا يصاب بمكروه ولكن احتمل أن يصاب بمكروه فهذا الاحتمال هل يسقط الوجوب حتى لا يجب إلا عند اليقين بأنه لا يصيبه مكروه أم يجب في كل حال إلا إذا غلب على ظنه أنه يصاب بمكروه قلنا إن غلب على الظن أنه يصاب لم يجب وإن غلب أنه لا يصاب وجب ومجرد التجويز لا يسقط الوجوب فإن ذلك ممكن في كل حسبة وإن شك فيه من غير رجحان فهذا محل النظر فيحتمل أن يقال الأصل الوجوب بحكم العمومات وإنما يسقط بمكروه والمكروه هو الذي يظن أو يعلم حتى يكون متوقعا وهذا هو الأظهر ويحتمل أن يقال إنه إنما يجب عليه إذا علم أنه لا ضرر فيه عليه أو ظن أنه لا ضرر عليه والأول أصح نظرا إلى قضية العمومات الموجبة للأمر بالمعروف فإن قيل فالتوقع للمكروه يختلف بالجبن والجراءة فالجبان الضعيف القلب يرى البعيد قريبا حتى كأنه يشاهده ويرتاع منه والمتهور الشجاع يبعد وقوع المكروه به بحكم ما جبل عليه من حسن الأمل حتى إنه لا يصدق به إلا بعد وقوعه فعلى ماذا التعويل قلنا التعويل على اعتدال الطبع وسلامة العقل والمزاج فإن الجبن مرض وهو ضعف في القلب سببه قصور في القوة وتفريط والتهور إفراط في القوة وخروج عن الاعتدال بالزيادة وكلاهما نقصان وإنما الكمال في الاعتدال الذي يعبر عنه بالشجاعة وكل واحد من الجبن والتهور يصدر تارة عن نقصان العقل وتارة عن خلل في المزاج بتفريط أو إفراط فإن من اعتدل مزاجه في صفة الجبن والجراءة فقد لا يتفطن لمدارك الشر فيكون سبب جراءته جهله وقد لا يتفطن لمدارك دفع الشر فيكون سبب جبنه جهله وقد يكون عالما بحكم التجربة والممارسة بمداخل الشر ودوافعه ولكن يعمل الشر البعيد في تخذيله وتحليل قوته في الإقدام بسبب ضعف قلبه ما يفعله الشر القريب في حق الشجاع المعتدل الطبع فلا التفات إلى الطرفين وعلى الجبان أن يتكلف إزالة الجبن بإزالة علته وعلته جهل أو ضعف ويزول الجهل بالتجربة ويزول الضعف بممارسة الفعل المخفوف منه تكلفا حتى يصير معتادا إذ المبتدىء في المناظرة والوعظ مثلا قد يجبن عنه طبعه لضعفه فإذا مارس واعتاد فارقه الضعف فإن صار ذلك ضروريا غير قابل للزوال بحكم استيلاء الضعف على القلب فحكم ذلك الضعيف يتبع حاله فيعذر كما يعذر المريض في التقاعد عن بعض الواجبات ولذلك قد نقول على رأي لا يجب ركوب البحر لأجل حجة الإسلام على من يغلب عليه الجبن في ركوب البحر ويجب على من لا يعظم خوفه منه فكذلك الأمر في وجوب الحسبة فإن قيل فالمكروه المتوقع ما حده فإن الإنسان قد يكره كلمة وقد يكره ضربة وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه بالغيبة وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا يتوقع منه نوع من الأذى وقد يكون منه أن يسعى به إلى سلطان أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه فما حد المكروه الذي يسقط الوجوب به قلنا هذا أيضا فيه نظر غامض وصورته منتشرة ومجاريه كثيرة ولكنا نجتهد في ضم نشره وحصر أقسامه فنقول المكروه نقيض المطلوب ومطالب الخلق في الدنيا ترجع إلى أربعة أمور أما في النفس فالعلم وأما في البدن فالصحة والسلامة وأما في المال فالثروة وأما في قلوب الناس فقيام الجاه فإذا المطلوب العلم والصحة والثروة والجاه ومعنى الجاه ملك قلوب الناس كما أن معنى الثروة ملك الدراهم لأن قلوب الناس وسيلة إلى الأعراض كما أن ملك الدراهم وسيلة إلى بلوغ الأغراض وسيأتي تحقيق معنى الجاه وسبب ميل الطبع إليه في ربع المهلكات وكل واحدة من هذه الأربعة يطلبها الإنسان لنفسه ولأقاربه والمختصين به ويكره في هذه الأربعة أمران أحدهما زوال ما هو حاصل موجود والآخر امتناع ما هو منتظر مفقود أعني اندفاع ما يتوقع وجوده فلا ضرر إلا في فوات حاصل وزواله أو تعويق منتظر فإن المنتظر عبارة عن الممكن حصوله والممكن حصوله كأنه حاصل وفوات إمكانه كأنه فوات حصوله فرجع المكروه إلى قسمين أحدهما خوف امتناع المنتظر وهذا لا ينبغي أن يكون مرخصا في ترك الأمر بالمعروف أصلا ولنذكر مثاله في المطالب الأربعة أما العلم فمثاله تركه الحسبة على من يختص بأستاذه خوفا من أن يقبح حاله عنده فيمتنع من تعليمه وأما الصحة فتركه الإنكار على الطبيب الذي يدخل عليه مثلا وهو لابس حريرا خوفا من أن يتأخر عنه فتمتنع بسببه صحته المنتظرة وأما المال فتركه الحسبة على السلطان وأصحابه وعلى من يواسيه من ماله خيفة من أن يقطع إدراره في المستقبل ويترك مواساته وأما الجاه فتركه الحسبة على من يتوقع منه نصرة وجاها في المستقبل خيفة من أن لا يحصل له الجاه أو خيفة من أن يقبح حاله عند السلطان الذي يتوقع منه ولاية وهذا كله لا يسقط وجوب الحسبة لأن هذه زيادات امتنعت وتسمية امتناع حصول الزيادات ضررا مجاز وإنما الضرر الحقيقي فوات حاصل ولا يستثنى من هذا شيء إلا ما تدعو إليه الحاجة ويكون في فواته محذور يزيد على محذور السكوت على المنكر كما إذا كان محتاجا إلى الطبيب لمرض ناجز والصحة منتظرة من معالجة الطبيب ويعلم أن في تأخره شدة الضنا به وطول المرض وقد يفضي إلى الموت وأعني بالعلم الظن الذي يجوز بمثله ترك استعمال الماء والعدول إلى التيمم فإذا انتهى إلى هذا الحد لم يبعد أن يرخص في ترك الحسبة وأما في العلم فمثل أن يكون جاهلا بمهمات دينه ولم يجد إلا معلما واحدا ولا قدرة له على الرحلة إلى غيره وعلم أن المحتسب عليه قادر على أن يسد عليه طريق الوصول إليه لكون العالم مطيعا له أو مستمعا لقوله فإذا الصبر على الجهل بمهمات الدين محذور والسكوت على المنكر محذور ولا يبعد أن يرجح أحدهما ويختلف ذلك بتفاحش المنكر وبشدة الحاجة إلى العلم لتعلقه بمهمات الدين وأما في المال فكمن يعجز عن الكسب والسؤال وليس هو قوي النفس في التوكل ولا منفق عليه سوى شخص واحد ولو احتسب عليه قطع رزقه وافتقر في تحصيله إلى طلب إدرار حرام أو مات جوعا فهذا أيضا إذا اشتد الأمر فيه لم يبعد أن يرخص له في السكوت وأما الجاه فهو أن يؤذيه شرير ولا يجد سبيلا إلى دفع شره إلا بجاه يكتسبه من سلطان ولا يقدر على التوصل إليه إلا بواسطة شخص يلبس الحرير أو يشرب الخمر ولو احتسب عليه لم يكن واسطة ووسيلة له فيمتنع عليه حصول الجاه ويدوم بسببه أذى الشرير فهذه الأمور كلها إذا ظهرت وقويت لم يبعد استثناؤها ولكن الأمر فيها منوط باجتهاد المحتسب حتى يستفتي فيها قلبه ويزن أحد المحذورين بالآخر ويرجح بنظر الدين لا بموجب الهوى والطبع فإن رجح بموجب الدين سمى سكوته مداراة وإن رجح بموجب الهوى سمى سكوته مداهنة وهذا أمر باطن لا يطلع عليه إلا بنظر دقيق ولكن الناقد بصير فحق على كل متدين فيه أن يراقب قلبه ويعلم أن الله مطلع على باعثه وصارفه أنه الدين أو الهوى وستجد كل نفس ما عملت من سوء أو خير محضرا عند الله ولو في فلتة خاطر أو فلتة ناظر من غير ظلم وجور فما الله بظلام للعبيد وأما القسم الثاني وهو فوات الحاصل فهو مكروه ومعتبر في جواز السكوت في الأمور الأربعة إلا العلم فإن فواته غير مخوف إلا بتقصير منه وإلا فلا يقدر أحد على سلب العلم من غيره وإن قدر على سلب الصحة والسلامة والثروة والمال وهذا أحد أسباب شرف العلم فإنه يدوم في الدنيا ويدوم ثوابه في الآخرة فلا انقطاع له أبد الآباد وأما الصحة والسلامة ففواتهما بالضرب فكل من علم أنه يضرب ضربا مؤلما يتأذى به في الحسبة لم تلزمه الحسبة وإن كان يستحب له ذلك كما سبق وإذا فهم هذا في الإيلام بالضرب فهو في الجرح والقطع والقتل أظهر وأما الثروة فهو بأن يعلم أنه تنهب داره ويخرب بيته وتسلب ثيابه فهذا أيضا يسقط عنه الوجوب ويبقى الاستحباب إذ لا بأس بأن يفدي دينه بدنياه ولكل واحد من الضرب والنهب حد في القلة لا يكترث به كالحبة في المال واللطمة الخفيف ألمها في الضرب وحد في الكثرة يتعين اعتباره ووسط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد وعلى المتدين أن يجتهد في ذلك ويرجح جانب الدين ما أمكن وأما الجاه ففواته بأن يضرب ضربا غير مؤلم أو بسبب على ملأ من الناس أو يطرح منديله في رقبته ويدار به في البلد أو يسود وجهه ويطاف به وكل ذلك من غير ضرب مؤلم للبدن وهو فادح في الجاه ومؤلم للقلب وهذا له درجات فالصواب أن يقسم إلى ما يعبر عنه بسقوط المروءة كالطواف به في البلد حاسرا حافيا فهذا يرخص له في السكوت لأن المروءة مأمور بحفظها في الشرع وهذا مؤلم للقلب ألما يزيد على ألم ضربات متعددة وعلى فوات دريهمات قليلة فهذه درجة الثانية ما يعبر عنه بالجاه المحض وعلو الرتبة فإن الخروج في ثياب فاخرة تجمل وكذلك الركوب للخيول فلو علم أنه لو احتسب لكلف المشي في السوق في ثياب لا يعتاد هو مثلها أو كلف المشي راجلا وعادته الركوب فهذا من جملة المزايا وليست المواظبة على حفظها محمودة وحفظ المروءة محمود فلا ينبغي أن يسقط وجوب الحسبة بمثل هذا القدر وفي معنى هذا ما لو خاف أن يتعرض له باللسان إما في حضرته بالتجهيل والتحميق والنسبة إلى الرياء والبهتان وأما في غيبته بأنواع الغيبة فهذا لا يسقط الوجوب إذ ليس فيه إلا زوال فضلات الجاه التي ليس إليها كبير حاجة ولو تركت الحسبة بلوم لائم أو باغتياب فاسق أو شتمه وتعنيفه أو سقوط المنزلة عن قلبه وقلب أمثاله لم يكن للحسبة وجوب أصلا إذ لا تنفك الحسبة عنه إلا إذا كان المنكر هو الغيبة وعلم أنه لو أنكر لم يسكت عن المغتاب ولكن أضافه إليه وأدخله معه في الغيبة فتحرم هذه الحسبة لأنها سبب زيادة المعصية وإن علم أنه يترك تلك الغيبة ويقتصر على غيبته فلا تجب عليه الحسبة لأن غيبته أيضا معصية في حق المغتاب ولكن يستحب له ذلك ليفدى عرض المذكور بعرض نفسه على سبيل الإيثار وقد دلت العمومات على تأكد وجوب الحسبة وعظم الخطر في السكوت عنها فلا يقابله إلا ما عظم في الدين خطره والمال والنفس والمروءة قد ظهر في الشرع خطرها فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخلق فكل ذلك لا خطر له وأما امتناعه لخوف شيء من هذه المكاره في حق أولاده وأقاربه فهو في حقه دونه لأن تأذيه بأمر نفسه أشد من تأذيه بأمر غيره ومن وجه الدين هو فوقه لأن له أن يسامح في حقوق نفسه وليس له المسامحة في حق غيره فإذا ينبغي أن يمتنع فإنه إن كان ما يفوت من حقوقهم يفوت على طريق المعصية كالضرب والنهب فليس له هذه الحسبة لأنه دفع منكر يفضي إلى منكر وإن كان يفوت لا بطريق المعصية فهو إيذاء للمسلم أيضا وليس له ذلك إلا برضاهم فإذا كان يؤدي ذلك إلى أذى قومه فليتركه وذلك كالزاهد الذي له أقارب أغنياء فإنه لا يخاف على ماله إن احتسب على السلطان ولكنه يقصد أقاربه انتقاما منه بواسطته فإذا كان يتعدى الأذى من حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محذور كما أن السكوت على المنكر محذور نعم إن كان لا ينالهم أذى في مال أو نفس ولكن ينالهم الأذى بالشتم والسب فهذا فيه نظر ويختلف الأمر فيه بدرجات المنكرات في تفاحشها ودرجات الكلام المحذور في نكايته في القلب وقدحه في العرض فإن قيل فلو قصد الإنسان قطع طرف من نفسه وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ربما يؤدي إلى قتله فهل يقاتل عليه فإن قلتم يقاتل فهو محال لأنه إهلاك نفس خوفا من إهلاك طرف وفي إهلاك النفس إهلاك الطرف أيضا قلنا يمنعه عنه ويقاتله إذ ليس غرضنا حفظ نفسه وطرفه بل الغرض حسم سبيل المنكر والمعصية وقتله في الحسبة ليس بمعصية وقطع طرف نفسه معصية وذلك كدفع الصائل على مال مسلم بما يأتي على قتله فإنه جائز لا على معنى أنا نفدي درهما من مال مسلم بروح مسلم فإن ذلك محال ولكن قصده لأخذ مال المسلمين معصية وقتله في الدفع عن المعصية ليس بمعصية وإنما المقصود دفع المعاصي فإن قيل فلو علمنا أنه لو خلا بنفسه لقطع طرف نفسه فينبغي أن نقتله في الحال حسما لباب المعصية قلنا ذلك لا يعلم يقينا ولا يجوز سفك دمه بتوهم معصية ولكنا إذا رأيناه في حال مباشرة القطع دفعناه فإن قاتلنا قاتلناه ولم نبال بما يأتي على روحه فإذا المعصية لها ثلاثة أحوال إحداها أن تكون متصرمة فالعقوبة على ما تصرم منها حد أو تعزير وهو إلى الولاة لا إلى الآحاد الثانية أن تكون المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها كلبسه الحرير وإمساكه العود والخمر فإبطال هذه المعصية واجب بكل ما يمكن ما لم تؤد إلى معصية أفحش منها أو مثلها وذلك يثبت للآحاد والرعية الثالثة أن يكون المنكر متوقعا كالذي يستعد بكنس المجلس وتزيينه وجمع الرياحين لشرب الخمر وبعده لم يحضر الخمر فهذا مشكوك فيه إذ ربما يعوق عنه عائق فلا يثبت للآحاد سلطنة على العازم على الشرب إلا بطريق الوعظ والنصح فأما بالتعنيف والضرب فلا يجوز للأحاد ولا للسلطان إلا إذا كانت تلك المعصية علمت منه بالعادة المستمرة وقد أقدم على السبب المؤدي إليها ولم يبق لحصول المعصية إلا ما ليس له فيه إلا الانتظار وذلك كوقوف الأحداث على أبواب حمامات النساء للنظر إليهن عند الدخول والخروج فإنهم وإن لم يضيقوا الطريق لسعته فتجوز الحسبة عليهم بإقامتهم من الموضع ومنعهم عن الوقوف بالتعنيف والضرب وكان تحقيق هذا إذا بحث عنه يرجع إلى أن هذا الوقوف في نفسه معصية وإن كان مقصد العاصي وراءه كما أن الخلوة بالأجنبية في نفسها معصية لأنها مظنة وقوع المعصية وتحصيل مظنة المعصية معصية ونعني بالمظنة ما يتعرض الإنسان به لوقوع المعصية غالبا بحيث لا يقدر على الانكفاف عنها فإذا هو على التحقيق حسبة على معصية راهنة لا على معصية منتظرة الركن الثاني للحسبة ما فيه الحسبة وهو كل منكر موجود في الحال ظاهر للمحتسب بغير تجسس معلوم كونه منكرا بغير اجتهاد فهذه أربعة شروط فلنبحث عنها الأول كونه منكرا ونعني به أن يكون محذور الوقوع في الشرع وعدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا لأن المنكر أعم من المعصية إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعه وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه وليس ذلك لتفاحش صورة الفعل وظهوره بين الناس بل لو صادف هذا المنكر في خلوة لوجب المنع منه وهذا لا يسمى معصية في حق المجنون إذ معصية لا عاصي بها محال فلفظ المنكر أدل عليه وأعم من لفظ المعصية وقد أدرجنا في عموم هذا الصغيرة والكبيرة فلا تختص الحسبة بالكبائر بل كشف العورة في الحمام والخلوة بالأجنبية واتباع النظر للنسوة الأجنبيات كل ذلك من الصغائر ويجب النهي عنها وفي الفرق بين الصغيرة والكبيرة نظر سيأتي في كتاب التوبة الشرط الثاني أن يكون موجودا في الحال وهو احتراز أيضا عن الحسبة على من فرغ من شرب الخمر فإن ذلك ليس إلى الآحاد وقد انقرض المنكر واحتراز عما سيوجد في ثاني الحال كمن يعلم بقرينة حال أنه عازم على الشرب في ليلته فلا حسبة عليه إلا بالوعظ وإن أنكر عزمه عليه لم يجز وعظه أيضا فإن فيه إساءة ظن بالمسلم وربما صدق في قوله وربما لا يقدم على ما عزم عليه لعائق وليتنبه للدقيقة التي ذكرناها وهو أن الخلوة بالأجنبية معصية ناجزة وكذا الوقوف على باب حمام النساء وما يجري مجراه الشرط الثالث أن يكون المنكر ظاهرا للمحتسب بغير تجسس فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا يجوز أن يتجسس عليه وقد نهى الله تعالى عنه وقصة عمر وعبد الرحمن بن عوف فيه مشهورة وقد أوردناها في كتاب آداب الصحبة وكذلك ما روي أن عمر رضي الله عنه تسلق دار رجل فرآه على حالة مكروهة فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين إن كنت أنا قد عصيت الله من وجه واحد فأنت قد عصيته من ثلاثة أوجه فقال وما هي فقال قد قال تعالى ولا تجسسوا وقد تجسست وقال تعالى وأتوا البيوت من أبوابها وقد تسورت من السطح وقال لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها وما سلمت فتركه عمر وشرط عليه التوبة ولذلك شاور عمر الصحابة رضي الله عنهم وهو على المنبر وسألهم عن الإمام إذا شاهد بنفسه منكرا فهل له إقامة الحد فيه فأشار علي رضي الله عنه بأن ذلك منوط بعدلين فلا يكفي فيه واحد وقد أوردنا هذه الأخبار في بيان حق المسلم من كتاب آداب الصحبة فلا نعيدها فإن قلت فما حد الظهور والاستتار فاعلم أن من أغلق باب داره وتستر بحيطانه فلا يجوز الدخول عليه بغير إذنه لنعرف المعصية إلا أن يظهر في الدار ظهورا يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والأوتار إذا ارتفعت بحيث جاوز ذلك حيطان الدار فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي وكذا إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفة بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا إظهار موجب للحسبة فإذن إنما يدرك مع تخلل الحيطان صوت أو رائحة فإذا فاحت روائح الخمر فإن احتمل أن يكون ذلك من الخمور المحترمة فلا يجوز قصدها بالإراقة وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشرب فهذا محتمل والظاهر جواز الحسبة وقد تستر قارورة الخمر في الكم وتحت الذيل وكذلك الملاهي فإذا رؤي فاسق وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عنه ما لم يظهر بعلامة خاصة فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمر إذ الفاسق محتاج أيضا إلى الخل وغيره فلا يجوز أن يستدل بإخفائه وأنه لو كان حلالا لما أخفاه لأن الأغراض في الإخفاء مما تكثر وإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر والظاهر أن له الاحتساب لأن هذه علامة تفيد الظن والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور وكذلك العود ربما يعرف بشكله إذا كان الثوب السائر له رقيقا فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت وما ظهرت دلالته فهو غير مستور بل هو مكشوف وقد أمرنا بأن نستر ما ستر الله وننكر على من أبدى لنا صفحته والإبداء له درجات فتارة يبدو لنا بحاسة السمع وتارة بحاسة الشم وتارة بحاسة البصر وتارة بحاسة اللمس ولا يمكن أن يخصص ذلك بحاسة البصر بل المراد العلم وهذه الحواس أيضا تفيد العلم فإذن إنما يجوز أن يكسر ما تحت الثوب إذا علم أنه خمر وليس له أن يقول أرني لأعلم ما فيه هذا تجسس ومعنى التجسس طلب الأمارات المعرفة فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت المعرفة جاز العمل بمقتضاها فأما طلب الأمارة المعرفة فلا رخصة فيه أصلا الشرط الرابع أن يكون كونه منكرا معلوما بغير اجتهاد فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله الضب والضبع ومتروك التسمية ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه النبيذ الذي ليس بمسكر وتناوله ميراث ذوي الأرحام وجلوسه في دار أخذها بشفعة الجوار إلى غير ذلك من مجاري الاجتهاد نعم لو رأى الشافعي شافعيا يشرب النبيذ وينكح بلا ولي ويطأ زوجته فهذا في محل النظر والأظهر أن له الحسبة والإنكار إذ لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجب اجتهاد غيره ولا أن الذي أدى اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقد من المذاهب أطيبها عنده بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل فإذن مخالفته للمقلد متفق على كونه منكرا بين المحصلين وهو عاص بالمخالفة إلا أنه يلزم من هذا أمر أغمض منه وهو أنه يجوز للحنفي أن يعترض على الشافعي إذا نكح بغير ولي بأن يقول له الفعل في نفسه حق ولكن لا في حقك فأنت مبطل بالإقدام عليه مع اعتقادك أن الصواب مذهب الشافعي ومخالفة ما هو صواب عندك معصية في حقك وإن كانت صوابا عند الله وكذلك الشافعي يحتسب على الحنفي إذا شاركه في أكل الضب ومتروك التسمية وغيره ويقول له إما أن تعتقد أن الشافعي أولى بالاتباع ثم تقدم عليه أو لا تعتقد ذلك فلا تقدم عليه لأنه على خلاف معتقدك ثم ينجر هذا إلى أمر آخر من المحسوسات وهو أن يجامع الأصم مثلا امرأة على قصد لزنا وعلم المحتسب أن هذه امرأته زوجه أبوه إياها في صغره ولكنه ليس يدري وعجز عن تعريفه ذلك لصممه أو لكونه غير عارف بلغته فهو في الإقدام مع اعتقاده أنها أجنبية عاص ومعاقب عليه في الدار الآخرة فينبغي أن يمنعها عنه مع أنها زوجته وهو بعيد من حيث إنه حلال في علم الله قريب من حيث إنه حرام عليه بحكم غلطه وجهله ولا شك في أنه لو علق طلاق زوجته على صفة في قلب المحتسب مثلا من مشيئة أو غضب أو غيره وقد وجدت الصفة في قلبه وعجز عن تعريف الزوجين ذلك ولكن علم وقوع الطلاق في الباطن فإذا رآه يجامعها فعليه المنع أعني باللسان لأن ذلك زنا إلا أن الزاني غير عالم به والمحتسب عالم بأنها طلقت منه ثلاثا وكونهما غير عاصيين لجهلهما بوجود الصفة لا يخرج الفعل عن كونه منكرا ولا يتقاعد ذلك عن زنا المجنون وقد بينا أنه يمنع منه فإذا كان يمنع مما هو منكر عند الله وإن لم يكن منكرا عند الفاعل ولا هو عاص به لعذر الجهل فيلزم من عكس هذا أن يقال ما ليس بمنكر عند الله إنما هو منكر عند الفاعل لجهله لا يمنع منه وهذا هو الأظهر والعلم عند الله فتحصل من هذا أن الحنفي لا يعترض على الشافعي في النكاح بلا ولي وأن الشافعي يعترض على الشافعي فيه لكون المعترض عليه منكرا باتفاق المحتسب والمحتسب عليه وهذه مسائل فقهية دقيقة والاحتمالات فيها متعارضة وإنما أفتينا فيها بحسب ما ترجح عندنا في الحال ولسنا نقطع بخطأ ترجيح المخالف فيها إن رأى أنه لا يجري الاحتساب إلا في معلوم على القطع وقد ذهب إليه ذاهبون وقالوا لا حسبة إلا في مثل الخمر والخنزير وما يقطع بكونه حراما ولكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد يؤثر في حق المجتهد إذ يبعد غاية البعد أن يجتهد في القبلة ويعترف بظهور القبلة عنده في جهة بالدلالات الظنية ثم يستدبرها ولا يمنع منه لأجل ظن غيره لأن الاستدبار هو الصواب ورأى من يرى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلا فهذا مذهب لا يثبت وإن ثبت فلا يعتد به فإن قلت إذا كان لا يعترض على الحنفي في النكاح بلا ولي لأنه يرى أنه حق فينبغي أن لا يعترض على المعتزلي في قوله إن الله لا يرى وقوله وإن الخير من الله والشر ليس من الله وقوله كلام الله مخلوق ولا على الحشوى في قوله إن الله تعالى جسم وله صورة وإنه مستقر على العرش بل لا ينبغي أن يعترض على الفلسفي في قوله الأجساد لا تبعث وإنما تبعث النفوس لأن هؤلاء أيضا أدى اجتهادهم إلى ما قالوه وهم يظنون أن ذلك هو الحق فإن قلت بطلان مذهب هؤلاء ظاهر فبطلان مذهب من يخالف نص الحديث الصحيح أيضا ظاهر وكما ثبت بظواهر النصوص أن الله تعالى يرى والمعتزلي ينكرها بالتأويل فكذلك ثبت بظواهر النصوص مسائل خالف فيها الحنفي كمسألة النكاح بلا ولي ومسألة شفعة الجوار ونظائرهما فاعلم أن المسائل تنقسم إلى ما يتصور أن يقال فيه كل مجتهد مصيب وهي أحكام الأفعال في الحل والحرمة وذلك هو الذي لا يعترض على المجتهدين فيه إذ لم يعلم خطؤهم قطعا بل ظنا وإلى ما لا يتصور أن يكون المصيب فيه إلا واحد كمسألة الرؤية والقدر وقدم الكلام ونفي الصورة والجسمية والاستقرار عن الله تعالى فهذا مما يعلم خطأ المخطىء فيه قطعا ولا يبقى لخطئه الذي هو جهل محض وجه فإذن البدع كلها ينبغي أن تحسم أبوابها وتنكر على المبتدعين بدعهم وإن اعتقدوا أنها الحق كما يرد على اليهود والنصارى كفرهم وأن كانوا يعتقدون أن ذلك حق لأن خطأهم معلوم على القطع بخلاف الخطأ في مظان الاجتهاد فإن قلت فمهما اعترضت على القدري في قوله الشر ليس من الله اعترض عليك القدري أيضا في قولك الشر من الله وكذلك في قولك إن الله يرى وفي سائر المسائل إذ المبتدع محق عند نفسه والمحق مبتدع عند المبتدع وكل يدعي أنه محق وينكر كونه مبتدعا فكيف يتم الاحتساب فاعلم أنا لأجل هذا التعارض نقول ينظر إلى البلدة التي فيها أظهرت تلك البدعة فإن كانت البدعة غريبة والناس كلهم على السنة فلهم الحسبة عليه بغير إذن السلطان وإن انقسم أهل البلد إلى أهل البدعة وأهل السنة وكان في الاعتراض تحريك فتنة بالمقاتلة فليس للآحاد الحسبة في المذاهب إلا بنصب السلطان فإذا رأى السلطان الرأي الحق ونصره وأذن لواحد أن يزجر المبتدعة عن إظهار البدعة كان له ذلك وليس لغيره فإن ما يكون بإذن السلطان لا يتقابل وما يكون من جهة الآحاد فيتقابل الأمر فيه وعلى الجملة فالحسبة في البدعة أهم من الحسبة في كل المنكرات ولكن ينبغي أن يراعى فيها هذا التفصيل الذي ذكرناه كيلا يتقابل الأمر ولا ينجر إلى تحريك الفتنة بل لو أذن السلطان مطلقا في منع كل من يصرح بأن القرآن مخلوق أو أن الله لا يرى أو أنه مستقر على العرش مماس له أو غير ذلك من البدع لتسلط الآحاد على المنع منه ولم يتقابل الأمر فيه وإنما يتقابل عند عدم إذن السلطان فقط الركن الثالث المحتسب عليه وشرطه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكرا وأقل ما يكفي في ذلك أن يكون إنسانا ولا يشترط كونه مكلفا إذ بينا أن الصبي لو شرب الخمر منع منه واحتسب عليه وإن كان قبل البلوغ ولا يشترط كونه مميزا إذ بينا أن المجنون لو كان يزني بمجنونة أو يأتي بهيمة منعه منه نعم من الأفعال ما لا يكون منكرا في حق المجنون كترك الصلاة والصوم وغيره ولكنا لسنا نلتفت إلى اختلاف التفاصيل فإن ذلك أيضا مما يختلف فيه المقيم والمسافر والمريض والصحيح وغرضنا الإشارة إلى الصفة التي بها يتهيأ توجه أصل الإنكار عليه لا ما بها يتهيأ للتفاصيل فإن قلت فاكتف بكونه حيوانا ولا تشترط كونه إنسانا فإن البهيمة لو كانت تفسد زرعا لإنسان لكنا تمنعها منه كما نمنع المجنون من الزنا وإتيان البهيمة فاعلم أن تسمية ذلك حسبة لا وجه لها إذ الحسبة عبارة عن المنع عن منكر لحق الله صيانة للممنوع عن مقارفة المنكر ومنع المجنون عن الزنا وإتيان البهيمة لحق الله وكذا منع الصبي عن شرب الخمر والإنسان إذا أتلف زرع غيره منع منه لحقين أحدهما حق الله تعالى فإن فعله معصية والثاني حق المتلف عليه فهما علتان تنفصل إحداهما عن الأخرى فلو قطع طرف غيره بإذنه فقد وجدت المعصية وسقط حق المجني عليه بإذنه فتثبت الحسبة والمنع بإحدى العلتين والبهيمة إذا أتلفت فقد عدمت المعصية ولكن يثبت المنع بإحدى العلتين ولكن فيه دقيقة وهو أنا لسنا نقصد بإخراج البهيمة منع البهيمة بل حفظ مال المسلم إذ البهيمة لو أكلت ميتة أو شربت من إناء فيه خمر أو ماء مشوب بخمر لم نمنعها منه بل يجوز إطعام كلاب الصيد الجيف والميتات ولكن مال المسلم إذا تعرض للضياع وقدرنا على حفظه بغير تعب وجب ذلك علينا حفظا للمال بل لو وقعت جرة لإنسان من علو وتحتها قارورة لغيره فتدفع الجرة لحفظ القارورة لا لمنع الجرة من السقوط فإنا لا نقصد منع الجرة وحراستها من أن تصير كاسرة للقارورة ونمنع المجنون من الزنا وإتيان البهيمة وشرب الخمر وكذا الصبي لا صيانة للبهيمة المأتية أو الخمر المشروب بل صيانة للمجنون عن شرب الخمر وتنزيها له من حيث إنه إنسان محترم فهذه لطائف دقيقة لا يتفطن لها إلا المحققون فلا ينبغي أن يغفل عنها ثم فيما يجب تنزيه الصبي والمجنون عنه نظر إذ قد يتردد في معنهما من لبس الحرير وغير ذلك وسنتعرض لما نشير إليه في الباب الثالث فإن قلت فكل من رأى بهائم قد استرسلت في زرع إنسان فهل يجب عليه إخراجها وكل من رأى مالا لمسلم أشرف على الضياع هل يجب عليه حفظه فإن قلتم إن ذلك واجب فهذا تكليف شطط يؤدي إلى أن يصير الإنسان مسخرا لغيره طول عمره وإن قلتم لا يجب فلم يجبالاحتساب على من يغصب مال غيره وليس له سبب سوى مراعاة مال الغير فنقول هذا بحث دقيق غامض والقول الوجيز فيه أن نقول مهما قدر على حفظه من الضياع من غير أن يناله تعب في بدنه أو خسران في ماله أو نقصان جاهه وجب عليه ذلك فذلك القدر واجب في حقوق المسلم بل هو أقل درجات الحقوق والأدلة الموجبة لحقوق المسلمين كثيرة وهذا أقل درجاتها وهو أولى بالإيجاب من رد السلام فإن الأذى في هذا أكثر من الأذى في ترك رد السلام بل لا خلاف في أن مال الإنسان إذا كان يضيع بظلم ظالم وكان عند الشهادة لو تكلم بها لرجع الحق إليه وجب عليه ذلك وعصى بكتمان الشهادة ففي معنى ترك الشهادة ترك كل دفع لا ضرر على الدافع فيه فأما إن كان عليه تعب أو ضرر في مال أو جاه لم يلزمه السعي في ذلك ولكن إذا كان لا يتعب بتنبيه صاحب الزرع من نوم أو بإعلامه يلزمه فإهمال تعريفه وتنبيهه كإهماله تعريف القاضي بالشهادة وذلك لا رخصة فيه ولا يمكن أن يراعى فيه الأقل والأكثر حتى يقال إن كان لا يضيع من منفعته في مدة اشتغاله بإخراج البهائم إلا قدر درهم مثلا وصاحب الزرع يفوته مال كثير فيترجح جانبه لأن الدرهم الذي له هو يستحق حفظه كما يستحق صاحب الألف حفظ الألف ولا سبيل للمصير إلا ذلك فأما إذا كان فوات المال بطريق هو معصية كالغصب أو قتل عبد مملوك للغير فهذا يجب المنع منه وإن كان فيه تعب ما لأن المقصود حق الشرع والغرض دفع المعصية وعلى الإنسان أن يتعب نفسه في دفع المعاصي كما عليه أن يتعب نفسه في ترك المعاصي والمعاصي كلها في تركها تعب وإنما الطاعة كلها ترجع إلى مخالفة النفس وهي غاية التعب ثم لا يلزمه احتمال كل ضرر بل التفصيل فيه كما ذكرناه من درجات المحذورات التي يخافها المحتسب وقد اختلف الفقهاء في مسئلتين تقربان من غرضنا إحداهما أن الالتقاط هل هو واجب واللقطة ضائعة والملتقط مانع من الضياع وساع في الحفظ والحق فيه عندنا أن يفصل ويقال إن كانت اللقطة في موضع لو تركها فيه لم تضع بل يلتقطها من يعرفها أو تترك كما لو كان في مسجد أو رباط يتعين من يدخله وكلهم أمناء فلا يلزمه الالتقاط وإن كانت في مضيعة نظر فإن كان عليه تعب في حفظها كما لو كانت بهيمة وتحتاج إلى علف واصطبل فلا يلزمه ذلك لأنه إنما يجب الالتقاط لحق المالك وحقه بسبب كونه إنسانا محترما والملتقط أيضا إنسان وله حق في أن لا يتعب لأجل غيره كما لا يتعب غيره لأجله فإن كانت ذهبا أو ثوبا أو شيئا لا ضرر عليه فيه إلا مجرد تعب  التعريف فهذا ينبغي أن يكون في محل الوجهين فقائل يقول التعريف والقيام بشرطه فيه تعب فلا سبيل إلى إلزامه ذلك إلا أن يتبرع فيلتزم طبقا للثواب وقائل يقول إن هذا القدر من التعب مستصغر بالإضافة إلى مراعاة حقوق المسلمين فينزل هذا منزلة تعب الشاهد في حضور مجلس الحكم فإنه لا يلزمه السفر إلى بلدة أخرى إلا أن يتبرع به فإذا كان مجلس القاضي في جواره لزمه الحضور وكان التعب بهذه الخطوات لا يعد تعبا في غرض إقامة الشهادة وأداء الأمانة وإن كان في الطرف الآخر من البلد وأحوج إلى الحضور في الهاجرة وشدة الحر فهذا قد يقع في محل الاجتهاد والنظر فإن الضرر الذي ينال الساعي في حفظ حق الغير له طرف في القلة لا يشك في أنه لا يبالي به وطرف في الكثرة لا يشك في أنه لا يلزم احتماله ووسط يتجاذبه الطرفان ويكون أبدا في محل الشبهة والنظر وهي من الشبهات المزمنة التي ليس في مقدور البشر إزالتها إذ لا علة تفرق بين أجزائها المتقاربة ولكن المتقي ينظر فيها لنفسه ويدع ما يريبه إلا ما لا يريبه فهذا نهاية الكشف عن هذا الأصل الركن الرابع نفس الاحتساب وله درجات وآداب أما الدرجات فأولها التعرف ثم التعريف ثم النهي ثم الوعظ والنصح ثم السب والتعنيف ثم التغيير باليد ثم التهديد بالضرب ثم إيقاع الضرب وتحقيقه ثم شهر السلاح ثم الاستظهار فيه بالأعوان وجمع الجنود أما الدرجة الأولى وهي التعرف ونعني طلب المعرفة بجريان المنكر وذلك منهي عنه وهو التجسس الذي ذكرناه فلا ينبغي أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار ولا أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر ولا أن يمس ما في ثوبه ليعرف شكل المزمار ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره نعم لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار بأن فلانا يشرب الخمر في داره أو بأن في داره خمرا أعده للشرب فله إذ ذاك أن يدخل داره ولا يلزم الاستئذان ويكون تخطى ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر ككسر رأسه بالضرب للمنع مهما احتاج إليه وإن أخبره عدلان أو عدل واحد وبالجملة كل من تقبل روايته لا شهادته ففي جواز الهجوم على داره بقولهم فيه نظر واحتمال والأولى أن يمتنع لأن له حقا في أن لا يتخطى داره بغير إذنه ولا يسقط حق المسلم عما ثبت عليه حقه إلا بشاهدين فهذا أولى ما يجعل مردا فيه وقد قيل أنه كان نقش خاتم لقمان الستر لما عاينت أحسن من إذاعة ما ظننت الدرجة الثانية التعريف فإن المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله وإذا عرف أنه منكر تركه كالسوادي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود فيعلم أن ذلك لجهله بأن هذه ليست بصلاة ولو رضى بأن لا يكون مصليا لترك أصل الصلاة فيجب تعريفه باللطف من غير عنف وذلك لأن ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والحمق والتجهيل إيذاء وقلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور لا سيما بالشرع ولذلك ترى الذي يغلب عليه الغضب كيف يغضب إذا نبه على الخطأ والجهل وكيف يجتهد في مجاحدة الحق بعد معرفته خيفة من أن تنكشف عورة جهله والطباع أحرص على ستر عورة الجهل منها على ستر العورة الحقيقية لأن الجهل قبح في صورة النفس وسواد في وجهه وصاحبه ملوم عليه وقبح السوأتين يرجع إلى صورة البدن والنفس أشرف من البدن وقبحها أشد من قبح البدن ثم هو غير ملوم عليه لأنه خلقة لم يدخل تحت اختياره حصوله ولا في اختياره إزالته وتحسينه والجهل قبح يمكن إزالته وتبديله بحسن العلم فلذلك يعظم تألم الإنسان بظهور جهله ويعظم ابتهاجه في نفسه بعلمه ثم لذته عند ظهور جمال علمه لغيره وإذا كان التعريف كشفا للعورة مؤذيا للقلب فلا بد وأن يعالج دفع أذاه بلطف الرفق فنقول له إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا أيضا جاهلين بأمور الصلاة فعلمنا العلماء ولعل قريتك خالية عن أهل العلم أو عالمها مقصر في شرح الصلاة وإيضاحها إنما شرط الصلاة الطمأنينة في الركوع والسجود وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء فإن إيذاء المسلم حرام محذور كما أن تقريره على المنكر محذور وليس من العقلاء من يغسل الدم بالدم أو بالبول ومن اجتنب محذور السكوت على المنكر واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الإستغناء عنه فقد غسل الدم بالبول على بالتحقيق وأما إذا وقفت على خطأ في غير أمر الدين فلا ينبغي أن ترده عليه فإنه يستفيد منك علما ويصير لك عدوا إلا إذا علمت أنه يغتنم العلم وذلك عزيز جدا الدرجة الثالثة النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله تعالى وذلك فيمن يقدم على الأمر وهو عالم بكونه منكرا أو فيمن أصر عليه بعد أن عرف كونه منكرا كالذي يواظب على الشرب أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ ويخوف بالله تعالى وتورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك وتحكى له سيرة السلف وعبادة المتقين وكل ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب بل ينظر إليه نظر المترحم عليه ويرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة وههنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها فإنها مهلكة وهي أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم وذل غيره بالجهل فربما يقصد بالتعريف الإدلال وإظهار التمييز بشرف العلم وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسة الجهل فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الذي يعترض عليه ومثال هذا المحتسب مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه وهو غاية في الجهل وهذه مذلة عظيمة وغائلة هائلة وغرور للشيطان يتدلى بحبله كل إنسان إلا من عرفه الله عيوب نفسه وفتح بصيرته بنور هدايته فإن في الاحتكام على الغير لذة للنفس عظيمة من وجهين أحدهما من جهة العلم والآخر من جهة دالة الاحتكام والسلطنة وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه وهو الشهوة الخفية الداعية إلى الشرك الخفي وله محك ومعيار ينبغي أن يمتحن المحتسب به نفسه وهو أن يكون امتناع ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو باحتساب غيره أحب إليه من امتناعه باحتسابه فإن كانت الحسبة شاقة عليه ثقيلة على نفسه وهو يود أن يكفي بغيره فليحتسب فإن باعثه هو الدين وإن كان اتعاظ ذلك العاصي بوعظه وانزجاره بزجره أحب إليه من اتعاظه بوعظ غيره فما هو إلا متبع هوى نفسه ومتوسل إلى إظهار جاه نفسه بواسطة حسبته فليتق الله تعالى فيه وليحتسب أولا على نفسه وعند هذا يقال له ما قيل لعيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني وقيل لداود الطائي رحمه الله أرأيت رجلا دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فقال أخاف عليه السوط قال إنه يقوى عليه قال أخاف عليه السيف قال إنه يقوى عليه قال أخاف عليه الداء الدفين وهو العجب الدرجة الرابعة السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادىء الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح وذلك مثل قول إبراهيم عليه السلام أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ولسنا نعني بالسب والفحش بما فيه نسبة إلى الزنا ومقدماته ولا الكذب بل أن يخاطبه بما فيه مما لا يعد من جملة الفحش كقوله يا فاسق يا أحمق يا جاهل ألا تخاف الله وكقوله يا سوادي يا غبي وما يجري هذا المجرى فإن كل فاسق فهو أحمق وجاهل ولولا حمقه لما عصى الله تعالى بل كل من ليس بكيس فهو أحمق والكيس من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكياسة حيث قال الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله حديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت الحديث أخرجه الترمذي وقال حسن وابن ماجه من حديث شداد بن أوس ولهذه الرتبة أدبان أحدهما أن لا يقدم عليها إلا عند الضرورة والعجز عن اللطف والثاني أن لا ينطق إلا بالصدق ولا يسترسل فيه فيطلق لسانه الطويل بما لا يحتاج إليه بل يقتصر على قدر الحاجة فإن علم أن خطابه بهذه الكلمات الزاجرة ليست تزجره فلا ينبغي أن يطلقه بل يقتصر على إظهار الغضب والاستحقار له والازدراء بمحله لأجل معصيته وإن علم أنه لو تكلم ضرب ولو اكفهر وأظهر الكراهة بوجهه لم يضرب لزمه ولم يكفه الإنكار بالقلب بل يلزمه أن يقطب وجهه ويظهر الإنكار له الدرجة الخامسة التغيير باليد وذلك ككسر الملاهي وإراقة الخمر وخلع الحرير من رأسه وعن بدنه ومنعه من الجلوس عليه ودفعه عن الجلوس على مال الغير وإخراجه من الدار المغصوبة بالجر برجله وإخراجه من المسجد إذا كان جالسا وهو جنب وما يجري مجراه ويتصور ذلك في بعض المعاصي دون بعض فأما معاصي اللسان والقلب فلا يقدر على مباشرة تغييرها وكذلك كل معصية تقتصر على نفس العاصي وجوارحه الباطنة وفي هذه الدرجة أدبان أحدهما أن لا يباشر بيده التغيير ما لم يعجز عن تكليف المحتسب عليه ذلك فإذا أمكنه أن يكلفه المشي في الخروج عن الأرض المغصوبة والمسجدفلا ينبغي أن يدفعه أو يجره وإذا قدر على أن يكلفه إراقة الخمر وكسر الملاهي وحل دروز ثوب الحرير فلا ينبغي أن يباشر ذلك بنفسه فإن في الوقوف على حد الكسر نوع عسر فإذا لم يتعاط بنفسه ذلك كفى الاجتهاد فيه وتولاه من لا حجر عليه في فعله الثاني أن يقتصر في طريق التغيير على القدر المحتاج إليه وهو أن لا يأخذ بلحيته في الإخراج ولا برجله إذا قدر على جره بيده فإن زيادة الأذى فيه مستغنى عنه وأن لا يمزق ثوب الحرير بل يحل دروزه فقط ولا يحرق الملاهي والصليب الذي أظهره النصارى بل يبطل صلاحيتها للفساد بالكسر وحد الكسر أن يصير إلى حالة تحتاج في استئناف إصلاحه إلى تعب يساوي تعب الاستئناف من الخشب ابتداء وفي إراقة الخمور يتوقى كسر الأواني إن وجد إليه سبيلا فإن لم يقدر عليها إلا بأن يرمى ظروفها بحجر فله ذلك وسقطت قيمة الظرف وتقومه بسبب الخمر إذ صار حائلا بينه وبين الوصول إلى إراقة الخمر ولو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد بدنه بالجرح والضرب لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذن لا تزيد حرمة ملكه في الظروف على حرمة نفسه ولو كان الخمر في قوارير ضيقة الرءوس ولو اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق ومنعوه فله كسرها فهذا عذر وإن كان لا يحذر ظفر الفساق به ومنعهم ولكن كان يضيع في زمانه وتتعطل عليه أشغاله فله أن يكسرها فليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من أشغاله لأجل ظرف الخمر وحيث كانت الإراقة متيسرة بلا كسر فكسره لزمه الضمان فإن قلت فهلا جاز الكسر لأجل الزجر وهلا جاز الجر بالرجل في الإخراج عن الأرض المغصوبة ليكون ذلك أبلغ في الزجر فاعلم أن الزجر إنما يكون عن المستقبل والعقوبة تكون على الماضي والدفع على الحاضر الراهن وليس إلى آحاد الرعية إلا الدفع وهو إعدام المنكر فما زاد على قدر الإعدام فهو إما عقوبة على جريمة سابقة أو زجر عن لاحق وذلك إلى الولاة لا إلى الرعية نعم الوالي له أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه وأقول له أن يأمر بكسر الظروف التي فيها الخمور زجرا وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا للزجر حديث تكسير الظروف التي فيها الخمور في زمنه صلى الله عليه وسلم أخرجه الترمذي من حديث أبي طلحة أنه قال يا نبي الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري قال أهرق الخمر واكسر الدنان وفيه ليث بن أبي سليم والأصح رواية السدي عن يحيى بن عباد عن أنس أن أبا طلحة كان عندي قاله الترمذي ولم يثبت نسخه ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة فإذا رأى الوالي باجتهاده مثل الحاجة جاز له مثل ذلك وإذا كان هذا منوطا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية فإن قلت فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون ويعصون وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون إلى المعاصي فاعلم أن ذلك لو ورد الشرع به لم يكن خارجا عن سنن المصالح ولكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع فيها وكسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة وتركه بعد ذلك لعدم شدة الحاجة لا يكون نسخا بل الحكم يزول بزوال العلة ويعود بعودها وإنما جوزنا ذلك للإمام بحكم الاتباع ومنعنا آحاد الرعية منه لخفاء وجه الاجتهاد فيه بل نقول لو أريقت الخمور أولا فلا يجوز كسر الأواني بعدها وإنما جاز كسرها تبعا للخمر فإذا خلت عنها فهو إتلاف مال إلا أن تكون ضاربة بالخمر لا تصلح إلا لها فكان الفعل المنقول عن العصر الأول كان مقرونا بمعنيين أحدهما شدة الحاجة إلى الزجر والآخر تبعية الظروف للخمر التي هي مشغولة بها وهما معنيان مؤثران لا سبيل إلى حذفهما ومعنى ثالث وهو صدوره عن رأي صاحب الأمر لعلمه بشدة الحاجة إلى الزجر وهو أيضا مؤثر فلا سبيل إلى إلغائه فهذه تصرفات دقيقة فقهية يحتاج المحتسب لا محالة إلى معرفتها الدرجة السادسة التهديد والتخويف كقوله دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك أو لآمرن بك وما أشبهه وهذا ينبغي أن يقدم على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه والأدب في هذه الرتبة أن لا يهدده بوعيد لا يجوز له تحقيقه كقوله لأنهبن دارك أو لأضربن ولدك أو لأسبين زوجتك وما يجري مجراه بل ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام وإن قاله من غير عزم فهو كذب نعم إذا تعرض لوعيده بالضرب والاستخفاف فله العزم عليه إلى حد معلوم يقتضيه الحال وله أن يزيد في الوعيد على ما هو في عزمه الباطن إذا علم أن ذلك يقمعه ويردعه وليس ذلك من الكذب المحذور بل المبالغة في مثل ذلك معتادة وهو معنى مبالغة الرجل في إصلاحه بين شخصين وتأليفه بين الضرتين وذلك مما قد رخص فيه للحاجة وهذا في معناه فإن القصد به إصلاح ذلك الشخص وإلى هذا المعنى أشار بعض الناس أنه لا يقبح من الله أن يتوعد بما لا يفعل لأن الخلف في الوعيد كرم وإنما يقبح أن يعد بما لا يفعل وهذا غير مرضي عندنا فإن الكلام القديم لا يتطرق إليه الخلف وعدا كان أو وعيدا وإنما يتصور هذا في حق العباد وهو كذلك إذ الخلف في الوعيد ليس بحرام الدرجة السابعة مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة في الدفع فإذا اندفع المنكر فينبغي أن يكف والقاضي قد يرهق من ثبت عليه الحق إلى الأداء بالحبس فإن أصر المحبوس وعلم القاضي قدرته على أداء الحق وكونه معاندا فله أن يلزمه الأداء بالضرب على التدريج كما يحتاج إليه وكذلك المحتسب يراعي التدريج فإن احتاج إلى شهر سلاح وكان يقدر على دفع المنكر بشهر السلاح وبالجرح فله أن يتعاطى ذلك ما لم تثر فتنة كما لو قبض فاسق مثلا على امرأة أو كان يضرب بمزمار معه وبينه وبين المحتسب نهر حائل أو جدار مانع فيأخذ قوسه ويقول له خل عنها أو لأرمينك إن لم تخل عنها فله أن يرمي وينبغي أن لا يقصد المقتل بل الساق والفخذ وما أشبهه ويراعي فيه التدريج وكذلك يسل سيفه ويقول اترك هذا المنكر أو لأضربنك فكل ذلك دفع للمنكر ودفعه واجب بكل ممكن ولا فرق في ذلك بين ما يتعلق بخاص حق الله وما يتعلق بالآدميين وقالت المعتزلة ما لا يتعلق بالآدميين فلا حسبة فيه إلا بالكلام أو بالضرب ولكن للإمام لا للآحاد الدرجة الثامنة أن لا يقدر عليه بنفسه ويحتاج فيه إلى أعوان يشهرون السلاح وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه ويؤدي ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن الإمام فقال قائلون لا يستقل آحاد الرعية بذلك لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وهيجان الفساد وخراب البلاد وقال آخرون لا يحتاج إلى الإذن وهو الأقيس لأنه إذا جاز للآحاد الأمر بالمعروف وأوائل درجاته تجر إلى ثوان والثواني إلى ثوالث وقد ينتهي لا محالة إلى التضارب والتضارب يدعو إلى التعاون فلا ينبغي أن يبالي بلوازم الأمر بالمعروف ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله والمسلم إن قتل فهو شهيد فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله والمحتسب المحق إن قتل مظلوما فهو شهيد وعلى الجملة فانتهاء الأمر إلى هذا من النوادر في الحسبة فلا يغير به قانون القياس بل يقال كل من قدر على دفع منكر فله أن يدفع ذلك بيده وبسلاحه وبنفسه وبأعوانه فالمسألة إذن محتملة كما ذكرناه فهذه درجات الحسبة فلنذكر آدابها والله الموفق باب آداب المحتسب قد ذكرنا تفاصيل الآداب في آحاد الدرجات ونذكر الآن جملها ومصادرها فنقول جميع آداب المحتسب مصدرها ثلاث صفات في المحتسب العلم والورع وحسن الخلق أما العلم فليعلم مواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقتصر على حد الشرع فيه والورع ليردعه عن مخالفة معلومة فما كل من علم عمل بعلمه بل ربما يعلم أنه مسرف في الحسبة وزائد على الحد المأذون فيه شرعا ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض وليكن كلامه ووعظه مقبولا فإن الفاسق يهزأ به إذا احتسب ويورث ذلك جراءة عليه وأما حسن الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق وهو أصل الباب وأسبابه والعلم والورع لا يكفيان فيه فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبوله بحسن الخلق وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق والقدرة على ضبط الشهوة والغضب وبه يصبر المحتسب على ما أصابه في دين الله وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه بشتم أو ضرب نسي الحسبة وغفل عن دين الله واشتغل بنفسه بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع المنكرات وإن فقدت لم يندفع المنكر بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة حد الشرع فيها ودل على هذه الآداب قوله صلى الله عليه وسلم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به فقيه فيما ينهى عنه حديث لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق فيما ينهى عنه الحديث لم أجده هكذا وللبيهقي في الشعب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف وهذا يدل على أنه لا يشترط أن يكون فقيها مطلقا بل فيما يأمر به وينهى عنه وكذا الحلم قال الحسن البصري رحمه الله تعالى إذا كنت ممن يأمر بالمعروف فكن من آخذ الناس به وإلا هلكت وقد قيل لا تلم المرء على فعله وأنت منسوب إلى مثله من ذم شيئا وأتى مثله فإنما يزرى على عقله ولسنا نعني بهذا أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعا بالفسق ولكن يسقط أثره عن القلوب بظهور فسقه للناس فقد روي عن أنس رضي الله عنه قال قلنا يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله فقال صلى الله عليه وسلم بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله حديث أنس قلنا يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله فقال صلى الله عليه وسلم بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله أخرجه الطبراني في المعجم الصغير والأوسط وفيه عبد القدوس بن حبيب أجمعوا على تركه وأوصى بعض السلف بنيه فقال إن إراد أحدكم أن يأمر بالمعروف فليوطن نفسه على الصبر وليثق بالثواب من الله فمن وثق بالثواب من الله لم يجد مس الأذى فإذن من آداب الحسبة توطين النفس على الصبر ولذلك قرن الله تعالى الصبر بالأمر بالمعروف فقال حاكيا عن لقمان يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ومن الآداب تقليل العلائق حتى لا يكثر خوفه وقطع الطمع عن الخلائق حتى تزول عنه المداهنة فقد روى عن بعض المشايخ أنه كان له سنور وكان يأخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئا من الغدد لسنوره فرأى على القصاب منكرا فدخل الدار أولا وأخرج السنور ثم جاء واحتسب على القصاب فقال له القصاب لا أعطينك بعد هذا شيئا لسنورك فقال ما احتسبت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك وهو كما قال فمن لم يقطع الطمع من الخلق لم يقدر على الحسبة ومن طمع في أن تكون قلوب الناس عليه طيبة وألسنتهم بالثناء عليه مطلقة لم تتيسر له الحسبة قال كعب الأحبار لأبي مسلم الخولاني كيف منزلتك بين قومك قال حسنة قال إن التوراة تقول إن الرجل إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ساءت منزلته عند قومه فقال أبو مسلم صدقت التوراة وكذب أبو مسلم ويدل على وجوب الرفق ما استدل به المأمون إذا وعظه واعظ وعنف له في القول فقاليا رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى فليكن اقتداء المحتسب في الرفق بالأنبياء صلوات الله عليهم فقد روى أبو أمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله تأذن لي في الزنا فصاح الناس به فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه ادن فدنا حتى جلس بين يديه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه لأمك فقال لا جعلني الله فداك قال كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم أتحبه لابنتك قال لا جعلني الله فداك قال كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم أتحبه لأختك حديث أبي أمامة أن شابا قال يا رسول الله ائذن لي في الزنا فصاح الناس به الحديث رواه أحمد بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحد لا جعلني الله فداك وهو صلى الله عليه وسلم يقول كذلك الناس لا يحبونه وقالا جميعا في حديثهما أعني ابن عوف والراوي الآخر فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه فلم يكن شيء أبغض إليه منه يعني من الزنا وقيل للفضيل بن عياض رحمه الله إن سفيان بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال الفضيل ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعذله ووبخه فقال سفيان يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا لنحب الصالحين وقال حماد بن سلمة إن صلة بن أشيم مر عليه رجل قد أسبل إزاره فهم أصحابه أن يأخذوه بشدة فقال دعوني أنا أكفيكم فقال يا ابن أخي إن لي إليك حاجة قال وما حاجتك يا عم قال أحب أن ترفع من إزارك فقال نعم وكرامة فرفع إزاره فقال لأصحابه لو أخذتموه بشدة لقال لا ولا كرامة وشتمكم وقال محمد بن زكريا الغلابي شهدت عبد الله بن محمد بن عائشة ليلة وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله وإذا في طريقه غلام من قريش سكران وقد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت فاجتمع الناس عليه يضربونه فنظر إليه ابن عائشة فعرفه فقال للناس تنحوا عن ابن أخي ثم قال إلي يا ابن أخي فاستحى الغلام فجاء إليه فضمه إلى نفسه ثم قال له امض معي فمضى معه حتى صار إلى منزله فأدخله الدار وقال لبعض غلمانه بيته عندك فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه ولا تدعه ينصرف حتى تأتيني به فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه وبكى وهم بالانصراف فقال الغلام قد أمر أن تأتيه فأدخله عليه فقال له أما استحييت لنفسك أما استحييت لشرفك أما ترى من ولدك فاتق الله وانزع عما أنت فيه فبكى الغلام منكسا رأسه ثم رفع رأسه وقال عاهدت الله تعالى عهدا يسألني عنه يوم القيامة أني لا أعود لشرب النبيذ ولا لشيء مما كنت فيه وأنا تائب فقال ادن مني فقبل رأسه وقال أحسنت يا بني فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب عنه الحديث وكان ذلك ببركة رفقه ثم قال إن الناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويكون معروفهم منكرا فعليكم بالرفق في جميع أموركم تنالون به ما تطلبون وعن الفتح بن شخرف قال تعلق رجل بامرأة وتعرض لها وبيده سكين لا يدنو منه أحد إلا عقره وكان الرجل شديد البدن فبينا الناس كذلك والمرأة تصيح في يده إذ مر بشر بن الحارث فدنا منه وحك كتفه بكتف الرجل فوقع الرجل على الأرض ومشى بشر فدنوا من الرجل وهو يترشح عرقا كثيرا ومضت المرأة لحالها فسألوه ما حالك فقال ما أدري ولكن حاكني شيخ وقال لي إن الله عز وجل ناظر إليك وإلى ما تعمل فضعفت لقوله قدماي وهبته هيبة شديدة ولا أدري من ذلك الرجل فقالوا له هو بشر بن الحارث فقال واسوأتاه كيف ينظر إلى بعد اليوم وحم الرجل من يومه ومات يوم السابع فكذا كانت عادة أهل الدين في الحسبة وقد نقلنا فيها آثارا وأخبارا في باب البغض في الله والحب في الله من كتاب آداب الصحبة فلا نطول بالإعادة فهذا تمام النظر في درجات الحسبة وآدابها والله الموفق بكرمه والحمد لله على جميع نعمه الباب الثالث في المنكرات المألوفة في العادات فنشير إلى جمل منها ليستدل بها على أمثالها إذ لا مطمع في حصرها واستقصائها فمن ذلك منكرات المساجد اعلم أن المنكرات تنقسم إلى مكروهة وإلى محظورة فإذا قلنا هذا منكر مكروه فاعلم أن المنع منه مستحب والسكوت عليه مكروه وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب ذكره له لأن الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه إلى من لا يعرفه وإذا قلنا منكر محظور أو قلنا منكر مطلقا فنزيد به المحظور ويكون السكوت عليه مع القدرة محظورا فما يشاهد كثيرا في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود وهو منكر مبطل للصلاة بنص الحديث فيجب النهي عنه إلا عند الحنفي الذي يعتقد أن ذلك لا يمنع صحة الصلاة إذ لا ينفع النهي معه ومن رأى مسيئا في صلاته فسكت عليه فهو شريكه هكذا ورد به الأثر وفي الخبر ما يدل عليه إذ ورد في الغيبة أن المستمع شريك القائل حديث المغتاب والمستمع شريكان في الإثم تقدم في الصوم وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة على ثوبه لا يراها أو انحراف عن القبلة بسبب ظلام أو عمى فكل ذلك تجب الحسبة فيه ومنها قراءة القرآن باللحن يجب النهي عنه ويجب تلقين الصحيح فإن كان المعتكف في المسجد يضيع أكثر أوقاته في أمثال ذلك ويشتغل به عن التطوع والذكر فليشتغل به فإن هذا أفضل له من ذكره وتطوعه لأن هذا فرض وهي قربة تتعدى فائدتها فهي أوشك من نافلة تقتصر عليه فائدتها وإن كان ذلك يمنعه عن الوراقة مثلا أو عن الكسب الذي هو طعمته فإن كان معه مقدار كفايته لزمه الاشتغال بذلك ولم يجز له ترك الحسبة لطلب زيادة الدنيا وإن احتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له فيسقط الوجوب عنه لعجزه والذي يكثر اللحن في القرآن إن كان قادرا على التعلم فليمتنع من القراءة قبل التعلم فإنه عاص به وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرؤه لحنا فليتركه وليجتهد في تعلم الفاتحة وتصحيحها وإن كان الأكثر صحيحا وليس يقدر على التسوية فلا بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض به الصوت حتى لا يسمع غيره ولمنعه سرا منه أيضا وجه ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى به باسا والله أعلم ومنها تراسل المؤذنين في الأذان وتطويلهم بمد كلماته وانحرافهم عن صوب القبلة بجميع الصدر في الحيعلتين أو انفراد كل واحد منهم بأذان ولكن من غير توقف إلى انقطاع أذان الآخر بحيث يضطرب على الحاضرين جواب الأذان لتداخل الأصوات فكل ذلك منكرات مكروهة يجب تعريفها فإن صدرت عن معرفة فيستحب المنع منها والحسبة فيها وكذلك إذا كان للمسجد مؤذن واحد وهو يؤذن قبل الصبح فينبغي أن يمنع من الأذان بعد الصبح فذلك مشوش للصوم والصلاة على الناس إلا إذا عرف أنه يؤذن قبل الصبح حتى لا يعول على أذانه في صلاة وترك سحور أو كان معه مؤذن آخر معروف الصوت يؤذن مع الصبح ومن المكروهات أيضا تكثير الأذان مرة بعد أخرى بعد طلوع الفجر في مسجد واحد في أوقات متعاقبة متقاربة إما من واحد أو جماعة فإنه لا فائدة فيه إذا لم يبق في المسجد نائم ولم يكن الصوت مما يخرج عن المسجد حتى ينبه غيره فكل ذلك من المكروهات المخالفة لسنة الصحابة والسلف ومنها أن يكون الخطيب لابسا لثوب أسود يغلب عليه الإبريسم أو ممسكا لسيف مذهب فهو فاسق والإنكار عليه واجب وأما مجرد السواد فليس بمكروه ولكنه ليس بمحبوب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض ومن قال أنه مكروه وبدعة أراد به أنه لم يكن معهودا في العصر الأول ولكن إذا لم يرد فيه نهي فلا ينبغي أن يسمى بدعة ومكروها ولكنه ترك للأحب ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون بكلامهم البدعة فالقاص إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق والإنكار عليه واجب وكذا الواعظ المبتدع يجب منعه ولا يجوز حضور مجلسه إلا على قصد إظهار الرد عليه إما للكافة إن قدر عليه أو لبعض الحاضرين حواليه فإن لم يقدر فلا يجوز سماع البدع قال الله تعالى لنبيه فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ومهما كان كلامه مائلا إلى الإرجاء وتجرئة الناس على المعاصي وكان الناس يزدادون بكلامه جراءة وبعفو الله وبرحمته وثوقا يزيد بسببه رجاؤهم على خوفهم فهو منكر ويجب منعه عنه لأن فساد ذلك عظيم بل لو رجح خوفهم على رجائهم فذلك أليق وأقرب بطباع الخلق فإنهم إلى الخوف أحوج وإنما العدل تعديل الخوف والرجاء كما قال عمر رضي الله عنه لو نادى مناد يوم القيامة ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل ولو نادى مناد ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل ومهما كان الواعظ شابا متزينا للنساء في ثيابه وهيئته كثير الأشعار والإشارات والحركات وقد حضر مجلسه النساء فهذا منكر يجب المنع منه فإن الفساد فيه أكثر من الصلاح ويتبين ذلك منه بقرائن أحواله بل لا ينبغي أن يسلم الوعظ إلا لمن ظاهره الورع وهيئته السكينة والوقار وزيه زي الصالحين وإلا فلا يزداد الناس به إلا تماديا في الضلال ويجب أن يضرب بين الرجال والنساء حائل يمنع من النظر فإن ذلك أيضا مظنة الفساد والعادات تشهد لهذه المنكرات ويجب منع النساء من حضور المساجد للصلوات ومجالس الذكر إذا خيفت الفتنة بهن فقد منعتهن عائشة رضي الله عنها فقيل لها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعهن من الجماعات فقالت لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثن بعده لمنعهن حديث عائشة لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثن أي النساء من بعده لمنعهن المساجد متفق عليه وأما اجتياز المرأة في المسجد مستترة فلا تمنع منه إلا أن الأولى أن لا تتخذ المسجد مجازا اصلا وقراءة القراء بين يدي الوعاظ مع التمديد والألحان على وجه يغير نظم القرآن ويجاوز حد التنزيل منكر مكروه شديد الكراهة أنكره جماعة من السلف ومنها الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة والتعويذات وكقيام السؤال وقراءتهم القرآن وإنشادهم الأشعار وما يجري مجراه فهذه الأشياء منها ما هو محرم لكونه تلبيسا وكذبا كالكذابين من طرقية الأطباء وكأهل الشعبذة والتلبيسات وكذا أرباب التعويذات في الأغلب يتوصلون إلى بيعها بتلبيسات على الصبيان والسوادية فهذا حرام في المسجد وخارج المسجد ويجب المنع منه بل كل بيع فيه كذب وتلبيس وإخفاء عيب على المشتري فهو حرام ومنها ما هو مباح خارج المسجد كالخياطة وبيع الأدوية والكتب والأطعمة فهذا في المسجد أيضا لا يحرم إلا بعارض وهو أن يضيق المحل على المصلين ويشوش عليهم صلاتهم فإن لم يكن شيء من ذلك فليس بحرام والأولى تركه ولكن شرط إباحته أن يجري في أوقات نادرة وأيام معدودة فإن اتخاذ المسجد دكانا على الدوام حرم ذلك ومنع منه فمن المباحات ما يباح بشرط القلة فإن كثر صار صغيرة كما أن من الذنوب ما يكون صغيرة بشرط عدم الإصرار فإن كان القليل من هذا لو فتح بابه لخيف منه أن ينجر إلى الكثير فليمنع منه وليكن هذا المنع إلى الوالي أو إلى القيم بمصالح المسجد من قبل الوالي لأنه لا يدرك ذلك بالاجتهاد وليس للآحاد المنع مما هو مباح في نفسه لخوفه أن ذلك يكثر ومنها دخول المجانين والصبيان والسكارى في المسجد ولا بأس بدخول الصبي المسجد إذا لم يلعب ولا يحرم عليه اللعب في المسجد ولا السكوت على لعبه إلا إذا اتخذ المسجد ملعبا وصار ذلك معتادا فيجب المنع منه فهذا مما يحل قليله دون كثيره ودليل حل قليله ما روي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف لأجل عائشة رضي الله عنها حتى نظرت إلى الحبشة يزفنون ويلعبون بالدرق والحراب يوم العيد في المسجد ولا شك في أن الحبشة لو اتخذوا المسجد ملعبا لمنعوا منه ولم ير ذلك على الندرة والقلة منكرا حتى نظر إليه بل أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبصرهم عائشة تطييبا لقلبها إذ قال دونكم يا بني أرفدة كما نقلناه في كتاب السماع وأما المجانين فلا بأس بدخولهم المسجد إلا أن يخشى تلويثهم له أو شتمهم أو نطقهم مما هو فحش أو تعاطيهم لما هو منكر في صورته ككشف العورة وغيره وأما المجنون الهادىء الساكن الذي قد علم بالعادة سكونه وسكوته فلا يجب إخراجه من المسجد والسكران في معنى المجنون فإن خيف منه القذف أعني القيء أو الإيذاء باللسان وجب إخراجه وكذا لو كان مضطرب العقل فإنه يخاف ذلك منه وإن كان قد شرب ولم يسكر والرائحة منه تفوح فهو منكر مكروه شديد الكراهة وكيف لا ومن أكل الثوم والبصل هذا الحديث لم يخرجه العراقي وقد خرجه الشارح عن البخاري ومسلم وغيرهما فقد نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حضور المساجد ولكن يحمل ذلك على الكراهة والأمر في الخمر أشد فإن قال قائل ينبغي أن يضرب السكران ويخرج من المسجد زجرا قلنا لا بل ينبغي القعود في المسجد ويدعى إليه ويؤمر بترك الشرب مهما كان في الحال عاقلا فأما ضربه للزجر فليس ذلك إلى الآحاد بل هو إلى الولاة وذلك عند إقراره أو شهادة شاهدين فأما لمجرد الرائحة فلا نعم إذا كان يمشي بين الناس متمايلا بحيث يعرف سكره فيجوز ضربه في المسجد وغير المسجد منعا له عن إظهار أثر السكر فإن إظهار أثر الفاحشة فاحشة والمعاصي يجب تركها وبعد الفعل يجب سترها وستر آثارها فإن كان مستترا مخفيا لأثره فلا يجوز أن يتجسس عليه والرائحة قد تفوح من غير شرب بالجلوس في موضع الخمر وبوصوله إلى الفم دون الابتلاع فلا ينبغي أن يعول عليه منكرات الأسواق من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب فمن قال اشتريت هذه السلعة مثلا بعشرة وأربح فيها كذا وكان كاذبا فهو فاسق وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان شريكا له في الخيانة وعصى بسكوته وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه المشتري عليه وإلا كان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام وكذا التفاوت في الذراع والمكيال والميزان يجب على كل من عرفه تغييره بنفسه أو رفعه إلى الوالي حتى يغيره ومنها ترك الإيجاب والقبول والاكتفاء بالمعاطاة ولكن ذلك في محل الاجتهاد فلا ينكر إلا على من اعتقد وجوبه وكذا في الشروط الفاسدة المعتادة بين الناس يجب الإنكار فيها فإنها مفسدة للعقود وكذا في الربويات كلها وهي غالبة وكذا سائر التصرفات الفاسدة ومنها بيع الملاهي وبيع أشكال الحيوانات المصورة في أيام العيد لأجل الصبيان فتلك يجب كسرها والمنع من بيعها كالملاهي وكذلك بيع الأواني المتخذة من الذهب والفضة وكذلك بيع ثياب الحرير وقلانس الذهب والحرير أعني التي لا تصلح إلا للرجال أو يعلم بعادة البلد أنه لا يلبسه إلا الرجال فكل ذلك منكر محظور وكذلك من يعتاد بيع الثياب المبتذلة المقصورة التي يلبس على الناس بقصارتها وابتذالها ويزعم أنها جديدة فهذا الفعل حرام والمنع منه واجب وكذلك تلبيس انخراق الثياب بالرفو وما يؤدي إلى الالتباس وكذلك جميع أنواع العقود المؤدية إلى التلبيسات وذلك يطول إحصاؤه فليقس بما ذكرناه ما لم نذكره منكرات الشوارع فمن المنكرات المعتادة فيها وضع الاسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار وإخراج الرواشن والأجنحة ووضع الخشب وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه نعم يجوز وضع الحطب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت فإن ذلك يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة والمرعى هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات ومنها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع وإلا فلا منع إذ حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة النقل وكذلك تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه منكر يجب منع الملاك منه وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت ويلوث الطريق بالدم فإنه منكر يمنع منه بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحا فإن في ذلك تضييقا بالطريق وإضرارا بالناس بسبب ترشيش النجاسة وبسبب استقذار الطباع للقاذورات وكذلك طرح القمامة على جواد الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر كل ذلك من المنكرات وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإن ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق فلا يمنع منه في الطرق الواسعة إذ العدول عنه ممكن فأما ترك مياه المطر والأوحال والثلوج في الطرق من غير كسح فذلك منكر ولكن ليس يختص به شخص معين إلا الثلج الذي يختص بطرحه على الطريق واحد والماء الذي يجتمع على الطريق من ميزاب معين فعلى صاحبه على الخصوص كسح الطريق إن كان من المطر فذلك حسبة عامة فعلى الولاة تكليف الناس القيام بها وليس للآحاد فيها إلا الوعظ فقط وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه وإن كان يضيق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه بل يمنع صاحبه من أن ينام على الطريق أو يقعد قعودا يضيق الطريق فكلبه أولى بالمنع منكرات الحمامات منها الصورة التي تكون على باب الحمام أو داخل الحمام يجب إزالتها على كل من يدخلها إن قدر فإن كان الموضع مرتفعا لا تصل إليه يده فلا يجوز له الدخول إلا لضرورة فليعدل إلى حمام آخر فإن مشاهدة المنكر غير جائزة ويكفيه أن يشوه وجهها ويبطل به صورتها ولا يمنع من صور الأشجار وسائر النقوش سوى صورة الحيوان ومنها كشف العورات والنظر إليها ومن جملتها كشف الدلاك عن الفخذ وما تحت السرة لتنحية الوسخ بل من جملتها إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير حرام كالنظر إليها ومنها الانبطاح على الوجه بين يدي الدلاك لتغميز الأفخاذ والأعجاز فهذا مكروه إن كان مع حائل ولكن لا يكون محظورا إذا لم يخش من حركة الشهوة وكذلك كشف العورة للحجام الذمي من الفواحش فإن المرأة لا يجوز لها أن تكشف بدنها للذمية في الحمام فكيف يجوز لها كشف العورات للرجال ومنها غمس اليد في الأواني النجسة في المياه القليلة وغسل الإزار والطاس النجس في الحوض وماؤه قليل فإنه منجس للماء إلا على مذهب مالك فلا يجوز الإنكار فيه على المالكية ويجوز على الحنفية والشافعية وإن اجتمع مالكي وشافعي في الحمام فليس للشافعي منع المالكي من ذلك إلا بطريق الالتماس واللطف وهو أن يقول له إنا نحتاج أن نغسل اليد أولا ثم نغمسها في الماء وأما أنت فمستغن عن إيذائي وتفويت الطهارة علي وما يجري مجرى هذا فإن مظان الاجتهاد لا يمكن الحسبة فيها بالقهر ومنها أن يكون في مداخل بيوت الحمام ومجاري مياهها حجارة ملساء مزلقة يزلق عليها الغافلون فهذا منكر ويجب قلعه وإزالته وينكر على الحمامي إهماله فإنه يفضي إلى السقطة وقد تؤدي السقطة إلى انكسار عضو أو انخلاعه وكذلك ترك السدر والصابون المزلق على أرض الحمام منكر ومن فعل ذلك وخرج وتركه فزلق به إنسان وانكسر عضو من أعضائه وكان ذلك في موضع لا يظهر فيه بحيث يتعذر الاحتراز عنه فالضمان متردد بين الذي تركه وبين الحمامي إذ حقه تنظيف الحمام والوجه إيجاب الضمان على تاركه في اليوم الأول وعلى الحمامي في اليوم الثاني إذ عادة تنظيف الحمام كل يوم معتادة والرجوع في مواقيت إعادة التنظيف إلى العادات فليعتبر بها وفي الحمام أمور أخر مكروهة ذكرناها في كتاب الطهارة فلتنظر هناك منكرات الضيافة فمنها فرش الحرير للرجال فهو حرام وكذلك تبخير البخور في مجمرة فضة أو ذهب أو الشراب أو استعمال ماء الورد في أواني الفضة أو ما رءوسها من فضة ومنها إسدال الستور وعليها الصور ومنها سماع الأوتار أو سماع القينات ومنها اجتماع النساء على السطوح للنظر إلى الرجال مهما كان في الرجال شباب يخاف الفتنة منهم فكل ذلك محظور منكر يجب تغييره ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ومن لم يجز له الجلوس فلا رخصة له في الجلوس في مشاهدة المنكرات وأما الصور التي على النمارق والزرابي المفروشة فليس منكرا وكذلك على الأطباق والقصاع لا الأواني المتخذة على شكل الصور فقد تكون رءوس بعض المجامر على شكل طير فذلك حرام يجب كسر مقدار الصورة منه وفي المكحلة الصغيرة من الفضة خلاف وقد خرج أحمد بن حنبل عن الضيافة بسببها ومهما كان الطعام حراما أو كان الموضع مغصوبا أو كانت الثياب المفروشة حراما فهو من أشد المنكرات فإن كان من فيها من يتعاطى شرب الخمر وحده فلا يجوز الحضور إذ لا يحل حضور مجالس الشرب وإن كان مع ترك الشرب ولا يجوز مجالسة الفاسق في حالة مباشرته للفسق وإنما النظر في مجالسته بعد ذلك وأنه هل يجب بغضه في الله ومقاطعته كما ذكرناه في باب الحب والبغض في الله وكذلك إن كان فيهم من يلبس الحرير أو خاتم الذهب فهو فاسق لا يجوز الجلوس معه من غير ضرورة فإن كان الثوب على صبي غير بالغ فهذا في محل النظر والصحيح أن ذلك منكر ويجب نزعه عنه إن كان مميزا لعموم قوله عليه السلام هذان حرام على ذكور أمتي حديث هذان حرامان على ذكور أمتي أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث علي وقد تقدم في الباب الرابع من آداب الأكل وكما يجب منع الصبي من شرب الخمر لا لكونه مكلفا لكن لأنه يأنس به فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه فكذلك شهوة التزين بالحرير تغلب عليه إذا اعتاده فيكون ذلك بذرا للفساد يبذر في صدره فتنبت منه شجرة من الشهوة راسخة يعسر قلعها بعد البلوغ أما الصبي الذي لا يميز فيضعف معنى التحريم في حقه ولا يخلو عن احتمال والعلم عند الله فيه والمجنون في معنى الصبي الذي لا يميز نعم يحل التزين بالذهب والحرير للنساء من غير إسراف ولا أرى رخصة في تثقيب أذن الصبية لأجل تعليق حلق الذهب فيها فإن هذا جرح مؤلم ومثله موجب للقصاص فلا يجوز إلا لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان والتزين بالحلق غير مهم بل في التقريط بتعليقه على الأذن وفي المخانق والأسورة كفاية عنه فهذا وإن كان معتادا فهو حرام والمنع منه واجب والاستئجار عليه غير صحيح والأجرة المأخوذة عليه حرام إلا أن يثبت من جهة النقل فيه رخصة ولم يبلغنا إلى الآن فيه رخصة ومنها أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته فيجوز الحضور لمن يقدر على الرد عليه على عزم الرد فإن كان لا يقدر عليه لم يجز فإن كان المبتدع لا يتكلم ببدعته فيجوز الحضور مع إظهار الكراهة عليه والإعراض عنه كما ذكرناه في باب البغض في الله وإن كان فيها مضحك بالحكايات وأنواع النوادر فإن كان يضحك بالفحش والكذب لم يجز الحضور وعند الحضور يجب الإنكار عليه وإن كان ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح أعني ما يقل منه فأما اتخاذه صنعة وعادة فليس بمباح وكل كذب لا يخفى أنه كذب ولا يقصد به التلبيس فليس من جملة المنكرات كقول الإنسان مثلا طلبتك اليوم مائة مرة وأعدت عليك الكلام ألف مرة وما يجري مجراه مما يعلم أنه ليس يقصد به التحقيق فذلك لا يقدح في العدالة ولا ترد الشهادة به وسيأتي حد المزاح المباح والكذب المباح في كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات ومنها الإسراف في الطعام والبناء فهو منكر بل في المال منكران أحدهما الإضاعة والآخر الإسراف فالإضاعة تفويت مال بلا فائدة يعتد بها كإحراق الثوب وتمزيقه وهدم البناء من غير غرض وإلقاء المال في البحر وفي معناه صرف المال إلى النائحة والمطرب وفي أنواع الفساد لأنها فوائد محرمة شرعا فصارت كالمعدومة وأما الإسراف فقد يطلق لإرادة صرف المال إلى النائحة والمطرب والمنكرات وقد يطلق على الصرف إلى المباحات في جنسها ولكن مع المبالغة والمبالغة تختلف بالإضافة إلى الأحوال فنقول من لم يملك إلا مائة دينار مثلا ومعه عياله وأولاده ولا معيشة لهم سواه فأنفق الجميع في وليمة فهو مسرف يجب منعه قال تعالى ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا نزل هذا في رجل بالمدينة قسم جميع ماله ولم يبق شيئا لعياله فطولب بالنفقة فلم يقدر على شيء وقال تعالى ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكذلك قال عز وجل والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا فمن يسرف هذا الإسراف ينكر عليه ويجب على القاضي أن يحجر عليه إلا إذا كان الرجل وحده وكان له قوة في التوكل صادقة فله أن ينفق جميع ماله في أبواب البر ومن له عيال أو كان عاجزا عن التوكل فليس له أن يتصدق بجميع ماله وكذلك لو صرف جميع ماله إلى نقوش حيطانه وتزيين بنيانه فهو أيضا إسراف محرم وفعل ذلك ممن له مال كثير ليس بحرام لأن التزيين من الأغراض الصحيحة ولم تزل المساجد تزين وتنقش أبوابها وسقوفها مع أن نقش الباب والسقف لا فائدة فيه إلا مجرد الزينة فكذا الدور وكذا القول في التجمل بالثياب والأطعمة فذلك مباح في جنسه ويصير إسرافا باعتبار حال الرجل وثروته وأمثال هذه المنكرات كثيرة لا يمكن حصرها فقس بهذه المنكرات المجامع ومجالس القضاة ودواوين السلاطين ومدارس الفقهاء ورباطات الصوفية وخانات الأسواق فلا تخلو بقعة عن منكر مكروه أو محذور واستقصاء جميع المنكرات يستدعي استيعاب جميع تفاصيل الشرع أصولها وفروعها فلنقتصر على هذا القدر منها المنكرات العامة اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد فكيف في القرى والبوادي ومنهم الأعراب والأكراد والتركمانية وسائر أصناف الخلق وواجب أن يكون في مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية وواجب على كل فقيه فرع من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده من أهل السواد ومن العرب والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم ويستصحب مع نفسه زادا يأكله ولا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها مغصوب فإن قام بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الآخرين وإلا عم الحرج الكافة أجمعين أما العالم فلتقصيره في الخروج وأما الجاهل فلتقصيره في ترك التعلم وكل عامي عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره وإلا فهو شريك في الإثم ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالما بالشرع وإنما يجب التبليغ على أهل العلم فكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها ولعمري الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر وهو بصناعتهم أليق لأن المحترفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش فهم قد تقلدوا أمرا لا بد منه في صلاح الخلق وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن العلماء هم ورثة الأنبياء وللإنسان أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي وكذا كل من تيقن أن في السوق منكرا يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على تغييره فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالقعود في البيت بل يلزمه الخروج فإن كان لا يقدر على تغيير الجميع وهو محترز عن مشاهدته ويقدر على البعض لزمه الخروج لأن خروجه إذا كان لأجل تغيير ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر عليه وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات ثم يعلم ذلك أهل بيته ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده ثم إلى أهل السوادي المكتنف ببلده ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم وهكذا إلى أقصى العالم فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرج به على كل قادر عليه قريبا كان أو بعيدا ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه يشغله عن تجزئة الأوقات في التفريعات النادرة والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين أو فرض كفاية هو أهم منه الباب الرابع في أمر الأمراء والسلاطين ونهيهم عن المنكر قد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف وأن أوله التعريف وثانيه والوعظ وثالثه التخشين في القول ورابعه المنع بالقهر في الحمل على الحق بالضرب والعقوبة والجائز من جملة ذلك مع السلاطين الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان فإن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر وأما التخشين في القول كقوله يا ظالم يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة والتعرض لأنواع العذاب لعلمهم بأن ذلك شهادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله تعالى فقتله على ذلك حديث خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى رجل فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك أخرجه الحاكم من حديث جابر وقال صحيح الإسناد وتقدم في الباب قبله وقال صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر تقدم ووصف النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم وتركه قوله الحق ماله من صديق حديث وصفه صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب بأنه قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم تركه قوله الحق ماله من صديق أخرجه الترمذي بسند ضعيف مقتصرا على آخر الحديث من حديث علي رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرا تركه الحق ماله من صديق وأما أول الحديث فرواه الطبراني إن عمر قال لكعب الأحبار كيف تجد نعتي قال أجد نعتك قرنا من حديد قال وما قرن من حديد قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولما علم المتصلبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر وأن صاحب ذلك إذا قتل فهو شهيد كما وردت به الأخبار قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك ومحتملين أنواع العذاب وصابرين عليه في ذات الله تعالى ومحتسبين لما يبذلونه من من مهجهم عند الله وطريق وعظ السلاطين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ما نقل علماء السلف وقد أوردنا جملة من ذلك في باب الدخول على السلاطين في كتاب الحلال والحرام ونقتصر الآن على حكايات يعرف وجه الوعظ وكيفية الإنكار عليهم فمنها ما روي من إنكار أبي بكر الصديق رضي الله عنه على أكابر قريش حين قصدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسوء وذلك ما روي عن عروة رضي الله عنه قال قلت لعبد الله بن عمرو ما أكثر ما رأيت قريشا نالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عدوانه فقال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا ولقد صبرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فلما مر بهم غمزوه ببعض القول قال فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضى فلما مر الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه عليه السلام ثم مضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها حتى وقف ثم قال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده فقد جئتكم بالذبح قال فأطرق القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع حتى أن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول انصرف يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون أنت الذي تقول كذا أنت الذي تقول كذا لما كان قد بلغهم من عيب آلهتهم ودينهم قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا الذي أقول ذلك قال فلقد رأيت رجل منهم أخذ بمجامع ردائه قال وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه دونه يقول وهو يبكي ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه وإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا بلغت منه حديث عروة قلت لعبد الله بن عمرو ما أكثر ما رأيت قريشا نالت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته الحديث أخرجه بطوله البخاري مختصرا وابن حبان بتمامه وفي رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلف ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم حديث عبد الله بن عمرو بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث رواه البخاري وروى أن معاوية رضي الله عنه حبس العطاء فقام إليه أبو مسلم الخولاني فقال له يا معاوية إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك قال فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال لهم مكانكم وغاب عن أعينهم ساعة ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليغتسل حديث معاوية الغضب من الشيطان الحديث وفي أوله قصة رواها أبو نعيم في الحلية وفيه من لا أعرفه وإني دخلت فاغتسلت وصدق أبو مسلم أنه ليس من كدي ولا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم وروى عن ضبة بن محصن العنزي قال كان علينا أبو موسى الأشعري أميرا بالبصرة فكان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وأنشأ يدعو لعمر رضي الله عنه قال فغاظني ذلك منه فقمت إليه فقلت له أين أنت من صاحبه تفضله عليه فصنع ذلك جمعا ثم كتب إلى عمر يشكوني يقول إن ضبة بن محصن العنزي يتعرض لي في خطبتي فكتب إليه عمر أن أشخصه إلي قال فأشخصني إليه فقدمت فضربت عليه الباب فخرج إلي فقال من أنت فقلت أنا ضبة فقال لي لا مرحبا ولا أهلا قلت أما المرحب فمن الله وأما الأهل فلا أهل لي ولا مال فبماذا استحللت يا عمر إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبته ولا شيء أتيته فقال ما الذي شجر بينك وبين عاملي قال قلت الآن أخبرك به إنه كان إذا خطبنا حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ يدعو لك فغاظني ذلك منه فقمت إليه فقلت له أين أنت من صاحبه تفضله عليه فصنع ذلك جمعا ثم كتب إليك يشكوني قال فاندفع عمر رضي الله عنه باكيا وهو يقول أنت والله أوفق منه وأرشد فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك قال قلت غفر الله لك يا أمير المؤمنين قال ثم اندفع باكيا وهو يقول والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر فهل لك أن أحدثك بليلته ويومه قلت نعم قال أما الليلة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج من مكة هاربا من المشركين خرج ليلا فتبعه أبو بكر فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من أفعالك فقال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك قال فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت فلما رأى أبو بكر أنها قد حفيت حمله على عاتقه وجعل يشتد به حتى أتى فم الغار فأنزله ثم قال والذي بعثكبالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك قال فدخل فلم ير فيه شيئا فحمله فأدخله وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاع فألقمه أبو بكر قدمه مخافة أن يخرج منه شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤذيه وجعلن يضربن أبا بكر في قدمه وجعلت دموعه تنحدر على خديه من ألم ما يجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه والطمأنينة لأبي بكر فهذه ليلته وأما يومه فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال بعضهم نصلى ولا نزكي فأتيته لا آلوه نصحا فقلت يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم تألف الناس وارفق بهم فقال لي أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام فبماذا أتألفهم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي فوالله لو منعوني عقالا كانوا يعطونه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه قال فقاتلنا عليه فكان والله رشيد الأمر فهذا يومه ثم كتب إلى أبي موسى يلومه حديث ضبة بن محصن كان علينا أبو موسى الأشعري أميرا بالبصرة وفيه من عمر أنه قال والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر وآل عمر فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته فذكر ليلة الهجرة ويوم الردة بطوله رواه البيهقي في دلائل النبوة بإسناد ضعيف هكذا وقصة الهجرة رواها البخاري من حديث عائشة بغير هذا السياق واتفق عليها الشيخان من حديث أبي بكر بلفظ آخر ولهما من حديثه قال قلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وأما قتاله لأهل الردة ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس الحديث وعن الأصمعي قال دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال له يا أبا محمد ما حاجتك فقال يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم فقال له أجل أفعل ثم نهض وقام فقبض عليه عبد الملك فقال يا ابا محمد إنما سألتنا حاجة لغيرك وقد قضيناها فما حاجتك أنت فقال ما لي إلى مخلوق حاجة ثم خرج فقال عبد الملك هذا وأبيك الشرف وقد روى أن الوليد بن عبد الملك قال لحاجبه يوما قف على الباب فإذا مر بك رجل فأدخله علي ليحدثني فوقف الحاجب على الباب مدة فمر به عطاء بن أبي رباح وهو لا يعرفه فقال له يا شيخ ادخل إلى أمير المؤمنين فإنه أمر بذلك فدخل عطاء على الوليد وعنده عمر بن عبد العزيز فلما دنا عطاء من الوليد قال السلام عليك يا وليد قال فغضب الوليد على حاجبه وقال له ويلك أمرتك أن تدخل إلى رجلا يحدثني ويسامرني فأدخلت إلى رجلا لم يرض أن يسميني بالإسم الذي اختاره الله لي فقال له حاجبه ما مر بي أحد غيره ثم قال لعطاء اجلس ثم أقبل عليه يحدثه فكان فيما حدثه به عطاء أن قال له بلغنا أن في جهنم واديا يقال له هبهب أعده الله لكل إمام جائر في حكمه فصعق الوليد من قوله وكان جالسا بين يدي عتبة باب المجلس فوقع على قفاه إلى جوف المجلس مغشيا عليه فقال عمر لعطاء قتلت أمير المؤمنين فقبض عطاء على ذراع عمر ابن عبد العزيز فغمزه غمرة شديدة وقال له يا عمر إن الأمر جد فجد ثم قام عطاء وانصرف فبلغنا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال مكثت سنة أجد ألم غمزته في ذراعي وكان ابن أبي شميلة يوصف بالعقل والأدب فدخل على عبد الملك بن مروان فقال له عبد الملك تكلم قال بم أتكلم وقد علمت أن كل كلام تكلم به المتكلم عليه وبال إلا ما كان لله فبكى عبد الملك ثم قال يرحمك الله لم يزل الناس يتواعظون ويتواصون فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن الناس في القيامة لا ينجون من غصص مرارتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكى عبد الملك ثم قال لا جرم لأجعلن هذه الكلمات مثالا نصب عيني ما عشت ويروى عن ابن عائشة أن الحجاج دعا بفقهاء البصرة وفقهاء الكوفة فدخلنا عليه ودخل الحسن البصري رحمه الله آخر من دخل فقال الحجاج مرحبا بأبي سعيد إلى إلي ثم دعا بكرسي فوضع إلى جنب سريره فقعد عليه فجعل الحجاج يذاكرنا ويسألنا إذ ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنال منه ونلنا منه مقاربة له وفرقا من شره والحسن ساكت عاض على إبهامه فقال يا أبا سعيد مالي أراك ساكتا قال ما عسيت أن أقول قال أخبرني برأيك في أبي تراب قال سمعت الله جل ذكره يقول وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم فعلى ممن هدى الله من أهل الإيمان فأقول ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته وأحب الناس إليه وصاحب سوابق مباركات سبقت له من الله لن تستطيع أنت ولا أحد من الناس أن يحظرها عليه ولا يحول بينه وبينها وأقول إن كانت لعلى هناة فالله حسبه والله ما أجد فيه قولا أعدل من هذا فبسر وجه الحجاج وتغير وقام عن السرير مغضبا فدخل بيتا خلفه وخرجنا قال عامر الشعبي فأخذت بيد الحسن فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره فقال إليك عني يا عامر يقول الناس عامر الشعبي عالم أهل الكوفة أتيت شيطانا من شياطين الإنس تكلمه بهواه وتقاربه في رأيه ويحك يا عامر هلا اتقيت إن سئلت فصدقت أو سكت فسلمت قال عامر يا أبا سعيد قد قلتها وأنا أعلم ما فيها قال الحسن فذاك أعظم في الحجة عليك وأشد في التبعة قال وبعث الحجاج إلى الحسن فلما دخل عليه قال أنت الذي تقول قاتلهم الله قتلوا عباد الله على الدينار والدرهم قال نعم قال ما حملك على هذا قال ما أخذ الله على العلماء من المواثيق ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال يا حسن أمسك عليك لسانك وإياك أن يبلغني عنك ما أكره فأفرق بين رأسك وجسدك وحكى أن حطيطا الزيات جيء به إلى الحجاج فلما دخل عليه قال أنت حطيط قال نعم سل عما بدا لك فإني عاهدت الله عند المقام على ثلاث خصال إن سئلت لأصدقن وإن ابتليت لأصبرن وإن عوفيت لأشكرن قال فما تقول في قال أقول إنك من أعداء الله في الأرض تنتهك المحارم وتقتل بالظنة قال فما تقول في أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قال أقول إنه أعظم جرما منك وإنما أنت خطيئة من خطاياه قال فقال الحجاج ضعوا عليه العذاب قال فانتهى به العذاب إلى أن شقق له القصب ثم جعلوه على لحمه وشدوه بالحبال ثم جعلوا يمدون قصبة قصبة حتى انتحلوا لحمه فما سمعوه يقول شيئا قال فقيل للحجاج إنه في آخر رمق فقال أخرجوه فارموا به في السوق قال جعفر فأتيته أنا وصاحب له فقلنا له حطيط ألك حاجة قال شربة ماء فأتوه بشربة ثم مات وكان ابن ثمان عشرة سنة رحمة الله عليه وروى أن عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها فجعل يسألهم وجعل يكلم عامر الشعبي فجعل لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما ثم أقبل على الحسن البصري فسأله ثم قال هما هذان هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن فأمر الحاجب فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن فأقبل على الشعبي فقال يا أبا عمرو إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم فأنا أحب حفظهم وتعهد ما يصلحهم مع النصيحة لهم وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أجد عليهم فيه فأقبض طائفة من عطائهم فأضعه في بيت المال ومن نيتي أن أرده عليهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قد قبضته على ذلك النحو فيكتب إلى أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه وإنما أنا رجل مأمور على الطاعة فهل على في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور والنية فيها على ما ذكرت قال الشعبي فقلت أصلح الله الأمير إنما السلطان والد يخطىء ويصيب قال فسر بقولي وأعجب به ورأيت البشر في وجهه وقال فلله الحمد ثم أقبل على الحسن فقال ما تقول يا أبا سعيد قال قد سمعت قول الأمير يقول إنه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لما يصلحهم وحق الرعية لازم لك وحق عليك أن تحوطهم بالنصيحة وإني سمعت عبد الرحمن بن سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة حديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة حرم الله عليه الجنة رواه البغوي في معجم الصحابة بإسناد لين وقد اتفق عليه الشيخان بنحوه من رواية الحسن عن معقل بن يسار ويقول إني ربما قبضت من عطائهم إرادة صلاحهم واستصلاحهم وأن يرجعوا إلى طاعتهم فيبلغ أمير المؤمنين أني قبضتها على ذلك النحو فيكتب إلى أن لا ترده فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين والله أحق أن يطاع ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله عز وجل فإن وجدته موافقا لكتاب الله فخذ به وإن وجدته مخالفا لكتاب الله فانبذه يا ابن هبيرة اتق الله فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فتدع سلطانك ودنياك خلف ظهرك وتقدم على ربك وتنزل على عملك يا ابن هبيرة إن الله ليمنعك من يزيد ولا يمنعك يزيد من الله وإن أمر الله فوق كل أمر وإنه لا طاعة في معصية الله وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين فقال ابن هبيرة اربع على ظلعك أيها الشيخ وأعرض عن ذكر أمير المؤمنين فإن أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحكم وصاحب الفضل وإنما ولاه الله تعالى ما ولاه من أمر هذه الأمة لعلمه به وما يعلمه من فضله ونيته فقال الحسن يا ابن هبيرة الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد يا ابن هبيرة إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر آخرتك خير من أن تلقى رجلا يغرك ويمنيك فقام ابن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه قال الشعبي فقلت يا أبا سعيد أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته فقال إليك عني يا عامر قال فخرجت إلى الحسن التحف والطرف وكانت له المنزلة واستخف بنا وجفينا فكان أهلا لما أدى إليه وكنا أهلا أن يفعل ذلك بنا فما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة لهم قال عامر الشعبي وأنا أعاهد الله أن لا أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأحابيه ودخل محمد بن واسع على بلال بن أبي بردة فقال له ما تقول في القدر فقال جيرانك أهل القبور فتفكر فيهم فإن فيهم شغلا عن القدر وعن الشافعي رضي الله عنه قال حدثني عمي محمد بن علي قال إني لحاضر مجلس أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور وفيه ابن أبي ذؤيب وكان والي المدينة الحسن بن زيد قال فأتى الغفاريون فشكوا إلى أبي جعفر شيئا من أمر الحسن بن زيد فقال الحسن يا أمير المؤمنين سل عنهم ابن أبي ذؤيب قال فسأله فقال ما تقول فيهم يا ابن أبي ذؤيب فقال أشهد أنهم أهل تحطم في أعراض الناس كثيرو الأذى لهم فقال أبو جعفر قد سمعتم فقال الغفاريون يا أمير المؤمنين سله عن الحسن بن زيد فقال يا ابن أبي ذؤيب ما تقول في الحسن بن زيد فقال أشهد عليه أنه يحكم بغير الحق ويتبع هواه فقال قد سمعت يا حسن ما قال فيك ابن أبي ذؤيب وهو الشيخ الصالح فقال يا أمير المؤمنين اسأله عن نفسك فقال ما تقول في قال تعفيني يا أمير المؤمنين قال أسألك بالله إلا أخبرتني قال تسألني بالله كأنك لا تعرف نفسك قال والله لتخبرني قال أشهد أنك أخذت هذا المال من غير حقه فجعلته في غير أهله واشهد أن الظلم ببابك فاش قال فجاء أبو جعفر من موضعه حتى وضع يده في قفا ابن أبي ذؤيب فقبض عليه ثم قال له أما والله لولا أني جالس ههنا لأخذت فارس والروم والديلم والترك بهذا المكان منك قال فقال ابن أبي ذؤيب يا أمير المؤمنين قد ولى أبو بكر وعمر فأخذا الحق وقسما بالسوية وأخذا بأقفاء فارس والروم وأصغرا آنافهم قال فخلى أبو جعفر قفاه وخلى سبيله وقال والله لولا أني أعلم أنك صادق لقتلتك فقال ابن أبي ذؤيب والله يا أمير المؤمنين إني لأنصح لك من ابنك المهدي قال فبلغنا أن ابن أبي ذؤيب لما انصرف من مجلس المنصور لقيه سفيان الثوري فقال له يا أبا الحرث لقد سرني ما خاطبت به هذا الجبار ولكن ساءني قولك له ابنك المهدي فقال يغفر الله لك يا أبا عبد الله كلنا مهدي كلنا كان في المهد وعن الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو قال بعث إلى أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل فأتيته فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة رد علي واستجلسني ثم قال لي ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال قلت وما الذي تريد يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنكم والإقتباس منكم قال فقلت فانظر يا أمير المؤمنين أن لا تجهل شيئا مما أقول لك قال وكيف أجهله وأنا أسألك عنه وفيه وجهت إليك وأقدمتك له قال قلت أخاف أن تسمعه ثم لا تعمل به قال فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة حديث الأوزاعي مع المنصور وموعظته له وذكر فيها عشرة أحاديث مرفوعة والقصة بجملتها رواها ابن أبي الدنيا في كتاب مواعظ الخلفاء ورويناها في مشيخة يوسف بن كامل الخفاف ومشيخة ابن طبرزد وفي إسنادها أحمد بن عبيد بن ناصح قال ابن عدي يحدث بمناكير وهو عندي من أهل الصدق وقد رأيت سرد الأحاديث المذكورة في الموعظة لنذكر هل لبعضها طريق غير هذا الطريق وليعرف صحابي كل حديث أو كونه مرسلا فأولها فطابت نفسي وانبسطت في الكلام فقلت يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن بشر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ويزداد الله بها سخطا عليه حديث عطية بن بشر أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عطية بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما وال مات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة حديث عطية بن ياسر ايما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة ياأمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله إن الله هو الحق المبين إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بهم رءوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه في ذات يده محمودا عند الله وعند الناس فحقيق بك أن تقوم له فيهم بالحق وأن تكون بالقسط له فيهم قائما ولعوراتهم ساترا لا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء يا أمير أخرجه ابن أبي الدنيا فيه وابن عدي في الكامل في ترجمة أحمد بن عبيد يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله إن الله هو الحق المبين إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بهم رءوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه في ذات يده محمودا عند الله وعند الناس فحقيق بك أن تقوم له فيهم بالحق وأن تكون بالقسط له فيهم قائما ولعوراتهم ساترا لاتغلق عليهم دونهم الأبواب ولا تقيم دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس بما أصابهم من سوء يا أمير المؤمنين قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا انبعث منهم فئام وراء فئام وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال له يا محمد ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم رعبا حديث عروة بن رويم كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا فيه وهو مرسل وعروة ذكره ابن حبان في ثقات التابعين فكيف بمن شقق أستارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين حدثني مكحول عن زياد عن حارثة عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا ولا متكبرا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال اقتص مني فقال الأعرابي قد أحللتك بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا ولو أتيت على نفسي فدعا له بخير حديث حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا فية وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتص من نفسه وللحاكم من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه طعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصرة أسيد بن حضير فقال أوجعتني قال اقتص الحديث قال صحيح الإسناد يا أمير المؤمنين رض نفسك لنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيد قوس أحدكم من الجنة خير له من الدنيا وما فيها حديث لقيد قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها أخرجه ابن أبي الدنيا من رواية الأوزاعي معضلا لم يذكر إسناده ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ لقاب يا أمير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا أمير المؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قال الله تعالى في الزبور يا داود إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلح على صاحبه فأمحوك عن نبوتي ثم لا تكون خلفتي ولا كرامة يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية ورفقهم بالسياسة ليجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه يا أمير المؤمنين حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له ما منعك من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله قال لا قال وكيف ذلك قال إنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من وال يلي شيئا من أمور الناس إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه لا يفكها إلا عدله فيوقف على جسر من النار ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجا بإحسانه وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فيهوى به في النار سبعين خريفا حديث عبد الرحمن بن عمر أن عمر استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة الحديث وفيه مرفوعا ما من وال يلي شيئا من أمور الناس إلا أتى الله يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا فيه من هذا الوجه ورواه الطبراني من رواية سويد بن عبد العزيز عن يسار بن أبي الحكم عن أبي وائل أن عمر استعمل بشر بن عاصم فذكر أخصر منه وأن بشرا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يذكر فيه سلمان فقال له عمر رضي الله عنه ممن سمعت هذا قال من أبي ذر وسلمان فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر واعمراه من يتولاها بما فيها فقال أبو ذر رضي الله عنه من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض قال فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني ثم قلت يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي صلى الله عليه وسلم إمارة مكة أو الطائف أو اليمن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها حديث يا عباس يا عم النبي نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا معضلا بغير إسناد ورواه البيهقي من حديث جابر متصلا ومن رواية ابن المنكدر مرسلا وقال هذا هو المحفوظ مرسلا نصيحة منه لعمه وشفقة عليه وأخبره أنه لا يغنى عنه من الله شيئا إذ أوحى الله إليه وأنذر عشيرتك الأقربين فقال يا عباس ويا صفية عمي النبي ويا فاطمة بنت محمد إني لست أغني عنكم من الله شيئا إن لي عملي ولكم عملكم حديث يا عباس ويا صفية ويا فاطمة لا أغني عنكم من الله شيئا لي عملي ولكم عملكم أخرجه ابن أبي الدنيا هكذا معضلا دون إسناد ورواه البخاري من حديث أبي هريرة متصلا دون قوله لي عملي ولكم عملكم وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل أريب العقد لا يطلع منه على عورة ولا يخاف منه على حرة ولا تأخذه في الله لومة لائم وقال الأمراء أربعة فأمير قوي ظلف نفسه وعماله فذلك كالمجاهد في سبيل الله يد الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك الحطمة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم شر الرعاة الحطمة فهو الهالك وحده حديث شر الرعاة الحطمة رواه مسلم من حديث عائذ بن عمرو المزني متصلا وهو عند ابن أبي الدنيا عن الأوزاعي معضلا كما ذكره المصنف وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبرائيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتيتك حين أمر الله بمنافخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة فقال له يا جبريل صف لي النار فقال إن الله تعالى أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء جمرها ولا يطفأ لهبها والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا ولو أن ذنوبا من شرابها صب في مياه الأرض جميعا لقتل من ذاقه ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقلت ولو أن رجلا أدخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل عليه السلام لبكائه فقال أتبكي يا محمد وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال أفلا أكون عبدا شكورا ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه قال أخاف أن أبتلي بما ابتلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي فأكون قد أمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتى نوديا من السماء يا جبريل ويا محمد إن الله قد آمنكما أن تعصياه فيعذبكما وفضل محمد على سائر الأنبياء كفضل جبريل على سائر الملائكة حديث بلغني أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتيتك حين أمر الله بمنافيخ النار وضعت على النار تسعر ليوم القيامة الحديث بطوله أخرجه ابن أبي الدنيا فيه هكذا معضلا بغير إسناد وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من مال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه وإن أكرم الكرم عند الله التقوى وأنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه فهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ثم نهضت فقال لي إلى أين فقلت إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله فقال قد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها والله الموفق للخير والمعين عليه وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثل هذا فإنك المقبول القول غير المتهم في النصيحة قلت أفعل إن شاء الله قال محمد بن مصعب فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله وقال أنا في غنى عنه وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك وعن ابن المهاجر قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة شرفها الله حاجا فكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف في آخر الليل يطوف ويصلي ولا يعلم به فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فيصلى بالناس فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينا هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله ثم خرج فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فأتاه الرسول وقال له أجب أمير المؤمنين فصلى ركعتين واستلم الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه فقال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقوله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع والظلم فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني وأقلقني فقال يا أمير المؤمنين إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها وإلا اقتصرت على نفسي ففيها لي شغل شاغل فقال له أنت آمن على نفسك فقال الذي دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغي والفساد في الأرض أنت فقال ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في يدي والحلو والحامض في قبضتي قال وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك فيها منهم وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء وأعوانا ظلمة إن نسيت لم يذكروك وإن ذكرت لم يعينوك وقويتهم على ظلم الناس بالأموال والكراع والسلاح وأمرت بأن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف ولا الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك تجبى الأموال ولا تقسمها قالوا هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه وقد سخر لنا فائتمروا على أن لا يصل إليك من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا وأن لا يخرج لك عامل فيخالف لهم أمرا إلا أقصوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن أراد رفع صوته أو قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك ووقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطانتك سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته وإن كانت للمتظلم به حرمة وإجابة لم يمكنه مما يريد خوفا منهم فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث وهو يدفعه ويعتل عليه فإذا جهد وأخرج وظهرت صرخ بين يديك فيضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره وأنت تنظر ولا تنكر ولا تغير فما بقاء الإسلام وأهله على هذا ولقد كانت بنو أمية وكانت العرب لا ينتهي إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته إليهم فينصف ولقد كان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فينادي يا أهل الإسلام فيبتدرونه مالك مالك فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم فينتصف ولقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه مالك تبكي لا بكت عيناك فقال أما إني لست أبكي على المصيبة التي نزلت بي ولكن أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمع صوته ثم قال أما إن كان قد ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب نادوا في الناس ألا لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم فكان يركب الفيل ويطوف طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله وابن عم نبي الله لا تغلبك رأفتك بالمسلمين ورقتك على شح نفسك فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة إن قلت اجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال الله تعالى يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه ولست الذي تعطي بل الله يعطي من يشاء وإن قلت أجمع المال لأشيد سلطاني فقد أراك الله عبرا فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فهيا فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل قال لا قال فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت عليه من ملك الدنيا وهو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك فماذا تقول إذا انتزع الملك الحق المبين ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه مما شححت عليه من ملك الدنيا فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب وارتفع صوته ثم قال يا ليتني لم أخلق ولم أك شيئا ثم قال كيف احتيالي فيما خولت فيه ولم أر من الناس إلا خائنا قال يا أمير المؤمنين عليك بالإئمة الأعلام المرشدين قال ومن هم قال العلماء قال قد فروا مني قال هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك من قبل عمالك ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع المظالم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن على أن من هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم ثم قال للحرسى عليك بالرجل إن لم تأتني به لأضربن عنقك واغتاظ عليه غيظا شديدا فخرج الحرسى يطلب الرجل فبينا هو يطوف فإذا هو بالرجل يصلي في بعض الشعاب فقعد حتى صلى ثم قال يا ذا الرجل أما تتقي الله قال بلى قال أما تعرفه قال بلى قال فانطلق معي إلى الأمير فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك قال ليس لي إلى ذلك من سبيل قال يقتلني قال لا قال كيف قال تحسن تقرأ قال لا فأخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا فيه شيء فقال خذه فاجعله في جيبك فإن فيه دعاء الفرج قال وما دعاء الفرج قال لا يرزقه إلا الشهداء قلت رحمك الله قد أحسنت إلي فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله قال من دعا به مساء وصباحا هدمت ذنوبه ودام سروره ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه وبسط له رزقه وأعطى أمله وأعين على عدوه وكتب عند الله صديقا ولا يموت إلا شهيدا تقول اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك وكان وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك مالا أستوجبه مما قصرت فيه أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا وإنك المحسن إلى وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلى بنعمك وأتبغض إليك بالمعاصي ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك فعد بفضلك وإحسانك على إنك أنت التواب الرحيم قال فأخذته فصيرته في جيبي ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت فسلمت عليه فرفع رأسه فنظر إلي وتبسم ثم قال ويلك وتحسن السحر فقلت لا والله يا أمير المؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ فقال هات الرق الذي أعطاك ثم جعل يبكي وقال وقد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف ثم قال أتعرفه قلت لا قال ذلك الخضر عليه السلام وعن أبي عمران الجوني قال لما ولى هارون الرشيد الخلافة زاره العلماء فهنوه بما صار إليه من أمر الخلافة ففتح بيوت الأموال وأقبل يجيزهم بالجوائز السنية وكان قبل ذلك يجالس العلماء والزهاد وكان يظهر النسك والتقشف وكان مؤاخيا لسفيان بن سعيد بن المنذر الثوري قديما فهجره سفيان ولم يزره فاشتاق هرون إلى زيارته ليخلو به ويحدثه فلم يزره ولم يعبأ بموضعه ولا بما صار إليه فاشتد ذلك على هرون فكتب إليه كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله هرون الرشيد أمير المؤمنين إلى أخيه سفيان بن سعيد بن المنذر أما بعد يا أخي قد علمت أن الله تبارك وتعالى واخى بين المؤمنين وجعل ذلك فيه وله واعلم أني قد واخيتك مواخاة لم أصرم بها حبلك ولم أقطع منها ودك وإني منطو لك على أفضل المحبة والإرادة ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة واعلم يا أبا عبد الله أنه ما بقي من إخواني وإخوانك أحد إلا وقد زارني وهناني بما صرت إليه وقد فتحت بيوت الأموال وأعطيتهم من الجوائز السنية ما فرحت به نفسي وقرت به عيني وإني استبطأتك فلم تأتني وقد كتبت لك كتابا شوقا مني إليك شديدا وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل المؤمن وزيارته ومواصلته فإذا ورد عليه كتابي فالعجل العجل فلما كتب الكتاب التفت إلى من عنده فإذا كلهم يعرفون سفيان الثوري وخشونته فقال على برجل من الباب فأدخل عليه رجل يقال له عباد الطالقاني فقال يا عباد خذ كتابي هذا فانطلق به إلى الكوفة فإذا دخلتها فسل عن قبيلة بني ثور ثم سل عن سفيان الثوري فإذا رأيته فالق كتابي هذا إليه وع بسمعك وقلبك جميع ما يقول فأحص عليه دقيق أمره وجليله لتخبرني به فأخذ عباد الكتاب وانطلق به حتى ورد الكوفة فسأل عن القبيلة فأرشد إليها ثم سأل عن سفيان فقيل له هو في المسجد قال عباد فأقبلت إلى المسجد فلما رآني قام قائما وقال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير قال عباد فوقعت الكلمة في قلبي فجرحت فلما رآني نزلت بباب المسجد قام يصلي ولم يكن وقت صلاة فربطت فرسي بباب المسجد ودخلت فإذا جلساؤه قعود قد نكسوا رءوسهم كأنهم لصوص قد ورد عليهم السلطان فهم خائفون من عقوبته فسلمت فما رفع أحد إلى رأسه وردوا السلام على برءوس الأصابع فبقيت واقفا فما منهم أحد يعرض على الجلوس وقد علاني من هيبتهم الرعدة ومددت عيني إليهم فقلت إن المصلي هو سفيان فرميت بالكتاب إليه فلما رأى الكتاب ارتعد وتباعد منه كأنه حية عرضت له في محرابه فركع وسجد وسلم وأدخل يده في كمه ولفها بعباءته وأخذه فقلبه بيده ثم رماه إلى من كان خلفه وقال يأخذه بعضكم يقرؤه فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده قال عباد فأخذه بعضهم فحله كأنه خائف من فم حية تنهشه ثم فضه وقرأه وأقبل سفيان يتبسم تبسم المتعجب فلما فرغ من قراءته قال اقلبوه واكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فقيل له يا أبا عبد الله إنه خليفة فلو كتبت إليه في قرطاس نقي فقال اكتبوا إلى الظالم في ظهر كتابه فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزي به وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلي به ولا يبقى شيء مسه ظالم عندنا فيفسد علينا ديننا فقيل له ما نكتب فقال اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم من العبد المذنب سفيان بن سعيد بن المنذر الثوري إلى العبد المغرور بالآمال هرون الرشيد الذي سلب حلاوة الإيمان أما بعد فإني قد كتبت إليك أعرفك أني قد صرمت حبلك وقطعت ودك وقليت موضعك فإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت به على بيت مال المسلمين فأنفقته في غير حقه وأنفذته في غير حكمه ثم لم ترض بما فعلته وأنت ناء عني حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك أما إني قد شهدت عليك أنا وإخواني الذين شهدوا قراءة كتابك وسنؤدي الشهادة عليك غدا بين يدي الله تعالى يا هرون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها في أرض الله تعالى والمجاهدون في سبيل الله وابن السبيل أم رضي بذلك حملة القرآن وأهل العلم والأرامل والأيتام أم هل رضى بذلك خلق من رعيتك فشد يا هرون مئزرك وأعد للمسألة جوابا وللبلاء جلبابا واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل فقد رزئت في نفسك إذ سلبت حلاوة العلم والزهد ولذيذ القرآن ومجالسة الأخيار ورضيت لنفسك أن تكون ظالما وللظالمين إماما يا هرون قعدت على السرير ولبست الحرير واسبلت سترا دون بابك وتشبهت بالحجبة برب العالمين ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك يظلمون الناس ولا ينصفون يشربون الخمور ويضربون من يشربها ويزنون ويحدون الزاني ويسرقون ويقطعون السارق أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم قبل أن تحكم بها على الناس فكيف بك يا هرون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله تعالى احشرو الذين ظلموا وأزواجهم أي الظلمة وأعوان الظلمة فقدمت بين يدي الله تعالى ويداك مغلولتان إلى عنقك لا يفكهما إلا عدلك وإنصافك والظالمون حولك وأنت لهم سابق وإمام إلى النار كأني بك يا هرون وقد أخذت بضيق الخناق ووردت المساق وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك وسيئات غيرك في ميزانك زيادة عن سيئاتك بلاء على بلاء وظلمة فوق ظلمة فاحتفظ بوصيتي واتعظ بموعظتي التي وعظتك بها واعلم أني قد نصحتك وما أبقيت لك في النصح غاية فاتق الله يا هرون في رعيتك واحفظ محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته وأحسن الخلافة عليهم وأعلم أن هذا الأمر لو بقي لغيرك لم يصل إليك وهو صائر إلى غيرك وكذا الدنيا تنتقل بأهلها واحد بعد واحد فمنهم من تزود زادا نفعه ومنهم من خسر دنياه وآخرته وإني أحسبك يا هرون ممن خسر دنياه وآخرته فإياك إياك أن تكتب لي كتابا بعد هذا فلا أجيبك عنه والسلام قال عباد فألقى إلي الكتاب منشورا غير مطوي ولا مختوم فأخذته وأقبلت إلى سوق الكوفة وقد وقعت الموعظة من قلبي فناديت يا أهل الكوفة فأجابوني فقلت لهم يا قوم من يشتري رجلا هرب من الله إلى الله فأقبلوا إلي بالدنانير والدراهم فقلت لا حاجة لي في المال ولكن جبة صوف خشنة وعباءة قطوانية قال فأتيت بذلك ونزعت ما كان على من اللباس الذي كنت ألبسه مع أمير المؤمنين وأقبلت أقود البرذون وعليه السلاح الذي كنت أحمله حتى أتيت باب أمير المؤمنين هرون حافيا راجلا فهزأ بي من كان على باب الخليفة ثم استؤذن لي فلما دخلت عليه وبصر بي على تلك الحالة قام وقعد ثم قام قائما وجعل يلطم رأسه ووجهه ويدعو بالويل والحزن ويقول انتفع الرسول وخاب المرسل مالي وللدنيا ولملك يزول عني سريعا ثم ألقيت الكتاب إليه منشورا كما دفع إلي فأقبل هرون يقرؤه ودموعه تنحدر من عينيه ويقرأ ويشهق فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين لقد اجترأ عليك سفيان فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجن وكنت تجعله عبرة لغيره فقال هرون اتركونا يا عبيد الدنيا المغرور من غررتموه والشقي من أهلكتموه وإن سفيان أمة وحده فاتركوا سفيان وشأنه ثم لم يزل كتاب سفيان إلى جنب هرون يقرؤه عند كل صلاة حتى توفى رحمه الله فرحم الله عبدا نظر لنفسه واتقى الله فيما يقدم عليه غدا من عمله فإنه عليه يحاسب وبه يجازى والله ولي التوفيق وعن عبد الله بن مهران قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياما ثم ضرب بالرحيل فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به إذ أقبلت هوادج هرون فكف الصبيان عن الولوع به فلما جاء هرون نادى بأعلى صوته يا أمير المؤمنين فكشف هرون السجاف بيده عن وجهه فقال لبيك يا بهلول فقال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد الله العامري قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا من عرفة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك حديث قدامة بن عبد الله العامري رأيت النبي صلى الله عليه وسلم منصرفا عن عرفة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا أليك إليك أخرجه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه دون قوله منصرفا من عرفة وإنما قالوا يرمى الجمرة وهو الصواب وقد تقدم في الباب الثاني وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك قال فبكى هرون حتى سقطت دموعه على الأرض ثم قال يا بهلول زدنا رحمك الله قال نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فأنفق من ماله وعف في جماله كتب في خالص ديوان الله تعالى مع الأبرار قال أحسنت يا بهلول ودفع له جائزة فقال اردد الجائزة إلى من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها قال يا بهلول فإن كان عليك دين قضيناه قال يا أمير المؤمنين هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون قد اجتمعت آراؤهم أن قضاء الدين بالدين لا يجوز قال يا بهلول فنجرى عليك ما يقوتك أو يقيمك قال فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله فمحال أن يذكرك وينساني قال فأسبل هرون السجاف ومضى وعن أبي العباس الهاشمي عن صالح بن المأمون قال دخلت على الحرث المحاسبي رحمه الله فقلت له يا أبا عبد الله هل حاسبت نفسك فقال كان هذا مرة قلت له فاليوم قال أكاتم حالي إني لأقرأ آية من كتاب الله تعالى فأحتن بها أن تسمعها نفسي ولولا أن يغلبني فيها فرح ما أعلنت بها ولقد كنت ليلة قاعدا في محرابي فإذا أنا بفتى حسن الوجه طيب الرائحة فسلم على ثم قعد بين يدي فقلت له من أنت فقال أنا واحد من السياحين أقصد المتعبدين في محاريبهم ولا أرى لك اجتهادا فأي شيء عملك قال قلت له كتمان المصائب واستجلاب الفوائد قال فصاح وقال ما علمت أن أحدا بين جنبي المشرق والمغرب هذه صفته قال الحرث فأردت أن أزيد عليه فقلت له أما علمت أن أهل القلوب يخفون أحوالهم ويكتمون أسرارهم ويسألون الله كتمان ذلك عليهم فمن أين تعرفهم قال فصاح صيحة غشى عليه منها فمكث عندي يومين لا يعقل ثم أفاق وقد أحدث في ثيابه فعلمت إزالة عقله فأخرجت له ثوبا جديدا وقلت له هذا كفني قد آثرتك به فاغتسل وأعد صلاتك فقال هات الماء فاغتسل وصلى ثم التحف بالثوب وخرج فقلت له أين تريد فقال لي قم معي فلم يزل يمشي حتى دخل على المأمون فسلم عليه وقال يا ظالم أنا ظالم إن لم أقل لك يا ظالم استغفر الله من تقصيري فيك أما تتقي الله تعالى فيما قد ملكك وتكلم بكلام كثير ثم أقبل يريد الخروج وأنا جالس بالباب فأقبل عليه المأمون وقال من أنت قال أنا رجل من السياحين فكرت فيما عمل الصديقون قبلي فلم أجد لنفسي فيه حظا فتعلقت بموعظتك لعلي ألحقهم قال فأمر بضرب عنقه فأخرج وأنا قاعد على الباب ملفوفا في ذلك الثوب ومناد ينادي من ولي هذا فليأخذ قال الحرث فاختبأت عنه فأخذه أقوام غرباء فدفنوه وكنت معهم لا أعلمهم بحاله فأقمت في مسجد بالمقابر محزونا على الفتى فغلبتني عيناي فإذا هو بين وصائف لم أر أحسن منهن وهو يقول يا حارث أنت والله من الكاتمين الذين يخفون أحوالهم ويطيعون ربهم قلت وما فعلوا قال الساعة يلقونك فنظرت إلى جماعة ركبان فقلت من أنتم قالوا الكاتمون أحوالهم حرك هذا الفتى كلامك له فلم يكن في قلبه مما وصفت شيء فخرج للأمر والنهي وإن الله تعالى أنزله معنا وغضب لعبده وعن أحمد بن إبراهيم المقرى قال كان أبو الحسين النوري رجلا قليل الفضول لا يسأل عما لا يعنيه ولا يفتش عما لا يحتاج إليه وكان إذا رأى منكرا غيره ولو كان فيه تلفه فنزل ذات يوم إلى مشرعة تعرف بمشرعة الفحامين يتطهر للصلاة إذ رأى زورقا فيه ثلاثون دنا مكتوب عليها بالقار لطف فقرأه وأنكره لأنه لم يعلم في التجارات ولا في البيوع شيئا يعبر عنه بلطف فقال للملاح إيش في هذه الدنان قال وإيش عليك امض في شغلك فلما سمع النوري من الملاح هذا القول ازداد تعطشا إلى معرفته فقال أحب أن تخبرني إيش في هذه الدنان قال وإيش عليك أنت والله صوفي فضولي هذا خمر للمعتضد يريد أن يتمم به مجلسه فقال النوري وهذا خمر قال نعم فقال أحب أن نعطيني ذلك المدري فاغتاظ الملاح عليه وقال لغلامه أعطه حتى أنظر ما يصنع فلما صارت المدرى في يده صعد إلى الزورق ولم يزل يكسرها دنا دنا حتى أتى على آخرها إلا دنا واحدا والملاح يستغيث إلى أن ركب صاحب الجسر وهو يومئذ ابن بشر أفلح فقبض على النوري وأشخصه إلى حضرة المعتضد وكان المعتضد سيفه قبل كلامه ولم يشك الناس في أنه سيقتله قال أبو الحسين فأدخلت عليه وهو جالس على كرسي حديد وبيده عمود يقلبه فلما رآني قال من أنت قلت محتسب قال ومن ولاك الحسبة قلت الذي ولاك الإمامة ولاني الحسبة يا أمير المؤمنين قال فأطرق إلى الأرض ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال ما الذي حملك على ما صنعت فقلت شفقة مني عليك إذ بسطت يدي إلى صرف مكروه عنك فقصرت عنه قال فأطرق مفكرا في كلامي ثم رفع رأسه إلي وقال كيف تخلص هذا الدن الواحد من جملة الدنان فقلت في تخلصه علة أخبر بها أمير المؤمنين إن أذن فقال هات خبرني فقلت يا أمير المؤمنين إني أقبلت على الدنان بمطالبة الحق سبحانه لي بذلك وغمر قلبي شاهد الإجلال للحق وخوف المطالبة فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال إلى أن صرت إلى هذا الدن فاستشعرت نفسي كبرا على أني أقدمت على مثلك فمنعت ولو أقدمت عليه بالحال الأول وكانت ملء الدنيا دنان لكسرتها ولم أبال فقال المعتضد اذهب فقد أطلقنا يدك غير ما أحببت أن تغيره من المنكر قال أبو الحسين فقلت يا أمير المؤمنين بغض إلى التغيير لأني كنت أغير عن وأنا الآن أغير عن شرطي فقال المعتضد ما حاجتك فقلت يا أمير المؤمنين تأمر بإخراجي سالما فأمر له بذلك وخرج إلى البصرة فكان أكثر أيامه بها خوفا من أن يسأله أحد حاجة يسألها المعتضد فأقام بالبصرة إلى أن توفي المعتضد ثم رجع إلى بغداد فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين لكونهم اتكلوا على فضل الله تعالى أن يحرسهم ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة فلما أخلصوا لله النية أثر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا ففساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء بإستيلاء حب المال والجاه ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر والله المستعان على كل حال تم كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحمد الله وعونه وحسن توفيقه.

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: