كتاب الحلال والحرام

 

كتاب الحلال والحرام

وهو الكتاب الرابع من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين لازب وصلصال ثم ركب صورته في أحسن تقويم وأتم اعتدال ثم غذاه في أول نشوه بلبن استصفاه من بين فرث ودم سائغا كالماء الزلال ثم حماه بما آتاه من طيبات الرزق عن دواعي الضعف والانحلال ثم قيد شهوته المعادية له عن السطوة والصيال وقهرها بما افترضه عليه من طلب القوت الحلال وهزم بكسرها جند الشيطان المتشمر للإضلال ولقد كان يجري من ابن آدم مجرى الدم السيال فضيق عليه عزة الحلال المجرى والمجال إذ كان لا يبذرقه إلى أعماق العروق إلا الشهوة الماثلة إلى الغلبة والاسترسال فبقي لما زمت بزمام الحلال خائبا خاسرا ما له من ناصر ولا وال والصلاة على محمد الهادي من الضلال وعلى آله خير آل وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد فقد قال صلى الله عليه وسلم  طلب الحلال فريضة على كل مسلم حديث ابن مسعود طلب الحلال فريضة على كل مسلم تقدم في الزكاة دون قوله على كل مسلم وللطبراني في الأوسط من حديث أنس واجب على كل مسلم وإسناده ضعيف رواه ابن مسعود رضي الله عنه وهذه الفريضة من بين سائر الفرائض أعصاها على العقول فهما وأثقلها على الجوارح فعلا ولذلك اندرس بالكلية علما وعملا وصار غموض علمه سببا لاندراس عمله إذ ظن الجهال أن الحلال مفقود وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود وأنه لم يبق من الطيبات إلا الماء الفرات والحشيش النابت في الموات وما عداه فقد أخبثته الأيدي العادية وأفسدته المعاملات الفاسدة وإذا تعذرت القناعة بالحشيش من النبات لم يبق وجه سوى الاتساع في المحرمات فرفضوا هذا القطب من الدين أصلا ولم يدركوا بين الأموال فرقا وفصلا وهيهات هيهات فالحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات ولا تزال هذه الثلاثة مقترنات كيفما تقلبت الحالات ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها واستطار في الخلق شررها وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والحرام والشبهة على وجه التحقيق والبيان ولا يخرجه التضييق عن حيز الإمكان ونحن نوضح ذلك في سبعة أبواب الباب الأول في فضيلة طلب الحلال ومذمة الحرام ودرجات الحلال والحرام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام الباب الثالث في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها في الحلال والحرام الباب الرابع في كيفية خروج التائب عن المظالم المالية الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم الباب السادس في الدخول على السلاطين ومخالطتهم الباب السابع في مسائل متفرقة الباب الأول في فضيلة الحلال ومذمة الحرام وبيان أصناف الحلال ودرجاته وأصناف الحرام ودرجات الورع فيه فضيلة الحلال ومذمة الحرام قال الله تعالى كلوا من الطيبات واعملوا صالحا أمر بالأكل من الطيبات قبل العمل وقيل إن المراد به الحلال وقال تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وقال تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما الآية وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ثم قال فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ثم قال وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم ثم قال ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون جعل آكل الربا أول الأمر مؤذنا بمحاربة الله وفي آخره متعرضا للنار والآيات الواردة في الحلال والحرام لا تحصى وروى ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال طلب الحلال فريضة على كل مسلم ولما قال صلى الله عليه وسلم  طلب العلم فريضة على كل مسلم حديث طلب العلم فريضة على كل مسلم تقدم في العلم قال بعض العلماء أراد به طلب علم الحلال والحرام وجعل المراد بالحديثين واحدا وقال صلى الله عليه وسلم  من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا حلالا في عفاف كان في درجة الشهداء حديث من سعى على عياله من حله فهو كالمجاهد في سبيل الله ومن طلب الدنيا في عفاف كان في درجة الشهداء أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة من سعى على عياله ففي سبيل الله ولأبي منصور في مسند الفردوس من طلب مكسبة من باب حلال يكف بها وجهه عن مسئلة الناس وولده وعياله جاء يوم القيامة مع النبيين والصديقين وإسنادهما ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم  من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه حديث من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أبي أيوب من أخلص لله أربعين يوما ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ولابن عدي نحوه من حديث أبي موسى وقال حديث منكر وفي رواية زهده الله في الدنيا وروي أن سعدا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن يسأل الله تعالى أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك حديث أن سعدا سأل النبي صلى الله عليه وسلم  أن يسأل الله أن يجعله مجاب الدعوة فقال له أطب طعمتك تستجب دعوتك أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفيه من لا أعرفه ولما ذكر صلى الله عليه وسلم  الحريص على الدنيا قال رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يرفع يديه فيقول يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك حديث رب أشعث أغبر مشرد في الأسفار مطعمه حرام وملبسه حرامالحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبرالحديث وفي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم  إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل حديث ابن عباس إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل لم أقف له على أصل ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن مسعود من أكل لقمة من حرام لم تقبل منه صلاة أربعين ليلةالحديث وهو منكر فقيل الصرف النافلة والعدل الفريضة وقال صلى الله عليه وسلم  من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفي ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته ما دام عليه منه شيء حديث من اشترى ثوبا بعشرة دراهم في ثمنه درهم حرام لم يقبل الله صلاته وعليه منه شيء رواه أحمد من حديث ابن عمر بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم  كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به حديث كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به أخرجه الترمذي من حديث كعب بن عجرة وحسنه وقد تقدم وقال صلى الله عليه وسلم  من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله من أين أدخله النار حديث من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال الله عز وجل من أين أدخله النار أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر قال ابن العربي في عارضة الأحوذى شرح الترمذي انه باطل لم يصح ولا يصح و قال صلى الله عليه وسلم  العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال حديث العبادة عشرة أجزاء فتسعة منها في طلب الحلال رواه أبو منصور الديلمي من حديث أنس إلا أنه قال تسعة منها في الصمت والعاشرة كسب اليد من الحلال وهو منكر روى هذا مرفوعا وموقوفا على بعض الصحابة أيضا وقال صلى الله عليه وسلم  من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح و الله عنه راض حديث من أمسى وانيا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح والله عنه راض أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس من أمسى كالا من عمل يديه أمسى مغفورا له وفيه ضعف وقال صلى الله عليه وسلم  من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار حديث من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحما أو تصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع الله ذلك جميعا ثم قذفه في النار رواه أبو داود في المراسيل من رواية القاسم بن مخيمرة مرسلا وقال عليه السلام خير دينكم الورع حديث خير دينكم الورع تقدم في العلم وقال صلى الله عليه وسلم  من لقى الله ورعا أعطاه الله ثواب الإسلام كله حديث من لقى الله ورعا أعطاه ثواب الإسلام كله لم أقف له على أصل ويروى أن الله تعالى قال في بعض كتبه وأما الورعون فأنا أستحي أن أحاسبهم وقال صلى الله عليه وسلم  درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام حديث درهم من ربا أشد عند الله من ثلاثين زنية في الإسلام رواه أحمد والدارقطني من حديث عبد الله بن حنظلة وقال ستة وثلاثين ورجاله ثقات وقيل عن حنظلة الزاهد عن كعب مرفوعا وللطبراني في الصغير من حديث ابن عباس ثلاثة وثلاثين وسنده ضعيف وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه المعدة حوض البدن و العروق إليها واردة فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة وإذا سقمت صدرت بالسقم حديث أبو هريرة المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط و العقيلي في الضعفاء وقال باطل لا أصل له ومثل الطعمة من الدين مثل الأساس من البنيان فإذا ثبت الأساس وقوي استقام البنيان وارتفع وإذا ضعف الأساس واعوج انهار البنيان ووقع و قال الله عز وجل أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله الآية وفي الحديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وان تركه وراءه كان زاده إلى النار حديث من اكتسب مالا من حرام فإن تصدق به لم يقبل منه وان تركه وراءه كان زاده إلى النار رواه أحمد من حديث ابن مسعود بسند ضعيف ولأبن حبان من حديث أبي هريرة من جمع مالا من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه وقد ذكرنا جملة من الأخبار في كتاب آداب الكسب تكشف عن فضيلة الكسب الحلال وأما الآثار فقد ورد أن الصديق رضي الله عنه شرب لبنا من كسب عبده ثم سأل عبده فقال تكهنت لقوم فأعطوني فأدخل أصابعه في فيه وجعل يقىء حتى ظننت أن نفسه ستخرج ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما حملت العروق وخالط الأمعاء حديث إن أبا بكر شرب لبنا من كسب عبده ثم سأله فقال تكهنت لقوم فأعطوبي فأدخل إصبعه في فيه وجعل يقىء وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم  لما أخبر بذلك قال أو ما علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا رواه البخاري من حديث عائشة كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام أتدرى ما هذا فقال وما هو قال كنت تكهنت لأنسان في الجاهلية فذكره دون المرفوع عنه فلم أجده وفي بعض الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم  أخبر بذلك فقال أو علمتم أن الصديق لا يدخل جوفه إلا طيبا وكذلك شرب عمر رضي الله عنه من لبن إبل الصدقة غلطا فأدخل أصبعه وتقيأ وقالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة هو الورع وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار لم يقبل ذلك منكم إلا بورع حاجز وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله ما أدرك من أدرك إلا من كان يعقل ما يدخل جوفه وقال الفضيل من عرف ما يدخل جوفه كتبه الله صديقا فانظر عند من تفطر يا مسكين وقيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله لم لا تشرب من ماء زمزم فقال لو كان لي دلو شربت منه وقال سفيان الثوري رضي الله عنه من أنفق من الحرام في طاعة الله كان كمن طهر الثوب النجس بالبول و الثوب النجس لا يطهره إلا الماء و الذنب لا يكفره إلا الحلال وقال يحيى بن معاذ الطاعة خزانة من خزائن الله إلا أن مفتاحها الدعاء وأسنانه لقم الحلال وقال ابن عباس رضي الله عنهما لا يقبل الله صلاة امرىء في جوفه حرام وقال سهل التسترى لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يكون فيه أربع خصال أداء الفرائض بالسنة وأكل الحلال بالورع واجتناب النهي من الظاهر و الباطن و الصبر على ذلك إلى الموت و قال من أحب أن يكاشف بآيات الصديقين فلا يأكل إلا حلالا ولا يعمل إلا في سنة أو ضرورة و يقال من أكل الشبهة أربعين يوما أظلم قلبه وهو تأويل قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون وقال ابن المبارك رد درهم من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف درهم ومائة ألف ومائة ألف حتى بلغ إلى ستمائة ألف و قال بعض السلف إن العبد يأكل أكله فيتقلب قلبه فينغل كما ينغل الأديم ولا يعود إلى حاله أبدا وقال سهل رضي الله عنه من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى علم أو لم يعلم ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفقت للخيرات و قال بعض السلف إن أول لقمة يأكلها العبد من حلال يغفر له ما سلف من ذنوبه ومن أقام نفسه مقام ذل في طلب الحلال تساقطت عنه ذنوبه كتساقط ورق الشجر وروى في آثار السلف أن الواعظ كان إذا جلس للناس قال العلماء تفقدوا منه ثلاثا فإن كان معتقدا لبدعة فلا تجالسوه فإنه عن لسان الشيطان ينطق وإن كان سيء الطعمة فعن الهوى ينطق فإن لم يكن مكين العقل فإنه يفسد بكلامه أكثر مما يصلح فلا تجالسوه وفي الأخبار المشهورة عن علي عليه السلام وغيره إن الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب وزاد آخرون وشبهتها عتاب وروي أن بعض الصالحين دفع طعاما إلى بعض الأبدال فلم يأكل فسأله عن ذلك فقال نحن لا نأكل إلا حلالا فلذلك تستقيم قلوبنا ويدوم حالنا ونكاشف الملكوت ونشاهد الآخرة ولو أكلنا مما تأكلون ثلاثة أيام لما رجعنا إلى شيء من علم اليقين ولذهب الخوف والمشاهدة من قلوبنا فقال له الرجل فإني أصوم الدهر وأختم القرآن في كل شهر ثلاثين مرة فقال له البدل هذه الشربة التي رأيتني شربتها من الليل أحب إلى من ثلاثين ختمة في ثلثمائة ركعة من أعمالك وكانت شربته من لبن ظبية وحشية وقد كان بين أحمد بن حنبل ويحيى بن معين صحبة طويلة فهجره أحمد إذ سمعه يقول إني لا أسال أحدا شيئا ولو أعطاني الشيطان شيئا لأكلته حتى اعتذر يحيى و قال كنت أمزح فقال تمزح بالدين أما علمت أن الأكل من الدين قدمه الله تعالى على العمل الصالح فقال كلوا من الطيبات واعملوا صالحا وفي الخبر أنه مكتوب في التوراة من لم يبال من أين مطعمه لم يبال الله من أي أبواب النيران أدخله وعن علي رضي الله عنه أنه لم يأكل بعد قد قتل عثمان ونهب الدار طعاما إلا مختوما حذرا من الشبهة واجتمع الفضيل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك عند وهيب بن الورد بمكة فذكروا الرطب فقال وهيب هو من أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله لاختلاط رطب مكة ببساتين زبيدة وغيرها فقال له ابن المبارك إن نظرت في مثل هذا ضاق عليك الخبز قال وما سببه قال إن أصول الضياع قد اختلط بالصوافي فغشى على وهيب فقال سفيان قتلت الرجل فقال ابن المبارك ما أردت إلا أن أهون عليه فلما أفاق قال لله علي أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه قال فكان يشرب اللبن قال فأتته أمه بلبن فسألها فقالت هو من شاة بني فلان فسأل عن ثمنها وأنه من أين كان لهم فذكرت فلما أدناه من فيه قال بقي أنها من أين كانت ترعى فسكتت فلم يشرب لأنها كانت ترعى من موضع فيه حق للمسلمين فقالت أمه اشرب فإن الله يغفر لك فقال ما أحب أن يغفر لي وقد شربته فأنال مغفرته بمعصيته وكان بشر الحافي رحمه الله من الورعين فقيل له من أين تأكل فقال من حيث تأكلون ولكن ليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهو يضحك وقال يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة وهكذا كانوا يحترزون من الشبهات أصناف الحلال ومداخله اعلم أن تفصيل الحلال و الحرام إنما يتولى بيانه كتب الفقه ويستغني المريد عن تطويله بأن يكون له طعمة معينة يعرف بالفتوى حلها لا يأكل من غيرها فأما من يتوسع في الأكل من وجوه متفرقة فيفتقر إلى علم الحلال والحرام كله كما فصلناه في كتب الفقه ونحن الآن نشير إلى مجامعه في سياق تقسيم وهو أن المال إنما يحرم إما لمعنى في عينه أو لخلل في جهة اكتسابه القسم الأول الحرام لصفة في عينه كالخمر و الخنزير وغيرهما وتفصيله أن الأعيان المأكولة على وجه الأرض لا تعدو ثلاثة أقسام فإنها إما أن تكون من المعادن كالملح و الطين وغيرهما أو من النبات أو من الحيوانات أما المعادن فهي أجزاء الأرض وجميع ما يخرج منها فلا يحرم أكله إلا من حيث أنه يضر بالآكل وفي بعضها ما يجري مجرى السم والخبز لو كان مضرا لحرم أكله و الطين الذي يعتاد أكله لا يحرم إلا من حيث الضرر وفائدة قولنا انه لا يحرم مع أنه لا يؤكل أنه لو وقع شيء منها في مرقة أو طعام مائع لم يصر به محرما وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل أو يزيل الحياة أو الصحة فمزيل العقل البنج و الخمر وسائر المسكرات ومزيل الحياة السموم ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها وكأن مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر و المسكرات فإن الذي لا يسكر منها أيضا حرام مع قلته لعينه ولصفته وهي الشدة المطربة وأما السم فإذا خرج عن كونه مضرا لقلته أو لعجنه بغيره فلا يحرم وأما الحيوانات فتنقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل وتفصيله في كتاب الأطعمة والنظر يطول في تفصيله لا سيما في الطيور الغريبة وحيوانات البر والبحر وما يحل أكله منها فإنما يحل إذا ذبح ذبحا شرعيا روعي فيه شروط الذابح والآلة والذبح وذلك مذكور في كتاب الصيد والذبائح وما لم يذبح ذبحا شرعيا أو مات فهو حرام ولا يحل إلا ميتتان السمك والجراد وفي معناهما ما يستحيل من الأطعمة كدود التفاح والخل والجبن فإن الاحتراز منهما غير ممكن فأما إذا أفردت وأكلت فحكمها حكم الذباب والخنفساء والعقرب وكل ما ليس له نفس سائلة لا سبب في تحريمها إلا الاستقذار ولو لم يكن لكان لا يكره فإن وجد شخص لا يستقذره لم يلتفت إلى خصوص طبعه فإنه التحق بالخبائث لعموم الاستقذار فيكره أكله كما لو جمع المخاط وشربه كره ذلك وليست الكراهة لنجاستها فإن الصحيح أنها لا تنجس بالموت إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه حديث الأمر بأن يمقل الذباب في الطعام إذا وقع فيه رواه البخاري من حديث أبي هريرة وربما يكون حارا ويكون ذلك سبب موته ولم تهرت نملة أو ذبابة في قدر لم يجب إراقتها إذ المستقذر هو جرمه إذا بقي له جرم ولم ينجس حتى يحرم بالنجاسة وهذا يدل على أن تحريمه للاستقذار ولذلك نقول لو وقع جزء من آدمي ميت في قدر ولو وزن دانق حرم الكل لا لنجاسته فإن الصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت ولكن لان أكله محرم احتراما لا استقذارا وأما الحيوانات المأكولة إذا ذبحت بشرط الشرع فلا تحل جميع أجزائها بل يحرم منها الدم والفرث وكل ما يقضي بنجاسته منها بل تناول النجاسة مطلقا محرم ولكن ليس في الأعيان شيء محرم نجس إلا من الحيوانات وأما من النبات فالمسكرات فقط دون ما يزيل العقل ولا يسكر كالبنج فإن نجاسة المسكر تغليظ للذجر عنه لكونه في مظنة التشوف ومهما وقعت قطرة من النجاسة أو جزء من نجاسة جامدة في مرقة أو طعام أو دهن حرم أكل جميعه ولا يحرم الانتفاع به لغير الأكل فيجوز الاستصباح بالدهن النجس وكذا طلاء السفن و الحيوانات وغيرها فهذه مجامع ما يحرم لصفة في ذاته القسم الثاني ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه وفيه يتسع النظر فنقول أخذ المال إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره فالذي يكون بغير اختياره كالإرث والذي يكون باختياره إما أن لا يكون من مالك كنيل المعادن أو يكون من مالك والذي أخذ من مالك فإما أن يؤخذ قهرا أو يؤخذ تراضيا و المأخوذ قهرا إما أن يكون لسقوط عصمة المالك كالغنائم أو لاستحقاق الأخذ كزكاة الممتنعين و النفقات الواجبة عليهم والمأخوذ تراضيا إما أن يؤخذ بعوض كالبيع و الصداق و الأجرة وإما أن يؤخذ بغير عوض كالهبة و الوصية فيحصل من هذا السياق ستة أقسام الأول ما يؤخذ من غير مالك كنيل المعادن وإحياء الموات والاصطياد والاحتطاب والاستقاء من الأنهار والاحتشاش فهذا حلال بشرط أن لا يكون المأخوذ مختصا بذي حرمة من الآدميين فإذا انفك من الاختصاصات ملكها آخذها وتفصيل ذلك في كتاب إحياء الموات الثاني المأخوذة قهرا ممن لا حرمة له وهو الفيء والغنيمة و سائر أموال الكفار والمحاربين وذلك حلال للمسلمين إذا اخرجوا منها الخمس وقسموها بين المستحقين بالعدل ولم يأخذوها من كافر له حرمة وأمان وعهد وتفصيل هذه الشروط في كتاب السير من كتاب الفيء والغنيمة وكتاب الجزية الثالث ما يؤخذ قهرا باستحقاق عند امتناع من وجب عليه فيؤخذ دون رضاه وذلك حلال إذا تم سبب الاستحقاق وتم وصف المستحق الذي به استحقاقه واقتصر على القدر المستحق واستوفاه ممن يملك الاستيفاء من قاض أو سلطان أو مستحق وتفصيل ذلك في كتاب تفريق الصدقات وكتاب الوقف وكتاب النفقات إذ فيها النظر في صفة المستحقين للزكاة و الوقف و النفقة وغيرها من الحقوق فإذا استوفيت شرائطها كان المأخوذ حلالا الرابع ما يؤخذ تراضيا بمعاوضه وذلك حلال إذا روعي شرط العوضين وشرط العاقدين وشرط اللفظين اعني الإيجاب والقبول مع ما تعبد الشرع به من اجتناب الشروط المفسدة وبيان ذلك في كتاب البيع و السلم والإجارة والحوالة والضمان والقراض والشركة والمساقاة والشفعة والصلح والخلع والكتابة والصداق وسائر المعاوضات الخامس ما يؤخذ عن رضا من غير عوض وهو حلال إذا روعى فيه شرط المعقود عليه وشرط العاقدين وشرط العقد ولم يؤد إلى ضرر بوارث أو غيره وذلك مذكور في كتاب الهبات والوصايا والصدقات السادس ما يحصل بغير اختيار كالميراث وهو حلال إذا كان الموروث قد اكتسب المال من بعض الجهات الخمس على وجه حلال ثم كان ذلك بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصايا وتعديل القسمة بين الورثة وإخراج الزكاة و الحج و الكفارة إن كان واجبا وذلك مذكور في كتاب الوصايا والفرائض فهذه مجامع مداخل الحلال والحرام أومأنا إلى جملتها ليعلم المريد أنه إن كانت طعمته متفرقة لا من جهة معينة فلا يستغنى عن علم هذه الأمور فكل ما يأكله من جهة من الجهات ينبغي أن يستفتى فيه أهل العلم ولا يقدم عليه بالجهل فإنه كما يقال للعالم لم خالفت علمك يقال للجاهل لم لازمت جهلك ولم تتعلم بعد أن قبل لك طلب فريضة على كل مسلم درجات الحلال والحرام اعلم أن الحرام كله خبيث لكن بعضه أخبث من بعض و الحلال كله طيب ولكن بعضه أطيب من بعض وأصفى من بعض وكما أن الطبيب يحكم على كل حلو بالحرارة ولكن يقول بعضها حار في الدرجة الأولى كالسكر وبعضها حار في الثانية كالفانيذ وبعضها حار في الثالثة كالدبس وبعضها حار في الرابعة كالعسل كذلك الحرام بعضه خبيث حار في الدرجة الأولى وبعضه الثانية أو الثالثة أو الرابعة وكذا الحلال تتفاوت درجات صفاته وطيبه فلنقتد بأهل الطب في الاصطلاح على أربع درجات تقريبا وإن كان التحقيق لا يوجب هذا الحصر إذ يتطرق إلى كل درجة من الدرجات أيضا تفاوت لا ينحصر فإن من السكر ما هو أشد حرارة من سكر آخر وكذا غيره فلذلك نقول الورع عن الحرام على أربع درجات الأولى ورع العدول وهو الذي يجب الفسق باقتحامه وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان و التعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء الثانية ورع الصالحين وهو الامتناع عما يتطرق إليه احتمال التحريم ولكن المفتى يرخص في التناول بناء على الظاهر فهو من مواقع الشبهة على الجملة فلنسم التحرج عن ذلك ورع الصالحين وهو في الدرجة الثانية الثالثة مالا تحرمه الفتوى ولا شبهة في حله ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم وهو ترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس وهذا ورع المتيقن قال صلى الله عليه وسلم  لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس حديث لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع مالا بأس به مخافة ما به بأس رواه ابن ماجه وقد تقدم الرابعة ما لا بأس به أصلا ولا يخاف منه أن يؤدي إلى ما به بأس ولكنه يتناول لغير الله وعلى غير نية التقوى به على عبادة الله أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة له كراهية أو معصية و الامتناع منه ورع الصديقين فهذه درجات الحلال جملة إلى أن نفصلها بالأمثلة و الشواهد وأما الحرام الذي ذكرناه في الدرجة الأولى هو الذي يشترط التورع عنه في العدالة واطراح سمة الفسق فهو أيضا على درجات في الخبث فالمأخوذ بعقد فاسد كالمعاطاة مثلا فيما لا يجوز فيه المعاطاة حرام ولكن ليس في درجة المغصوب على سبيل القهر بل المغصوب أغلظ إذ فيه ترك طريق الشرع في الاكتساب وإيذاء الغير وليس في المعاطاة إيذاء وإنما فيه ترك طريق التعبد فقط ثم ترك طريق التعبد بالمعاطاة أهون من تركه بالربا وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهى على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق بين الكبيرة والصغيرة بل المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو من يتيم أخبث وأعظم من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق لأن درجات الإيذاء تختلف باختلاف درجات المؤذى فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها فلولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت درجات النار وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربعة فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي وهو طلب حصر فيما لا حاصر له ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض حتى إذا اضطر إلى أكل ميتة أو أكل طعام الغير أو أكل صيد الحرم فإنا نقدم بعض هذا على بعض أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها أما الدرجة الأولى وهي ورع العدول فكل ما اقتضى الفتوى تحريمه مما يدخل في المداخل الستة التي ذكرناها من مداخل الحرام لفقد شرط من الشروط فهو الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق و المعصية وهو الذي نريده بالحرام المطلق ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد وأما الدرجة الثانية فأمثلتها كل شبهة لا توجب اجتنابها ولكن يستجب اجتنابها كما سيأتي في باب الشبهات إذ من الشبهات ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين كمن يمتنع من الاصطياد خوفا من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه وهذا وسواس ومنها ما يستحب اجتنابها ولا يجب وهو الذي ينزل عليه قوله صلى الله عليه وسلم  دع ما يريبك إلى مالا يريبك حديث دع ما يريبك إلى مالا يريبك أخرجه النسائي والترمذي و الحاكم وصححاه من حديث الحسن بن علي ونحمله على نهي التنزيه وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم  كل ما أصميت ودع ما أنميت حديث كل ما أصميت ودع ما أنميت أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس و البيهقي موقوفا عليه وقال إن المرفوع ضعيف والإنماء أن يجرى الصيد فيغيب عنه ثم يدركه ميتا إذ يحتمل انه مات بسقطة أو بسبب آخر والذي نختاره كما سيأتي أن هذا ليس بحرام ولكن تركه من ورع الصالحين وقوله دع ما يريبك أمر تنزيه إذ ورد في بعض الروايات كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك ولذلك قال صلى الله عليه وسلم  لعدي بن حاتم في الكلب المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه على سبيل التنزيه لأجل الخوف إذ قال لأبي ثعلبة الخشنى كل منه فقال وإن أكل منه فقال وإن أكل حديث قال لأبي ثعلبة كل منه فقال وإن أكل قال وإن أكل رواه أبو داود من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومن حديث أبي ثعلبة أيضا مختصرا وإسنادهما جيد والبيهقي موقوفا عليه وقال إن المرفوع ضعيف وذلك لأن حالة أبي ثعلبة وهو فقير مكتسب لا تحتمل هذا الورع وحال عدي كان يحتمله يحكى عن ابن سيرين أنه ترك لشريك له أربعة آلاف درهم لأنه حاك في قلبه شيء مع اتفاق العلماء على انه لا بأس به فأمثلة هذه الدرجة نذكرها في التعرض لدرجات الشبهة فكل ما هو شبهة لا يجب اجتنابه فهو مثال هذه الدرجة أما الدرجة الثالثة وهي ورع المتقين فيشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم  لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس وقال عمر رضي الله عنه كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام وقيل إن هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما وقال أبو الدرداء إن من تمام التقوى أن يتقى العبد في مثال ذرة حتى يترك بعض ما يرى انه حلال خشية أن يكون حراما حتى يكون حجابا بينه وبين النار ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه ينقصان حبة وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة ليكون ذلك حاجزا من النار ومن هذه الدرجة الاحتراز عما يتسامح به الناس فإن ذلك حلال في الفتوى ولكن يخاف من فتح بابه أن ينجر إلى غيره وتألف النفس الاسترسال وتترك الورع فمن ذلك ما روى عن علي بن معبد انه قال كنت ساكنا في بيت بكراء فكتبت كتابا وأردت أن آخذ من تراب الحائط لأتربه وأجففه ثم قلت الحائط ليس لي فقالت لي نفسي وما قدر تراب من حائط فأخذت من التراب حاجتي فلما نمت فإذا أنا بشخص واقف يقول يا علي بن معبد سيعلم غدا الذي يقول وما قدر تراب من حائط ولعل معنى ذلك انه يرى كيف يحط من منزلته فإن للتقوى درجة تفوت بفوات ورع المتقين وليس المراد به أن يستحق عقوبة على فعله ومن ذلك ما روى أن عمر رضي الله عنه وصله مسك من البحرين فقال وددت لو أن امرأة وزنت حتى أقسمه بين المسلمين فقالت امرأته عاتكة أنا أجيد الوزن فسكت عنها ثم أعاد القول فأعادت الجواب فقال لا أحببت أن تضعيه بكفة ثم تقولين فيها أثر الغبار فتمسحين بها عنقك فأصيب بذلك فضلا على المسلمين وكان يوزن بين يدي عمر بن عبد العزيز مسك للمسلمين فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال وهل ينتفع منه إلا بريحه لما استعبد ذلك منه وأخذ الحسن رضي الله عنه تمرة من تمر الصدقة وكان صغيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم  كخ كخ حديث أخذ الحسن بن علي تمرة من الصدقة وكان ضغيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم  كخ كخ ألقها أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أي ألقها ومن ذلك ما روى بعضهم أنه كان عند محتضر فمات ليلا فقال أطفئوا السراج قد حدث للورثة حق في الدهن وروى سليمان التيمي عن نعيمة العطارة قالت كان عمر رضي الله عنه يدفع إلى امرأته طيبا من طيب المسلمين لتبيعه فباعتني طيبا فجعلت تقوم وتزيد وتنقص وتكسر بأسنانها فتعلق بأصبعها شيء منه فقالت به هكذا بأصبعها ثم مسحت به خمارها فدخل عمر رضي الله عنه فقال ما هذه الرائحة فأخبرته فقال طيب المسلمين تأخذينه فانتزع الخمار من رأسها وأخذ جرة من الماء فجعل يصب على الخمار ثم يدلكه في التراب ثم يشمه ثم يصب الماء ثم يدلكه في التراب ويشمه حتى لم يبق له ريح قالت ثم أتيتها مرة أخرى فلما وزنت علق منه شيء بأصبعها فأدخلت أصبعها في فيها ثم مسحت به التراب فهذا من عمر رضي الله عنه ورع التقوى لخوف أداء ذلك إلى غيره وإلا فغسل الخمار ما كان يعيد الطبيب إلى المسلمين ولكن أتلفه عليها زجرا وردعا واتقاء من أن يتعدى الأمر إلى غيره ومن ذلك ما سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل يكون في المسجد يحمل مجمرة لبعض السلاطين ويبخر المسجد بالعود فقال ينبغي أن يخرج من المسجد فإنه لا ينتفع من العود إلا برائحته وهذا قد يقارب الحرام فإن القدر الذي يعبق بثوبه من رائحة الطيب قد يقصد وقد يبخل به فلان يدري أنه يتسامح به أم لا وسئل أحمد بن حنبل عمن سقطت منه ورقة فيها أحاديث فهل لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها فقال لا بل يستأذن ثم يكتب وهذا أيضا قد يشك في أن صاحبها هل يرضى به أم لا فما هو في محل الشك والأصل تحريمه فهو حرام وتركه من الدرجة الأولى ومن ذلك التورع عن الزينة لأنه يخاف منها أن تدعو إلى غيرها وإن كانت الزينة مباحة في نفسها وقد سئل أحمد بن حنبل عن النعال السبتية فقال أما أنا فلا أستعملها ولكن إن كان للطين فأرجو وأما من أراد الزينة فلا ومن ذلك أن عمر رضي الله عنه لما ولى الخلافة له زوجة يحبها فطلقها خفية أن تشير عليه بشفاعة في باطل فيعطيها ويطلب رضاها وهذا من ترك مالا بأس به مخافة مما به البأس أي مخافة من أن يفضى إليه وأكثر المباحات داعية إلى المحظورات حتى استكثار الأكل واستعمال الطيب للمتعزب فإنه يحرك الشهوة ثم الشهوة تدعو إلى الفكر والفكر يدعو إلى النظر والنظر يدعو إلى غيره وكذلك النظر إلى دور الأغنياء وتجملهم مباح في نفسه ولكن يهيج الحرص ويدعوا إلى طلب مثله ويلزم منه ارتكاب ما لا يحل في تحصيله وهكذا المباحات كلها إذا لم تؤخذ بقدر الحاجة في وقت الحاجة مع التحرز من غوائها بالمعرفة أولا ثم ثانيا فقلما تخلو عاقبتها عن خطر وكذا كل ما أخذ بالشهوة فقلما يخلو عن خطر حتى كره احمد بن حنبل تجصيص الحيطان و قال أما تجصيص الأرض فيمنع التراب وأما تجصيص الحيطان فزينة لا فائدة فيه حتى أنكر تجصيص المساجد وتزيينها واستدل بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم  انه سئل أن يكحل المسجد فقال لاعريش كعريش موسى حديث أنه سئل أن يكحل المسجد فقال لا عريش كعريش موسى أخرجه الدارقطني في الأفراد من حديث أبي الدرداء وقال غريب وإنما هو شيء مثل الكحل يطلى به فلم يرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيه وكره السلف الثوب الرقيق وقالوا من رق ثوبه رق دينه وكل ذلك خوفا من سريان اتباع الشهوات في المباحات إلى غيرها فإن المحظور والمباح تشتهيهما النفس بشهوة واحدة وإذا تعودت الشهوة المسامحة استرسلت فاقتضى خوف التقوى الورع عن هذا كله فكل حلال انفك عن مثل هذه المخافة فهو الحلال الطيب في الدرجة الثالثة وهو كل ما لا يخاف أداؤه إلى معصية ألبتة أما الدرجة الرابعة وهو ورع الصديقين فالحلال عندهم كل ما لا تتقدم في أسبابه معصية ولا يستعان به على معصية ولا يقصد منه في الحال والمآل قضاء وطر بل يتناول لله تعالى فقد وللتقوى على عبادته واستبقاء الحياة لأجله وهؤلاء هم الذين يرون كل ما ليس لله حراما امتثالا لقوله تعالى قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذه رتبة الموحدين المتجردين عن حظوظ أنفسهم المنفردين لله تعالى بالقصد ولا شك في أن من يتورع عما يوصل إليه أو يستعان عليه بمعصية ليتورع عما يقترن بسبب اكتسابه معصية أو كراهية فمن ذلك ما روى عن يحيى بن كثير انه شرب الدواء فقالت له امرأته لو تمشيت في الدار قليلا حتى يعمل الدواء فقال هذه مشية لا أعرفها وأنا أحاسب نفسي منذ ثلاثين سنة فكأنه لم تحضره نية في هذه المشية تتعلق بالدين فلم يجز الإقدام عليها وعن سرى رحمة الله أنه قال انتهيت إلى حشيش في جبل وماء يخرج منه فتناولت من الحشيش وشربت من الماء وقلت في نفسي إن كنت قد أكلت يوما حلالا طيبا فهو هذا اليوم فهتف بي هاتف إن القوة التي أوصلتك إلى هذا الموضع من أين هي فرجعت وندمت ومن هذا ما روى عن ذى النون المصري انه كان جائعا محبوسا فبعثت إليه امرأة صالحة طعاما على يد السجان فلم يأكل ثم اعتذر وقال جاءني على طبق ظالم يعني أن القوة التي أوصلت الطعام إلي لم تكن طيبة وهذه الغاية القصوى في الورع ومن ذلك أن بشرا رحمه الله كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها الأمراء فإن النهر سبب لجريان الماء ووصوله إليه وإن كان الماء مباحا في نفسه فيكون كالمنتفع بالنهر المحفور بأعمال الأجراء وقد أعطوا الأجرة من الحرام ولذلك امتنع بعضهم من العنب الحلال من كرم حلال وقال لصاحبه أفسدته إذ سقيته من الماء الذي يجري في النهر الذي حفرته الظلمة وهذا أبعد عن الظلم من شرب نفس الماء لأنه احتراز من استمداد العنب من ذلك الماء وكان بعضهم إذا مر في طريق الحج لم يشرب من المصانع التي عملتها الظلمة مع أن الماء مباح ولكنه بقي محفوظا بالمصنع الذي عمل به بمال حرام فكأنه انتفاع به وامتناع ذي النون من تناول الطعام من يد السجان أعظم من هذا كله لأن يد السجان لا توصف بأنها حرام بخلاف الطبق المغصوب إذا حمل عليه ولكنه وصل إليه بقوة اكتسبت بالغذاء الحرام ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه من اللبن خيفة من أن يحدث الحرام فيه قوة مع انه شربه عن جهل وكان لا يجب إخراجه ولكن تخلية البطن عن الخبيث من ورع الصديقين ومن ذلك التورع من كسب حلال اكتسبه خياط يخيط في المسجد فإن احمد رحمه الله كره جلوس الخياط في المسجد وسئل عن المغازلي يجلس في قبة في المقابر وفي وقت يخاف من المطر فقال إنما هي من أمر الآخرة وكره جلوسه فيها وأطفأ بعضهم سراجا أسرجه غلامه من قوم يكره ما لهم وامتنع من تسجير تنور للخبز وقد بقي فيه جمر من حطب مكروه وامتنع بعضهم من أن يحكم شسع نعله في مشعل السلطان فهذه دقائق الورع عند سالكى طريق الآخرة والتحقيق فيه أن الورع له أول وهو الامتناع عما حرمته الفتوى وهو ورع العدول وله غاية وهو ورع الصديقين وذلك هو الامتناع من كل ما ليس له مما أخذ بشهوة أو توصل إليه بمكروه أو اتصل بسببه مكروه وبينهما درجات في الاحتياط فكلما كان العبد أشد تشديدا على نفسه كان أخف ظهرا يوم القيامة وأسرع جوازا على الصراط وأبعد عن أن تترجح كفه سيئاته على كفة حسناته وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع كما تتفاوت درجات النار في حق الظلمة بحسب تفاوت درجات الحرام في الخبث وإذا علمت حقيقة الأمر فإليك الخيار فإن شئت فاستكثر من الاحتياط وإن شئت فرخص فلنفسك تحتاط وعلى نفسك ترخص والسلام الباب الثاني في مراتب الشبهات ومثاراتها وتمييزها عن الحلال والحرام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  الحلال بين و الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد أستبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه حديث الحلال بين والحرام بين الحديث متفق عليه من حديث النعمان بن بشير فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها فإن ما لا يعرفه الكثير فقد يعرف القليل فنقول الحلال المطلق هو الذي خلا عن ذاته الصفات الموجبة للتحريم في عينه وانحل عن أسبابه ما تطرق إليه تحريم أو كراهية ومثاله الماء الذي يأخذه الإنسان من المطر قبل أن يقع على ملك أحد يكون هو واقفا عند جمعه وأخذه من الهواء في ملك نفسه أو في أرض مباحة والحرام المحض هو ما فيه صفة محرمة لا يشك فيها كالشدة المطربة في الخمر والنجاسة في البول أو حصل بسبب منهى عنه قطعا كالمحصل بالظلم والربا ونظائره فهذان طرفان ظاهران ويلتحق بالطرفين ما تحقق أمره ولكنه احتمل تغيره ولم يكن لذلك الاحتمال سبب يدل عليه فإن صيد البر والبحر حلال ومن اخذ ظبية فيحتمل أن يكون قد ملكها صياد ثم أفلتت منه وكذلك السمك يحتمل أن يكون قد تزلق من الصياد بعد وقوعه في يده وخريطته فمثل هذا الاحتمال لا يتطرق إلى ماء المطر المختطف من الهواء ولكنه في معنى ماء المطر والاحتراز منه وسواس ولنسم هذا الفن ورع الموسوسين حتى تلتحق به أمثاله وذلك لأن هذا وهم مجرد لا دلالة عليه نعم لو دل عليه دليل فإن كان قاطعا كما لو وجد حلقة في أذن السمكة أو كان محتملا كما لو وجد على الظبية جراحة يحتمل أن يكون كيا لا يقدر عليه إلا بعد الضبط ويحتمل أن يكون جرحا فهذا موضع الورع وإذا انتفت الدلالة من كل وجه فالاحتمال المعدوم دلالته كإحتمال المعدوم في نفسه ومن هذا الجنس من يستعير دارا فيغيب عنه المعير فيخرج ويقول لعله مات وصار الحق للوارث فهذا وسواس إذ لم يدل على موته سبب قاطع أو مشكك إذ الشبهة المحذورة ما تنشأ من الشك و الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين فما لا سبب له لا يثبت عقده في النفس حتى يساوي العقد المقابل له فيصير شكا ولهذا نقول من شك انه صلى ثلاثا أو أربعا اخذ بالثلاث إذ الأصل عدم الزيادة ولو سئل إنسان أن صلاة الظهر التي أداها قبل هذا بعشر سنين كانت ثلاثا أو أربعا لم يتحقق قطعا أنها أربعة وإذا لم يقطع جوز أن تكون ثلاثة وهذا التجويز لا يكون شكا إذ لم يحضره سبب أوجب اعتقاد كونها ثلاثا فلتفهم حقيقة الشك حتى لا يشتبه الوهم و التجويز بغير سبب فهذا يلتحق بالحلال المطلق ويلتحق بالحرام المحض ما تحقق تحريمه وإن أمكن طريان محلل ولكن لم يدل عليه سبب كمن في يدل طعام لمورثه الذي لا وارث له سواه فغاب عنه فقال يحتمل انه مات وقد انتقل الملك إلى فآكله فإقدامه عليه إقدام على حرام محض لأنه احتمال لا مستند له فلا ينبغي أن يعد هذا النمط من أقسام الشبهات وإنما الشبهة نعني بها ما اشتبه علينا أمره بأن تعارض لنا فيه اعتقادان صدرا عن سببين مقتضيين للاعتقادين ومثارات الشبهة خمسة المثار الأول الشك في السبب المحلل والمحرم وذلك لا يخلو إما أن يكون متعادلا أو غلب أحد الاحتمالين فإن تعادل الاحتمالان كان الحكم لما عرف قبله فيستصحب ولا يترك بالشك وإن غلب أحد الاحتمالين عليه بأن صدر عن دلالة معتبرة كان الحكم للغالب ولا يتبين هذا إلا بالأمثال و الشواهد فلنقسمه إلى أقسام أربعة القسم الأول أن يكون التحريم معلوما من قبل ثم يقع الشك في المحل فهذه شبهة يجب اجتنابها ويحرم الإقدام عليها مثاله أن يرمى إلى صيد فيجرحه ويقع في الماء فيصادفه ميتا ولا يدري انه مات بالغرق أو بالجرح فهذا حرام لأن الأصل التحريم إلا إذ مات بطريق معين وقد وقع الشك في الطريق فلا يترك اليقين بالشك كما في الأحداث والنجاسات وركعات الصلاة وغيرها وعلى هذا ينزل قوله صلى الله عليه وسلم  لعدي بن حاتم لا تأكله فلعله قتله غير كلبك حديث لا تأكله فلعله قتله غير كلبك قاله لعدي بن حاتم متفق عليه من حديثه فلذلك كان صلى الله عليه وسلم  إذا أتى بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هدية سأل عنه حتى يعلم أيهما هو حديث كان إذا أتى بشيء اشتبه عليه أنه صدقة أو هبة يسأل عنه أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة وروى انه صلى الله عليه وسلم  أرق ليلة فقالت له بعض نسائه أرقت يا رسول الله فقال أجل وجدت تمرة فخشيت أن تكون من الصدقة حديث انه أرق ليلة فقال له بعض نسائه أرقت يا رسول الله فقال أجل وجدت تمرة فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة أخرجه احمد من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بإسناد حسن وفي رواية فأكلتها فخشيت أن تكون من الصدقة ومن ذلك ما روى عن بعضهم انه قال كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأصابنا الجوع فنزلنا منزلا كثير الضباب فبينا القدور تغلى بها إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمة مسخت من بني إسرائيل أخشى أن تكون هذه فأكفأنا القدور حديث كنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأصابنا الجوع فنزلنا منزلا كثير الضباب فبينا القدور تغلى بها إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمة من بني إسرائيل مسخت فأخاف أن تكون هذه فأكفأنا القدور أخرجه ابن حبان والبيهقي من حديث عبد الرحمن وحسنه وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه حديث ثابت بن زيد نحوه مع اختلاف قال البخاري وحديث ثابت أصح ثم أعمله الله بعد ذلك انه لم يمسخ الله خلقا فجعل له نسلا حديث انه لم يمسخ الله خلقا فجعل له نسلا أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود وكان امتناعه أولا لأن الأصل عدم الحل وشك في كون الذبح محللا القسم الثاني أن يعرف الحل ويشك في المحرم فالأصل الحل وله الحكم كما إذا نكح امرأتين رجلان وطار طائر فقال أحدهما إن كان هذا غرابا فامرأتي طالق وقال الآخر إن لم يكن غرابا فامرأتي طالق والتبس أمر الطائر فلا يقضي بالتحريم في واحدة منهما ولا يلزمهما اجتنابهما ولكن الورع اجتنابهما وتطليقهما حتى يحلا لسائر الأزواج وقد أمر مكحول بالاجتناب في هذه المسئلة وأفتى الشعبي بالاجتناب في رجلين كانا قد تنازعا فقال أحدهما للآخر أنت حسود فقال الآخر احسدنا زوجته طالق ثلاثا فقال الآخر نعم وأشكل الأمر وهذا إن أراد به اجتناب الورع فصحيح وإن أراد التحريم المحقق فلا وجه له إذ ثبت في المياه والنجاسات والأحداث والصلوات أن اليقين لا يجب تركه بالشك وهذا في معناه فإن قلت وأي مناسبة بين هذا وبين ذلك فاعلم انه لا يحتاج إلى المناسبة فإنه لازم من غير ذلك في بعض الصور فإنه مهما تيقن طهارة الماء ثم شك في نجاسته جاز له أن يتوضأ به فكيف لا يجوز أن يشربه وإذا جوز الشرب فقد سلم أن اليقين لا يزال بالشك إلا أن ههنا دقيقة وهو أن وزان الماء أن يشك في انه طلق زوجته أم لا فيقال الأصل انه ما طلق ووزان مسئلة الطائر أن يتحقق نجاسة أحد الإناءين ويشتبه عينه فلا يجوز أن يستعمل أحدهما بغير اجتهاد لأنه قابل يقين النجاسة بيقين الطهارة فيبطل الاستصحاب فكذلك ههنا قد وقع الطلاق على إحدى الزوجين قطعا والتبس عين المطلقة بغير المطلقة فنقول اختلف أصحاب الشافعي في الإناءين على ثلاثة أوجه فقال قوم يستصحب بغير اجتهاد وقال قوم بعد حصول يقين النجاسة في مقابلة يقين الطهارة يجب الاجتناب ولا يغنى الاجتهاد وقال المقتصدون يجتهد وهو الصحيح ولكن وزانه أن تكون له زوجتان فيقول إن كان غرابا فزينب طلق وإن لم يكن فعمرة طالق فلا جرم لا يجوز له غشيانهما بالاستصحاب ولا يجوز الاجتهاد إذ لا علامة ونحرمهما عليه لأنه لو وطئهما كان مقتحما للحرام قطعا وإن وطيء إحداهما وقال أقتصر على هذه كان متحكما بتعيينها من غير ترجيح ففي هذا افترق حكم شخص واحد أو شخصين لأن التحريم على شخص واحد متحقق بخلاف الشخصين إذ كل واحد شك في التحريم في حق نفسه فإن قيل فلو كان الإناء أن لشخصين فينبغي أن يستغنى عن الاجتهاد ويتوضأ كل واحد بإنائه لأنه تيقن طهارته وقد شك الآن فيه فنقول هذا محتمل في الفقه والأرجح في ظني المنع وإن تعدد الشخصين ههنا كاتحاده لأن صحة الوضوء لا تستدعى ملكا بل وضوء الإنسان بماء غيره في رفع الحدث كوضوئه بماء نفسه فلا يتبين لاختلاف الملك واتحاده أثر بخلاف الوطء لزوجة الغير فإنه لا يحل ولأن للعلامات مدخلا في النجاسات والاجتهاد فيه ممكن بخلاف الطلاق فوجب تقوية الاستصحاب بعلامة ليدفع بها قوة يقين النجاسة المقابلة ليقين الطهارة وأبواب الاستصحاب والترجيحات من غوامض الفقه ودقائقه وقد استقصيناه في كتب الفقه ولسنا نقصد الآن إلا التنبيه على قواعدها القسم الثالث أن يكون الأصل التحريم ولكن طرأ ما أوجب تحليله بظن غالب فهو مشكوك فيه والغالب حله فهذا ينظر فيه فإن استند غلبة الظن إلى سبب معتبر شرعا فالذي نختاره فيه أنه يحل وأجتنابه من الورع مثاله أن يرمي إلى صيد فيغيب ثم يدركه ميتا وليس عليه اثر سوى سهمه ولكن يحتمل انه مات بسقطه أو بسبب آخر فإن ظهر عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى التحق بالقسم الأول وقد اختلف قول الشافعي رحمه الله في هذا القسم والمختار انه حلال لان الجرح سبب ظاهر وقد تحقق و الأصل انه لم يطرأ غيره عليه فطريانه مشكوك فيه فلا يدع اليقين بالشك فإن قيل فقد قال ابن عباس كل ما أصميت ودع ما أنميت وروت عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم  بأرنب فقال رميتى فعرفت فيها سمهي فقال أصميت أو أنميت فقال بل أنميت قال إن الليل خلق من خلق الله لا يقدر قدره إلا الذي خلقه فلعله أعان على قتله شيء حديث عائشة أن رجلا أتى النبي بأرنب فقال رميتى عرفت فيها سهمى فقال أصميت أو أنميت قال بل إنميت قال إن الليل خلق من خلق الله لا يقدر قدره إلا الذي خلقه لعله أعان على قتله شيء ليس هذا من حديث عائشة وإنما رواه موسى بن أبي عائشة عن أبي رزين قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم  بصيد فقال إني رميته من الليل فأعياني ووجدت سهمى فيه من الغد وعرفت سهمى فقال الليل خلق من خلق الله عظيم لعله أعانك عليها شيء رواه أبو داود في المراسيل والبيهقي وقال أبو رزين اسمه مسعود والحديث مرسل قاله البخاري وكذلك قال صلى الله عليه وسلم  لعدى بن حاتم في كلبه المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه حديث قال لعدي في كلبه المعلم وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه متفق عليه من حديثه والغالب أن الكلب المعلم لا يسئ خلقه ولا يمسك إلا على صاحبه ومع ذلك نهى عنه وهذا التحقيق وهو أن الحل إنما يتحقق إذا تحقق تمام السبب وتمام السبب بأن يفضى إلى الموت سليما من طريان غيره عليه وقد شك فيه فهو شك في تمام السبب حتى اشتبه أن موته على الحل أو على الحرمة فلا يكون هذا في معنى ما تحقق موته على الحل في ساعته ثم شك فيما يطرأ عليه فالجواب أن نهى ابن عباس ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  محمول على الورع والتنزيه بدليل ما روى في بعض الروايات أنه قال كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثرا غير سهمك حديث كل منه وإن غاب عنك ما لم تجد فيه أثر سهم غيرك متفق عليه من حديث عدي بن حاتم وهذا تنبيه على المعنى الذي ذكرناه وهو انه إن وجد أثرا آخر فقد تعارض السببان بتعارض الظن وإن لم يجد سوى جرحه حصل غلبة الظن فيحكم به على الاستصحاب كما يحكم على الاستصحاب بخبر الواحد والقياس المظنون والعمومات المظنونة وغيرها وأما قول القائل إنه لم يتحقق موته على الحل في ساعة فيكون شكا في السبب فليس كذلك بل السبب قد تحقق إذ الجرح سبب الموت فطربان الغير شك فيه ويدل على صحة هذا الإجماع على أن من جرح وغاب فوجد ميتا فيجب القصاص على جارحه بل إن لم يغب يحتمل أن يكون موته بيهجان خلط في باطنه كما يموت الإنسان فجأة فينبغي أن لا يجب القصاص إلا بحز الرقبة والجرح المذفف لأن العلل القاتلة في الباطن لا تؤمن ولأجلها يموت الصحيح فجأة ولا قائل بذلك مع أن القصاص مبناه على الشبهة وكذلك جنين المذكاة حلال ولعله مات قبل ذبح الأصل لا بسبب ذبحه أو لم ينفخ فيه الروح وغرة الجنين تجب ولعل الروح لم ينفخ فيه أو كان قد مات قبل الجناية بسبب آخر ولكن يبنى على الأسباب الظاهرة فإن الاحتمال الآخر إذا لم يستند إلى دلالة تدل عليه التحق بالوهم والوسواس كما ذكرناه فكذلك هذا وأما قوله صلى الله عليه وسلم  أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه فللشافعي رحمه الله في هذه الصورة قولان والذي نختاره الحكم بالتحريم لأن السبب قد تعارض إذ الكلب المعلم كالآلة والوكيل يمسك على صاحبه فيحل ولو استرسل المعلم بنفسه فأخذ لم يحل لأنه يتصور منه أن يصطاد لنفسه ومهما انبعث بإشارته ثم أكل دل ابتداء انبعاثه على انه نازل منزلة آلته وأنه يسعى في وكالته ونيابته ودل أكله آخرا على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه فقد تعارض السبب الدال فيتعارض الاحتمال والأصل التحريم فيستصحب ولا يزال بالشك وهو كما لو وكل رجلا بأن يشتري له جارية فاشترى له جارية ومات قبل أن يبين انه اشتراها لنفسه أو لموكله يحل للموكل وطؤها لأن للوكيل قدرة على الشراء لنفسه ولموكله جميعا ولا دليل مرجح والأصل التحريم فهذا يلتحق بالقسم الأول لا بالقسم الثالث القسم الرابع أن يكون الحل معلوما ولكن يغلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن شرعا فيرفع الاستصحاب ويقضى بالتحريم إذ بان لنا أن الاستصحاب ضعيف ولا يبقي له حكم مع غالب الظن ومثاله أن يؤدي اجتهاده إلى نجاسة أحد الإناءين بالاعتماد على علامة معينة توجب غلبة الظن فتوجب تحريم شربه كما أوجبت منع الوضوء به وكذا إذا قال إن قتل زيد عمرا أو قتل زيد صيدا منفردا بقتله فامرأتي طالق فجرحه وغاب عنه فوجد ميتا حرمت زوجته لأن الظاهر انه منفرد بقتله كما سبق وقد نص الشافعي رحمه الله أن من وجد في الغدران ماء متغيرا احتمل أن يكون تغيره بطول المكث أو بالنجاسة فيستعمله ولو رأى ظبية بالت فيه ثم وجده متغيرا واحتمل أن يكون بالبول أو بطول المكث لم يجز استعماله إذ صار البول المشاهد دلالة مغلبة لاحتمال النجاسة وهو مثال ما ذكرناه وهذا في غلبة ظن استند إلى علامة متعلقة بعين الشيء فأما غلبة الظن لا من جهة علامة تتعلق بعين الشيء فقد اختلف قول الشافعي رضي الله عنه في أن اصل الحل هل يزال به إذا اختلف قوله في التوضؤ من أواني المشركين ومدمن الخمر والصلاة في المقابر المنبوشة والصلاة مع طين الشوارع أعنى المقدار الزائد على ما يتعذر الاحتراز عنه وعبر الأصحاب عنه بأنه إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يعتبر وهذا جار في حل الشرب من أواني مدمن الخمر والمشركين لأن النجس لا يحل شربه فإذن مأخذ النجاسة والحل واحد فالتردد في أحدهما يوجب التردد في الآخر والذي أختاره أن الأصل هو المعتبر وأن العلامة إذا لم تتعلق بعين المتناول لم توجب رفع الأصل وسيأتي بيان ذلك وبرهانه في المثار الثاني للشبهة وهي شبهة الخلط فقد أتضح من هذا حكم حلال شك في طريان محرم عليه أو ظن وحكم حرام شك في طريان محلل عليه أو ظن وبان الفرق بين ظن يستند إلى علامة في عين الشيء وبين ما لا يستند إليه وكل ما حكمنا في هذه الأقسام الأربعة بحله فهو حلال في الدرجة الأولى والاحتياط تركه فالمقدم عليه لا يكون من زمرة المتقين والصالحين بل من زمرة العدول الذين لا يقضى في فتوى الشرع بفسقهم وعصيانهم واستحقاقهم العقوبة إلا ما ألحقناه برتبة الوسواس فإن الاحتراز عنه ليس من الورع أصلا المثار الثاني للشبهة شك منشؤه الاختلاط وذلك بأن يختلط الحرام بالحلال ويشتبه الأمر ولا يتميز والخلط لا يخلو إما أن يقع بعدد لا يحصر من الجانبين أو من أحدهما أو بعدد محصور فإن اختلط بمحصور فلا يخلو إما أن يكون اختلاط امتزاج بحيث لا يتميز بالإشارة كاختلاط المائعات أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان كاختلاط الأعبد والدور والأفراس والذي يختلط بالاستيهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض أو لا يقصد كالنقود فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام القسم الأول أن تستبهم العين بعدد محصور كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو بعشر مذكيات أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشيء الواحد فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم كما لو أوقع الطلاق على إحدى زوجتين في مسئلة الطائر أو يختلط قبل الاستحلال كما لو اختلطت رضيعة بأجنبية فأراد استحلال واحدة وهذا قد يشكل في طريان التحريم كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب وقد نبهنا على وجه الجواب وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل فضعف الاستصحاب وجانب الحظر أغلب في نظر الشرع فلذلك ترجح وهذا إذا اختلط حلال محصور بحرام محصور فإن اختلط حلال محصور بحرام غير محصور فلا يخفي أن وجوب الاجتناب أولى القسم الثاني حرام محصور بحلال غير محصور كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد بل له أن ينكح من شاء منهن وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ولا قائل به بل العله الغلبة والحاجة جميعا إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك حرج وما في الدين من حرج ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم  مجن حديث سرقه المجن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم  متفق عليه من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم وغل واحد في الغنيمة عباءة حديث غل واحد من الغنائم عباءة رواه البخاري من حديث عبد الله ابن عمر واسم الغال كركرة لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء في الدنيا وكذلك كل ما سرق وكذلك كان يعرف أن في الناس من يربى في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا الناس الدراهم والدنانير بالكلية حديث إن في الناس من كان يربى في الدراهم والدنانير وما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا الناس الدراهم بالكلية هذا معروف وسيأتي حديث جابر بعده بحديث وهو يدل على ذلك وبالجملة إنما تنفك الدنيا عن الحرام إذا عصم الخلق كلهم عن المعاصي وهو محال وإذا لم يشترط هذا في الدنيا لم يشترط أيضا في بلد إلا إذا وقع بين جماعة محصورين بل اجتناب هذا من ورع الموسوسين إذا لم ينقل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا عن أحد من الصحابة ولا يتصور الوفاء به في ملة من الملل ولا في عصر من الأعصار فإن قلت فكل عدد محصور في علم الله فما حد المحصور ولو أراد الإنسان أن يحصر أهل بلد لقدر عليه أيضا إن تمكن منه فاعلم أن تحديد أمثال هذه الأمور غير ممكن وإنما يضبط بالتقريب فنقول كل عدد لو اجتمع على صعيد واحد لعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف والألفين فهو غير محصور وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور وبين الطرفين أوساط متشابهة تحلق بأحد الطرفين بالظن وما وقع الشك فيه أستفتى فيه القلب فإن الإثم حزاز القلوب وفي مثل هذا المقام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لوابصة استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك حديث استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك قاله لوابصة تقدم وكذا الأقسام الأربعة التي ذكرناها في المثال الأول يقع فيها أطراف متقابلة واضحة في النفي والإثبات وأوساط متشابهة فالمفتى يفتى بالظن وعلى المستفتي أن يستفتي قلبه فإن حاك في صدره شيء فهو الإثم بينه وبين الله فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي فإنه يفتي بالظاهر والله يتولى السرائر القسم الثالث أن يختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال في زماننا هذا فالذي يأخذ الأحكام من الصور قد يظن أن نسبة غير المحصور إلى غير المحصور كنسبة المحصور إلى المحصور وقد حكمنا ثم بالتحريم فلنحكم هنا به والذي نختاره خلاف ذلك وهو أنه لا يحرم بهذا الاختلاط أن يتناول شيء بعينه احتمل انه حرام وأنه حلال إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على انه من الحرام فإن لم يكن في العين علامة تدل على أنه من الحرام فتركه ورع وأخذه حلال لا يفسق به آكله ومن العلامات أن يأخذه من يد سلطان ظالم إلى غير ذلك من العلامات التي سيأتي ذكرها ويدل عليه الأثر والقياس فأما الأثر فما علم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم  والخلفاء الراشدين بعده إذ كانت أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدي أهل الذمة مختلطة بالأموال وكذا غلول الأموال وكذا غلول الغنيمة ومن الوقت الذي نهى صلى الله عليه وسلم  عن الربا إذ قال أول ربا أضعه ربا العباس حديث أول ربا أضعه ربا العباس أخرجه مسلم من حديث جابر ما ترك الناس الربا بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمور وسائر المعاصي حتى روى أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  باع الخمر فقال عمر رضي الله عنه لعن الله فلاناهو أول من سن بيع الخمر إذ لم يكن قد فهم أن تحريم الخمر تحريم لثمنها وقال صلى الله عليه وسلم  إن فلانا يجر في النار عباءة قد غلها حديث إن فلانا في النار يجر عباءة قد غلها رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمر وتقدم قبله بثلاثة أحاديث وقتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزات من خرز اليهود لا تساوي درهمين قد غلها حديث قتل رجل ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين قد غله رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث زيد بن خالد الجهني وكذلك أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع في السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب يزيد ثلاثة أيام وكان من يمتنع من تلك الأموال مشارا إليه في الورع والأكثرون لم يمتنعوا مع الاخلاط وكثرة الأموال المنهوبة في أيام الظلمة ومن أوجب ما لم يوجبه السلف الصالح وزعم أنه تفطن من الشر ما لم يتفطنوا له فهو موسوس مختل العقل ولو جاز أن يزاد عليهم في أمثال هذا لجاز مخالفتهم في مسائل لا مستند فيها سوى اتفاقهم كقولهم إن الجدة كالأم في التحريم وابن الابن كالابن وشعر الخنزير وشحمه كاللحم المذكور تحريمه في القرآن والربا جار فيما عدا الاشياء الستة وذلك محال فإنهم أولى بفهم الشرع من غيرهم وأما القياس فهو أنه لو فتح هذا الباب لانسد باب جميع التصرفات وخرب العالم إذ الفسق يغلب على الناس ويتساهلون بسببه في شروط الشرع في العقود ويؤدي ذلك لا محالة إلى الاختلاط فإن قيل قد نقلتم أنه صلى الله عليه وسلم  امتنع من الضب وقال أخشى أن يكون مما مسخه الله وهو في اختلاط غير المحصور قلنا يحمل ذلك على التنزه والورع أو نقول الضب شكل غريب ربما يدل على أنه من المسخ فهي دلالة في عين المتناول فإن قيل هذا معلوم في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم  وزمان الصحابة بسبب الربا والسرقة والنهب وغلوك الغنيمة وغيرها ولكن كانت هي الأقل بالإضافة إلى الحلال فما تقول في زماننا وقد صار الحرام أكثر ما في أيدي الناس لفساد المعاملات وإهمال شروطها وكثرة الربا وأموال السلاطين الظلمة فمن أخذ مالا لم يشهد عليه علامة معينة في عينه للتحريم فهل هو حرام أم لا فأقول ليس ذلك حراما وإنما الورع تركه وهذا الورع أهم من الورع إذا كان قليلا ولكن الجواب عن هذا أن قول القائل أكثر الأموال حرام في زماننا غلط محض ومنشؤه الغفلة عن الفرق بين الكثير والأكثر فأكثر الناس بل أكثر الفقهاء يظنون أن ما ليس بنادر فهو الأكثر ويتوهمون أنهما قسمان متقابلان ليس بينهما ثالث وليس كذلك بل الأقسام ثلاثة قليل وهو النادر وكثير وأكثر ومثاله أن الخنثى فيما بين الخلق نادر وإذا أضيف إليه المريض وجد كثيرا وكذا السفر حتى يقال المرض والسفر من الأعذار العامة والاستحاضة من الأعذار النادرة ومعلوم أن المرض ليس بنادر وليس بالأكثر أيضابل هو كثير والفقيه إذا تساهل وقال المرض والسفر غالب وهو عذر عام أراد به أنه ليس بنادر فإن لم يرد هذا فهو غلط والصحيح والمقيم هو الأكثر والمسافر والمريض كثير والمستحاضة والخنثى نادر فإذا فهم هذا فنقول : قول القائل الحرام أكثر باطل لأن مستند هذا القائل إما أن يكون كثرة الظلمة والجندية أو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة أو كثرة الأيدي التي تكررت من أول الإسلام إلى زماننا هذا على أصول الأموال الموجودة اليوم أما المستند الأول فباطل فإن الظالم كثير وليس هو بالأكثر فإنهم الجندية إذ لا يظلم إلا ذو غلبة وشوكة وهم إذا أضيفوا إلى كل العالم لم يبلغوا عشر عشيرهم فكل سلطان يجتمع عليه من الجنود مائة ألف مثلا فيملك إقليمايجمع ألف ألف وزيادة ولعل بلدة واحدة من بلاد مملكته يزيد عددها على جميع عسكره ولو كان عدد السلاطين أكثر من عدد الرعايا لهلك الكل إذ كان يجب على كل واحد من الرعية أن يقوم بعشرة منهم مثلا مع تنعمهم في المعيشة ولا يتصور ذلك بل كفاية الواحد كان منهم تجمع من ألف من الرعية وزيادة وكذا القول في السراق فإن البلدة الكبيرة تشتمل منهم على قدر قليل وأما المستند الثاني وهو كثرة الربا والمعاملات الفاسدة فهي أيضا كثيرة وليست بالأكثر إذ أكثر المسلمين يتعاملون بشروط الشرع فعدد هؤلاء أكثر والذي يعامل بالربا أو غيره فلو عددت معاملاته وحده لكان عدد الصحيح منها يزيد على الفاسد إلا أن يطلب الإنسان بوهمه في البلد مخصوصا بالمجانة والخبث وقلة الدين حتى يتصور أن يقال معاملاته الفاسدة أكثر ومثل ذلك المخصوص نادر وإن كان كثيرا فليس بالأكثر لو كان كل معاملاته فاسدة كيف ولا يخلو هو أيضا عن معاملات صحيحة تساوي الفاسدة أو تزيد عليها وهذا مقطوع به لمن تأمله وإنما غلب هذا على النفوس لاستكثار النفوس الفساد واستبعادها إياه واستعظامها له وإن كان نادراحتى ربما يظن أن الربا وشرب الخمر قد شاع كما شاع الحرام فيتخيل أنهم الأكثرون وهو خطأ فإنهم الأقلون وإن كان فيهم كثرة وأما المستند الثالث وهو أخيلها أن يقال الأموال إنما تحصل من المعادن والنبات والحيوان والنبات والحيوان حاصلان بالتوالد فإذا نظرنا إلى شاة مثلا وهي تلد في كل سنة فيكون عدد أصولها إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم  قريبا من خمسمائة ولا يخلو هذا أن يتطرق إلى أصل من تلك الأصول غصب أو معاملة فاسدة فكيف يقدر أن تسلم أصولها عن تصرف باطل إلى زماننا هذا وكذا بذور الحبوب والفواكه تحتاج إلى خمسمائة أصل أو ألف أصل مثلا إلى أول زمان الشرع ولا يكون هذا حلالا ما لم يكن أصله وأصل أصله كذلك إلى أول زمان النبوة حلالا وأما المعادن فهي التي يمكن نيلها على سبيل الابتداء وهي أقل الأموال وأكثر ما يستعمل منها الدراهم والدنانير ولا تخرج إلا من دار الضرب وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم يمنعون الناس منها ويلزمون الفقراء إستخراجها بالأعمال الشاقة ثم يأخذونها منهم غصبا فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد ولا ظلم وقت النيل ولا وقت الضرب في دار الضرب ولا بعده في معاملات الصرف والربا بعيد نادر أو محال فلا يبقي إذن حلال إلا الصيد والحشيش في الصحارى الموات والمفاوز والحطب المباح ثم من يحصله لا يقدر على أكله فيفتقر إلى أن يشتري به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالإستنبات والتوالد فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام فهذا هو أشد الطرق تخيلا والجواب أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال فخرج عن النمط الذي نحن فيه والتحق بما ذكرناه من قبل وهو تعارض الأصل والغالب إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات وجواز التراضي عليها وقد عارضه سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيصاهي هذا محل القولين للشافعي رضي الله عنه في حكم النجاسات والصحيح عندنا أنه تجوز الصلاة في الشوارع إذا لم يجد فيها نجاسة فإن طين الشوارع طاهر وأن الوضوء من أواني المشركين جائز وأن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة فثبت هذا أولاثم نقيس ما نحن فيه عليه ويدل على ذلك توضؤ رسول الله صلى الله عليه وسلم  من مزادة مشركة وتوضؤ عمر رضي الله عنه من جرة نصرانية مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ولا يحترزون عما نجسه شرعنا فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم بل نقول نعلم قطعا أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة ومن تأمل أحول الدباغين والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة وأن الطهارة في تلك الثياب محال أو نادر بل نقول نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا يغسلونه مع أنه يداس بالبقر والحيوانات وهي تبول عليه وتروث وقلما يخلص منها وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق وما كانوا يغسلون ظهورها مع كثرة تمرغها في النجاسات بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة قد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها وما كان يحترز عنها وكانوا يمشون حفاة في الطرق وبالنعال ويصلون معها ويجلسون على التراب ويمشون في الطين من غير حاجة وكانوا لا يمشون في البول والعذرة ولا يجلسون عليهما ويستنزهون منه ومتى تسلم الشوارع عن النجاسات مع كثرة الكلاب وأبوالها وكثرة الدواب وأرواثها ولا ينبغي أن نظن أن الأعصار أو الأمصار تختلف في مثل هذا حتى يظن أن الشوارع كانت تغسل في عصرهم أو كانت تحرس من الدواب هيهات فذلك معلوم استحالته بالعادة قطعا فدل على أنهم لم يحترزوا إلا من نجاسة مشاهدة أو علامة على النجاسة دالة على العين فأما الظن الغالب الذي يستثار من رد الدراهم إلى مجاري الأحوال فلم يعتبروه وهذا عند الشافعي رحمه الله وهو يرى أن الماء القليل ينجس من غير تغير واقع إذ لم يزل الصحابة يدخلون الحمامات ويتوضئون من الحياض وفيها المياه القليلة والأيدي المختلفة تغمس فيها على الدوام وهذا قاطع في هذا الغرض ومهما ثبت جواز التوضؤ من جرة نصرانية ثبت جواز شربه والتحق حكم الحل بحكم النجاسة فإن قيل لا يجوز قياس الحل على النجاسة إذ كانوا يتوسعون في أمور الطهارات ويحترزون من شبهات الحرام غاية التحرز فكيف يقاس عليها قلنا إن أريد به أنهم صلوا معها مع النجاسة والصلاة معصية وهي عماد الدين فبئس الظن بل يجب أن نعتقد فيهم أنهم احترزوا عن كل نجاسة وجب اجتنابها وإنما تسامحوا حيث لم يجب وكان في محل تسامحهم هذه الصورة التي تعارض فيها الأصل والغالب فبان أن الغالب الذي لا يستند إلى علامة تتعلق بعين ما فيه النظر مطرح وأما تورعهم في الحلال فكان بطريق التقوى وهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس لأن أمر الأموال مخوف والنفس تميل إليها إن لم تضبط عنها وأمر الطهارة ليس كذلك فقد امتنع طائفة منهم عن الحلال المحض خيفة أن يشغل قلبه وقد حكى عن واحد منهم أنه احترز من الوضوء بماء البحر وهو الطهور المحض فالافتراق في ذلك لا يقدح في الغرض الذي أجمعنا فيه على أنا نجري في هذا المستند على الجواب الذي قدمنا في المستندين السابقين ولا نسلم ما ذكروه من أن الأكثر هو الحرام لأن المال وإن كثرت أصوله فليس بواجب أن يكون في أصوله حرام بل الأموال الموجودة اليوم مما تطرق الظلم إلى أصول بعضها دون بعض وكما أن الذي يبتدأ غصبه اليوم هو الأقل بالإضافة إلى ما لا يغصب ولا يسرق فهكذا كل مال في كل عصر وفي كل أصل فالمغصوب من مال الدنيا والمتناول في كل زمان بالفساد بالإضافة إلى غيره أقل ولسنا ندري أن هذا الفرع بعينه من أي القسمين فلا نسلم أن الغالب تحريمه فإنه كما يزيد المغصوب بالتوالد يزيد غير المغصوب بالتوالد فيكون فرع الأكثر لا محالة في كل عصر وزمان أكثر بل الغالب أن الحبوب المغصوبة تغصب للأكل لا للبذر وكذا الحيوانات المغصوبة أكثرها يؤكل ولا يقتني للتوالد فكيف يقال إن فروع الحرام أكثر ولم تزل أصول الحلال أكثر من أصول الحرام وليتفهم المسترشد من هذا طريق معرفة الأكثر فإنه مزلة قدم وأكثر العلماء يغلطون فيه فكيف العوام هذا في المتولدات من الحيوانات والحبوب فأما المعادن فإنها مخلاة مسبلة يأخذها في بلاد الترك وغيرها من شاء ولكن قد يأخذ السلاطين بعضها منهم أو يأخذون الأقل لا محالة لا الأكثر ومن حاز من السلاطين معدنا فظلمه يمنع الناس منه فأما ما يأخذه الآخذ منه فيأخذه من السلطان بأجرة والصحيح أنه يجوز الاستنابة في إثبات اليد على المباحات والاستئجار عليها فالمستأجر على الاستقاء إذا حاز الماء دخل في ملك المستقى له واستحق الأجرة فكذلك النيل فإذا فرعنا على هذا لم تحرم عين الذهب إلا أن يقدر ظلمه بنقصان أجرة العمل وذلك قليل بالإضافة ثم لا يوجب تحريم عين الذهب بل يكون ظالما ببقاء الأجرة في ذمته وأما دار الضرب فليس الذهب الخارج منها من أعيان ذهب السلطان الذي غصبه وظلم به الناس بل التجار يحملون إليهم الذهب المسبوك أو النقد الرديء ويستأجرونهم على السبك والضرب ويأخذون مثل وزن ما سلموه إليهم إلا شيئا قليلا يتركونه أجرة لهم على العمل وذلك جائز وإن فرض دنانير مضروبة من دنانير السلطان فهو بالإضافة إلى مال التجار أقل لا محالة نعم السلطان يظلم أجراء دار الضرب بأن يأخذ منهم ضريبة لأنه خصصهم بها من بين سائر الناس حتى توفر عليهم مال بحشمة السلطان فما يأخذه السلطان عوض من حشمته وذلك من باب الظلم وهو قليل بالإضافة إلى ما يخرج من دار الضرب فلا يسلم لأهل دار الضرب والسلطان من جملة ما يخرج منه من المائة واحد وهو عشر العشير فكيف يكون هو الأكثر فهذه أغاليط سبقت إلى القلوب بالوهم وتشمر لتزيينها جماعة ممن رق دينهم حتى قبحوا الورع وسدوا بابه واستقبحوا تمييز من يميز بين مال ومال وذلك عين البدعة والضلال فإن قيل : فلو قدر غلبة الحرام وقد اختلط غير محصور بغير محصور فماذا تقولون فيه إذا لم يكن في العين المتناولة علامة خاصة فنقول الذي نراه أن تركه ورع وأن أخذه ليس بحرام لأن الأصل الحل ولا يرفع إلا بعلامة معينة كما في طين الشوارع ونظائرها بل أزيد وأقول لو طبق الحرام الدنيا حتى علم يقينا أنه لم يبق في الدنيا حلال لكنت أقول نستأنف تمهيد الشروط من وقتنا ونعفو عما سلف ونقول ما جاوز حده انعكس إلى ضده فمهما حرم الكل حل الكل وبرهانه أنه إذا وقعت هذه الواقعة فالاحتمالات خمسة أحدها أن يقال يدع الناس الأكل حتى يموتوا من عند آخرهم الثاني أن يقتصروا منها على قدر الضرورة وسد الرمق يزجون عليها أياما إلى الموت الثالث أن يقال يتناولون قدر الحاجة كيف شاءوا سرقة وغصبا وتراضيا من غير تمييز بين مال ومال وجهة وجهة الرابع أن يتبعوا شروط الشرع ويستأنفوا قواعده من غير اقتصار على قدر الحاجة الخامس أن يقتصروا مع شروط الشرع على قدر الحاجة أما الأول فلا يخفى بطلانه وأما الثاني فباطل قطعا لأنه إذا اقتصر الناس على سد الرمق وزجوا أوقاتهم على الضعف فشا فيهم الموتان وبطلت الأعمال والصناعات وخربت الدنيا بالكلية وفي خراب الدنيا خراب الدين لأنها مزرعة الآخرة وأحكام الخلافة والقضاء والسياسات بل أكثر أحكام الفقه مقصودها حفظ مصالح الدنيا ليتم بها مصالح الدين وأما الثالث وهو الاقتصار على قدر الحاجة من غير زيادة عليه مع التسوية بين مال ومال بالغضب والسرقة والتراضي وكيفما اتفق فهو رفع لسد الشرع بين المفسدين وبين أنواع الفساد فتمتد الأيدي بالغصب والسرقة وأنواع الظلم ولا يمكن زجرهم منه إذ يقولون ليس يتميز صاحب اليد باستحقاق عنا فإنه حرام عليه وعلينا وذو اليد له قدر الحاجة فقط فإن كان هو محتاجا فإنا أيضا محتاجون وإن كان الذي أخذته في حقي زائدا على الحاجة فقد سرقته ممن هو زائد على حاجته يومه وإذا لم يراع حاجة اليوم والسنة فما الذي نراعي وكيف يضبط وهذا يؤدي إلى بطلان سياسة الشرع وإغراء أهل الفساد بالفساد فلا يبقى إلا الاحتمال الرابع وهو أن يقال كل ذي يد على ما في يده وهو أولى به لا يجوز أن يؤخذ منه سرقة وغصبا بل يؤخذ برضاه والتراضي هو طريق الشرع وإذ لم يجز إلا بالتراضي فللتراضي أيضا منهاج في الشرع تتعلق به المصالح فإن لم يعتبر فلم يتعين أصل التراضي وتعطل تفصيله وأما الاحتمال الخامس وهو الاقتصار على قدر الحاجة مع الاكتساب بطريق الشرع من أصحاب الأيدي فهو الذي نراه لائقا بالورع لمن يريد سلوك طريق الآخر ولكن لا وجه لإيجابه على الكافة ولا لإدخاله في فتوى العامة لأن أيدي الظلمة تمتد إلى الزيادة على قدر الحاجة في أيدي الناس وكذا أيدي السراق وكل من غلب سلب وكل من وجد فرصة سرق ويقول لا حق له إلا في قدر الحاجة وأنا محتاج ولا يبقى إلا أن يجب على السلطان أن يخرج كل زيادة على قدر الحاجة من أيدي الملاك ويستوعب بها أهل الحاجة ويدر على الكل الأموال يوما فيوما أو سنة فسنة وفيه تكليف شطط وتضييع أموال أما تكليف الشطط فهو أن السلطان لا يقدر على القيام بهذا مع كثرة الخلق بل لا يتصور ذلك أصلا وأما التضييع فهو أن ما فضل عن الحاجة من الفواكه واللحوم والحبوب ينبغي أن يلقى في البحر أو يترك حتى يتعفن فإن الذي خلقه الله من الفواكه والحبوب زائد عن قدر توسع الخلق وترفههم فكيف على قدر حاجتهم ثم يؤدي ذلك إلى سقوط الحج والزكاة والكفارات المالية وكل عبادة نيطت بالغنى عن الناس إذا أصبح الناس لا يملكون إلا قدر حاجتهم وهو في غاية القبح بل أقول لو ورد نبي في مثل هذا الزمان لوجب عليه أن يستأنف الأمر ويمهد تفصيل أسباب الأملاك بالتراضي وسائر الطرق ويفعل ما يفعله لو وجد جميع الأموال حلالا من غير فرق وأعني بقولي يجب عليه إذا كان النبي ممن بعث لمصلحة الخلق في دينهم ودنياهم إذ لا يتم الصلاح برد الكافة إلى قدر الضرورة والحاجة إليه فإن لم يبعث للصلاح لم يجب هذا ونحن نجوز أن يقدر الله سببا يهلك به الخلق عن آخرهم فيفوت دنياهم ويضلون في دينهم فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويميت من يشاء ويحيي من يشاء ولكنا نقدر الأمر جاريا على ما ألف من سنة الله تعالى في بعثة الأنبياء لصلاح الدين والدنيا وما لي أقدر هذا وقد كان ما أقدره فلقد بعث الله نبينا صلى الله عليه وسلم  على فترة من الرسل وكان شرع عيسى عليه السلام قد مضى عليه قريب من ستمائة سنة والناس منقسمون إلى مكذبين له من اليهود وعبدة الأوثان وإلى مصدقين له قد شاع الفسق فيهم كما شاع في زماننا الآن والكفار مخاطبون بفروع الشريعة والأموال كانت في أيدي المكذبين له والمصدقين أما المكذبون فكانوا يتعاملون بغير شرع عيسى عليه السلام وأما المصدقون فكان يتساهلون مع أصل التصديق كما يتساهل الآن المسلمون مع أن العهد بالنبوة أقرب فكانت الأموال كلها أو أكثرها أو كثير منها حراما صلى الله عليه وسلم  وعفا عما سلف ولم يتعرض له وخصص أصحاب الأيدي بالأموال ومهد الشرع وما ثبت تحريمه في شرع لا ينقلب حلالا لبعثة رسول ولا ينقلب حلالا بأن بسلم الذي في يده الحرام فإنا لا نأخذ في الجزية من أهل الذمة ما نعرفه بعينه أنه ثمن خمر أو مال ربا فقد كانت أموالهم في ذلك الزمان كأموالنا الآن وأمر العرب كان أشد لعموم النهب والغارة فيهم فبان أن الاحتمال الرابع متعين في الفتوى والاحتمال الخامس هو طريق الورع بل تمام الورع الاقتصار في المباح على قدر الحاجة وترك التوسع في الدنيا بالكلية وذلك طريق الاخرة ونحن الآن نتكلم في الفقه المنوط بمصالح الخلق وفتوى الظاهر له حكم ومنهاج على حسب مقتضى المصالح وطريق الدين الذي لا يقدر على سلوكه إلا الآحاد ولو اشتغل الخلق كلهم به لبطل النظام وخرب العالم فإن ذلك طلب ملك كبير في الآخرة ولو اشتغل كل الخلق بطلب ملك الدنيا وتركوا الحرف الدنيئة والصناعات الخسيسة لبطل النظام ثم يبطل ببطلانه الملك أيضا فالمحترفون إنما سخروا لينتظم الملك للملوك وكذلك المقبلون على الدنيا سخروا ليسلم طريق الدين لذوي الدين وهو ملك الآخرة ولولاه لما سلم لذوي الدين أيضا دينهم فشرط سلامة الدين لهم أن يعرض الأكثرون عن طريقهم ويشتغلوا بأمور الدنيا وذلك قسمة سبقت بها المشيئة الأزلية وإليه الإشارة بقوله تعالى : نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فإن قيل : لا حاجة إلى تقدير عموم التحريم حتى لا يبقى حلال فإن ذلك غير واقع وهو معلوم ولا شك في أن البعض حرام وذلك البعض هو الأقل أو الأكثر فيه نظر وما ذكرتموه من أنه الأقل بالإضافة إلى الكل جلي ولكن لا بد من دليل محصل على تجويزه ليس من المصالح المرسلة وما ذكرتموه من التقسيمات كلها مصالح مرسلة فلا بد لها من شاهد معين تقاس عليه حتى يكون الدليل مقبولا بالاتفاق فإن بعض العلماء لا يقبل المصالح المرسلة فأقول : إن سلم أن الحرام هو الأقل فيكفينا برهانا عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم  والصحابة مع وجود الربا والسرقة والغلول والنهب وإن قدر زمان يكون الأكثر الحرام هو فيحل التناول أيضا فبرهانة ثلاثة أمور : الأول التقسيم الذي حصرناه وأبطلنا منه أربعة وأثبتنا القسم الخامس فإن ذلك إذا أجرى فيما إذا كان الكل حراما كان أحرى فيما إذا كان الحرام هو الأكثر أو الأقل وقول القائل هو مصلحة مرسلة : هوس فإن ذلك إنما تخيل من تخيله في أمور مظنونة وهذا مقطوع به فإنا لا نشك في أن مصلحة الدين والدنيا مراد الشرع وهو معلوم بالضرورةإلى وليس بمظنون ولا شك في أن رد كافة الناس إلى قدر الضرورة أو الحاجة أو الحشيش والصيد مخرب للدنيا أولا وللدين بواسطة الدنيا ثانيا فما لا يشك فيه لا يحتاج إلى أصل يشهد له وإنما يستشهد على الخيالات المظنونة المتعلقة بآحاد الأشخاص البرهان الثاني أن يعلل بقياس محرر مردود إلى أصل يتفق الفقهاء الآنسون بالأقيسة الجزئية عليه وإن كانت الجزئيات مستحقرة عند المحصلين بالإضافة إلى مثل ما ذكرناه من الأمر الكلي الذي هو ضرورة النبي لو بعث في زمان عم التحريم فيه حتى لو حكم بغيره لخرب العالم والقياس المحرر الجزئي هو أنه قد تعارض أصل وغالب فيما انقطعت فيه العلامات المعينة من الأمور التي ليس محصورة فيحكم بالأصل لا بالغالب قياسا على طين الشوارع وجرة النصرانية وأواني المشركين وذلك قد أثبتناه من قبل بفعل الصحابة وقولنا انقطعت العلامات المعينة احتراز عن الأواني التي يتطرق الاجتهاد إليها وقولنا ليست محصورةاحتراز عن التباس الميتة والرضيعة بالذكية والأجنبية فإن قيل : كون الماء طهورا مستيقن وهو الأصل ومن يسلم أن الأصل في الأموال الحل بل الأصل فيها التحريم فنقول : الأمور لا تحرم لصفة في عينها حرمة الخمر والخنزير خلقت على صفة تستعد لقبول المعاملات بالتراضي كما خلق الماء مستعدا للوضوء وقد وقع الشك في بطلان هذا الاستعداد منهما فلا فرق بين الأمرين فإنها تخرج عن قبول المعاملة بالتراضي بدخول الظلم عليها كما يخرج الماء عن قبول الوضوء بدخول النجاسة عليه ولا فرق بين الأمرين والجواب الثاني : أن اليد دلالة ظاهرة دالة على الملك نازلة منزلة الاستصحاب وأقوى منه بدليل أن الشرع الحقه به إذ من ادعى عليه دين فالقول قوله لأن الأصل براءة ذمته وهذا استصحاب ومن ادعى عليه ملك في يده فالقول أيضا قوله إقامة لليد مقام الاستصحاب فكل ما وجد في يد إنسان فالأصل أنه ملكه ما لم يدل على خلافه علامة معينة البرهان الثالث هو أن كل ما دل على جنس لا يحصر ولا يدل على معين لم يعتبر وإن كان قطعا فبان لا يعتبر إذا دل بطريق الظن أولى وبيانه أن ما علم أنه ملك زيد فحقه يمنع من التصرف فيه بغير إذنه ولو علم أن له مالكا في العالم ولكن وقع اليأس عن الوقوف عليه وعلى وارثه فهو مال مرصد لمصالح المسلمين يجوز التصرف فيه بحكم المصلحة ولو دل على أن له مالكا محصورا في عشرة مثلا أو عشرين امتنع التصرف فيه بحكم المصلحة فالذي يشك في أن له مالكا سوى صاحب اليد أم لا لا يزيد على الذي يتيقن قطعا أن له مالكا ولكن لا يعرف عينه فليجز التصرف فيه بالمصلحة والمصلحة ما ذكرناه في الأقسام الخمسة فيكون هذا الأصل شاهدا له وكيف لا وكل مال ضائع فقد مالكه يصرفه السلطان إلى المصالح ومن المصالح الفقراء وغيرهم فلو صرف إلى فقير ملكه ونفذ فيه تصرفه فلو سرقه منه سارق قطعت يده فكيف نفذ تصرفه في ملك الغير ليس ذلك إلا لحكمنا بأن المصلحة تقتضي أن ينتقل الملك إليه ويحل له فقضينا بموجب المصلحة فإن قيل : ذلك يختص بالتصرف فيه السلطان فنقول : والسلطان لم يجوز له التصرف في ملك غيره بغير إذنه لا سبب له إلا المصلحة وهو أنه لو ترك لضاع فهو مردد بين تضييعه وصرفه إلى مهم والصرف إلى مهم أصلح من التضييع فرجح عليه والمصلحة فيما يشك فيه ولا يعلم تحريمه أن يحكم فيه بدلالة اليد ويترك على أرباب الأيدي إذ انتزاعها بالشك وتكليفهم الاقتصار على الحاجة يؤدي إلى الضرر الذي ذكرناه وجهات المصلحة تختلف فإن السلطان تارة يرى أن المصلحة أن يبني بذلك المال قنطرة وتارة أن يصرفه إلى جند الإسلام وتارة إلى الفقراء ويدور مع المصلحة كيفما دارت وكذلك الفتوى في مثل هذا تدور على المصلحة وقد خرج من هذا أن الخلق غير مأخوذين في أعيان الأموال بظنون لا تستند إلى خصوص دلالة في ملك الأعيان كما لم يؤاخذ السلطان والفقراء الآخذون منه بعلمهم أن المال له مالك حيث لم يتعلق العلم بعين مالك مشار إليه ولا فرق بين عين المالك وبين عين الأملاك في هذا المعنى فهذا بيان شبهة الاختلاط ولم يبق إلا النظر في امتزاج المائعات والدراهم والعروض في يد مالك واحد وسيأتي بيانه في باب تفصيل طريق الخروج من المظالم المثار الثالث للشبهة أن يتصل بالسبب المحلل معصية إما في قرائنه وإما في لواحقه وإما في سوابقه أو في عوضه وكانت من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل مثال المعصية في القرائن : البيع في وقت النداء يوم الجمعة والذبح بالسكين المغصوبة والاحتطاب بالقدوم المغصوب والبيع على بيع الغير والسوم على سومه فكل نهي ورد في العقود ولم يدل على فساد العقد فإن الامتناع من جميع ذلك ورع وإن لم يكن المستفاد بهذه الأساليب محكوما بتحريمه وتسمية هذا النمط شبهة فيه تسامح لأن الشبهة في غالب الأمر تطلق لإرادة الاشتباه والجهل ولا اشتباه ههنا بل العصيان بالذبح بسكين الغير معلوم وحل الذبيحة أيضا معلوم ولكن قد تشتق الشبهة من المشابهة وتناول الحاصل من هذه الأمور مكروه والكراهة تشبه التحريم فإن أريد بالشبهة هذا فتسمية هذا شبهة له وجه وإلا فينبغي أن يسمى هذا كراهة لا شبهة وإذا عرف المعنى فلا مشاحة في الأسامي فعادة الفقهاء التسامح في الاطلاقات ثم أعلم أن هذه الكراهة لها ثلاث درجات : الأولى منها تقرب من الحرام والورع عنه مهم والأخيرة تنتهى إلى نوع من المبالغة تكاد تلتحق بورع الموسوسين وبينهما أوساط نازعة إلى الطرفين فالكراهة في صيد كلب مغصوب أشد منها في الذبيحة بسكين مغصوب أو المقتنص بسهم مغصوب إذ الكلب له اختيار وقد اختلف في أن الحاصل به لمالك الكلب أو للصياد ويليه شبه البذر المزروع في الأرض المغصوبة فإن الزرع لمالك البذر ولكن فيه شبهة ولو أثبتنا حق الحبس لمالك الأرض في الزرع لكان كالثمن الحرام ولكن الأقيس أن لا يثبت حق حبس كما لو طحن بطاحونة مغصوبة واقتنص بشبكة مغصوبة إذا لا يتعلق حق صاحب الشبكة في منفعتها بالصيد ويليه الاحتطاب بالقدوم المغصوب ثم ذبحه ملك نفسه بالسكين المغصوب إذ لم يذهب أحد إلى تحريم الذبيحة ويليه البيع في وقت النداء فإنه ضعيف التعلق بمقصود العقد وإن ذهب قوم إلى فساد العقد إذ ليس فيه إلا أنه اشتغل بالبيع عن واجب آخر كان عليه ولو أفسد البيع بمثله لأفسد بيع كل من عليه درهم زكاة أو صلاة فائتة وجوبها على الفور أو في ذمته مظلمة دانق فإن الاشتغال بالبيع مانع له عن القيام بالواجبات فليس للجمعة إلا الوجوب بعد النداء وينجر ذلك إلى أن لا يصح نكاح أولاد الظلمة وكل من في ذمته درهم لأنه اشتغل بقوله عن الفعل الواجب عليه إلا من حيث ورد في يوم الجمعة نهى على الخصوص ربما سبق إلى الأفهام خصوصية فيه فتكون الكراهة أشد ولا بأس بالحذر منه ولكن قد ينجر إلى الوسواس حتى يتحرج عن نكاح بنات أرباب المظالم وسائر معاملاتهم وقد حكي عن بعضهم أنه اشترى شيئا من رجل فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة فرده خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء وهذا غاية المبالغة أنه رد بالشك ومثل هذا الوهم في تقدير المناهي أو المفسدات لا ينقطع عن يوم السبت وسائر الأيام والورع حسن والمبالغة فيه أحسن ولكن إلى حد معلوم فقد قال صلى الله عليه وسلم  هلك المتنطعون حديث هلك المتنطعون أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود وتقدم في قواعد العقائد فليحذر من أمثال هذه المبالغات فإنها وإن كانت لا تضر صاحبها ربما أوهم عند الغير أن مثل ذلك مهم ثم يعجز عما هو أيسر منه فيترك أصل الورع وهو مستند أكثر الناس في زماننا هذا إذ ضيق عليهم الطريق فأيسوا عن القيام به فأطرحوه فكما أن الموسوس في الطهارة قد يعجز عن الطهارة فيتركها فكذا بعض الموسوسين في الحلال سبق إلى أوهامهم أن مال الدنيا كله حرام فتوسعوا فتركوا التمييز وهو عين الضلال وأما مثال اللواحق : فهو كل تصرف يفضي في سياقه إلى معصية وأعلاه بيع العنب من الخمار وبيع الغلام من المعروف بالفجور بالغلمان وبيع السيف من قطاع الطريق وقد اختلف العلماء في صحة ذلك وفي حل الثمن المأخوذ منه والأقيس أن ذلك صحيح والمأخوذ حلال والرجل عاص بعقده كما يعصي بالذبح بالسكين المغصوب والذبيحة حلال ولكنه يعصي عصيان الإعانة على المعصية إذ لا يتعلق ذلك بعين العقد فالمأخوذ من هذا مكروه كراهية شديدة وتركه من الورع المهم وليس بحرام ويليه في الرتبة بيع العنب ممن يشرب الخمر ولم يكن خمارا وبيع السيف ممن يغزو ويظلم أيضا لأن الاحتمال قد تعارض وقد كره السلف بيع السيف في وقت الفتنة خيفة أن يشتريه ظالم فهذا ورع فوق الأول والكراهية فيه أخف ويليه ما هو مبالغة ويكاد يلتحق بالوسواس وهو قول جماعة أنه لا تجوز معاملة الفلاحين بآلات الحارث لأنهم يستعينون بها على الحراثة ويبيعون الطعام من الظلمة ولا يباع منهم البقر والفدان وآلات الحرث وهذا ورع الوسوسة إذ ينجر إلى أن لا يباع من الفلاح طعام لأنه يتقوى به على الحراثة ولا يسقي من الماء العام لذلك وينتهي هذا حد التنطع المنهي عنه وكل متوجه إلى شيء على قصد خير لا بد وأن يسرف إن لم يذمه العلم المحقق وربما يقدم على ما يكون بدعة في الدين ليستضر الناس بعده بها وهو يظن أنه مشغول بالخير ولهذا قال صلى الله عليه وسلم  فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي حديث فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي تقدم في العلم والمتنطعون هم الذين يخشى عليهم أن يكونوا ممن قيل فيهم الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا وبالجملة لا ينبغي للإنسان أن يشتغل بدقائق الورع إلا بحضرة عالم متقن فإنه إذا جاوز ما رسم وتصرف بذهنه من غير سماع كان ما يفسده أكثر مما يصلحه وقد روى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه أحرق كرمه خوفا من أن يباع العنب ممن يتخذه خمرا وهذا لا أعرف له وجها إن لم يعرف هو سببا خاصا يوجب الإحراق إذا ما أحرق كرمه ونخله من كان أرفع قدرامنه من الصحابة ولو جاز هذا لجاز قطع الذكر خيفة من الزنا وقطع اللسان خيفة من الكذب إلى غير ذلك من الإتلافات وأما المقدمات : فلتطرق المعصية إليها ثلاث درجات : الدرجة العليا التي يشتد الكراهة فيها : ما بقي أثره في المتناول كالأكل من شاة علفت بعلف مغصوب أو رعت في مرعى حرام فإن ذلك معصية وقد كان سببا لبقائها وربما يكون الباقي من دمها ولحمها وأجزائها من ذلك العلف وهذا الورع مهم وإن لم يكن واجبا ونقل ذلك عن جماعة من السلف وكان لأبي عبدالله الطوسي التروغندي شاة يحملها على رقبته كل يوم إلى الصحراء ويرعاها وهو يصلي وكان يأكل من لبنها فغفل عنها ساعة فتناولت من ورق كرم على طرف بستان فتركها في البستان ولم يستحل أخذها فإن قيل : فقد روى عن عبد الله بن عمر وعبيد الله أنهما اشتريا إبلا فبعثاها إلى الحمى فرعته إبلهما حتى سمنت فقال عمر رضي الله عنه : أرعيتماها في الحمى فقالا : نعم فشاطرهما وفهذا يدل على أنه رأى اللحم الحاصل من العلف لصاحب العلف فليوجب هذا تحريما قلنا : ليس كذلك فإن العلف يفسد بالأكل واللحم خلق جديد وليس عين العلف فلا شركة لصاحب العلف شرعا ولكن عمر غرمهما قيمة الكلأ ورأى ذلك مثل شطر الإبل فأخذ الشطر بالاجتهاد كما شاطر سعد بن أبي وقاص ماله لما أن قدم من الكوفة وكذلك شاطر أبا هريرة رضي الله عنه إذ رأى أن كل ذلك لا يستحقه العامل ورأى شطر ذلك كافيا على حق عملهم وقدره بالشطر اجتهادا الرتبة الوسطى ما نقل عن بشر بن الحارث من امتناعه عن الماء المساق في نهر احتفره الظلمة لأن النهر موصل إليه وقد عصى الله بحفره وامتنع آخر عن عنب كرم يسقى بماء يجري في نهر حفر ظلما وهو أرفع منه وأبلغ في الورع وامتنع آخر من الشرب من مصانع السلاطين في الطرق وأعلى من ذلك امتناع ذي النون من طعام حلال أوصل إليه على يد سجان وقوله : إنه جاءني على يد ظالم ودرجات هذه الرتب لا تنحصر الرتبة الثالثة وهي قريب من الوسواس والمبالغة أن يمتنع من حلال وصل على يد رجل عصى الله بالزنا أو القذف وليس هو كما لو عصى بأكل الحرام فإن الموصل قوته الحاصلة من الغذاء الحرام والزنا والقذف لا يوجب قوة يستعان بها على الحمل بل الامتناع من أخذ حلال وصل على يد كافر وسواس بخلاف أكل الحرام إذ الكفر لا يتعلق بحمل الطعام وينجر هذا إلى أن لا يؤخذ من يد من عصى الله ولو بغيبة أو كذبة وهو غاية التنطع والإسراف فليضبط ما عرف من ورع ذي النون وبشر بالمعصية في السبب الموصل كالنهر وقوة اليد المستفادة بالغذاء الحرام ولو امتنع عن الشرب بالكوز لأن صانع الفخار الذي عمل الكوز كان قد عصى الله يوما بضرب إنسان أو شتمه لكان هذا وسواسا ولو امتنع من لحم شاة ساقها آكل حرام فهذا أبعد من يد السجان لأن الطعام يسوقه قوة السجان والشاة تمشي بنفسها والسائق يمنعها عن العدول في الطريق فقط فهذا قريب من الوسواس فانظر كيف تدرجنا في بيان ما تتداعى إليه هذه الأمور واعلم أن كل هذا خارج عن فتوى علماء الظاهر فإن فتوى الفقيه تختص بالدرجة الأولى التي يمكن تكليف عامة الخلق بها ولو اجتمعوا عليه لم يخرب العالم دون ما عداه من ورع المتقين والصالحين والفتوى في هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم  لوابصة إذ قال : استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك وعرف ذلك إذ قال الإثم حزاز القلوب حديث الإثم حزاز القلوب تقدم في العلم وكل ما حاك في صدر المريد من هذه الأسباب فلو أقدم عليه مع حزازة القلب استضربه وأظلم قلبه بقدر الحزازة التي يجدها بل لو أقدم على حرام في علم الله وهو يظن أنه حلال لم يؤثر ذلك في قساواة قلبه ولو أقدم على ما هو حلال في فتوى علماء الظاهر ولكنه يجد حزازة في قلبه فذلك يضره وإنما الذي ذكرناه في النهي عن المبالغة أردنا به أن القلب الصافي المعتدل هو الذي لا يجد حزاز في مثل تلك الأمور فإن مال قلب موسوس عن الاعتدال ووجد الحزازة فأقدم مع ما يجد في قلبه فذلك يضره لأنه مأخوذ في حق نفسه بينه وبين الله تعالى بفتوى قلبه وكذلك يشدد على الموسوس في الطهارة ونية الصلاة فإنه إذا غلب على قلبه أن الماء لم يصل إلى جميع أجزائه بثلاث مرات لغلبة الوسوسة عليه فيجب عليه أن يستعمل الرابعة وصار ذلك حكما في حقه وإن كان مخطئا في نفسه أولئك قوم شددوا فشدد الله عليهم ولذلك شدد على قوم موسى عليه السلام لما استقصوا في السؤال عن البقرة ولو أخذوا أولا بعموم لفظ البقرة وكل ما ينطلق عليه الاسم لأجزأهم ذلك فلا تغفل عن هذه الدقائق التي رددناها نفيا وإثباتا فإن من لا يطلع على كنه الكلام ولا يحيط بمجامعه يوشك أن يزل في درك مقاصده وأما المعصية في العوض فله أيضا درجات الدرجة العليا التي تشتد الكراهة فيها أن يشتري شيئا في الذمة ويقضى ثمنه من غصب أو مال حرام فينظر فإن سلم إليه البائع الطعام قبل قبض الثمن بطيب قلبه فأكله قبل قضاء الثمن فهو حلال وتركه ليس بواجب بالإجماع أعني قبل قضاء الثمن ولا هو أيضا من الورع المؤكد فإن قضى الثمن بعد الأكل من الحرام فكأنه لم يقض الثمن ولو لم يقضه أصلا لكان متقلدا للمظلمة بترك ذمته مرتهنة بالدين ولا ينقلب ذلك حراما فإن قضى الثمن من الحرام وأبرأه البائع مع العلم بأنه حرام فقد برئت ذمته ولم يبق عليه إلا مظلمة تصرفه في الدراهم الحرام بصرفها إلى البائع وإن أبرأه على ظن أن الثمن حلال فلا تحصل البراءة لأنه يبرئه مما أخذه إبراء استيفاء ولا يصلح ذلك للإيفاء هذا حكم المشتري والأكل منه وحكم الذمة وإن لم يسلم إليه بطيب قلب ولكن أخذه فأكله حرام سواء أكله قبل توفية الثمن من الحرام أو بعده لأن الذي تومئ الفتوى به ثبوت حق الحبس للبائع حتى يتعين ملكه بإقباض النقد كما تعين ملك المشتري وإنما يبطل حق حبسه إما بالإبراء أو الاستيفاء ولم يجر شيء منهما ولكنه أكل ملك نفسه وهو عاص به عصيان الراهن للطعام إذا أكله بغير إذن المرتهن وبينه وبين أكل طعام الغير فرق ولكن أصل التحريم شامل هذا كله إذا قبض قبل توفية الثمن إما بطيبة قلب البائع أو من غير طيبة قلبه فأما إذا وفى الثمن الحرام أولا ثم قبض فإن كان البائع عالما بأن الثمن حرام ومع هذا أقبض المبيع بطل حق حبسه وبقي له الثمن في ذمته إذ ما أخذه ليس بثمن ولا يصير أكل المبيع حراما بسبب بقاء الثمن فأما إذا لم يعلم أنه حرام وكانت بحيث لو علم لما رضي به ولا أقبض المبيع فحق حبسه لا يبطل بهذا التلبيس فأكله حرام تحريم أكله المرهون إلى أن يبرئه أو يوفي من حلال أو يرضى هو بالحرام ويبرئ فيصح إبراؤه ولا يصح رضاه بالحرام فهذا مقتضى الفقه وبيان الحكم في الدرجة الأولى من الحلل والحرمة فأما الامتناع عنه فمن الورع المهم لأن المعصية إذا تمكنت من السبب الموصل إلى الشيء تشتد الكراهية فيه كما سبق وأقوى الأسباب الموصلة الثمن ولولا الثمن الحرام لما رضي الله البائع بتسلميه إليه فرضاه لا يخرجه عن كونه مكروها كراهية شديدة ولكن العدالة لا تنخرم به وتزول به درجة التقوى والورع ولو اشترى سلطان مثلا ثوبا أو أرضا في الذمة وقبضه برضا البائع قبل توفية الثمن وسلمه إلى فقيه أو غيره صلة أو خلعة وهو شاك في أنه سيقضي ثمنه من الحلال أو الحرام فهذا أخف إذ وقع الشك في تطرق المعصية إلى الثمن وتفاوت خفته بتفاوت كثرة الحرام وقلته في مال ذلك السلطان وما يغلب على الظن فيه وبعضه أشد من بعض والرجوع فيه إلى ما ينقدح في القلب الرتبة الوسطى أن لا يكون العوض غصبا ولا حراما ولكن يتهيأ لمعصية كما لو سلم عوضا عن الثمن عنبا والآخذ شارب الخمر أو سيفا وهو قاطع طريق فهذا لا يوجب تحريما في مبيع اشتراه في الذمة ولكن يقتضي فيه كراهية دون الكراهية التي في الغصب وتتفاوت درجات هذه الرتبة أيضا بتفاوت غلبة المعصية على قابض الثمن وندوره ومهما كان العوض حراما فبذله حرام وإن احتمل تحريمه ولكن أبيح بظن فبذله مكروه وعليه ينزل عندي النهي عن كسب الحجام وكراهته حديث النهي عن كسب الحجام وكراهته : رواه ابن ماجة من حديث أبي مسعود الأنصاري والنسائي من حديث أبي هريرة بإسنادين صحيحين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن كسب الحجام وللبخاري من حديث أبي جحيفة : نهى عن ثمن الدم ولمسلم من حديث رافع بن خديج كسب الحجام خبيث إذ نهى عنه عليه السلام مرات ثم أمر بأن يعلف الناضح حديث : نهى عنه مرات ثم أمر بأن يعلف الناضح رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة من حديث محيصة أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم  في إجارة الحجام فنهاه عنها فلم يزل يسأل ويستأذن حتى قال : أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك وفي رواية لأحمد أنه زجره عن كسبه فقال : ألا أطعمه أيتاما لي قال لا قال : أفلا أتصدق به قال : لا فرخص له أن يعلفه ناضحه وما سبق إلى الوهم من أن سببه مباشرة النجاسة والقذر فاسد إذ يجب طرده في الدباغ والكناس ولا قائل به وإن قيل به فلا يمكن طرده في القصاب إذ كيف يكون كسبه مكروها وهو بدل عن اللحم واللحم في نفسه غير مكروه ومخامرة القصاب النجاسة أكثر منه للحجام والفصاد فإن الحجام يأخذ الدم بالمحجمة ويمسحه بالقطنة ولكن السبب أن في الحجامة والفصد تخريب بنية الحيوان وإخراجها لدمه وبه قوام حياته والأصل فيه التحريم وإنما يحل بضرورة وتعلم الحاجة والضرورة بحدس واجتهاد وربما يظن نافعا ويكون ضارا فيكون حراما عند الله تعالى ولكن يحكم بحله بالظن والحدس ولذلك لا يجوز للفصاد فصد صبي وعبد ومعتوه إلا بإذن وليه وقول طبيب ولولا أنه حلال في الظاهر لما أعطى عليه السلام أجرة الحجام حديث : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم  أجرة الحجام متفق عليه من حديث ابن عباس ولولا أنه يحتمل التحريم لما نهى عنه فلا يمكن الجمع بين إعطائه ونهيه إلا باستنباط هذا المعنى وهذا كان ينبغي أن نذكره في القرائن المقرونة بالسبب فإنه أقرب إليه الرتبة السفلى وهي درجة الموسوسين وذلك أن يحلف إنسان على أن لا يلبس من غزل أمه فباع غزلها واشترى به ثوبا فهذا لا كراهية فيه والورع عنه وسوسة وروي عن المغيرة أنه قال في هذه الواقعة : لا يجوز واستشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم  قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الخمور فباعوها وأكلوا أثمانها حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم  لعن اليهود إذ حرمت عليهم الخمور فباعوها : لم أجده هكذا والمعروف أن ذلك في الشحوم ففي الصحيحين من حديث جابر قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه وهذا غلط لأن بيع الخمور باطل إذ لم يبق للخمر منفعه في الشرع وثمن البيع الباطل حرام وليس هذا من ذلك بل مثال هذا أن يملك الرجل جارية هي أخته من الرضاع فتباع بجارية أجنبية فليس لأحد أن يتورع منه وتشبيه ذلك ببيع الخمر غاية السرف في هذا الطرف وقد عرفنا جميع الدرجات وكيفية التدريج فيها وإن كان تفاوت هذه الدرجات لا ينحصر في ثلاث أو أربع ولا في عدد ولكن المقصود من التعديد التقريب والتفهيم فإن قيل : فقد قال صلى الله عليه وسلم  من اشترى ثوبا بعشرة دراهم فيها درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما كان عليه حديث من اشترى ثوبا بعشرة دراهمالحديث تقدم في الباب قبله ثم أدخل ابن عمر أصبعيه في أذنيه وقال : صمتا إن لم أكن سمعته منه قلنا ذلك محمول على ما لو اشترى بعشرة بعينها لا في الذمة وإذا اشترى في الذمة فقد حكمنا بالتحريم في أكثر الصور فليحمل عليها ثم كم من ملك يتوعد عليه بمنع قبول الصلاة لمعصية تطرقت إلى سببه وإن لم يدل ذلك على فساد العقد كالمتشري في الوقت النداء وغيره المثار الرابع الاختلاف في الأدلة فإن ذلك كالاختلاف في السبب لأن السبب سبب لحكم الحل والحرمة والدليل سبب لمعرفة الحل والحرمة فهو السبب في حق المعرفة ولم يثبت في معرفة الغير فلا فائدة لثبوته في نفسه وإن جرى سببه في علم الله وهو إما أن يكون لتعارض أدلة الشرع أو لتعارض العلامات الدالة أو لتعارض التشابه القسم الأول : أن تتعارض أدلة الشرع مثل تعارض عمومين من القرآن أو السنة أو التعارض قياسين أو تعارض قياس وعموم وكل ذلك يورث الشك ويرجع فيه إلى الاستصحاب أو الأصل المعلوم قبله إن لم يكن ترجيح فإن ظهر ترجيح في جانب الحظر وجب الأخذ به وإن ظهر في جانب الحل جاز الأخذ به ولكن الورع تركه واتقاء مواضع الخلاف مهم في الورع في حق المفتي والمقلد وإن كان المقلد يجوز له أن يأخذ بما أفتى له مقلده الذي يظن أنه أفضل علماء بلده ويعرف ذلك بالتسامع كما يعرف أفضل أطباء البلد بالتسامع والقرائن وإن كان لا يحسن الطب وليس للمستفتي أن ينتقد من المذاهب أوسعها عليه بل عليه أن يبحث حتى يغلب على ظنه الأفضل ثم يتبعه فلا يخالفه أصلا نعم إن أفتى له إمامه بشيء ولإمامه فيه مخالف فالفرار من الخلاف إلى الإجماع من الورع المؤكد وكذا المجتهد إذا تعارضت عنده الأدلة ورجح جانب الحل بحدس وتخمين وظن فالورع له الاجتناب فلقد كان المفتون يفتون بحل أشياء لا يقدمون عليها قط تورعا منها وحذرا من الشبهة فيها فلنقسم هذا أيضا على ثلاثة مراتب الرتبة الأولى ما يتأكد الاستحباب في التورع عنه وهو ما يقوى فيه دليل المخالف ويدق وجه ترجيح المذهب الآخر عليه فمن المهمات التورع عن فريسة الكلب المعلم إذا أكل منها وإن أفتى المفتي بأنه حلال لأن الترجيح فيه غامض وقد اخترنا أن ذلك حرام وهو أقيس قولي الشافعي رحمه الله ومهما وجد للشافعي قول جديد موافق لمذهب أبي حنيفة رحمه الله أو غيره من الأئمة كان الورع فيه مهما وإن أفتى المفتي بالقول الآخر ومن ذلك الورع عن متروك التسمية وإن لم يختلف فيه قول الشافعي رحمه الله لأن الآية ظاهرة في إيجابها والأخبار متواترة فيه فإنه صلى الله عليه وسلم  قال لكل من سأله عن الصيد إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت عليه اسم الله فكل حديث إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل متفق عليه من حديث عدي بن حاتم ومن حديث أبي ثعلبة الخشني ونقل ذلك على التكرر وقد شهر الذبح بالبسملة حديث التسمية على الذبح : متفق عليه من حديث رافع بن خديج ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلواليس السن والظفر وكل ذلك يقوي دليل الاشتراط ولكن لما صح قوله صلى الله عليه وسلم  المؤمن يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم حديث المؤمن يذبح على اسم الله تعالى سمى أو لم يسم قال المصنف إنه صح قلت : لا يعرف بهذا اللفظ فضلا عن صحته ولأبي داود في المراسيل من رواية الصلت مرفوعا ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر وللطبراني في الأوسط والدارقطني وابن عدي والبيهقي من حديث أبي هريرة قال رجل : يا رسول الله الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله فقال اسم الله على كل مسلم قال ابن عدي منكر والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عباس المسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم ليأكل فيه محمد بن سنان ضعفه الجمهور واحتمل أن يكون هذا عاما موجبا لصرف الآية وسائر الأخبار عن ظواهرها ويحتمل أن يخصص هذا بالناسي ويترك الظواهر ولا تأويل وكان حمله على الناس ممكنا تمهيدا لعذره في ترك التسمية بالنسيان وكان تعميمه وتأويل الآية ممكنا إمكانا أقرب رجحنا ذلك ولا ننكر رفع الاحتمال المقابل له فالورع عن مثل هذا مهم واقع في الدرجة الأولى الرتبة الثانية وهي مزاحمة لدرجة الوسواس أن يتورع الإنسان عن أكل الجنين الذي يصادف في بطن الحيوان المذبوح وعن الضب وقد صح في الصحاح من الأخبار حديث الجنين إن ذكاته ذكاة أمه حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه قال المصنف إنه صح صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده وأخذ هذا من إمام الحرمين فإنه كذا قال في الأساليب والحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان من حديث أبي سعيد والحاكم من حديث أبي هريرة وقال : صحيح الإسناد وليس كذلك للطبراني في الصغير من حديث ابن عمر بسند جيد وقال عبد الحق : لا يحتج بأسانيدها كلها صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده وكذلك صح أنه أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم  حديث أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال المصنف : هو في الصحيحين وهو كما ذكره من حديث ابن عمر وابن عباس وخالد بن الوليد وقد نقل ذلك في الصحيحين وأظن أن أبا حنيفة لم تبلغه هذه الأحاديث ولو بلغته لقال بها وإن أنصف وإن لم ينصف منصف فيه كان خلافه غلط لا يعتد به ولا يورث شبهة كما لو لم يخالف وعلم الشيء بخبر الواحد الرتبة الثالثة أن لا يشتهر في المسألة خلاف أصلا ولكن يكون الحل معلوما بخبر الواحد فيقول القائل قد اختلف الناس في خبر الواحد فمنهم من لا يقبله فأنا أتورع فإن النقلة وإن كانوا عدولا فالغلط جائز عليهم والكذب لغرض خفي جائز عليهم لأن العدل أيضا قد يكذب والوهم جائز عليه فإنه قد يسبق إلى سمعهم خلاف ما يقوله القائل وكذا إلى فهمهم فهذا ورع لم ينقل مثله عن الصحابة فيما كانوا يسمعونه من عدل تسكن نفوسهم إليه وأما إذا تطرقت شبهة بسبب خاص ودلالة معينة في حق الراوي فللتوقف وجه ظاهر وإن كان عدلا وخلاف من خالف في أخبار الآحاد غير معتد به وهو كخلاف النظام في أصل الإجماع وقوله إنه ليس بحجة ولو جاز مثل هذا الورع لكان من الورع أن يمتنع الإنسان من أن يأخذ ميراث الجد أبي الأب ويقول ليس في كتاب الله ذكر إلا للبنين وإلحاق ابن الابن بالابن بإجماع الصحابة وهم غير معصومين والغلط عليهم جائز إذ خالف النظام فيه وهذا هوس ويتداعى إلى أن يترك ما علم بعمومات القرآن إذ من المتكلمين من ذهب إلى أن العمومات لا صيغ لها وإنما يحتج بما فهمه الصحابة منها بالقرائن والدلالات وكل ذلك وسواس فإذن لا طرف من أطراف الشبهات إلا وفيها غلو وإسراف فليفهم ذلك ومهما أشكل أمر من هذه الأمور فليستفت فيه القلب وليدع الورع ما يريبه إلى ما لا يربيه وليترك حزاز القلوب وحكاكات الصدور وذلك يختلف بالأشخاص والوقائع ولكن ينبغي أن يحفظ قلبه عن دواعي الوسواس حتى لا يحكم إلا بالحق فلا ينطوي على حزازة في مظان الوسواس ولا يخلو عن الحزازة في مظان الكراهة وما أعز مثل هذا القلب ولذلك لم يرد عليه السلام كل أحد إلى فتوى القلب وإنما قال ذلك لوابصة لما كان قد عرف من حاله حديث : لم يرد كل أحد إلى فتوى قلبه وإنما قال ذاك لوابصة وتقدم حديث وابصة وروى الطبراني من حديث واثلة أنه قال ذلك لواثلة أيضا وفيه العلاء بن ثعلبة مجهول القسم الثاني : تعارض العلامات الدالة على الحل والحرمة فإنه قد ينهب نوع من المتاع في وقت ويندر وقوع مثله من غير النهب فيرى مثلا في يد رجل من أهل الصلاح فيدل صلاحه على أنه حلال ويدل نوع المتاع وندوره من غير المنهوب على أنه حرام فيتعارض الأمران وكذلك يخبر عدل أنه حرام وآخر أنه حلال أو تتعارض شهادة فاسقين أو قول صبي وبالغ فإن ظهر ترجيح حكم به والورع الاجتناب وإن لم يظهر ترجيح وجب التوقف وسيأتي تفصيله في باب التعرف والبحث والسؤال القسم الثالث : تعارض الأشباه في الصفات التي تناط بها الأحكام مثاله أن يوصى بمال للفقهاء فيعلم أن الفاضل في الفقه داخل فيه وأن الذي ابتدأ التعلم من يوم أو شهر لا يدخل فيه وبينهما درجات لا تحصى يقع الشك فيها فالمفتي يفتي بحسب الظن والورع الاجتناب وهذ أغمض مثارات الشبهة فإن فيها صورا يتحير المفتي فيها تحيرا لازما لا حيلة له فيه إذ يكون المتصف بصفة في درجة متوسطة بين الدرجتين المتقابلتين لا يظهر له ميله إلى أحدهما وكذلك الصدقات المصروفة إلى المحتاجين فإن مما لا شيء له معلوم أنه محتاج ومن له مال كثير معلوم أنه غني ويتصد بينهما مسائل غامضة كمن له دار وأثاث وثياب وكتب فإن قدر الحاجة منه لا يمنع من الصرف إليه والفاضل يمنع والحاجة ليست محدودة وإنما تدرك بالتقريب ويتعدى منه النظر في مقدار سعة الدار وأبنيتها ومقدار قيمتها لكونها في وسط البلد ووقوع الاكتفاء بدار دونها وكذلك في نوع أثاث البيت إذا كان من الصفر لا من الخزف وكذلك في عددها وكذلك في قيمتهما وكذلك فيما لا يحتاج إليه كل يوم وما يحتاج إليه كل سنة من آلات الشتاء وما لا يحتاج إليه إلا في سنين وشيء من ذلك لا حد له والوجه في هذا ما قاله عليه السلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك تقدم في باب قبله كل ذلك في محل الريب إن توقف المفتي فلا وجهه إلا التوقف وهو أهم مواقع الورع وكذلك ما يجب بقدر الكفاية من نفقة الأقارب وكسوة الزوجات وكفاية الفقهاء والعلماء على بيت المال إذ فيه طرفان يعلم أن أحدهما قاصر وأن الآخر زائد وبينهما أمور متشابهة تختلف باختلاف الشخص والحال والمطلع على الحاجات هو الله تعالى وليس للبشر وقوف على حدودها فما دون الرطل المكي في اليوم قاصر عن كفاية الرجل الضخم وما فوق ثلاثة أرطال زائد على الكفاية وما بينهما لا يتحقق له حد فليدع الورع ما يريبه وهذا جار في كل حكم نيط السبب يعرف ذلك بلفظ العرب إذ العرب وسائر أهل اللغات لم يقدروا متضمنات اللغات بحدود محدودة تنقطع أطرافها عن مقابلاتها كلفظ الستة فإنه لا يحتمل ما دونها وما فوقها من الأعداد وسائر ألفاظ الحساب والتقديرات فليست الألفاظ اللغوية كذلك فلا لفظ في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلا ويتطرق الشك إلى أوساط في مقتضياتها تدور بين أطراف متقابلة فتعظم الحاجة إلى هذا الفن في الوصايا والأوقاف على الصوفية مثلامما يصح ومن الداخل تحت موجب هذا اللفظ هذا من الغوامض فكذلك سائر الألفاظ وسنشير إلى مقتضى لفظ الصوفي على الخصوص ليعلم به طريق التصرف في الألفاظ وإلا فلا مطمع في استيفائها فهذه اشتباهات تثور من علامات متعارضة تجذب إلى طرفين متقابلين وكل ذلك من الشبهات يجب اجتنابها إذا لم يترجح جانب الحل بدلالة تغلب على الظن أو باستصحاب بموجب قوله صلى الله عليه وسلم  دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وبموجب سائر الأدلة التي سبق ذكرها فهذه مثارات الشبهات وبعضها أشد من بعض ولو تظاهرت شبهات شتى على شيء واحد كان الأمر أغلظ مثل أن يأخذ طعاما مختلفا فيه عوضا عن عنب باعه من خمار بعد النداء يوم الجمعة والبائع قد خالط ماله حرام وليس هو أكثر ماله ولكنه صار مشتبها به فقد يؤدي ترادف الشبهات إلى أن يشتد الأمر في اقتحامها فهذه مراتب عرفنا طريق الوقوف عليها وليس في قوة البشر حصرها فما اتضح من هذا الشرح أخذ به وما التبس فليجتنب فإن الإثم حزاز القلب وحيث قضينا باستفتاء القلب أردنا به حيث أباح المفتي أما حيث حرمه فيجب الامتناع ثم لا يعول على كل قلب فرب موسوس ينفر عن كل شيء ورب شره متساهل يطمئن إلى كل شيء ولا اعتبار بهذين القلبين وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال وهو المحك الذي يمتحن به خفايا الأمور وما أعز هذا القلب في القلوب فمن لم يثق بقلب نفسه فليلتمس النور من قلب هذه الصفة وليعرض عليه واقعته وجاء في الزبور إن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : قل لبني إسرائيل إني لا أنظر إلى صلاتكم ولا صيامكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي فذاك الذي أنظر إليه وأؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي الباب الثالث : في البحث والسؤال والهجوم والإهمال ومظانها اعلم أن كل من قدم إليك طعاما أو هدية أو أردت أن تشتري منه أو تتهب فليس لك أن تفتش عنه وتسأل وتقول : هذا مما لا أتحقق حله فلا آخذه بل أفتش عنه وليس لك أيضا أن تترك البحث فتأخذ كل ما لا تتيقن تحريمه بل السؤال واجب مرة وحرام مرة ومندوب مرة ومكروه مرة فلا بد من تفصيله والقول الشافي فيه هو أن مظنة السؤال مواقع الريبة ومنشأ الريبة ومثارها إما أمر يتعلق بالمال أو يتعلق بصاحب المال المثار الأول : أحوال المالك وله بالإضافة إلى معرفتك ثلاثة أحوال : إما أن يكون مجهولا أو مشكوكا فيه أو معلوما بنوع ظن يستند إلى دلالة الحالة الأولى : أن يكون مجهولا والمجهول هو الذي ليس معه قرينة تدل على فساده وظلمه كزى الأجناد ولا ما يدل على صلاحه كثياب أهل التصوف والتجارة والعلم وغيرها من العلامات فإذا دخلت قرية لا تعرفها فرأيت رجلا لا تعرف من حاله شيئا ولا عليه علامة تنسبه إلى أهل صلاح أو أهل فساد فهو مجهول وإذا دخلت بلدة غريبا ودخلت سوقا ووجدت رجلا خبازا أو قصابا أو غيره ولا علامة تدل على كونه مريبا أو خائنا ولا ما يدل على نفيه فهو مجهول ولا يدرى حاله ولا نقول إنه مشكوك فيه لأن الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين لهما سببان متقابلان وأكثر الفقهاء لا يدركون الفرق بين ما لا يدرى وبين ما يشك فيه وقد عرفت مما سبق أن الورع ترك ما لا يدرى قال يوسف بن أسباط منذ ثلاثين سنة ما حاك في قلبي شيء إلا تركته وتكلم جماعة في أشق الأعمال فقالوا هو الورع فقال لهم حسان بن أبي سنان ما شيء عندي أسهل من الورع إذا حاك في صدري شيء تركته فهذا شرط الورع وإنما نذكر الآن حكم الظاهر فنقول حكم هذه الحالة أن المجهول إن قدم إليك طعاما أو حمل إليك هدية أو أردت أن تشتري من دكانه شيئا فلا يلزمك السؤال بل يده وكونه مسلما دلالتان كافيتان في الهجوم على أخذه وليس لك أن تقول الفساد والظلم غالب على الناس فهذه وسوسة وسوء ظن بهذا المسلم بعينه وإن بعض الظن إثم وهذا المسلم يستحق بإسلامه عليك أن لا تسيء الظن به فإن أسأت الظن به في عينه لأنك رأيت فسادا من غيره فقد جنيت عليه وأثمت به في الحال نقدا من غير شك ولو أخذت المال لكان كونه حراما مشكوكا فيه ويدل عليه أنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم في غزواتهم وأسفارهم كانوا ينزلون في القرى ولا يردون القرى ويدخلون البلاد ولا يحترزون من الأسواق وكان الحرام أيضا موجودا في زمانهم وما نقل عنهم سؤال إلا عن ريبة إذ كان صلى الله عليه وسلم  لا يسأل عن كل ما يحمل إليه بل سأل في أول قدومه إلى المدينة عما يحمل إليه أصدقه أم هدية حديث سؤاله في أول قدومه إلى المدينة عما يحمل إليه أصدقة أم هدية رواه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد من حديث سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم  لما قدم المدينة أتاه سلمان بطعام فسأله عنه أصدقة أم هدية الحديث تقدم في الباب قبله من حديث أبي هريرة لأن قرينة الحال تدل وهو دخول المهاجرين المدينة وهم فقراء فغلب على الظن أن ما يحمل إليهم بطريق الصدقة ثم إسلام المعطى ويده لا يدلان على أنه ليس بصدقة وكان يدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل أصدقة أم لا حديث كان يدعى إلى الضيافات فيجيب ولا يسأل أصدقة أم لا هذا معروف مشهور من ذلك في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري في صنيع أبي شعيب طعاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ودعاء خامس خمسة إذ العادة ما جرت بالتصدق بالضيافة ولذلك دعته أم سليم حديث دعته أم سليم : متفق عليه من حديث أنس ودعاه الخياط حديث أنس : أن خياطا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقدم إليه طعاما فيه قرع متفق عليه كما في الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه وقدم إليه طعاما فيه قرع ودعاه الرجل الفارسي فقال عليه الصلاة والسلام أنا وعائشة فقال : لا فقال : فلا ثم أجابه بعد فذهب هو وعائشة يتساوقان فقرب إليهما إهالة حديث دعاه الرجل الفارسي فقال أنا وعائشة الحديث رواه مسلم عن أنس ولم ينقل السؤال في شيء من ذلك وسأل أبو بكر رضي الله عنه عبده عن كسبه لما رابه من أمره وسأل عمر رضي الله عنه الذي سقاه من لبن إبل الصدقة إذ رابه وكان أعجبه طعمه ولم يكن على ما كان يألفه كل مرة وهذه أسباب الريبة وكل من وجد ضيافة عند رجل مجهول لم يكن عاصيا بإجابته من غير تفتيش بل لو رأى في داره تجملا ومالا كثيرا فليس له أن يقول الحلال عزيز وهذا كثير فمن أين يجتمع هذا من الحلال بلى هذا الشخص بعينه يحتمل أن يكون ورث مالا أو اكتسبه فهو بعينه يستحق إحسان الظن به وأزيد على هذا وأقول : ليس له أن يسأله بل إن كان يتورع فلا يدخل جوفه إلا ما يدرى من أين هو فهو حسن فليتلطف في الترك وإن كان لا بدله من أكله فليأكل بغير سؤال إذ السؤال إيذاء وهتك ستر وإيحاش وهو حرا م بلا شك فإن قلت لعله لا يتأذى فأقول : لعله يتأذى فإنت تسأل حذرا من لعل فإن قنعت فلعل ماله حلال وليس الإثم المحذور في إيذاء مسلم بأقل من الإثم في أكل الشبهة والحرام والغالب على الناس الاستيحاش بالتفتيش ولا يجوز له أن يسأل من غيره من حيث يدرى هو به لأن الإيذاء في ذلك أكثر وإن سأل من حيث لا يدرى هو ففيه إساءة ظن وهتك ستر وفيه تجسس وفيه تشبث بالغيبة وإن لم يكن ذلك صريحا وكل ذلك منهي عنه في آية عليه السلام واحدة قال الله تعالى اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا وكم زاهد جاهل يوحش القلوب في التفتيش ويتكلم الكلام الخشن المؤذى وإنما يحسن الشيطان ذلك عنده طلبا للشهرة بأكل الحلال ولو كان باعثه محض الدين لكان خوفه على قلب مسلم أن يتأذى أشد من خوفه على بطنه أن يدخله ما لا يدرى وهو غير مؤاخذ بما لا يدري إذ لم يكن ثم علامة توجب الاجتناب فليعلم أن طريق الورع الترك دون التجسس وإذا لم يكن بد من الأكل فالورع الأكل وإحسان الظن هذا هو المألوف من الصحابة رضي الله عنهم ومن زاد عليهم في الورع فهو ضال مبتدع وليس بمتبع فلن يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه ولو انفق ما في الأرض جميعا كيف وقد أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم  طعام بريرة فقيل : إنه صدقة فقال : هو لها صدقة ولنا هدية حديث أكله طعام بريرة فقيل إنها صدقة فقال هو لها صدقة ولنا هدية متفق عليه من حديث أنس ولم يسأل على المتصدق عليها فكان مجهولا عنده ولم يمتنع الحالةالثانية أن يكون مشكوكا فيه بسبب دلالة أورثت ريبة فلنذكر صورة ريبة ثم حكمها أما الخلقة فبأن يكون على خلقة الأتراك والبوادي والمعروفين بالظلم وقطع الطريق وأن يكون طويل الشارب وأن يكون الشعر مفرقا على رأسه على دأب أهل الفساد وأما الثياب : فالقباء والقلنسوة وزي أهل الظلم والفساد من الأجناد وغيرهم وأما الفعل والقول : فهو أن يشاهد منه الإقدام على ما لا يحل فإن ذلك يدل على أنه يتساهل أيضا في المال ويأخذ ما لا يحل فهذه مواضع الريبة فإذا أراد أن يشتري من مثل هذا شيئا ويأخذ منه هدية أو يجيبه إلى ضيافة وهو غريب مجهول عنده لم يظهر له منه الا هذه العلامات فيحتمل أن يقال إن اليد تدل على الملك وهذه الدلالات ضعيفة فالإقدام جائز والترك من الورع ويحتمل أن يقال إن اليد دلالة ضعيفة وقد قابلها مثل هذه الدلالة فأورثت ريبة فالهجوم غير جائز وهو الذي نختاره ونفتي به لقوله صلى الله عليه وسلم  دع ما يريبك إلى ما لا يريبك حديث دع ما يريبك تقدم في البابين قبله فظاهره أمر وإن كان يحتمل الاستحباب لقوله صلى الله عليه وسلم  الإثم حزاز القلوب حديث الإثم حزاز القلوب تقدم في العلم وهذا له وقع في القلب لا ينكر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم  سأل : أصدقة هو أهدية وسأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه وسأل عمر رضي الله عنه وكل ذلك كان في موضع الريبة وحمله على الورع وإن كان ممكنا ولكن لا يحمل عليه إلا بقياس حكمى والقياس ليس يشهد بتحليل هذا فإن دلالة اليد والإسلام وقد عارضتها هذه الدلالات أورثت ريبة فإذا تقابلا فالاستحلال لا مستند له وإنما لا يترك حكم اليد والاستصحاب بشك لا يستند إلى علامة كما إذا وجدنا الماء متغيرا واحتمل أن يكون بطول المكث فإن راينا ظبية بالت فيه ثم احتمل أن التغيير به تركنا الاستصحاب وهذا قريب منه ولكن بين هذه الدلالات تفاوت فإن طول الشوارب ولبس القباء وهيئة الأجناد يدل على الظلم بالمال أما القول والفعل المخالفان للشرع إن تعلقا بظلم المال فهو أيضا دليل ظاهر كما لو سمعه يأمر بالغصب والظلم أو يعقد عقد الربا فأما إذا رآه قد شتم غيره في غضبه أو اتبع نظره امرأة مرت به فهذه الدلالة ضعيفة فكم من إنسان يتحرج في طلب المال ولا يكتسب الا الحلال ومع ذلك فلا يملك نفسه عند هيجان الغضب والشهوة فليتنبه لهذا التفاوت ولا يمكن أن يضبط هذا بحد فليستفت العبد في مثل ذلك قلبه وأقول إن هذا إن رآه من مجهول فله حكم وإن رآه ممن عرفه بالورع في الطهارة والصلاة وقراءة القرآن فله حكم آخر إذ تعارضت الدلالات بالإضافة إلى المال وتساقطنا وعاد الرجل كالمجهول إذ ليست إحدى الدلالتين تناسب المال على الخصوص فكم من متحرج في المال لا يتحرج في غيره وكم من محسن للصلاة والوضوء والقراءة ويأكل من حيث يجد فالحكم في هذه المواقع ما يميل إليه القلب فإن هذا أمر بين العبد وبين الله فلا يبعد أن يناط بسبب خفي لا يطلع عليه الا هو ورب الأرباب وهو حكم حزازة القلب ثم ليتنبه لدقيقة أخرى وهو أن هذه الدلالة ينبغي أن تكون بحيث تدل على أن أكثر ماله حرام بأن يكون جنديا أو عامل سلطان أو نائحة أو مغنية فإن دل على أن في ماله حراما قليلا لم يكن السؤال واجبا بل كان السؤال من الورع الحالة الثالثة أن تكون الحالة معلومة بنوع خبرة وممارسة بحيث يوجب ذلك ظنا في حل المال أو تحريمه مثل أن يعرف صلاح الرجل وديانته وعدالته في الظاهر وجوز أن يكون الباطن بخلافه فههنا لا يجب السؤال ولا يجوز كما في المجهول فالأولى الإقدام والإقدام ههنا أبعد عن الشبهة من الإقدام على طعام المجهول فإن ذلك بعيد عن الورع وإن لم يكن حراما وأما أكل طعام أهل الصلاح فدأب الأنبياء والأولياء قال صلى الله عليه وسلم  لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلا تقي حديث لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك الا تقي تقدم في الزكاة فأما إذا علم بالخبرة أنه جندي أو مغن أو مرب واستغنى عن الاستدلال عليه بالهيئة والشكل والثيابفههنا السؤال واجب لا محالة كما في موضع الريبة بل أولى المثار الثاني ما يستند الشك فيه إلى سبب المال لا في حال المالك وذلك بأن يختلط الحلال بالحرام كما إذا طرح في سوق أحمال من طعام غصب واشتراها أهل السوق فليس يجب على من يشتري في تلك البلدة وذلك السوق أن يسأل عما يشتريه الا أن يظهر أن أكثر ما في أيديهم حرام فعند ذلك يجب السؤال فإن لم يكن هو الأكثر فالتفتيش من الورع وليس بواجب والسوق الكبير حكمه حكم بلد والدليل على أنه لا يجب السؤال والتفتيش إذا لم يكن الأغلب الحرام أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتنعوا من الشراء من الأسواق وفيها دراهم الربا وغلول الغنيمة وغيرها وكانوا لا يسألون في كل عقد وإنما السؤال نقل عن آحادهم نادرافي بعض الأحوال وهي محال الريبة في حق ذلك الشخص المعين وكذلك كانوا يأخذون الغنائم من الكفار الذين كانوا قد قاتلوا المسلمين وربما أخذوا أموالهم واحتمل ان يكون في تلك الغنائم شيء مما أخذوه من المسلمين وذلك لا يحل أخذه مجانا بالاتفاق بل يرد على صاحبه عند الشافعي رحمه الله وصاحبه أولى به بالثمن عند أبي حنيفة رحمه الله ولم ينقل قط التفتيش عن هذا وكتب عمر رضي الله عنه إلى أذربيجان إنكم في بلاد تذبح فيها الميتة فانظروا ذكيه من ميته أذن في السؤال وأمر به ولم يأمر بالسؤال عن الدراهم التي هي أثمانها لأن أكثر دراهمهم لم تكن أثمان الجلود وإن كانت هي أيضا تباع وأكثر الجلود كان كذلك وكذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه إنكم في بلاد أكثر قصابيها المجوس فانظروا الذكي من الميتة فخص بالأكثر الأمر بالسؤال ولا يتضح مقصود هذا الباب إلا بذكر صور وفرض مسائل يكثر وقوعها في العادات فلنفرضها مسألة شخص معين خالط ماله الحرام مثل أن يباع على دكان طعام مغصوب أو مال منهوب ومثل أن يكون القاضي أو الرئيس أو العامل أو الفقيه الذي له إدرار على سلطان ظالم له أيضا مال موروث ودهقنة أو تجارة أو رجل تاجر يعامل بمعاملات صحيحة ويربي أيضا فإن كان الأكثر من ماله حراما لا يجوز الأكل من ضيافته ولا قبول هديته ولا صدقته الا بعد التفتيش فإن ظهر أن المأخوذ من وجه حلال فذاك وإلا ترك وإن كان الحرام أقل والمأخوذ مشتبه فهذا في محل النظر لأنه على رتبة بين الرتبتين إذ قضينا بأنه لو اشتبه ذكية بعشر ميتات مثلا وجب اجتناب الكل وهذا يشبهه من وجه من حيث إن مال الرجل الواحد كالمحصور ولا سيما إذا لم يكن كثير المال مثل السلطان ويخالفه من وجه إذ الميتة يعلم وجودها في الحال يقينا والحرام الذي خالط ماله يحتمل أن يكون قد خرج من يده وليس موجودا في الحال وإن كان المال قليلا وعلم قطعا أن الحرام موجود في الحال فهو ومسألة اختلاط الميتة واحد وإن كثر المال واحتمل أن يكون الحرام غير موجود في الحال فهذا أخف من ذلك ويشبه من وجه الاختلاط بغير محصور كما في الأسواق والبلاد ولكنه أغلظ منه لاختصاصه بشخص واحد ولا يشك في أن الهجوم عليه بعيد من الورع جدا ولكن النظر في كونه فسقا مناقض للعدالة وهذا من حيث النقل أيضا غامض لتجاذب الأشياء ومن حيث النقل أيضا غامض لأن ما ينقل فيه عن الصحابة من الامتناع في مثل هذا وكذا عن التابعين يمكن حمله على الورع ولا يصادف فيه نص على التحريم وما ينقل من إقدام على الأكل كأكل أبي هريرة رضي الله عنه طعام معاوية مثلا إن قدر في جملة ما في يده حرام فذلك أيضا يحتمل أن يكون إقدامه بعد التفتيش واستبانة أن عين ما يأكله من وجه مباح فالأفعال في هذا ضعيفة الدلالة ومذاهب العلماء المتأخرين مختلفة حتى قال بعضهم لو أعطاني السلطان شيئا لأخذته وطرد الإباحة فيما إذا كان الأكثر أيضا حراما مهما لم يعرف عين المأخوذ واحتمل أن يكون حلالا واستدل بأخذ بعض السلف جوائز السلاطين كما سيأتي في باب بيان أموال السلاطين فأما إذا كان الحرام هو الأقل واحتمل أن لا يكون موجودا في الحال لم يكن الأكل حراما وإن تحقق وجوده في الحال كما في مسألة اشتباه الذكية بالميتة فهذا مما لا أدري ما أقول فيه وهو من المتشابهات التي يتحير المفتي فيها لأنها مترددة بين مشابهة المحصور وغير المحصور والرضيعة إذا اشتبهت بقرية فيها عشر نسوة وجب الاجتناب وإن كانت ببلدة فيها عشرة آلاف لم يجب وبينهما أعداد ولو سئلت عنها لكنت لا أدري ما أقول فيها ولقد توقف العلماء في مسائل هي أوضح من هذه إذ سئل أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل رمى صيدا فوقع في ملك غيره أيكون الصيد للرامي أو لمالك الأرض فقال لا أدري فروجع فيه مرات فقال لا أدري وكثيرا من ذلك حكيناه عن السلف في كتاب العلم فليقطع المفتي طمعه عن درك الحكم في جميع الصور وقد سأل ابن المبارك صاحبه من البصرة عن معاملته قوما يعاملون السلاطين فقال إن لم يعاملوا سوى السلطان فلا تعاملهم وإن عاملوا السلطان وغيره فعاملهم وهذا يدل على المسامحة في الأقل ويحتمل المسامحة في الأكثر أيضا وبالجملة فلم ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يهجرون بالكلية معاملة القصاب والخباز والتاجر لتعاطيه عقدا واحدا فاسدا أو لمعاملة السلطان مرة وتقدير ذلك فيه بعد والمسألة مشكلة في نفسها فإن قيل فقد روى عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه رخص فيه وقال خذ ما يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر من الحرام وسئل ابن مسعود رضي الله عنه ذلك فقال له السائل إن لي جارا لا أعلمه إلا خبيثا يدعونا أو نحتاج فنستسلفه فقال إذا دعاك فأجبه وإذا احتجت فاستسلفه فإن لك المهنأ وعليه المأثم وأفتى سلمان بمثل ذلك وقد علل علي الكثرة وعلل ابن مسعود رضي الله عنه بطريق الاشارة بأن عليه المأثم لأنه يعرفه ولك المهنأ أي أنت لا تعرفه وروى أنه قال رجل لابن مسعود رضي الله عنه إن لي جارا يأكل الربا فيدعونا إلى طعامه أفنأتيه فقال نعم وروي في ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه روايات كثيرة مختلفة وأخذ الشافعي ومالك رضي الله عنهما جوائز الخلفاء والسلاطين مع العلم بأنه قد خالط مالهم الحرام قلنا أما ما روي عن علي رضي الله عنه فقد اشتهر من ورعه ما يدل على خلاف ذلك فإنه كان يمتنع من مال بيت المال حتى يبيع سيفه ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت واحد في وقت الغسل لا يجد غيره ولست أنكر أن رخصته صريح في الجواز وفعله محتمل للورع ولكنه لو صح فمال السلطان له حكم آخر فإنه بحكم كثرته يكاد يلتحق بما لا يحصر وسيأتي بيان ذلك وكذا فعل الشافعي ومالك رضي الله عنهما متعلق بمال السلطان وسيأتي حكمه وإنما كلامنا في آحاد الخلق وأموالهم قريبة من الحصر وأما قول ابن مسعود رضي الله عنه فقيل إنه إنما نقله خوات التيمي وإنه ضعيف الحفظ والمشهور عنه ما يدل على توفي الشبهات إذ قال لا يقولن أحدكم أخاف وأرجو فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع مايريبك إلى ما لا يريبك وقال اجتنبوا الحكاكات ففيها الإثم فإن قيل فلم قلتم إذا كان الأكثر حراما لم يجز الأخذ مع أن المأخوذ ليس فيه علامة تدل على تحريمه على الخصوص واليد علامة على الملك حتى إن من سرق مال مثل هذا الرجل قطعت يده والكثرة توجب ظنا مرسلا لا يتعلق بالعين فليكن كغالب الظن في طين الشوارع وغالب الظن في الاختلاط بغير محصور إذا كان الأكثر هو الحرام ولايجوز أن يستدل على هذا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم دع مايريبك إلى ما لا يريبك لأنه مخصوص ببعض المواضع بالاتفاق وهو أن يريبه بعلامة في عين الملك بدليل اختلاط القليل بغير المحصور فإن ذلك يوجب ريبة ومع ذلك قطعتم بأنه لا يحرم فالجواب أن اليد دلالة ضعيفة كالاستصحاب وإنما تؤثر إذا سلمت عن معارض قوى فإذا تحققنا الاختلاط وتحققنا أن الحرام المخالط موجود في الحال والمال غير خال عنه وتحققنا أن الأكثر هو الحرام وذلك في حق شخص معين يقرب ماله من الحصر ظهر وجوب الإعراض عن مقتضى اليد وإن لم يحمل عليه قوله عليه السلام دع مايريبك إلى ما لا يريبك لا يبقى له محمل إذ لا يمكن أن يحمل على اختلاط قليل بحلال غير محصور إذ كان ذلك موجودا في زمانه وكان لا يدعه وعلى أي موضع حمل هذا كان هذا في معناه وحمله على التنزيه صرف له عن ظاهرة بغير قياس فإن تحريم هذا غير بعيد عن قياس العلامات والاستصحاب وللكثرة تأثير في تحقيق الظن وكذا للحصر وقد اجتمعا حتى قال أبو حنيفة رضي الله عنه لا تجتهد في الأواني إلا إذا كان الطاهر هو الأكثر فاشترط اجتماع الاستصحاب والاجتهاد بالعلامة وقوة الكثرة ومن قال يأخذ أي آنية أراد بلا اجتهاد بناء على مجرد الاستصحاب فيجوز الشرب أيضا فيلزمه التجويز ههنا بمجرد علامة اليد ولا يجرى ذلك في بول اشتبه بماء إذ لا استصحاب فيه ولا نطرده أيضا في ميتة اشتبهت بذكية إذ لا استصحاب في الميتة واليد لا تدل على أنه غير ميتة وتدل في الطعام المباح على أنه ملك فههنا أربع متعلقات استصحاب وقلة في المخلوط أو كثرة وانحصار أو اتساع في المخلوط وعلامة خاصة في عين الشيء يتعلق بها الاجتهاد فمن يغفل عن مجموع الأربعة ربما يغلط فيشبه بعض المسائل بما لايشبهه فحصل مما ذكرناه أن المختلط في ملك شخص واحد إما أن يكون الحرام أكثره أو أقلة وكل واحد إما أن يعلم بيقين أو بظن عن علامة أو توهم فالسؤال يجب في موضعين وهو أن يكون الحرام أكثر يقينا أو ظنا كما لو رأى تركيا مجهولا يحتمل أن يكون كل ماله من غنيمة وإن كان الأقل معلوما باليقين فهو محل التوقف وتكاد تسير سير أكثر السلف وضرورة الأحوال إلى الميل إلى الرخصة وأما الأقسام الثلاثة الباقية فالسؤال واجب فيها أصلا مسألة إذا حضر طعام إنسان علم أنه دخل في يده حرام من إدرار كان قد أخذه أو وجه آخر ولا يدرى أنه بقي إلى الآن أم لا قله الأكل ولايلزمه التفتيش وإنما التفتيش فيه من الورع ولو علم أنه قد بقى منه شيء ولكن لم يدر أنه الأ قل أو الأكثر فله أن يأخذ بأنه الأقل وقد سبق أن أمر الأقل مشكل وهذا يقرب منه مسألة إذا كان يد المتولى للخيرات أو الأوقاف أو الوصايا مالان يستحق هو أحدهما ولا يستحق الثاني لأنه غير موصوف بتلك الصفة فهل له أن يأخذ ما يسلمه إليه صاحب الوقف نظرفإن كانت تلك الصفة ظاهرة يعرفها المتولي وكان المتولى ظاهر العدالة فله أن يأخذ بغير بحث لأن الظن بالمتولى أنه لا يصرف إليه ما يصرفه إلا من المال الذي يستحقه وإن كانت الصفة خفية وإن كان المتولي ممن عرف حاله أنه يخلط ولا يبالي كيف يفعل فعليه السؤال إذ ليس ههنا يد ولا استصحاب يعول عليه وهو وزان سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الصدقة والهدية عند تردده فيهما لأن اليد لا تخصص الهدية عن الصدقة ولا الاستصحاب فلا ينجي منه إلا السؤال فإن السؤال حيث أسقطناه في المجهول أسقطناه بعلامة اليد والإسلام حتى لو لم يعلم أنه مسلم وأراد أن يأخذ من يده لحما من ذبيحته واحتمل أن يكون مجوسيا لم يجر له ما لم يعرف أنه مسلم إذ اليد لا تدل في الميتة ولا الصورة تدل على الإسلام إلا إذا كان أكثر أهل البلدة مسلمين فيجوز أن يظن بالذي ليس عليه علامة الكفر أنه مسلم وإن كان الخطأ ممكنا فيه فلا ينبغي أن تلتبس المواضع التي تشهد فيها اليد والحال بالتي لا تشهد مسألة له أن يشتري في البلد دارا وإن علم أنها تشتمل على دور مغصوبة لأن ذلك الاختلاط بغير محصور ولكن السؤال احتياط وورع وإن كان في سكة عشر دور مثلا إحداها مغصوب أو وقف لم يجز الشراء ما لم يتميز ويجب البحث عنه ومن دخل بلدة وفيها رباطات خصص بوقفها أرباب المذاهب وهو على مذهب واحد من جملة تلك المذاهب فليس له أن يسكن أيها شاء ويأكل من وقفها بغير سؤال لأن ذلك من باب اختلاط المحصور فلا بد من التمييز ولا يجوز الهجوم مع الابهام لأن الرباطات والمدارس في البلد لابد أن تكون محصورة مسألة حيث جعلنا السؤال من الورع فليس له أن يسأل صاحب الطعام والمال إذا لم يأمن غضبه وإنما أوجبنا السؤال إذا تحقق أن أكثر ماله حرام وعند ذلك لا يبالي بغضب مثله إذ يجب إيذاء الظالم باكثر من ذلك والغالب أن مثل هذا لا يغضب من السؤال نعم إن كان يأخذ من يد وكيله أو غلامه أو تلميذه أو بعض أهله ممن هو تحت رعايته فله أن يسأل مهما استراب لأنهم لا يغضبون من سؤاله ولأن عليه أن يسأل ليعلمهم طريق الحلال ولذلك سأل أبو بكر رضي الله عنه غلامه وسأل عمر من سقاه من إبل الصدقة وسأل أبا هريرة رضي الله عنه أيضا لما أن قدم عليه بمال كثير فقال ويحك أكل هذا طيب من حيث إنه تعجب من كثرته وكان هو من رعيته لا سيما وقد رفق في صيغة السؤال وكذك قال علي رضي الله عنه ليس شيء أحب إلى الله تعالى من عدل إمام ورفقه ولا شيء أبغض إليه من جوره وخرقه مسألةقال الحارث المحاسبي رحمه الله لو كان له صديق أو أخ وهو يأمن غضبه لو سأله فلا ينبغي أن يسأله لأجل الورع لأنه ربما يبدو له ما كان مستورا عنه فيكون قد حمله على هتك الستر ثم يؤدي ذلك إلى البغضاء وما ذكره حسن لأن السؤال إذا كان من الورع لا من الوجوب فالورع في مثل هذه الأمور الاحتراز عن هتك الستر وإثارة البغضاء أهم وزاد على هذا فقال وإن رابه منه شيء أيضا لم يسأله ويظن به أنه يطعمه من الطيب ويجنبه الخبيث فإن كان لا يطمئن قلبه إليه فيحترز متلطفا ولا يهتك ستره بالسؤال قال لأني لم أر أحدا من العلماء فعله فهذا منه مع ما اشتهر به من الزهد يدل على مسامحة فيما إذا خالط المال الحرام القليل ولكن ذلك عند التوهم لا عند التحقيق لأن لفظ الريبة يدل على التوهم بدلالة تدل عليه ولا يوجب اليقين فليراع هذه الدقائق بالسؤال مسالة ربما يقول القائل أي فائدة في السؤال ممن بعض ماله حرام ومن يستحل المال الحرام ربما يكذب فإن وثق بأمانته فليثق بديانته في الحلال فأقول مهما علم مخالطة الحرام لمال إنسان وكان له غرض في حضورك ضيافته أو قبولك هديته فلا تحصل الثقة بقوله فلا فائدة للسؤال منه فينبغي أن يسأل من غيره وكذا إن كان بياعا وهو يرغب في البيع لطلب الربح فلا تحصل الثقة بقوله إنه حلال ولا فائدة في السؤال منه وإنما يسأل من غيره وإنما يسأل من صاحب اليد إذا لم يكن متهما كما يسأل المتولى على المال الذي يسلمه أنه من أي جهة وكما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الهدية والصدقة فإن ذلك لا يؤذى ولا يتهم القائل فيه وكذلك إذا اتهمه بأنه ليس يدرى طريق كسب الحلال فلا يتهم في قوله إذا أخبر عن طريق صحيح وكذلك يسأل عبده وخادمه ليعرف طريق اكتسابه فههنا يفيد السؤال فإذا كان صاحب المال متهما فليسأل من غيره فإذا أخبره عدل واحد قبله وإن أخبره فاسق يعلم من قرينه حاله أنه لا يكذب حيث لا غرض له فيه جاز قبوله لأن هذا أمر بينه وبين الله تعالى والمطلوب ثقة النفس وقد يحصل من الثقة بقول الفاسق ما لا يحصل بقول عدل في بعض الأحوال وليس كل من فسق يكذب ولا كل من ترى العدالة في ظاهره يصدق وإنما نيطت الشهادة بالعدالة الظاهرة لضرورة الحكم فإن البواطن لا يطلع عليها وقد قبل أبو حنيفة رحمه الله شهادة الفاسق وكم من شخص تعرفه وتعرف أنه قد يقتحم المعاصي ثم إذا أخبرك بشيء وثقت به وكذلك إذا اخبر به صبي مميز ممن عرفته بالتثبت فقد تحصل الثقة بقوله فيحل الاعتماد عليه فأما إذا أخبر به مجهول لا يدري من حاله شيء أصلا فهذا ممن جوزنا الأكل من يده لأن يده دلالة ظاهرة على ملكه وربما يقال إسلامه دلالة ظاهرة على صدقة وهذا فيه نظر ولا يخلو قوله عن أثر ما في النفس حتى لو اجتمع منهم جماعة تفيد ظنا قويا إلا أن أثر الواحد فيه في غاية الضعف فلينظر إلى حد تأثيره في القلب فإن المفتي هو القلب في مثل هذا الموضع وللقلب التفاتات إلى قرائن خفية يضيق عنها نطاق النطق فليتأمل فيه ويدل على وجوب الالتفات إليه ما روى عن عقبة بن الحارث أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال إني تزوجت امرأة فجاءت أمة سوداء فزعمت أنها قد ارضعتنا وهي كاذبة فقال دعها فقال إنها سوداء يصغر من شأنها فقال عليه السلام فكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها عنك حديث عقبة إني تزوجت امرأة فجائتنا أمة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة رواه البخاري من حديث عقبة ابن الحارث وفي لفظ آخر كيف وقد قيل ومهما لم يعلم كذب المجهول ولم تظهر أمارة غرض له فيه كان له وقع في القلب لا محالة فلذلك يتأكد الأمر بالاحتراز فإن اطمأن إليه القلب كان الاحتراز حتما واجبا مسألة حيث يجب السؤال فلو تعارض قول عدلين تساقطا وكذا قول فاسقين ويجوز أن يترجح في قلبه قول أحد العدلين أو أحد الفاسقين ويجوز أن يرجح أحد الجانبين بالكثرة أو بالاختصاص بالخبرة والمعرفة وذلك مما يتشعب تصويره مسالة لو نهب متاع مخصوص فصادف من ذلك النوع متاعا في يد إنسان وأراد أن يشتريه واحتمل أن لا يكون من المغصوب فإن كان ذلك الشخص ممن عرفه بالصلاح جاز الشراء وكان تركه من الورع وإن كان الرجل مجهولا لا يعرف منه شيئا فإن كان يكثر نوع ذلك المتاع من غير المغصوب فله أن يشتري وإن كان لا يوجد ذلك المتاع في تلك البقعة الا نادرا وإنما كثر بسبب الغصب فليس بدل على الحل الا اليد وقد عارضته علامة خاصة من شكل المتاع ونوعه فالامتناع عن شرائه من الورع المهم ولكن الوجوب فيه نظر فإن العلامة متعارضة ولست أقدر على أن أحكم فيه بحكم إلا أردة إلى قلب المستفتي لينظر ما الأقوى في نفسه فإن كان الأقوى أنه مغصوب لزمه تركه وإلا حل له شراؤه وأكثر هذه الوقائع يلتبس الأمر فيها فهي من المتشابهات التي لا يعرفها كثير الناس فمن توقاها فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن اقتحمها فقد حام حول الحمى وخاطر بنفسه مسألة لو قال قائل قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن لبن قدم إليه فذكر أنه من شاة فسأل عن الشاة من أين هي فذكر له فسكت عن السؤال حديث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن لبن قدم إليه الحديث تقدم في الباب الخامس من آداب الكسب والمعاش فيجب السؤال عن أصل المال أم لا وإن وجب فعن أصل واحد أو اثنين أو ثلاثة وما الضبط فيه فأقول لا ضبط فيه ولا تقدير بل ينظر إلى الريبة المقتضية للسؤال إما وجوبا أو ورعا ولا غاية للسؤال الا حيث تنقطع الريبة المقتضية له وذلك يختلف باختلاف الأحوال فإن كانت التهمة من حيث لا يدري صاحب اليد كيف طريق الكسب الحلال فإن قال اشتريت انقطع بسؤال واحد وإن قال من شاتي وقع الشك في الشاة فإذا قال اشتريت انقطع وإن كانت الريبة من الظلم وذلك مما في أيدي العرب ويتوالد في أيديهم المغصوب فلا تنقطع الريبة بقوله إنه من شاتي ولا بقوله إن الشاة ولدتها شاتي فإن أسنده إلى الوراثة من أبيه وحالة أبيه مجهولة انقطع السؤال وإن كان يعلم أن جميع مال أبيه حرام فقد ظهر التحريم وإن كان يعلم أن أكثره حرام فبكثرة التوالد وطول الزمان وتطرق الإرث إليه لا يغير حكمه فلينظر في هذه المعاني مسألة سئلت عن جماعة من سكان خانقاه الصوفية وفي يد خادمهم الذي يقدم إليهم الطعام وقف على ذلك المسكن ووقف آخر على جهة أخرى غير هؤلاء وهو يخلط الكل وينفق على هؤلاء وهؤلاء فأكل طعامه حلال أو حرام أو شبهة فقلت إن هذا يلتفت إلى سبعة أصول الأصل الأول أن الطعام الذي يقدم إليهم في الغالب يشتريه بالمعاطاة والذي اخترناه صحة المعاطاة لا سيما في الأطعمة والمستحقرات فليس في هذا إلا شبهة الخلاف الأصل الثاني أن ينظر أن الخادم هل يشتريه بعين المال الحرام او في الذمة فإن اشتراه بعين المال الحرام فهو حرام وإن لم يعرف فالغالب أنه يشتري في الذمة ويجوز الأخذ بالغالب ولا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال بعيد وهو شراؤه بعين مال حرام الأصل الثالث أنه من أين يشتريه فإن اشترى ممن أكثر ماله حرام لم يجز وإن كان اقل ماله ففيه نظر قد سبق وإذا لم يعرف جاز له الأخذ بأنه يشتريه ممن ماله حلال أو ممن لا يدري المشتري حاله بيقين كالمجهول وقد سبق جواز الشراء من المجهول لأن ذلك هو الغالب فلا ينشأ من هذا تحريم بل شبهة احتمال الأصل الرابع أن يشتريه لنفسه أو للقوم فإن المتولي والخادم كالنائب وله أن يشتري له ولنفسه ولكن يكون ذلك بالنية أو صريح اللفظ وإذا كان الشراء يجري بالمعاطاة فلا يجري اللفظ والغالب أنه لا ينوي عند المعاطاة والقصاب والخباز ومن يعامله يعول عليه ويقصد البيع منه لا ممن لا يحضرون فيقع عن جبهته ويدخل في ملكه وهذا الأصل ليس فيه تحريم ولا شبهة ولكن يثبت أنهم يأكلون من ملك الخادم الأصل الخامس أن الخادم يقدم الطعام إليهم فلا يمكن أن يجعل ضيافة وهدية بغير عوض فإنه لا يرضى بذلك وإنما يقدم اعتمادا على عوضه من الوقف فهو معاوضة ولكن ليس ببيع ولا إقراض لأنه لو انتهض لمطالبتهم بالثمن استبعد ذلك وقرينة الحال لا تدل عليه فأشبه أصل ينزل عليه هذه الحالة الهبة بشرط الثواب أعني هدية لا لفظ فيها من شخص تقتضي قرينة حاله أنه يطمع في ثواب وذلك صحيح والثواب لازم وههنا ما طمع الخادم في أن يأخذ ثوابا فيما قدمه إلا حقهم من الوقف ليقضي به دينه من الخباز والقصاب والبقال فهذا ليس فيه شبهة إذ لا يشترط لفظ في الهدية ولا في تقديم الطعام وإن كان مع انتظار الثواب ولا مبالاة بقول من لا يصحح هدية في انتظار ثواب الأصل السادس أن الثواب الذي يلزم فيه خلاف فقيل إنه أقل متمول وقيل قدر القيمة وقيل ما يرضى به الواهب حتى له أن لا يرضى بأضعاف القيمة والصحيح أنه يتبع رضاه فإذا لم يرض يرد عليه وههنا الخادم قد رضي بما يأخذ من حق السكان على الوقف فإن كان لهم من الحق بقدر ما أكلوه فقد تم الأمر وإن كان ناقصا ورضي به الخادم صح أيضا وإن علم أن الخادم لا يرضى لولا أن في يده الوقف الآخر الذي يأخذه بقوة هؤلاء السكان فكأنه رضي في الثواب بمقدار بعضه حلال وبعضه حرام والحرام لم يدخل في أيدي السكان فهذا كالخلل المتطرق إلى الثمن وقد ذكرنا حكمه من قبل وأنه متى يقتضي التحريم ومتى يقتضي الشبهة وهذا لا يقتضي تحريما على ما فصلناه فلا تنقلب الهدية حراما يتوصل المهدي بسبب الهدية إلى حرام الأصل السابع أنه يقضي دين الخباز والقصاب والبقال من ريع الواقفين فإن وفى ما أخذ من حقهم بقيمة ما أطعمهم فقد صح الأمر وإن قصر عنه فرضي القصاب والخباز بأي ثمن كان حراما أو حلالا فهذا خلل تطرق إلى ثمن الطعام أيضا فليلتفت إلى ما قدمنا من الشراء في الذمة ثم قضاء الثمن من الحرام هذا إذا علم أنه قضاه من حرام فإن احتمل ذلك واحتمل غيره فالشبهة أبعدوقد خرج من هذا أن أكل هذا ليس بحرام ولكنه أكل شبهة وهو بعيد من الورع لأن هذه الأصول إذا كثرت وتطرق إلى كل واحد احتمال صار احتمال الحرام بكثرته أقوى في النفس كما أن الخبر إذا طال إسناده صار احتمال الكذب والغلط فيه أقوى مما إذا قرب إسناده فهذا حكم هذه الواقعة وهي من الفتاوى وإنما أوردناها ليعرف كيفية تخريج الوقائع الملتفة الملتبسة وأنها كيف ترد إلى الأصول فإن ذلك مما يعجز عنه أكثر المفتين الباب الرابع في كيفة خروج التائب عن المظالم المالية اعلم أن من تاب وفي يده مختلط فعليه وظيفة في تمييز الحرام وإخراجه ووظيفة أخرى في مصرف المخرج فلينظر فيهما النظر الأول في كيفية التمييز والإخراج أعلم أن كل من تاب وفي يده ما هو حرام معلوم العين من غصب أو وديعة أو غيره فأمره سهل فعليه تمييز الحرام وإن كان ملتبسا مختلطا فلا يخلو إما أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال كالحبوب والنقود والأدهان وإما أن يكون في أعيان متمايزة كالعبيد والدور والثياب فإن كان في المتماثلات أو كان شائعا في كله كمن اكتسب المال بتجارة يعلم أنه قد كذب في بعضها في المرابحة وصدق في بعضها أو من غصب دهنا وخلطه بدهن نفسه أو فعل ذلك في الحبوب أوالدراهم والدنانير فلا يخلو ذلك إما أن يكون معلوم القدر أو مجهولا فإن كان معلوم القدر مثل أن يعلم أن قدر النصف من جملة ماله حرام فعليه تمييز النصف وإن شكل فله طريقان أحدهما الأخذ باليقين والآخر الأخذ بغالب الظن وكلاهما قد قال به العلماء في اشتباه ركعات الصلاة ونحن لا نجوز في الصلاة إلا الأخذ باليقين فإن الأصل اشتغال الذمة فيستصحب ولا يغير إلا بعلامة قوية وليس في أعداد الركعات علامات يوثق بها وأما ههنا فلا يمكن أن يقال الأصل أن ما في يده حرام بل هو مشكل فيجوز له الأخذ بغالب الظن اجتهادا ولكن الورع في الأخذ باليقين فإن أراد الورع فطريق التحري والإجتهاد أن لا يستبقي إلا القدر الذي يتيقن أنه حلال وإن أراد الأخذ بالظن فطريقة مثلا أن يكون في يده مال تجارة فسد بعضها فيتيقن أن النصف حلال وأن الثلث مثلا حرام ويبقى سدس يشك فيه فيحكم فيه بغالب الظن وهكذا طريق التحري في كل مال وهو أن يقتطع القدر المتيقن من الجانبين في الحل والحرمة والقدر المتردد فيه إن غلب على ظنه التحريم أخرجه وإن غلب الحل جاز له الإمساك والورع إخراجه وإن شك فيه جاز الإمساك والورع إخراجه وهذا الورع آكد لأنه صار مشكوكا فيه وجاز إمساكه اعتمادا على أنه في يده فيكون الحل أغلب عليه وقد صار ضعيفا بعد يقين اختلاط الحرام ويحتمل أن يقال الأصل التحريم ولا يأخذ إلا ما يغلب على ظنه أنه حلال وليس أحد الجانبين بأولى من الآخر وليس يتبين لي في الحال ترجيح وهو من المشكلات فإن قيل هب أنه أخذ باليقين لكن الذي يخرجه ليس يدري أنه عين الحرام فلعل الحرام ما بقي في يده فكيف يقدم عليه ولو جاز هذا لجاز أن يقال إذا اختلطت ميتة بتسع مذكاة فهي العشر فله أن يطرح واحدة أي واحدة كانت ويأخذ الباقي ويستحله ولكن يقال لعل الميتة فيما استبقاه بل لو طرح التسع واستبقى واحدة لم تحل لاحتمال أنها الحرام فنقول هذه الموازنة كانت تصح لولا أن المال يحل بإخراج البدل لتطرق المعاوضة إليه وأما الميتة فلا تتطرق المعاوضة إليها فليكشف الغطاء عن هذا الإشكال بالفرض في درهم معين اشتبه بدرهم آخر فيمن له درهمان أحدهما حرام قد اشتبه عينه وقد سئل أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن مثل هذا فقال يدع الكل حتى يتبين وكان قد رهن آنية فلما قضى الدين حمل إليه المرتهن آنيتين وقال لا أدري أيتهما آنيتك فتركهما فقال المرتهن هذا الذي هو لك وإنما كنت اختبرك فقضى دينه ولم يأخذ الرهن وهذا ورع ولكنا نقول إنه غير واجب فلنفرض المسألة في درهم له مالك معين حاضر فنقول إذا رد أحد الدرهمين عليه ورضي به مع العلم بحقيقة الحال حل له الدرهم الآخر لأنه لا يخلو إما أن يكون المردود في علم الله هو المأخوذ فقد حصل المقصود وإن كان غير ذلك فقد حصل لكل واحد درهم في يد صاحبه فالاحتياط أن يتبايعا باللفظ فإن لم يفعلا وقع التقاص والتبادل بمجرد المعاطاة وإن كان المغصوب منه قد فات له درهم في يد الغاصب وعسر الوصول إلى عينه واستحق ضمانه فلما أخذه وقع عن الضمان بمجرد القبض وهذا في جانبه واضح فإن المضمون له يملك الضمان بمجرد القبض من غير لفظ والإشكال في الجانب الآخر أنه لم يدخل في ملكه فنقول لأنه أيضا إن كان قد تسلم درهم نفسه فقد فات له أيضا درهم في يد الآخر فليس يمكن الوصول إليه فهو كالغائب فيقع هذا بدلا عنه في علم الله إن كان الأمر كذلك ويقع هذا التبادل في علم الله كما يقع التقاص لو أتلف رجلان كل واحد منهما درهما على صاحبه بل في عين مسألتنا لو ألقى كل واحد ما في يده في البحر أو أحرقه كان قد اتلفه ولم يكن عليه عهدة للآخر بطريق التاقص فكذا إذا لم يتلف فإن القول بهذا أولى من المصير إلى أن من يأخذ درهما حراما ويطرحه في ألف ألف درهم لرجل آخر يصير كل المال محجورا عليه لا يجوز التصرف فيه وهذا المذهب يؤدي إليه فانظر ما في هذا من البعد وليس فيما ذكرناه الا ترك اللفظ والمعاطاة بيع ومن لا يجعلها بيعا فحيث يتطرق إليها احتمال إذ الفعل يضعف دلالته وحيث يمكن التلفظ وههنا هذا التسليم والتسلم للمبادلة قطعا والبيع غير ممكن لأن المبيع غير مشار إليه ولا معلوم في عينه وقد يكون مما لا يقبل البيع كما لو خلط رطل دقيق بألف رطل دقيق لغيره وكذا الدبس والرطب وكل ما لا يباع البعض منه بالبعض فإن قيل فأنتم جوزتم تسليم قدر حقه في مثل هذه الصورة وجعلتموه بيعا قلنا لا نجعله بيعا بل نقول هو بدل عما فات في يده فيملكه كما يملك المتلف عليه من الرطب إذا أخذ مثله هذا إذا ساعده صاحب المال فإن لم يساعده وأضر به وقال لا آخذ درهما أصلا الا عين ملكي فإن استهم فأتركه ولا أهبة وأعطل عليك مالك فأقول على القاضي أن ينوب عنه في القبض حتى يطيب للرجل ماله فإن هذا محض التعنت والتضييق والشرع لم يرد به فإن عجز عن القاضي ولم يجده فليحكم رجلا متدينا ليقبض عنه فإن عجز فيتولى هو بنفسه ويفرد على نية الصرف إليه درهما ويتعين ذلك له ويطيب له الباقي وهذا في خلط المائعات أظهر وألزم فإن قيل فينبغي أن يحل له الأخذ وينتقل الحق إلى ذمته فأي حاجة إلى الإخراج اولا ثم التصرف في الباقي قلنا قال قائلون يحل له أن يأخذ ما دام يبقى قدر الحرام ولا يجوز أن يأخذ الكل ولو أخذ لم يجز له ذلك وقال آخرون ليس له أن يأخذ ما لم يخرج قدر الحرام بالتوبة وقصد الإبدال وقال آخرون يجوز للآخذ في التصرف أن يأخذ منه وأما هو فلا يعطي فإن أعطى عصى هو دون الآخذ منه وما جوز أحد أخذ الكل وذلك لأن المالك لو ظهر فله أن يأخذ حقه من هذه الجملة إذ يقول لعل المصروف إلي يقع عين حقي وبالتعيين وإخراج حق الغير وتمييزه يندفع هذا الاحتمال فهذا المال يترجح بهذا الاحتمال على غيره وما هو أقرب إلى الحق مقدم كما يقدم المثل على القيمة والعين على المثل فكذلك ما يحتمل فيه رجوع المثل مقدم على ما يحتمل فيه رجوع القيمة وما يحتمل فيه رجوع العين يقدم على ما يحتمل فيه رجوع المثل ولو جاز لهذا أن يقول ذلك لجاز لصاحب الدرهم الآخر أن يأخذ الدرهمين ويتصرف فيهما ويقول على قضاء حقك من موضع آخر إذ الاختلاط من الجانبين وليس ملك أحدهما بأن يقدر فائتا بأولى من الآخر الا أن ينظر إلى الأقل فيقدر أنه فائت فيه أو ينظر إلى الذي خلط فيجعل بفعله متلفا لحق غيره وكلاهما بعيدان جدا وهذا واضح في ذوات الأمثال فإنها تقع عوضا في الإتلافات من غير عقد فأما إذا اشتبه دار بدور أو عبد بعبيد فلا سبيل إلى المصالحة والتراضي فإن ابى أن يأخذ الا عين حقه ولم يقدر عليه وأراد الآخر أن يعوق عليه جميع ملكه فإن كانت متماثلة القيم فالطريق أن يبيع القاضي جميع الدور ويوزع عليهم الثمن بقدر النسبة وإن كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور وصرف إلى الممتنع منه مقدار قيمة الأقل ويوقف قدر التفاوت إلى البيان أو الإصلاح لأنه مشكل وإن لم يوجد القاضي فللذي يريد الخلاص وفي يده الكل أن يتولى ذلك بنفسه هذه هي المصلحة وما عداها من الاحتمالات ضعيفة لا نختارها وفيما سبق تنبيه على العلة وهذا في الحنطة ظاهر وفي النقود دونه وفي العروض أغمض إذ لا يقع البعض بدلا عن البعض فذلك احتيج إلى البيع ولترسم مسائل يتم بها البيان هذا الأصل مسألة إذا ورث مع جماعة وكان السلطان قد غصب ضيعة لمورثهم فرد عليه قطعة معينة فهي لجميع الورثة ولو رد من الضيعة نصفا وهو قدر حقه ساهمه الورثة فإن النصف الذي له لا يتميز حتى يقال هو المردود والباقي هو المغصوب ولا يصير مميزا بنية السلطان وقصده حصر الغصب في نصيب الآخرين مسألة إذا وقع في يده مال أخذه من سلطان ظالم ثم تاب و المال عقار و كان قد حصل منه انتفاع فينبغي أن يحسب أجر مثله لطول تلك المدة و كذلك كل مغصوب له منفعة أو حصل منه زيادة فلا تصح توبته مالم يخرج أجرة المغصوب وكذلك كل زيادة حصلت منه وتقدير أجرة العبيد و الثياب والأواني وأمثال ذلك مما لا يعتاد إجارتها مما يعسر ولا يدرك ذلك إلا باجتهاد وتخمين وهكذا كل التقويمات تقع بالاجتهاد و طريق الورع الأخذ بالأقصى وما ربحه على المال المغصوب في عقود عقدها على الذمة و قضى الثمن منه فهو ملك له ولكن فيه شبهة إذ كان ثمنه حراما كما سبق حكمه وان كان بأعيان تلك الأموال فالعقود كانت فاسدة وقد قيل تنفذ بإجازة المغصوب منه للمصلحة فيكون المغصوب منه أولى به والقياس أن تلك العقود تفسخ وتسترد الثمن و ترد الأعواض فإن عجز عنه لكثرته فهي أموال حرام حصلت في يده فللمغصوب منه قدر رأس ماله و الفضل حرام يجب إخراجه لتتصدق به ولا يحل للغاصب ولا للمغصوب منه بل حكمة حكم كل حرام يقع في يده مسألة من ورث مالا ولم يدر أن مورثه من أين اكتسبه أمن حلال أم من حرام ولم يكن ثم علامة فهو حلال باتفاق العلماء وان علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج مقدار الحرام بالتحرى فإن لم يعلم ذلك ولكن علم أن مورثه كان يتولى أعمالا للسلاطين واحتمل انه لم يكن خذ في عمله شيئا أو كان قد أخذ ولم يبق في يده منه شيء لطول المدة فهذه شبهة يحسن التورع عنها ولا يجب وان علم أن بعض ماله كان من الظلم فيلزمه إخراج ذلك القدر بالاجتهاد و قال بعض العلماء لا يلزمه و الإثم على المورث واستدل بما روى أن رجلا ممن ولى عمل السلطان مات فقال صحابي الآن طاب ماله أي لوارثه وهذا ضعيف لأنه لم يذكر اسم الصحابي ولعله صدر من متساهل فقد كان في الصحابة من يتساهل و لكن لا نذكره لحرمة الصحبة و كيف يكون موت الرجل مبيحا للحرام المتيقن المختلط ومن أين يؤخذ هذا نعم إذا لم يتيقن يجوز أن يقال هو غير مأخوذ بما لا يدري فيطيب لوارث لا يدرى أن فيه حراما يقينا النظر الثاني في المصرف فإذا أخرج الحرام فله ثلاثة أحوال إما أن يكون له مالك معين فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه وان كان غائبا فينتظر حضوره أو الإيصال إليه وإن كانت له زيادة و منفعة فلتجمع فوائده إلى وقت حضوره وإما أن يكون لمالك غير معين وقع اليأس من الوقوف على عيبه ولا يدري أنه مات عن وارث أم لا فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك ويوقف حتى يتضح الأمر فيه وربما لا يمكن الرد لكثرة الملاك كغلول الغنيمة فإنها بعد تفرق الغزاة كيف يقدر على جمعهم وان قدر فكيف يفرق دينارا واحد مثلا على ألف أو ألفين فهذا ينبغي أن يتصدق به وإما من مال الفئ و الأموال المرصدة لمصالح المسلمين كافة فيصرف ذلك إلى القناطر و المساجد والرباطات ومصانع طريق مكة و أمثال هذه الأمور التي يشترك في الانتفاع بها كل من يمر بها من المسلمين ليكون عاما للمسلمين وحكم القسم الأول لا شبهة فيه أما التصدق وبناء القناطر فينبغي أن يتولاه القاضي فيسلم إليه المال إن وجد قاضيا متدينا وان كان القاضى مستحلا فهو بالتسليم إليه ضامن لو ابتدأ به فيما لا يضمنه فكيف يسقط عنه به ضمان قد استقر عليه بل يحكم من أهل البلد عالما متدينا فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز فليتول ذلك بنفسه فإن المقصود الصرف وأما عين الصارف فإنما نطلبه لمصارف دقيقة في المصالح فلا يترك اصل الصرف بسبب العجز عن صارف هو أولى عند القدرة عليه فإن قيل ما دليل جواز التصدق بما هو حرام وكيف يتصدق بما لا يملك وقد ذهب جماعة إلى أن ذلك غير جائز لانه حرام وحكى عن الفضيل انه وقع في يده درهمان فلما علم أنهما من غير وجههما رماهما بين الحجارة وقال لا أتصدق إلا بالطيب ولا أرضى لغيري مالا أرضاه لنفسي فنقول نعم ذلك له وجه واحتمال وإنما اخترنا خلافه للخبر والأثر و القياس أما الخير فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت إليه فكلمته بأنها حرام إذ قال صلى الله عليه وسلم  أطعموها الأسارى حديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالتصدق بالشاة المصلية التي قدمت بين يديه وكلمته بأنها حرام إذ قال أطعموها الأسارى رواه احمد من حديث رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في جنازة فلما رجعنا لقينا راعي امرأة من قريش فقال أن فلانة تدعوك ومن معك إلى طعام الحديث وفيه فقال أجد لحم شاة أخذت بغير أذن أهلها وفيه فقال أطعموها الأسارى وإسناده جيد ولما نزل قوله تعالى ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون كذبه المشركون و قالوا للصحابة إلا ترون ما يقول صاحبكم يزعم أن الروم ستغلب فخاطرهم أبو بكر رضي الله عنه بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فلما حقق الله صدقه وجاء أبو بكر رضي الله عنه بما قامرهم به قال عليه الصلاة و السلام هذا سحت فتصدق به وفرح المؤمنون بنصر الله و كان قد نزل تحريم القمار بعد إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  له في المخاطرة مع الكفار حديث مخاطرة أبي بكر المشركين بأذنه صلى الله عليه وسلم  لما نزل قوله تعالى آلم غلبت الروم وفيه فقال صلى الله عليه وسلم  هذا سحت فتصدق به أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس وليس فيه أن ذلك كان بأذنه صلى الله عليه وسلم  و الحديث عند الترمذي وحسنه و الحاكم وصححه دون قوله أيضا هذا سحت فتصدق به وأما الأثر فإن ابن مسعود رضي الله عنه اشترى جارية فلم يظفر بمالكها لينقده الثمن فطلبه كثيرا فلم يجده فتصدق بالثمن وقال اللهم هذا عنه إن رضي وإلا فالأجر لي وسئل الحسن رضي الله عنه عن توبة الغال وما يؤخذ منه بعد تفرق الجيش فقال يتصدق به وروى أن رجلا سولت له نفسه فغل مائة دينار من الغنيمة ثم أتى اميرة ليردها عليه فأبى أن يقبضها و قال له تفرق الناس فأتى معاوية فأبى أن يقبض فأتى بعض النساك فقال ادفع خمسها إلى معاوية وتصدق بما يبقى فبلغ معاوية قوله فتلهف إذا لم يخطر له ذلك وقد ذهب احمد بن حنبل و الحارس المحاسبى و جماعة من الورعين إلى ذلك وأما القياس فهو أن يقال أن هذا المال مردد بين أن يضيع وبين أن يصرف إلى خير إذ قد وقع اليأس من مالكه وبالضرورة يعلم أن صرفه إلى خير أولى من إلقائه في البحر فأنا أن رميناه في البحر فقد فوتناه على أنفسنا وعلى المالك ولم تحصل منه فائدة وإذا رميناه في يد فقير يدعو لمالكه حصل للمالك بركة دعائه وحصل للفقير سد حاجته وحصول الأجر للمالك بغير اختياره في التصدق لا ينبغي أن ينكر فإن في الخبر الصحيح أن للزارع و الغارس أجرا في كل ما يصيبه الناس و الطيور من ثماره وزرعه حديث أجر الزارع و الغارس في كل ما يصيب الناس والطيور أخرجه البخاري من حديث انس ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له صدقة وذلك بغير اختياره واما قول القائل لا نتصدق إلا بالطيب فذلك إذا طلبنا الأجر لأنفسنا ونحن الآن نطلب الخلاص من المظلمة لا الأجر وترددنا بين التضييع وبين التصدق ورجحنا جانب التصدق على جانب التضييع وقول القائل لا نرضى لغيرنا مالا نرضاه لأنفسنا فهو كذلك ولكنه علينا حرام لاستغنائنا عنه وللفقير حلال إذ أحله دليل الشرع وإذا اقتضت المصلحة التحليل وجب التحليل و إذا حل فقد رضينا له الحلال ونقول أن له أن يتصدق على نفسه وعياله إذا كان فقيرا أما عياله وأهله فلا يخفي لان الفقر لا ينتفى عنهم بكونهم من عياله وأهله بل هم أولى من يتصدق عليهم وأما هو فله أن يأخذ منه قدر حاجته لانه أيضا فقير ولو تصدق به على فقير لجاز وكذا إذا كان هو الفقير ولنرسم في بيان هذا الأصل أيضا مسائل مسألة إذا وقع في يده مال من يد سلطان قال قوم يرد إلى السلطان فهو أعلم بما تولاه فيقلده ما تقلده وهو خير من أن يتصدق به واختار المحاسبي ذلك وقال كيف يتصدق به فلعل له مالكا معينا ولو جاز ذلك لجاز أن يسرق من السلطان ويتصدق به و قال قوم يتصدق به إذا علم أن السلطان لا يرده إلى المالك لان ذلك إعانة للظالم وتكثير لأسباب ظلمه فالرد إليه تضييع لحق المالك والمختار انه إذا علم من عادة السلطان انه لا يرده إلى مالكه فيتصدق به عن مالكه فهو خير للمالك أن كان له مالك معين من أن يرد على السلطان لأنه ربما لا يكون له مالك معين ويكون حق المسلمين فرده على السلطان تضييع فإن كان له مالك معين فالرد على السلطان تضييع وإعانة للسلطان الظالم وتفويت لبركة دعاء الفقير على المالك وهذا ظاهر فإذا وقع في يده من ميراث ولم يتعد هو بالأخذ من للسلطان فإنه شبيه باللقطة التي أيس عن معرفة صاحبها إذا لم يكن له أن يتصرف فيها بالتصدق عن المالك ولكن له أن يتملكها ثم وان كان غنيا من حيث انه اكتسبه من وجه مباح وهو الالتقاط وههنا لم يحصل المال من وجه مباح فيؤثر في منعه من التملك ولا يؤثر في المنع من التصدق مسألة إذا حصل في يده مال لا مالك له وجوزنا له أن يأخذ قدر حاجته لفقره ففي قدر حاجته نظر ذكرناه في كتاب أسرار الزكاة فقد قال قوم يأخذ كفاية سنة لنفسه وعياله وإن قدر على شراء ضيعة أو تجارة يكتسب بها للعائلة فعل وهذا ما اختاره المحاسبي ولكنه قال الأولى أن يتصدق بالكل أن وجد من نفسه قوة التوكل وينتظر لطف الله تعالى في الحلال فإن لم يقدر فله أن يشتري ضيعة أو يتخذ رأس مال يتعيش بالمعروف منه وكل يوم وجد فيه حلالا أمسك ذلك اليوم عنه فإذا فنى عاد إليه فإذا وجد حلالا معينا تصدق بمثل ما أنفقه من قبل ويكون ذلك قرضا عنده ثم انه يأكل الخبز ويترك اللحم أن قوي عليه و إلا أكل اللحم من غير تنعم وتوسع وما ذكره لا مزيد عليه ولكن جعل ما أنفقه قرضا عنده فيه نظر ولا شك في أن الورع أن يجعله قرضا فإذا وجد حلالا تصدق بمثله ولكن مهما لم يجب ذلك على الفقير الذي يتصدق به عليه فلا يبعد أن لا يجب عليه أيضا إذا أخذه لفقره لا سيما إذا وقع في يده من ميراث ولم يكن متعديا بغصبه وكسبه حتى يغلظ الأمر عليه فيه مسألة إذا كان في يده حلال وحرام أو شبهة وليس يفضل الكل عن حاجته فإذا كان له عيال فليخص نفسه بالحلال لأن الحجة عليه أوكد في نفسه منه في عبده وعياله وأولاده الصغار و الكبار من الأولاد يحرسهم من الحرام أن كان لا يفضى بهم إلى ما هو أشد منه فإن أفضى فيطعمهم بقدر الحاجة وبالجملة ما يحذره في غيره فهو محذور في نفسه وزيادة وهو أنه يتناول مع العلم و العيال ربما تعذر إذا لم تعلم إذ لم تتول الأمر بنفسها فليبدأ بالحلال بنفسه ثم بمن يعول وإذا تردد في حق نفسه بين ما يخص قوته وكسوته وبين غيره من المؤن كأجرة الحجام و الصباغ والقصار والحمال والأطلاء بالنورة والدهن وعمارة المنزل وتعهد الدابة وتسجير التنور وثمن الحطب ودهن السراج فليخص بالحلال قوته ولباسه فإن ما يتعلق ببدنه ولا غنى به عنه هو أولى بان يكون طيبا وإذا دار الأمر بين القوت واللباس فيحتمل أن يقال يخص القوت بالحلال لانه ممتزج بلحمه ودمه وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به واما الكسوة ففائدتها ستر عورته ودفع الحر والبرد والأبصار عن بشرته وهذا هو الأظهر عندي وقال الحارث المحاسبي يقدم اللباس لأنه يبقى عليه مدة و الطعام لا يبقي عليه لما روي أنه لا يقبل الله صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دراهم فيها درهم حرام حديث لا تقبل صلاة من عليه ثوب اشتراه بعشرة دارهم وفيها درهم حرام أخرجه احمد من حديث ابن عمر وقد تقدم وهذا محتمل ولكن أمثال هذا قد ورد فيمن في بطنه حرام ونبت لحمه من حرام حديث الجسد نبت من الحرام تقدم فمراعاة اللحم والعظم أن ينبته من الحلال أولى ولذلك تقيأ الصديق رضي الله عنه ما شربه مع الجهل حتى لا ينبت منه لحم يثبت ويبقى فإن قيل فإذا كان الكل منصرفا إلى أغراضه فأي فرق بين نفسه وغيره وبين جهة وجهة وما مدرك هذا الفرق قلنا عرف ذلك بما روى أن رافع بن خديج رحمه الله مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن ذلك فنهى عن كسب الحجام فروجع مرات فمنع منه فقيل إن له أيتاما فقال أعلفوه الناضح حديث أن رافع بن خديج مات وخلف ناضحا وعبدا حجاما الحديث وفيه أعلفوه الناضح أخرجه أحمد والطبراني من رواية عباية بن رفاعة بن خديج أن جده حين مات ترك جارية وناضحا وغلاما حجاما الحديث وليس المراد بجده رافع بن خديج فإنه بقى إلى سنة أربع وسبعين فيحتمل أن المراد جده الأعلى وهو خديج ولم أر له ذكرا في الصحابة وفي رواية للطبراني عن عباية بن رفاعه عن أبيه قال مات أبى وفي رواية له عن عباية قال مات رفاعة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم  الحديث وهو مضطرب فهذا يدل على الفرق بين مايأكله هو أو دابته فإذا انفتح سبيل الفرق فقس عليه التفصيل الذي ذكرناه مسألة الحرام الذي في يده لو تصدق به على الفقراء فله يوسع عليهم وإذا أنفق على نفسه فليضيق ما قدر وما أنفق على عياله فليقتصد وليكن وسطا بين التوسيع والتضييق فيكون الأمر على ثلاث مراتب فإن أنفق على ضيف قدم عليه وهو فقير فليوسع عليه وان كان غنيا فلا يطعمه إلا إذا كان في برية أو قدم ليلا ولم يجد شيئا فإنه في ذلك الوقت فقير وان كان الفقير الذي حضر ضيفا تقيا لو علم ذلك لتورع عنه فليعرض الطعام وليخبره جمعا بين حق الضيافة وترك الخداع فلا ينبغي أن يكرم أخاه بما يكره ولا ينبغي أن يعول على انه لا يدري فلا يضره فإن الحرام إذا حصل في المعدة أثر في قساوة القلب وان لم يعرفه صاحبه ولذلك تقيأ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وكانا قد شربا على جهل وهذا وان أفتينا بأنه حلال للفقراء أحللناه بحكم الحاجة إليه فهو كالخنزير و الخمر إذا أحللناهما بالضرورة فلا يلتحق بالطيبات مسألة إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى فان كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان والأخ والأخت قريبان من ذلك لان حقهما أيضا مؤكد وكذلك إذا ألبسته أمه ثوبا من شبهة وكانت تسخط برده فليقبل وليلبس بين يديها ولينزع في غيبتها وليجتهد أن لا يصلى فيه إلا عند حضورها فيصلي فيه صلاة المضطر وعند تعارض أسباب الورع ينبغي أن يتفقد هذه الدقائق وقد حكى عن بشر رحمه الله انه سلمت إليه أمه رطبة و قالت بحقى عليك أن تأكلها وكان يكرهه فأكل ثم صعد غرفة فصعدت أمه وراءه فرأته يتقيأ وإنما فعل ذلك لأنه أراد أن يجمع بين رضاها وبين صيانة المعدة وقد قيل لأحمد بن حنبل سئل بشر هل للوالدين طاعة في الشبهة فقال لا فقال أحمد هذا شديد فقيل له سئل محمد بن مقاتل العباداني عنها فقال بر والديك فماذا تقول فقال للسائل أحب أن تعفيني فقد سمعت ما قالا ثم قال ما أحسن أن تداريهما مسألة من في يده مال حرام محض فلا حج عليه ولا يلزمه كفارة مالية لأنه مفلس ولا تجب عليه الزكاة إذ معنى الزكاة وجوب إخراج ربع العشر مثلا وهذا يجب عليه إخراج الكل إما ردا على المالك أن عرفه أو صرفا إلى الفقراء إن لم يعرف المالك وأما إذا كان مال شبهة يحتمل أنه حلال فإذا لم يخرجه من يده لزمه الحج لأن كونه حلالا ممكن ولا يسقط الحج إلا بالفقر ولم يتحقق فقره وقد قال الله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وإذا وجب عليه التصدق بما يزيد على حاجته حيث يغلب على ظنه تحريمه فالزكاة أولى بالوجوب وان لزمته كفارة فليجمع بين الصوم والإعتاق ليتخلص بيقين وقد قال قوم يلزمه الصوم دون الإطعام إذ ليس له يسار معلوم وقال المحاسبي يكفيه الإطعام والذي نختاره أن كل شبهة حكمنا بوجوب اجتنابها وألزمناه إخراجها من يده لكون احتمال الحرام أغلب على ما ذكرناه فعليه الجمع بين الصوم والإطعام أما الصوم فلأنه مفلس حكما وأما الإطعام فلأنه قد وجب عليه التصدق بالجميع ويحتمل أن يكون له فيكون اللزوم من جهة الكفارة مسألة من في يده مال حرام أمسكه للحاجة فأراد أن يتطوع بالحج فإن كان ماشيا فلا بأس له لأنه سيأكل هذا المال في غير عبادة فأكله في عبادة أولى وان كان لا يقدر على أن يمشي ويحتاج إلى زيادة للمركوب فلا يجوز الأخذ لمثل هذه الحاجة في الطريق كما لا يجوز شراء المركوب في البلد وإن كان يتوقع القدرة على حلال لو أقام بحيث يستغنى به عن بقية الحرام فالأقامة في انتظاره أولى من الحج ماشيا بالمال الحرام مسألة من خرج لحج واجب بمال فيه شبهة فليجتهد أن يكون قوته من الطيب فان لم يقدر في قوت الإحرام إلى التحلل فإن لم يقدر فليجتهد يوم عرفة أن لا يكون قيامه بين يدي الله ودعاؤه في وقت مطعمه حرام وملبسه حرام فليجتهد أن لا يكون في بطنه حرام ولا على ظهره حرام فأنا وان جوزنا هذا بالحاجة فهو نوع ضرورة وما ألحقناه بالطيبات فان لم يقدر فليلازم قلبه الخوف والغم لما هو مضطر إليه من تناول ما ليس بطيب فعساه ينظر إليه بعين الرحمة ويتجاوز عنه بسبب حزنه وخوفه وكراهته مسألة سئل أحمد بن حنبل رحمه الله فقال له قائل مات أبي وترك مالا وكان يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال له دين وعليه دين فقال تقضي وتقتضى فقال أفترى ذلك فقال أفتدعه محتبسا بدينه وما ذكره صحيح وهو يدل على انه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام إذ قال يخرج قدر الربح وائه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقاص والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة الباب الخامس في إدرارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم أعلم أن من أخذ مالا من سلطان فلا بد له من النظر في ثلاثة أمور في مدخل ذلك إلى يد السلطان من أين هو وفي صفته التي بها يستحق الأخذ وفي المقدار الذي يأخذه هل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال شركائه في الاستحقاق النظر الأول في جهات الدخل للسلطان و كل ما يحل للسلطان سوى الأحياء وما يشترك فيه الرعية قسمان مأخوذ من الكفار وهو الغنيمة المأخوذة بالقهر والفيء وهو الذي حصل من مالهم في يده من غير قتال والجزية وأموال المصالحة وهي التي تؤخذ بالشروط والمعاقدة والقسم الثاني المأخوذ من المسلمين فلا يحل منه إلا قسمان المواريث وسائر الأمور الضائعة التي لا يتعين لها مالك والأوقاف التي لا متولى لها أما الصدقات فليست توجد في هذا الزمان وما عدا ذلك من الخراج المضروب على المسلمين و المصادرات وأنواع الرشوة كلها حرام فإذا كتب لفقيه أو غيره إدرار أو صلة أو خلعة على جهة فلا يخلو من أحوال ثمانية فانه أما أن يكتب له ذلك على الجزية أو على المواريث أو على الأوقاف أو على ملك أحياء السلطان أو على ملك اشتراه أو على عامل خراج المسلمين أو على بياع من جملة التجار أو على الخزانة فالأول هو الجزية وأربعة أخماسها للمصالح وخمسها لجهات معينة فما يكتب على الخمس من تلك الجهات أو على الأخماس الأربعة لما فيه مصلحة وروعي فيه الاحتياط في القدر فهو حلال بشرط أن لا تكون الجزية إلا مضروبة على وجه شرعى ليس فيها زيادة على دينار أو على أربعة دنانير فإنه أيضا في محل الاجتهاد وللسلطان أن يفعل ما هو في محل الاجتهاد وبشرط أن يكون الذمي الذي تؤخذ الجزية منه مكتسبا من وجه لا يعلم تحريمه فلا يكون عامل سلطان ظالما ولا بياع خمر ولا صبيا ولا امرأة إذ لا جزية عليهما فهذه أمور تراعى في كيفية ضرب الجزية ومقدارها وصفة من تصرف إليه ومقدار ما يصرف فيجب النظر في جميع ذلك الثاني المواريث والأموال الضائعة فهي للمصالح و النظر أن الذي خلفه هل كان ماله كله حراما أو أكثره أو أقله وقد سبق حكمه فان لم يكن حراما بقى النظر في صفة من يصرف إليه بأن يكون في الصرف إليه مصلحة ثم في المقدار المصروف الثالث الأوقاف وكذا يجرى النظر فيها كما يجري في الميراث مع زيادة أمر وهو شرط المواقف حتى يكون المأخوذ موافقا له في جميع شرائطه الرابع ما أحياه السلطان وهذا لا يعتبر فيه شرط إذ له أن يعطى من ملكه لمن شاء أي قدر شاء وإنما النظر في أن الغالب انه أحياه بإكراه الأجراء أو بأداء أجرتهم من حرام فإن الأحياء يحصل بحفر القناة و الأنهار وبناء الجدران وتسوية الأرض ولا يتولاه السلطان بنفسه فإن كانوا مكرهين على الفعل لم يملكه السلطان وهو حرام وان كانوا مستأجرين ثم قضيت أجورهم من الحرام فهذا يورث شبهة قد نبهنا عليها في تعلق الكرامة بالأعواض الخامس ما اشتراه السلطان في الذمة من ارض أو ثياب خلعة أو فرس أو غيره فهو ملكه وله أن يتصرف فيه ولكنه سيقضى ثمنه من حرام وذلك يوجب التحريم تارة و الشبهة أخرى وقد سبق تفصيله السادس أن يكتب على عامل خراج المسلمين أو من يجمع أمواله القسمة و المصادرة وهو الحرام السحت الذي لا شبهة فيه وهو اكثر الإدرارات في هذا الزمان إلا ما على أراضي العراق فإنها وقف عند الشافعي رحمه الله على مصالح المسلمين السابع ما يكتب على بياع يعامل السلطان فإن كان لا يعامل غيره فماله له كمال خزانة السلطان وان كان يعامل غير السلاطين اكثر فما يعطيه قرض على السلطان وسيأخذ بدله من الخزانة فالخلل يتطرق إلى العوض وقد سبق حكم الثمن الحرام الثامن ما يكتب على الخزانة أو على عامل يجتمع عنده من الحلال والحرام فإن لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام فهو سحت محض وان عرف يقينا أن الخزانة تشتمل على مال حلال ومال حرام واحتمل أن يكون ما يسلم إليه بعينه من الحلال احتمالا قريبا له وقع في النفس واحتمل أن يكون من الحرام وهو الأغلب لان أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الإعصار و الحلال في أيديهم معدوم أو عزيز فقد اختلف الناس في هذا فقال قوم كل ما لا أتيقن انه حرام فلى أن آخذه و قال آخرون لا يحل أن يؤخذ مالم يتحقق انه حلال فلا تحل شبهة أصلا وكلاهما إسراف و الاعتدال ما قدمنا ذكره وهو الحكم بأن الأغلب إذا كان حراما حرم وان كان الأغلب حلالا وفيه يقين حرام فهو موضع توقفنا فيه كما سبق لقد احتج من جوز اخذ أموال السلاطين إذا كان فيها حرام وحلال مهما لم يتحقق أن عين المأخوذ حرام بما روى عن جماعة من الصحابة انهم أدركوا أيام الأئمة الظلمة وأخذوا الأموال منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدرى وزيد بن ثابت وأبو أيوب الأنصاري وجرير بن عبد الله وجابر وانس بن مالك والمسور بن مخرمة فأخذ أبو سعيد وأبو هريرة من مروان ويزيد بن عبد الملك وأخذ ابن عمر وابن عباس من الحجاج وأخذ كثير من التابعين منهم كالشعبي وإبراهيم والحسن وابن أبي ليلى وأخذ الشافعي من هرون الرشيد ألف دينار في دفعة وأخذ مالك من الخلفاء أموالا جمة و قال علي رضي الله عنه خذ ما يعطيك السلطان فإنما يعطيك من الحلال وما يأخذ من الحلال أكثر وإنما ترك من ترك العطاء منهم تورعا مخافة على دينه أن يحمل على مالا يحل ألا ترى قول أبي ذر للأحنف بن قيس خذ العطاء ما كان نحلة فإذا كان اثمان دينكم فدعوه و قال أبو هريرة رضي الله عنه إذا أعطينا قبلنا وإذا منعنا لم نسأل وعن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أعطاه معاوية سكت وإن منعه وقع فيه وعن الشعبي عن مسروق لا يزال العطاء بأهل العطاء حتى يدخلهم النار أي يحمله ذلك على الحرام لا انه في نفسه حرام وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن المختار كان يبعث إليه المال فيقبله ثم يقول لا أسال أحدا ولا أرد ما رزقني الله وأهدي إليه ناقة فقبلها وكان يقال لها ناقة المختار ولكن هذا يعارضه ما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما لم يرد هدية أحد إلا هدية المختار و الإسناد في رده أثبت وعن نافع أنه قال بعث ابن معمر إلى ابن عمر بستين ألفا فقسمها على الناس ثم جاءه سائل فاستقرض له من بعض من أعطاه وأعطى السائل ولما قدم الحسن بن علي رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه فقال لأجيزك بجائزة لم أجزها أحدا قبلك من العرب ولا أجيزها أحدا بعدك من العرب قال فأعطاه أربعمائة ألف درهم فأخذها وعن حبيب ابن أبي ثابت قال لقد رأيت جائزة المختار لابن عمر وابن عباس فقبلاها فقيل ما هي قال مال وكسوة وعن الزبير بن عدي أنه قال قال سلمان إذا كان لك صديق عامل أو تاجر يقارف الربا فدعاك إلى طعام أو نحوه أو أعطاك شيئا فاقبل فإن المهنأ لك وعليه الوزر فإن ثبت هذا في المربى فالظالم في معناه وعن جعفر عن أبيه أن الحسن و الحسين عليهما السلام كانا يقبلان جوائز معاوية وقال حكيم بن جبير مررنا على سعيد بن جبير وقد جعل عاملا على أسفل الفرات فأرسل إلى العشارين أطعمونا مما عندكم فارسلوا بطعام فأكل وأكلنا معه وقال العلاء بن زهير الازدى أتى إبراهيم أبى وهو عامل على حلوان فأجازه فقبل و قال إبراهيم لا بأس بجائزة العمال أن للعمال مؤنة ورزقا ويدخل بيت ماله الخبيث و الطيب فما أعطاك فهو من طيب ماله فقد اخذ هؤلاء كلهم جوائز السلاطين الظلمة وكلهم طعنوا على من أطاعهم في معصية الله تعالى وزعمت هذه الفرقة أن ما ينقل من امتناع جماعة من السلف لا يدل على التحريم بل على الورع كالخلفاء الراشدين وأبى ذر وغيرهم من الزهاد فإنهم امتنعوا من الحلال المطلق زهدا ومن الحلال الذي يخاف إفضاؤه إلى محذور ورعا وتقوى فإقدام هؤلاء يدل على الجواز وامتناع أولئك لا يدل على التحريم وما نقل عن سعيد بن المسيب انه ترك عطاءه في بيت المال حتى اجتمع بضعة وثلاثين ألفا وما نقل عن الحسن من قوله لا أتوضأ من ماء صيرفي ولو ضاق وقت الصلاة لأني لا أدري اصل ماله كل ذلك ورع لا ينكر واتباعهم عليه أحسن من اتباعهم على الاتساع ولكن لا يحرم اتباعهم على الاتساع أيضا فهذه هي شبهة من يجوز اخذ مال السلطان الظالم و الجواب أن ما نقل من اخذ هؤلاء محصور قليل بالإضافة إلى ما نقل من ردهم وإنكارهم وان كان يتطرق إلى امتناعهم احتمال الورع فيتطرق إلى اخذ من أخذ ثلاثة احتمالات متفاوتة في الدرجة بتفاوتهم في الورع فإن للورع في حق السلاطين أربع درجات الدرجة الأولى أن لا يأخذ من أموالهم شيئا أصلا كما فعله الورعون منهم وكما كان يفعله الخلفاء الراشدون حتى أن أبا بكر رضي الله عنه حسب جميع ما كان أخذه من بيت المال فبلغ ستة آلاف درهم فغرمها لبيت المال وحتى أن عمر رضي الله عنه كان يقسم مال بيت المال يوما فدخلت ابنة له وأخذت درهما من المال فنهض عمر في طلبها حتى سقطت الملحفة من أحد منكبيه ودخلت الصبية إلى بيت أهلها تبكي وجعلت الدرهم في فيها فأدخل عمر أصبعه فأخرجه من فيها وطرحه على الخراج و قال أيها الناس ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم وكسح أبو موسى الاشعري بيت المال فوجد درهما فمر بنى لعمر رضي الله عنه فأعطاه إياه فرأى عمر ذلك في يد الغلام فسأله عنه فقال أعطانيه أبو موسى فقال يا أبا موسى ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر أردت أن لا يبقي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم  أحد إلا طلبنا بمظلمة ورد الدرهم إلى بيت المال هذا مع أن المال كان حلالا ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر فكان يستبريء لدينه ويقتصر على الأقل امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم  دع ما يريبك إلى ما لا يريبك حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك تقدم في الباب الأول من الحلال والحرام ولقوله ومن تركها فقد استبرأ لعرضه ودينه حديث من تركها فقد استبرأ لدينه وعرضه متفق عليه من حديث النعمان بن بشير وقد تقدم أوله في أول الباب الثاني من الحلال والحرام ولما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم  من التشديدات في الأموال السلطانية حتى قال صلى الله عليه وسلم  حين بعث عبادة بن الصامت إلى الصدقة اتق الله يا أبا الوليد لا تجيء يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها تؤاج فقال يا رسول الله أهكذا يكون قال نعم والذي نفسي بيده إلا من رحم الله قال فوالذي بعثك بالحق لا اعمل على شيء أبدا حديث قيل العبادة بن الصامت حين بعثه إلى الصدقة اتق الله يا أبا الوليد لا تجيء يوم القيامة ببعير تحمله على رقبتك الحديث أخرجه الشافعي في المسند من حديث طاوس مرسلا ولأبي يعلى في المعجم من حديث ابن عمر مختصرا انه قاله لسعد بن عبادة وإسناده صحيح و قال صلى الله عليه وسلم  أني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي إنما أخاف عليكم أن تنافسوا حديث أني لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدى إنما أخاف عليكم أن تنافسوا متفق عليه من حديث عقبة بن عامر وإنما خاف التنافس في المال ولذلك قال عمر رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه مال بيت المال أني لم اجد نفسي فيه إلا كالوالى مال اليتيم أن استغنيت استعففت وان افتقرت أكلت بالمعروف وروى أن ابنا لطاوس افتعل كتابا عن لسانه إلى عمر بن عبد العزيز فأعطاه ثلثمائة دينار فباع طاوس ضيعة له وبعث من ثمنها إلى عمر بثلثمائة دينار هذا مع أن السلطان ليس مثل عمر بن عبد العزيز فهذه الدرجة العليا في الورع الدرجة الثانية هو أن يأخذ مال السلطان ولكن إنما يأخذ إذا علم أن ما يأخذه من جهة حلال فاشتمال يد السلطان على حرام آخر لا يضره وعلى هذا ينزل جميع ما نقل من الآثار أو أكثرها أو ما اختص منها باكابر الصحابة والورعين منهم مثل ابن عمر فإنه كان من المبالغين في الورع فكيف يتوسع في مال السلطان وقد كان من أشدهم إنكارا عليهم وأشدهم ذما لأموالهم وذلك انهم اجتمعوا عند ابن عامر وهو في مرضه وأشفق على نفسه من ولايته وكونه مأخوذا عند الله تعالى بها فقالوا له إنا لنرجو لك الخير حفرت الآبار وسقيت الحاج وصنعت وصنعت وابن عمر ساكت فقال ماذا تقول يا ابن عمر فقال أقول ذلك إذا طاب المكسب وزكت النفقة وسترد فترى وفي حديث آخر انه قال أن الخبيث لا يكفر الخبيث وانك قد وليت البصرة ولا احسبك إلا قد أصبت منها شرا فقال له ابن عامر إلا تدعو لى فقال ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول لا يقبل الله صلاة بغير طهورا ولا صدقة من غلول حديث لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول أخرجه مسلم من حديث ابن عمر وقد وليت البصرة فهذا قوله فيما صرفه إلى الخيرات وعن ابن عمر رضي الله عنهما انه قال في أيام الحجاج ما شبعت من الطعام منذ انتهبت الدار إلى يومي هذا وروي عن علي رضي الله عنه انه كان له سويق في أناء مختوم يشرب منه فقيل أتفعل هذا بالعراق مع كثرة طعامه فقال أما أني لا أختمه بخلابه ولكن أكره أن يجعل فيه ما ليس منه واكره أن يدخل بطني غير طيب فهذا هو المألوف منهم وكان ابن عمر لا يعجبه شيء إلا خرج عنه فطلب منه نافع بثلاثين آلفا فقال أني أخاف أن تقتنى دراهم ابن عامر وكان هو الطالب اذهب فأنت حر و قال أبو سعيد الخدري ما منا أحد إلا مالت به الدنيا إلا ابن عمر فبهذا يتضح انه لا يظن به وبمن كان في منصبه إنه أخذ مالا يدري أنه حلال الدرجة الثالثة أن يأخذ ما أخذه من السلطان ليتصدق به على الفقراء أو يفرقه على المستحقين فإن ما لا يتعين مالكه هذا حكم الشرع فيه فإذا كان السلطان أن لم يأخذ منه لم يفرقه واستعان به على ظلم فقد نقول أخذه منه وتفرقته أولى من تركه في يده وهذا قد رآه بعض العلماء وسيأتي وجهه وعلى هذا ينزل ما أخذه أكثرهم ولذلك قال ابن المبارك إن الذين يأخذون الجوائز اليوم ويحتجون بابن عمر وعائشة ما يقتدون بهما لان ابن عمر فرق ما اخذ حتى استقرض في مجلسه بعد تفرقته ستين ألفا وعائشة فعلت مثل ذلك وجابر بن زيد جاءه مال فتصدق به و قال رأيت أن آخذه منهم و أتصدق أحب إلي من أن أدعها في أيديهم وهكذا فعل الشافعي رحمه الله بما قبله من هرون الرشيد فإنه فرقه على قرب حتى لم يمسك لنفسه حبة واحدة الدرجة الرابعة أن لا يتحقق أنه حلال ولا يفرق بل يستبقى ولكن يأخذ من سلطان اكثر ماله حلال وهكذا كان الخلفاء في زمان الصحابة رضي الله عنهم و التابعين بعد الخلفاء الراشدين ولم يكن أكثر مالهم حراما ويدل عليه تعليل على رضى الله عنه حيث قال فإن ما يأخذه من الحلال أكثر فهذا مما قد جوزه جماعة من العلماء تعويلا على الأكثر ونحن إنما توقفنا فيه في حق آحاد الناس ومال السلطان أشبه بالخروج عن الحصر فلا يبعد أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى جواز أخذ ما لم يعلم أنه حرام اعتمادا على الأغلب و إنما منعناه إذا كان الأكثر حراما فإذا فهمت هذه الدرجات تحققت أن إدرارات الظلمة في زماننا لا تجري مجرى ذلك وأنها تفارقه من وجهين قاطعين أحدهما أن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها أو أكثرها وكيف لا و الحلال هو الصدقات و الفيء و الغنيمة لا وجود لها و ليس يدخل منها شيء في يد السلطان ولم يبق إلا الجزية وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم لا يحل أخذها به فإنهم يجاوزون حدود الشرع فى المأخوذ والمأخوذ منه والوفاء له بالشرط ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصب إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات و الرشا وصنوف الظلم لم يبلغ عشر معشار عشيره والوجه الثاني أن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمان الخلفاء الراشدين كانوا مستشعرين من ظلمهم ومتشوفين إلى استمالة قلوب الصحابة و التابعين وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم و كانوا يبعثون إليهم من غير سؤال و إذلال بل كانوا يتقلدون المنة بقبولهم ويفرحون به وكانوا يأخذون منهم ويفرقون ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ولا يكثرون جمعهم ولا يحبون بقاءهم بل يدعون عليهم ويطلقون اللسان فيهم وينكرون المنكرات منهم عليهم فما كان يحذر أن يصيبوا من دينهم بقدر ما أصابوا من دنياهم ولم يكن يأخذهم بأس فأما الآن فلا تسمح نفوس السلاطين بعطية إلا لمن طمعوا في استخدامهم و التكثر بهم و الاستعانة بهم على أغراضهم و التجمل بغشيان مجالسهم وتكليفهم المواظبة على الدعاء و الثناء و التزكية والإطراء في حضورهم ومغيبهم فلو لم يذل الآخذ نفسه بالسؤال أولا و بالتردد في الخدمة ثانيا وبالثناء و الدعاء ثالثا وبالمساعدة له على أغراضه عند الاستعانة رابعا وبتكثير جمعه في مجلسه وموكبه خامسا وبإظهار الحب و الموالاة و المناصرة له على أعدائه سادسا وبالستر على ظلمه ومقابحه ومساوي أعماله سابعا لم ينعم عليه بدرهم واحد ولو كان في فضل الشافعي رحمه الله مثلا فإذا لا يجوز أن يؤخذ منهم في هذا الزمان ما يعلم انه حلال لإفضائه إلى هذه المعاني فكيف ما يعلم انه حرام أو يشك فيه فمن استجرأ على أموالهم وشبه نفسه بالصحابة و التابعين فقد قاس الملائكة بالحدادين ففي أخذ الأموال منهم حاجة إلى مخالطتهم ومراعاتهم وخدمة عمالهم واحتمال الذل منهم والثناء عليهم والتردد إلى أبوابهم وكل ذلك معصية على ما سنبين في الباب الذي يلي هذا فإذا قد تبين مما تقدم مداخل أموالهم وما يحل منها وما لا يحل فلو تصور أن يأخذ الإنسان منها ما يحل بقدر استحقاقه وهو جالس في بيته يساق إليه ذلك لا يحتاج فيه إلى تفقد عامل وخدمته ولا إلى الثناء عليهم وتزكيتهم ولا إلى مساعدتهم فلا يحرم الأخذ ولكن يكره لمعان وسننبه عليها في الباب الذي يلي هذا النظر الثاني من هذا الباب في قدر المأخوذ وصفة الأخذ ولنفرض المال من أموال المصالح كأربعة أخماس الفيء والمواريث فإن ما عداه مما قد تعين مستحقه أن كان من وقف أو صدقة أو خمس فيء أو خمس غنيمة وما كان من ملك السلطان مما احياه أو اشتراه فله أن يعطي ما شاء لمن شاء وانما النظر في الأموال الضائعة ومال المصالح فلا يجوز صرفه إلا إلى من فيه مصلحة عامة أو هو محتاج إليه عاجز عن الكسب فأما الغني الذي لا مصلحة فيه فلا يجوز صرف مال من بيت المال إليه هذا هو الصحيح وان كان العلماء قد اختلفوا فيه وفي كلام عمر رضي الله عنه ما يدل على أن لكل مسلم حقا في بيت المال لكونه مسلما مكثرا جمع الإسلام ولكنه مع هذا ما كان يقسم المال على المسلمين كافة بل على مخصوصين بصفات فإذا ثبت هذا فكل من يتولى أمرا يقوم به تتعدى مصلحته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية ويدخل فيه العلماء كلهم أعنى العلوم التي تتعلق بمصالح الدين من علم الفقه و الحديث و التفسير و القراءة حتى يدخل فيه المعلمون و المؤذنون وطلبة هذه العلوم أيضا يدخلون فيه فإنهم إن لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب ويدخل فيه العمال وهم الذين ترتبط مصالح الدنيا بأعمالهم وهم الأجناد المرتزقة الذين يحرسون المملكة بالسيوف عن أهل العداوة وأهل البغي وأعداء الإسلام ويدخل فيه الكتاب و الحساب و الوكلاء وكل من يحتاج إليه في ترتيب ديوان الخراج أعنى العمال على الأموال الحلال لا على الحرام فإن هذا المال للمصالح و المصلحة إما أن تتعلق بالدين أو بالدنيا فبالعلماء حراسة الدين وبالأجناد حراسة الدنيا و الدين و الملك توأمان فلا يستغني أحدهما عن الآخر و الطبيب وان كان لا يرتبط بعلمه أمر ديني ولكن يرتبط به صحة الجسد و الدين يتبعه فيجوز أن يكون له ولمن يجري مجراه في العلوم المحتاج إليها في مصلحة الأبدان أو مصلحة البلاد إدرار من هذه الأموال ليتفرغوا لمعالجة المسلمين أعنى من يعالج منهم بغير أجرة وليس يشترط في هؤلاء الحاجة بل يجوز أن يعطوا مع من الغنى فإن الخلفاء الراشدين كانوا يعطون المهاجرين و الأنصار ولم يعرفوا بالحاجة وليس يتقدر أيضا بمقدار بل هو إلى اجتهاد الإمام وله أن يوسع ويغني وله أن يقتصر على الكفاية على ما يقتضيه الحال وسعة المال فقد اخذ الحسن عليه السلام من معاوية في دفعة واحدة أربعمائة ألف درهم وقد كان عمر رضي الله عنه يعطي لجماعة اثني عشر ألف درهم نقرة في السنة وأثبتت عائشة رضي الله عنها في هذه الجريدة ولجماعة عشرة آلاف ولجماعة ستة آلاف وهكذا فهذا مال هؤلاء فيوزع عليهم حتى لا يبقى منه شيء فإن خص واحدا منه بمال كثير فلا بأس وكذلك للسلطان أن يخص من هذا المال ذوي الخصائص بالخلع و الجوائز فقد كان يفعل ذلك في السلف ولكن ينبغي أن يلتفت فيه إلى المصلحة ومهما خص عالم أو شجاع بصلة كان فيه بعث للناس وتحريض على الاشتغال و التشبه به فهذه فائدة الخلع والصلات وضروب التخصيصات وكل ذلك منوط باجتهاد السلطان وإنما النظر في السلاطين الظلمة في شيئين أحدهما أن السلطان الظالم عليه أن يكف عن ولايته وهو إما معزول أو واجب العزل فكيف يجوز أن يأخذ من يده وهو على التحقيق ليس بسلطان والثاني انه ليس يعمم بماله جميع المستحقين فكيف يجوز للآحاد أن يأخذوا أفيجوز لهم الأخذ بقدر حصصهم أم لا يجوز أصلا أم يجوز أن يأخذ كل واحد ما أعطى أما الأول : فالذي نراه أنه لا يمنع اخذ الحق لأن السلطان الظالم الجاهل مهما ساعدته الشوكة وعسر خلعه وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق وجب تركه ووجبت الطاعة له كما تجب طاعة الأمراء إذ قد ورد في الأمر بطاعة الأمراء حديث الأمر بطاعة الأمراء أخرجه البخاري من حديث انس اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ولمسلم من حديث أبي هريرة عليك بالطاعة في منشطك ومكرهك الحديث وله من حديث أبي ذر أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم  أن أسمع وأطيع ولو لعبد مجدع الأطراف والمنع من سل اليد عن مساعدتهم حديث المنع من سل اليد عن مساعدتهم أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ولمسلم من حديث أبى هريرة من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية وله من حديث ابن عمر من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له أوامر و زواجر فالذي نراه أن الخلافة منعقدة للمتكفل بها من بني العباس رضي الله عنه وان الولاية نافذة للسلاطين في أقطار البلاد و المبايعين للخليفة وقد ذكرنا في كتاب المستظهري المستنبط من كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار تأليف القاضي أبي الطيب في الرد على أصناف الروافض من الباطنية ما يشير إلى وجه المصلحة فيه والقول الوجيز أنا نراعى الصفات والشروط في السلاطين تشوفا إلى مزايا المصالح ولو قضينا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأسا فكيف يفوت رأس المال في طلب الربح بل الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الخليفة ومن استبد بالشوكة وهو مطيع للخليفة في اصل الخطبة و السكة فهو سلطان نافذ الحكم و القضاء في أقطار الأرض ولاية نافذة الأحكام وتحقيق هذا قد ذكرناه في أحكام الإمامة من كتاب الاقتصاد في الاعتقاد فلسنا نطول الآن به وأما الأشكال الآخر وهو أن السلطان إذا لم يعمم بالعطاء كل مستحق فهل يجوز للواحد أن يأخذ منه فهذا مما اختلف العلماء فيه على أربع مراتب فغلا بعضهم و قال كل ما يأخذه فالمسلمون كلهم فيه شركاء ولا يدري أن حصته منه دانق أو حبة فليترك الكل وقال قوم له أن يأخذ قدر قوت يومه فقط فإن هذا القدر يستحقه لحاجته على المسلمين وقال قوم له قوت سنة فإن أخذ الكفاية كل يوم عسير وهو ذو حق فى هذا المال فكيف يتركه وقال قوم وقال قوم إنه يأخذ ما يعطى و المظلوم هم الباقون وهذا هو القياس لأن المال ليس مشتركا بين المسلمين كالغنيمة بين الغانمين ولا كالميراث بين الورثة لأن ذلك صار ملكا لهم وهذا لو لم يتفق قسمه حتى مات هؤلاء لم يجب التوزيع على ورثتهم بحكم الميراث بل هذا الحق غير متعين وإنما يتعين بالقبض بل هو كالصدقات ومهما أعطى الفقراء حصتهم من الصدقات وقع ذلك ملكا لهم ولم يمتنع بظلم المالك بقية الأصناف بمنع حقهم هذا إذا لم يصرف إليه كل المال بل صرف إليه من المال ما لو صرف إليه بطريق الإيثار و التفضيل مع تعميم الآخرين لجاز له أن يأخذه و التفضيل جائز في العطاء سوى أبو بكر رضي الله عنه فراجعه عمر رضي الله عنه فقال إنما فضلهم عند الله وإنما الدنيا بلاغ وفضل عمر رضي الله عنه في زمانه فأعطى عائشة اثني عشر ألفا وزينب عشرة آلاف وجويرية ستة آلاف وكذا صفية وأقطع عمر لعلي خاصة رضي الله عنهما وأقطع عثمان أيضا من السواد خمس جنات وآثر عثمان عليا رضي الله عنهما بها فقبل ذلك منه ولم ينكر وكل ذلك جائز في محل الاجتهاد وهو من المجتهدات التي أقول فيها أن كل مجتهد مصيب وهي كل مسألة لا نص على عينها ولا على مسألة تقرب منها فتكون في معناها بقياس جلي كهذه المسألة ومسألة حد الشرب فإنهم جلدوا أربعين وثمانين و الكل سنة وحق وان كل واحد من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما مصيب باتفاق الصحابة رضي الله عنهم إذ المفضول ما رد في زمان عمر شيئا إلى الفاضل مما قد كان أخذه في زمان أبي بكر ولا الفاضل امتنع من قبول الفضل في زمان عمر واشترك في ذلك كل الصحابة واعتقدوا أن كل واحد من الرأيين حق فليؤخذ هذا الجنس دستورا للخلافات التي يصوب فيها كل مجتهد فأما كل مسألة شذ عن مجتهد فيها نص أو قياس جلي بغفلة أو سوء رأي وكان في القوة بحيث ينقض حكم المجتهد فلا نقول فيها أن كل واحد مصيب بل المصيب من أصاب النص أو ما في معنى النص وقد تحصل من مجموع هذا أن من وجد من أهل الخصوص الموصوفين بصفة تتعلق بها مصالح الدين أو الدنيا وأخذ من السلطان خلعة أو إدرارا على التركات أو الجزية لم يصر فاسقا بمجرد أخذه وإنما يفسق بخدمته لهم ومعانته إياهم ودخوله عليهم وثنائه وإطرائه لهم إلى غير ذلك من لوازم لا يسلم المال غالبا إلا بها كما سنبينه الباب السادس فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وما يحرم وحكم غشيان مجالسهم و الدخول عليهم و الإكرام لهم إعلم أن لك مع الأمراء و العمال الظلمة ثلاثة أحوال الحالة الأولى وهي شرها أن تدخل عليهم والثانية وهي دونها أن يدخلوا عليك و الثالثة وهي الأسلم أن تعتزل عنهم فلا تراهم ولا يرونك أما الحالة الأولى وهي الدخول عليهم فهو مذموم جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له ثم نتعرض لما يحرم منه وما يباح وما يكره على ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم أما الأخبار فإنه لما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم  الأمراء الظلمة قال فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم حديث فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد يسلم ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند ضعيف و قال ومن خالطهم هلك وذلك لأن من اعتزلهم سلم من إممهم ولكن لم يسلم من عذاب يعمه معهم إن نزل بهم لتركه المنابذة و المنازعة وقال صلى الله عليه وسلم  سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم يكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولم يرد على الحوض حديث سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه ولم يرد على الحوض أخرجه النسائي و الترمذي وصححه و الحاكم من حديث كعب ابن عجرة وروى أبو هريرة رضي الله عنه انه قال صلى الله عليه وسلم  أبغض القراء إلى الله تعالى الذين يزورون الأمراء حديث أبي هريرة أبغض القراء إلى الله عز وجل الذين يأتون الأمراء تقدم في العلم وفي الخبر خير الأمراء الذين يأتون العلماء وشر العلماء الذين يأتون الأمراء وفي الخبر العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم حديث انس العلماء أمناء الرسل على عباد الله ما لم يخالطوا السلطان الحديث أخرجه العقيلي في الضعفاء في ترجمة حفص الابرى و قال حديثه غير محفوظ تقدم في العلم رواه انس رضي الله عنه وأما الآثار فقد قال حذيفة إياكم ومواقف الفتن قيل وما هي قال أبواب الأمراء يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه وقال أبو ذر لسلمة يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه وقال سفيان في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك وقال الأوزاعى ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا وقال سمنون ما أسمج بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيسأل عنه فيقال عند الأمير وكنت أسمع أنه يقال إذا رأيتم العالم يحب الدنيا فاتهموه على دينكم حتى جربت ذلك إذ ما دخلت قط على هذا السلطان إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج فأرى عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة و المخالفة لهواهم وقال عبادة بن الصامت حب القاريء الناسك الأمراء نفاق وحبه الأغنياء رياء وقال أبو ذر من كثر سواد قوم فهو منهم أي من كثر سواد الظلمة وقال ابن مسعود رضي الله عنه أن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج ولا دين له قيل له ولم قال لأنه يرضيه بسخط الله واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا فقيل كان عاملا للحجاج فعزله فقال الرجل إنما عملت له شيء يسير فقال له عمر حسبك بصحبته يوما أو بعض يوم شؤما وشرا وقال الفضيل ما ازداد رجل من ذي سلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول أن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين وقال وهيب هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لهم أضر على الأمة من المقامرين وقال محمد بن سلمة الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء ولما خالط الزهري السلطان كتب أخ له في الدين إليه عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعوا لك الله ويرحمك أصبحت شيخا كبيرا قد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم  وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله تعالى لتبيننه للناس ولا تكتمونه و أعلم أن أيسر ما ارتكبت واخف ما احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل البغي بدنوك ممن لم يؤد حقا ولم يترك باطلا حين أدناك اتخذوك قطبا تدور عليك رحى ظلمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالهم ويدخلون بك الشك على العلماء ويصادون بك قلوب الجهلاء فما أيسر ما عمروا في جنب ما خربوا عليك وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة الآية وإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ عليك من لا يغفل فداو دينك فقد دخله سقم وهيء رادك فقد حضر سفر بعيد وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء و السلام فهذه الأخبار و الآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكن نفصل ذلك تفضيلا فقيها تميز فيه المحظور عن المكروه و المباح فنقول الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله تعالى إما بفعله أو بسكوته وإما بقوله وإما باعتقاده فلا ينفك عن أحد هذه الأمور أما الفعل فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة وتخطيها و الدخول فيها بغير إذن الملاك حرام ولا يغرنك قول القائل أن ذلك مما يتسامح به الناس كتمرة أو فتات خبز ذلك صحيح في غير المغصوب أما المغصوب فلا لأنه إن قيل أن كل جلسة خفيفة لا تنقص الملك فهي في محل التسامح وكذلك الاجتياز فيجري هذا في كل واحد فيجري أيضا في المجموع و الغصب إنما تم بفعل الجميع وإنما يتسامح به إذا انفرد إذ لو علم المالك به ربما لم يكرهه فأما إذا كان ذلك طريقا إلى الاستغراق بالاشتراك فحكم التحريم ينسحب على الكل فلا يجوز أن يؤخذ ملك الرجل طريقا اعتمادا على أن كل واحد من المارين إنما يخطو خطوة لا تنقص الملك لان المجموع مفتوت للملك وهو كضربة خفيفة في التعليم تباح ولكن بشرط الانفراد فلو اجتمع جماعة بضربات توجب القتل وجب القصاص على الجميع مع أن كل واحدة من الضربات لو انفردت لكانت لا توجب قصاصا فإن فرض كون الظالم في موضع غير مغصوب كالموات مثلا فإن كان تحت خيمة أو مظلة من ماله فهو حرام و الدخول إليه غير جائز لأنه انتفاع بالحرام واستظلال به فإن فرض كل ذلك حلالا فلا يعصى بالدخول من حيث انه دخول ولا بقوله السلام عليكم ولكن أن سجد أو ركع أو مثل قائما في سلامه وخدمته كان مكرما للظالم بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه و التواضع للظالم معصية بل من تواضع لغني ليس يظالم لأجل غناه لا لمعنى آخر اقتضى التواضع نقص ثلثا دينه فكيف إذا تواضع للظالم فلا يباح إلا مجرد السلام فأما تقبيل اليد و الانحناء في الخدمة فهو معصية إلا عند الخوف أو الأمام عادل أو لعالم أو لمن يستحق ذلك بأمر ديني قبل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يد علي كرم الله وجهه لما أن لقيه بالشام فلم ينكر عليه وقد بالغ بعض السلف حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام و الاعراض عنهم استحقارا لهم وعد ذلك من محاسن القربات فأما السكوت عن رد الجواب ففيه نظر لأن ذلك واجب فلا ينبغي أن يسقط بالظلم فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على بساطهم وإذا كان اغلب أموالهم حراما فلا يجوز الجلوس على فرشهم هذا من حيث الفعل فأما السكوت فهو أنه سيرى في مجلسهم من الفرش الحرير وأواني الفضة و الحرير الملبوس عليهم وعلى غلمانهم ما هو حرام وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء والسكوت على جميع لك حرام بل يراهم لابسين الثياب الحرام واكلين الطعام الحرام وجميع ما فى أيديهم حرام والسكوت على ذلك غير جائز فيجب عليه الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بلسانه أن لم يقدر بفعله فإن قلت انه يخاف على نفسه فهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب مالا يباح إلا بعذر فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة حتى يسقط عنه بالعذر وعند هذا أقول من علم فسادا في موضع وعلم أنه لا يقدر على إزالته فلا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته وأما القول فهو أن يدعو للظالم أو يثني عليه أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله أو بتحريك رأسه أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب و الموالاة و الاشتياق إلى لقائه و الحرص على طول عمره وبقائه فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذه الأقسام أما الدعاء له فلا يحل إلا أن يقول أصلحك الله أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته أو ما يجري هذا المجرى فأما الدعاء بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة مع الخطاب بالمولى وما في معناه فغير جائز قال صلى الله عليه وسلم  من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه حديث من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه تقدم فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذبا ومنافقا ومكرما لظالم وهذه ثلاث معاص وقد قال صلى الله عليه وسلم  إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق حديث إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق تقدم وفي خبر آخر من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام حديث من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام تقدم أيضا فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول والتزكية والثناء على ما يعمل كان عاصيا بالتصديق والإعانة فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيه كما أن التكذيب والذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة ولقد سئل سفيان الثوري رضي الله عنه عن ظالم أشرف على الهلاك في برية هل يسقى شربة ماء فقال لا دعه حتى يموت فإن ذلك إعانة له وقال غيره يسقى إلى أن تثوب إليه نفسه ثم يعرض عنه فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب والشوق إلى لقائه وطول بقائه فإن كان كاذبا عصى معصية الكذب والنفاق وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم وحقه أن يبغضه في الله ويمقته فالبغض في الله واجب ومحب المعصية والراضي بها عاص ومن أحب ظالما فإن أحبه لظلمه فهو عاص لمحبته وإن أحبه لسبب آخر فهو عاص من حيث إنه لم يبغضه وكان الواجب عليه أن يبغضه وإن اجتمع في شخص خير وشر وجب أن يحب لأجل ذلك الخير ويبغض لأجل ذلك الشر وسيأتي في كتاب الأخوة و المتحابين في الله وجه الجمع بين البغض و الحب فإن سلم من ذلك كله وهيهات فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعم الله عليه ويكون مقتحما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم  حيث قال يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق حديث يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق أخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن الشخير أقلوا الدخول على الأغنياء فإنه أجدر أن لا تزدروا نعم الله عز وجل وقال صحيح الإسناد وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره به في الدخول ومن تكثيره سواد الظلمة بنفسه وتجميله إياهم أن كان ممن يتجمل به وكل ذلك إما مكروهات أو محظورات دعى سعيد بن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل و النهار فإن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى عن بيعتين حديث دعى ابن المسيب إلى البيعة للوليد وسليمان ابني عبد الملك فقال لا أبايع اثنين ما اختلف الليل و النهار فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم  نهى عن بيعتين أخرجه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح من رواية يحيى بن سعيد فقال ادخل من الباب واخرج من الباب الآخر فقال لا و الله لا يتقدى بي أحد من الناس فجلد مائة و ألبس المسوح ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين أحدهما أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام وعلم انه لو امتنع أوذى أو فسد عليهم طاعة الرعية واضطرب عليهم أمر السياسة فيجب عليه الإجابة لا طاعة لهم بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية و الثاني أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه أو عن نفسه إما بطريق الحسبة أو بطريق التظلم فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب ولا يثنى ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا فهذا حكم الدخول الحالة الثانية أن يدخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه واما القيام والإكرام له فلا يحرم مقابلة له على إكرامه فأنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد كما انه بالظلم مستحق للأبعاد فالإكرام بالإكرام و الجواب بالسلام ولكن الأولى أن لا يقوم أن كان معه في خلوة ليظهر له بذلك عز الدين وحقارة الظلم ويظهر غضبه للدين وإعراضه عمن أعرض عن الله فأعرض الله تعالى عنه وإن كان الداخل عليه في جمع فمراعاة حشمة أرباب الولايات فيما بين الرعايا مهم فلا بأس بالقيام على هذه النية وان علم أن ذلك لا يورث فسادا في الرعية ولا يناله أذى من غضبه فترك الإكرام بالقيام أولى ثم يجب عليه بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه فإن كان قارف ما لا يعرف تحريمه وهو يتوقع أن يتركه إذا عرف فليعرفه فذلك واجب وأما ذكر تحريم ما يعلم تحريمه من السرف و الظلم فلا فائدة فيه بل عليه أن يخوفه فيما يرتكبه من المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر فيه وعليه أن يرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقا على وفق الشرع بحيث يحصل بها غرض الظالم من غير معصية ليصده بذلك عن الوصول إلى غرضه بالظلم فإذا يجب عليه التعريف في محل جهله و التخويف فيما هو مستجرئ عليه و الإرشاد إلى ما هو غافل عنه مما يغنيه عن الظلم فهذه ثلاثة أمور تلزمه إذا توقع للكلام فيه أثرا وذلك أيضا لازم على كل من اتفق له دخول على السلطان بعذر أو بغير عذر وعن محمد بن صالح قال كنت عند حماد بن سلمة وإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس عليه ومصحف يقرأ فيه وجراب فيه علمه ومطهرة يتوضأ منها فبينا أنا عنده إذ دق داق الباب فإذا هو محمد بن سليمان فأذن له فدخل وجلس بين يديه ثم قال له مالى إذا رأيتك امتلأت منك رعبا قال حماد لأنه قال عليه السلام إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وان أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء حديث حماد بن سلمة مرفوعا إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء وإذا أراد أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء هذا معضل وروى أبو الشيخ ابن حبان في كتاب الثواب من حديث واثلة بن الأسقع من خاف الله خوف الله منه كل شيء ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء وللعقيلي في الضعفاء نحوه من حديث أبي هريرة وكلاهما منكر ثم عرض عليه أربعين ألف درهم و قال تأخذها وتستعين بها قال ارددها على من ظلمته بها قال و الله ما أعطيتك إلا مما ورثته قال لا حاجة لي بها فتأخذها فتقسمها قال لعلى أن عدلت في قسمتها أخاف أن يقول بعض من لم يرزق منها انه لم يعدل في قسمتها فيأثم فازوها عنى الحالة الثالثة أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه وهو الواجب إذ لا سلامة إلا فيه فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ولا يحب بقاءهم ولا يثنى عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوت بسبب مفارقتهم وذلك إذا خطر بباله أمرهم وان غفل عنهم فهو الأحسن وإذا خطر بباله تنعمهم فليذكر ما قاله حاتم الأصم إنما بيني وبين الملوك يوم واحد فأما أمس فلا يجدون لذته وإني وإياهم في غد لعلى وجل وإنما هو اليوم وما عسى أن يكون في اليوم وما قاله أبو الدرداء إذ قال أهل الأموال يأكلون ونأكل ويشربون ونشرب ويلبسون ونلبس ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر معهم إليها وعليهم حسابها ونحن منها براء وكل من أحاط علمه بظلم ظالم ومعصية عاص فينبغي أن يحط ذلك من درجته في قلبه فهذا واجب عليه لان من صدر منه ما يكره نقص ذلك من رتبته في القلب لا محالة و المعصية ينبغي أن تكره فإنه إما أن يغفل عنها أو يرضى بها أو يكره ولا غفلة مع العلم ولا وجه للرضا فلا بد من الكراهة فليكن جناية كل أحد على حق الله كجنايته على حقك فإن قلت الكراهة لا تدخل تحت الاختيار فكيف تجب قلنا ليس كذلك فإن المحب يكره بضرورة الطبع ما هو مكروه عند محبوبه ومخالف له فإن من لا يكره معصية الله لا يحب الله وإنما لا يحب الله من لا يعرفه و المعرفة واجبة و المحبة لله واجبة وإذا أحبه كره ما كرهه وأحب ما أحبه وسيأتي تحقيق ذلك في كتاب المحبة و الرضا فإن قلت فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول نعم تعلم الدخول منهم ثم ادخل كما حكى أن هشام بن عبد الملك قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال ائتوني برجل من الصحابة فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال من التابعين فأتى بطاوس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين ولكن قال السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه و قال كيف أنت يا هشام فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله فقيل له أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك فقال يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت قال وما الذي صنعت فازداد غضبا وغيظا قال خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني وجلست بإزائي بغير إذني وقلت كيف أنت يا هشام قال أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي وأما قولك لم تقبل يدي فإني سمعت أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه يقول لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد إلا امرأته من شهوة أو ولده من رحمة وأما قولك لم تسلم على بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب وأما قولك لم تكنني فإن الله تعالى سمى أنبياءه وأولياءه فقال يا يحيى يا عيسى وكنى أعداءه فقال تبت يدا أبي لهب وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه يقول إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام فقال له هشام عظنى فقال سمعت من أمير المؤمنين على رضى الله عنه يقول أن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته ثم قام وهرب وعن سفيان الثوري رضي الله عنه قال أدخلت على أبي جعفر المنصور بمنى فقال لي ارفع إلينا حاجتك فقلت له اتق الله فقد ملأت الأرض ظلما وجورا قال فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا حاجتك فقلت إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين و الأنصار وأبناؤهم يموتون جوعا فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه ثم رفعه فقال ارفع إلينا حاجتك فقلت حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه كم أنفقت قال بضعة عشر درهما وأرى ههنا أموالا لا تطيق الجمال حملها وخرج فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا ألزموا وكانوا يغررون بأرواحهم للانتقام لله من ظلمهم ودخل ابن أبي شميلة على عبد الملك بن مروان فقال له تكلم فقال له إن الناس لا ينجون في القيامة من غصصها ومراراتها ومعاينة الردى فيها إلا من أرضى الله بسخط نفسه فبكى عبد الملك و قال لأجعلن هذه الكلمة مثالا نصب عيني ما عشت ولمال استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه عبد الله بن عامر أتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأبطأ عنه أبو ذر وكان له صديقا فعاتبه فقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول أن الرجل إذا ولى ولايته تباعد الله عنه حديث أبي ذر أن الرجل إذا ولى ولاية تباعد الله عز وجل منه لم أقف له على أصل ودخل مالك بن دينار على أمير البصرة فقال أيها الأمير قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول ما أحمق من سلطان وما أجهل ممن عصاني ومن أعز ممن اعتز بي أيها الراعي السوء دفعت إليك غنما سمانا صحاحا فأكلت اللحم ولبست الصوف وتركها عظاما تتقعقع فقال له والي البصرة أندري ما الذي يجرئك علينا ويجنبنا عنك قال لا قال قلة الطمع فينا وترك الإمساك لما في أيدينا وكان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان ابن عبد الملك فسمع سليمان صوت الرعد فجزع ووضع صدره على مقدمة لرحل فقال له عمر هذا صوت رحمته فكيف إذا سمعت صوت عذابه ثم نظر سليمان إلى الناس فقال ما أكثر الناس فقال عمر خصماؤك يا أمير المؤمنين فقال له سليمان ابتلاك الله بهم وحكى أن سليمان بن عبد الملك قدم المدينة وهو يريد مكة فأرسل إلى أبي حازم فدعاه فلما دخل عليه قال له سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت فقال لأنكم خربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب فقال يا أبا حازم كيف القدوم على الله قال يا أمير المؤمنين أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان و قال ليت شعري ما لي عند الله قال أبو حازم اعرض نفسك على كتاب الله تعالى حيث قال إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم قال فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين ثم قال سليمان يا أبا حازم أي عباد الله أكرم قال أهل البر و التقوى قال فأي الأعمال أفضل قال أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال فأي الكلام أسمع قال قول الحق عند من تخاف وترجوا قال فأي المؤمنين أكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودعا الناس إليها قال فأي المؤمنين أخسر قال رجل خطا في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان ما تقول فيما نحن فيه قال أو تعفيني قال لا بد فإنها نصيحة تلقيها إلي قال يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضا منهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة وقد ارتحلوا فلو شعرت مما قالوا وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئسما قلت قال أبو حازم إن الله قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال وكيف لنا أن نصلح هذا الفساد قال أن تأخذه من حله فتضعه في حقه فقال سليمان ومن يقدر على ذلك فقال من يطلب الجنة و يخاف من النار فقال سليمان ادع لي فقال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا و الآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى فقال سليمان أوصنى فقال أوصيك وأوجز عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك وقال عمر ابن عبد العزيز لأبي حازم عظني فقال اضطجع ثم اجعل الموت عند رأسك ثم أنظر إلى ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فخذ به الآن وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن فلعل تلك الساعة قريبة ودخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال تكلم يا أعرابي فقال يا أمير المؤمنين أني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته فقال يا أعرابي أنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا تأمن غشه فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه فقال الأعرابي يا أمير المؤمنين إنه قد تكنفك رجال اساءوا الاختيار لانفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك حرب الآخرة سلم الدنيا فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه فانهم لم يألوا في الأمانة تضييعا وفي الأمة خسفا وعسفا وأنت مسؤل عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن اعظم الناس غبنا من باع اخرته بدنيا غيره فقال له سليمان يا أعرابي أما انك قد سللت لسانك وهو أقطع سيفيك قال اجل يا أمير المؤمنين ولكن لك لا عليك وحكي أن أبا بكرة دخل على معاوية فقال اتق الله يا معاوية واعلم انك في كل يوم يخرج عنك وفي كل ليلة تأتي عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ومن الآخرة إلا قربا وعلى آثرك طالب لا تفوته وقد نصب لك علما لا تجوزه فما أسرع ما تبلغ العلم وما اوشك ما يلحق بك الطالب وأنا وما نحن فيه زائل وفي الذي نحن إليه صائرون باق أن خيرا فخير وان شرا فشر فهكذا كان دخول أهل العلم على السلاطين اعني علماء الآخرة فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم فيدلونهم على الرخص ويستنبطون لهم بدقائق الحيل طرق السعة فيما يوافق أغراضهم وان تكلموا بمثل ما ذكرناه في معرض الوعظ لم يكن قصدهم الاصلاح بل اكتساب الجاه والقبول عندهم وفي هذا غروران يغتر بهم الحمقى أحدهما أن يظهر أن قصدي في الدخول عليهم اصلاحهم بالوعظ وربما يلبسون على أنفسهم بذلك وإنما الباعث لهم شهوة خفية للشهرة وتحصيل المعرفة عندهم وعلامة الصدق في طلب الاصلاح انه لو تولى ذلك الوعظ غيره ممن هو من أقرانه في العلم ووقع موقع القبول وظهر به اثر الصلاح فينبغي أن يفرح به ويشكر الله تعالى على كفايته هذا المهم كمن وجب عليه أن يعالج مريضا ضائعا فقام بمعاجلته غيره فإنه يعظم به فرحه فإن كان يصادف في قلبه ترجيحا لكلامه على كلام غيره فهو مغرور الثاني أن يزعم أني أقصد الشفاعة لمسلم في دفع ظلامة وهذا أيضا مظنة الغرور ومعياره ما تقدم ذكره وإذا ظهر طريق الدخول عليهم فلنرسم في الأحوال العارضة في مخالطة السلاطين ومباشرة أموالهم مسائل مسألة إذا بعث إليك السلطان مالا لتفرقه على الفقراء فإن كان له مالك معين فلا يحل أخذه وإن لم يكن بل كان حكمه انه يحب التصدق به على المساكين كما سبق فلك أن تأخذه وتتولى التفرقة ولا تعصى بأخذه ولكن من العلماء من امتنع عنه فعند هذا ينظر في الأولى فنقول الأولى أن تأخذه إن أمنت ثلاث غوائل الغائلة الأولى أن يظن السلطان بسبب أخذك أن ماله طيب ولولا انه طيب لما كنت تمد يدك إليه ولا تدخله في ضمانك فإن كان كذلك فلا تأخذه فإن ذلك محذور ولا يفي الخير في مباشرتك التفرقة بما يحصل لك من الجراءة على كسب الحرام الغائلة الثانية أن ينظر إليك غيرك من العلماء و الجهال فيعتقدون انه حلال فيقتدون بك في الأخذ ويستدلون به على جوازه ثم لا يفرقون فهذا أعظم من الأول فإن جماعة يستدلون بأخذ الشافعي رضي الله عنه على جواز الأخذ ويغفلون عن تفرقته وأخذه على نية التفرقة فالمقتدي و المتشبه به ينبغي أن يحترز عن هذا غاية الاحتراز فإنه يكون فعله سبب ضلال خلق كثير وقد حكى وهب بن منبه أن رجلا أتى به إلى ملك بمشهد من الناس ليكرهه على أكل لحم الخنزير فلم يأكل فقدم إليه لحم غنم وأكره بالسيف فلم يأكل فقيل له في ذلك فقال أن الناس قد اعتقدوا أني طولبت بأكل لحم الخنزير فإذا خرجت سالما وقد أكلت فلا يعلمون ماذا أكلت فيضلون ودخل وهب ابن منبه وطاوس على محمد بن يوسف أخي الحجاج وكان عاملا وكان في غداة باردة في مجلس بارز فقال لغلامه هلم ذلك الطيلسان وألقه على أبي عبد الرحمن أي طاوس وكان قد قعد على كرسي فألقى عليه فلم يزل يحرك كتفيه حتى ألقى الطيلسان عنه فغضب محمد بن يوسف فقال وهب كنت غنيا عن أن تغضبه لو أخذت الطيلسان وتصدقت به قال نعم لولا أن يقول من بعدي إنه أخذه طاوس ولا يصنع به ما أصنع به إذن لفعلت الغائلة الثانية أن يتحرك قلبك إلى حبك لتخصيصه إياك وإثاره لك بما أنفذه إليك فإن كان كذلك فلا تقبل ذلك هو السم القاتل و الداء الدفين أعنى ما يحبب الظلمة إليك فإن من أحببته لا بد أن تحرص عليه وتداهن فيه قالت عائشة رضي الله عنها جبلت النفوس على حب من احسن إليها وقال عليه السلام اللهم لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي حديث اللهم لا تجعل لفاجر عندي يدا فيحبه قلبي أخرجه ابن مردويه في التفسير من رواية كثير بن عطية عن رجل لم يسم ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ وأبو موسى المديني في كتاب تضييع العمر و الأيام مرسلا وأسانيده كلها ضعيفة بين صلى الله عليه وسلم  أن القلب لا يكاد يمتنع من ذلك وروى أن بعض الأمراء أرسل إلى مالك بن دينار بعشرة آلاف درهم فأخرجها كلها فأتاه محمد بن واسع فقال ما صنعت بما أعطاك هذا المخلوق قال سل أصحابي فقالوا أخرجه كله فقال أنشدك الله أقلبك أشد حبا له الآن أم قبل أن أرسل إليك لا بل الآن قال إنما كنت أخاف هذا وقد صدق فإنه إذا احبه احب بقاءه وكره وعزله ونكبته وموته وأحب اتساع ولايته وكثرة ماله وكل ذلك حب لأسباب الظلم وهو مذموم قال سلمان وابن مسعود رضي الله عنهما من رضى بأمر وان غاب عنه كان كمن شهده قال تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا قيل لا ترضوا بأعمالهم فإن كنت في القوة بحيث لا تزداد حبالهم بذلك فلا بأس بالأخذ وقد حكى عن بعض عباد البصرة أنه كان يأخذ أموالا ويفرقها فقيل له ألا تخاف أن تحبهم فقال لو أخذ رجل بيدى وأدخلنى الجنة ثم عصى ربه ما أحبه قلبي لأن ما الذي سخره للأخذ بيدي هو الذي أبغضه لأجله شكرا له على تصخيره إياه وبهذا تبين أخذ المال الآن منهم وأن كان ذلك المال بعينه من وجه حلال محذور ومذموم لأنه لا ينفك عن هذه الغوائل مسألة أن قال قائل إذا جاز أخذ ماله وتفرقته فهل يجوز أن يسرق ماله أو تخفي وديعته وتنكر وتفرق على الناس فنقول ذلك غير جائز لأنه ربما يكون له مالك معين وهو على عزم أن يرده عليه وليس هذا كما لو بعثه إليك فإن العاقل لا يظن به أنه يتصدق بما يعلم مالكه فيدل تسليمه على أنه لا يعرف مالكه فإن كان ممن يشكل عليه مثله فلا يجوز أن يقبل منه المال مالم يعرف ذلك ثم كيف يسرق ويحتمل أن يكون ملكه قد حصل له بشراء في ذمته فإن اليد دلالة على الملك فهذا لا سبيل إليه بل لو وجد لقطة وظهر أن صاحبها جندي واحتمل أن تكون له بشراء في الذمة أو غيره وجب الرد عليه فإذا لا يجوز سرقة مالهم لا منهم ولا ممن أودع عنده ولا يجوز إنكار وديعتهم ويجب الحد على سارق ما لهم إلا إذا ادعى السارق انه ليس ملكا لهم فعند ذلك يسقط الحد بالدعوى مسألة المعاملة معهم حرام لأن اكثر ما لهم حرام فما يؤخذ عوضا فهو حرام فإن أدى الثمن من موضع يعلم حله فيبقي النظر فيما سلم إليهم فإن علم إنهم يعصون الله به كبيع الديباج منهم وهو يعلم أنهم يلبسونه فذلك حرام كبيع العنب من الخمار وإنما الخلاف فى الصحة وإن أمكن ذلك وأمكن أن يلبسها نساءه فهو شبهة مكروهه هذا فيما يعصى في عينه من الأموال وفي معناه بيع الفرس منهم لا سيما في وقت ركوبهم إلى قتال المسلمين أو جباية أموالهم فإن ذلك إعانة لهم بفرسه وهي محظورة فأما بيع الدراهم و الدنانير منهم وما يجري مجراها مما لا يعصى في عينه بل يتوصل بها فهو مكروه لما فيه من إعانتهم على الظلم لأنهم يستعينون على ظلمهم بالأموال و الدواب وسائر الأسباب وهذه الكراهة جارية في الإهداء إليهم وفي العمل لهم من غير أجرة حتى فى تعليمهم وتعليم أولادهم الكناية والترسل والحساب وأما تعليم القرآن فلا يكره إلا من حيث أخذ الأجرة فإن ذلك حرام إلا من وجه يعلم حله ولو انتصب وكيلا لهم يشتري لهم في الأسواق من غير جعل أو أجرة فهو مكروه من حيث الإعانة وإن اشترى لهم ما يعلم أنهم يقصدون به المعصية كالغلام و الديباج للعرش و اللبس و الفرس للركوب إلى الظلم و القتل فذلك حرام فمهما ظهر قصد المعصية بالمبتاع حصل التحريم ومهما لم يظهر واحتمل بحكم الحال ودلالتها عليه حصلت الكراهة مسألة الأسواق التي بنوها بالمال الحرام تحرم التجارة فيها ولا يجوز سكناها فإن سكنها تاجر واكتسب بطريق شرعي لم يحرم كسبه وكان عاصيا بسكناه وللناس أن يشتروا منهم ولكن لو وجدوا سوقا أخرى فالأولى الشراء منها فإن ذلك إعانة لسكناهم وتكثير لكراء حوانيتهم وكذلك معاملة السوق التي لا خراج لهم عليها أحب من معاملة سوق لهم عليها خراج وقد بالغ قوم حتى تحرزوا من معاملة الفلاحين وأصحاب الأراضي التي لهم عليها الخراج فإنهم ربما يصرفون ما يأخذون إلى الخراج فيحصل به الإعانة وهذا غلو في الدين وحرج على المسلمين فإن الخراج قد عم الأراضي ولا غنى بالناس عن إرتفاق الأرض ولا معنى للمنع منه ولو جاز هذا لحرم على المالك زراعة الأرض حتى لا يطلب خراجها وذلك مما يطول ويتداعى إلى حسم باب المعاش مسألة معاملة قضاتهم وعمالهم وخدمهم حرام كمعاملتهم بل أشد أما القضاة فلأنهم يأخذون من أموالهم الحرام الصريح ويكثرون جمعهم ويغرون الخلق يزنهم فإنهم على زي العلماء ويختلطون بهم ويأخذون من أموالهم والطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بذوي الجاه والحشمة فهم سبب انقياد الخلق إليهم واما الخدم والحشم فأكثر أموالهم من الغصب الصريح ولا يقع في أيديهم مال مصلحة وميراث وجزية ولا وجه حلال حتى تضعف الشبهة باختلاط الحلال بمالهم قال طاوس لا اشهد عندهم وان تحققت لأني أخاف تعديهم على من شهدت عليه وبالجملة إنما فسدت الرعية بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من إنكارهم ولذلك قال صلى الله عليه وسلم  لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه ما يمالئ قراؤها أمراءها حديث لا تزال هذه الأمة تحت يد الله وكنفه مالم يمالئ قراؤها أمراءها أخرجه أبو عمرو الداني في كتاب الفتن من رواية الحسن مرسلا ورواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي وابن عمر بلفظ مالم يعظم أبرارها فجارها ويداهن خيارها شرارها وإسنادهما ضعيف وإنما ذكر القراء لأنهم كانوا هم العلماء وإنما كان علمهم بالقرآن ومعانيه المفهومة بالسنة وما وراء ذلك من العلوم فهي محدثة بعدهم وقد قال سفيان لا تخالط السلطان ولا من يخالطه وقال صاحب القلم وصاحب الدواة وصاحب القرطاس وصاحب الليطة بعضهم شركاء بعض وقد صدق فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم  لعن في الخمر عشرة حتى العاصر و المعتصر حديث أن النبي صلى الله تعالى وعلى اله وسلم لعن في الخمر عشرة حتى العاصر و المعتصر أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث انس قال الترمذي حديث غريب وقال ابن مسعود رضي الله عنه آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  حديث ابن مسعود آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم  رواه مسلم وأصحاب السنن و اللفظ للنسائي دون قوله وشاهده ولأبي داود لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم  آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه قال الترمذي وصححه وابن ماجه وشاهديه وكذا رواه جابر وعمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  حديث جابر لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه قال هم سواء أخرجه مسلم من حديثه و أما حديث عمر فأشار إليه الترمذي بقوله وفي الباب ولابن ماجه من حديثه إن آخر ما أنزلت آية الربا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  مات ولم يفسرها فدعوا الربا والريبة وهو من رواية ابن المسيب عنه و الجمهور على أنه لم يسمع منه وقال ابن سيرين لا تحلم للسلطان كتابا حتى تعلم ما فيه وامتنع سفيان رحمه الله من مناولة الخليفة في زمانه دواة بين يديه و قال حتى أعلم ما تكتب بها فكل من حواليهم من خدمهم وأتباعهم ظلمة مثلهم يجب بغضهم في الله جميعا روى عن عثمان بن زائدة انه سأله رجل من الجند و قال أين الطريق فسكت وأظهر الصمم وخاف أن يكون متوجها إلى ظلم فيكون هو بإرشاده إلى الطريق معينا وهذه المبالغة لم تنقل عن السلف مع الفساق من التجار و الحاكة والحجامين وأهل الحمامات و الصاغة و الصباغين وأرباب الحرف مع غلبة الكذب و الفسق عليهم بل مع الكفار من أهل الذمة وإنما هذا في الظلمة خاصة الآكلين لأموال اليتامى و المساكين و المواظبين على إيذاء المسلمين الذين تعاونوا على طمس رسوم الشريعة وشعائرها وهذا لأن المعصية تنقسم إلى لازمة ومتعدية و الفسق لازم لا يتعدى وكذا الكفر وهو جناية على حق الله تعالى وحسابه على الله وأما معصية الولاة بالظلم وهو متعد فإنما يغلظ أمرهم لذلك وبقدر عموم الظلم وعموم التعدى يزدادون عند الله مقتا فيجب أن يزداد منهم اجتنابا ومن معاملتهم احترازا فقد قال صلى الله عليه وسلم  يقال للشرطي دع سوطك وادخل النار حديث يقال للشرطي دع سوطك وادخل النار أخرجه أبو يعلى من حديث انس بسند ضعيف وقال صلى الله عليه وسلم  من أشراط الساعة رجال معهم سياط كأذناب البقر حديث من أشراط الساعة رجال معهم أسياط كأذناب البقر أخرجه احمد و الحاكم و قال صحيح الأسناد من حديث أبي أمامة يكون في آخر الزمان رجال معهم سياط كأنها أذناب البقر الحديث ولمسلم من حديث أبي هريرة يوشك أن طالت بك مدة أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر وفي رواية له صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر الحديث فهذا حكمهم ومن عرف بذلك منهم فقد عرف ومن لم يعرف فعلامته القباء وطول الشوارب وسائر الهيئات المشهورة فمن رؤى على تلك الهيئة تعين اجتنابه ولا يكون ذلك من سوء الظن لأنه الذي جنى على نفسه إذ تزيا بزيهم ومساواة الزي تدل على مساواة القلب ولا يتجانن إلا مجنون ولا يتشبه بالفساق إلا فاسق نعم الفاسق قد يلتبس بأهل الصلاح فأما الصالح فليس له أن يتشبه بأهل الفساد لان ذلك تكثير لسوادهم وإنما نزل قوله تعالى أن الذين توفاهم الملائكة ظالمى أنفسهم في قوم من المسلمين كانوا يكثرون جماعة المشركين بالمخالطة وقد روى أن الله تعالى أوحى إلى يوشع ابن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم فقال ما بال الأخيار قال إنهم لا يغضبون لغضبي فكانوا يؤاكلونهم ويشاربونهم وبهذا يتبين أن بعض الظلمة و الغضب لله عليهم واجب وروى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم  أن الله لعن علماء بني إسرائيل إذ خالطوا الظالمين في معاشهم حديث ابن مسعود لعن الله علماء بني إسرائيل إذ خالطوا الظالمين في معايشهم أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم لفظ الترمذي و قال حسن غريب مسألة المواضع التي بناها الظلمة كالقناطر و الرباطات و المساجد و السقايات ينبغي أن يحتاط فيها وينظر أما القنطرة فيجوز العبور عليها للحاجة و الورع الاحتراز ما أمكن و إن وجد عنه معدلا تأكد الورع وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا لأنه إذا لم يعرف الأعيان مالكا كان حكمها أن ترصد للخيرات وهذا خير فأما إذا عرف أن الآجر و الحجر قد نقل من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذا لا يحل العبور عليه أصلا إلا لضرورة يحل بها مثل ذلك من مال الغير ثم يجب عليه الاستحلال من المالك الذي يعرفه وأما المسجد فإن بنى في أرض مغضوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك معين فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة بل لو وقف الأمام فيه فليصل هو خلف الأمام وليقف خارج المسجد فإن الصلاة في الأرض المغصوبة تسقط الفرض وتنعقد في حق الاقتداء فلذلك جوزنا للمقتدي الاقتداء بمن صلى في الأرض المغصوبة وإن عصى صاحبه بالوقوف في الغصب وإن كان من مال لا يعرف مالكه فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة و الجماعة به لأنه يحتمل أن يكون من الملك الذي بناه ولو على بعد وإن لم يكن له مالك معين فهو لمصالح المسلمين ومهما كان في المسجد الكبير بناء لسلطان ظالم فلا عذر لمن يصلي فيه مع اتساع المسجد أعني في الورع قيل لأحمد بن حنبل ما حجتك في ترك الخروج إلى الصلاة في جماعة ونحن بالعسكر فقال حجتي أن الحسن وإبراهيم التيمي خافا أن يفتنهما الحجاج وأنا أخاف أن أفتن أيضا وأما الخلوق و التجصيص فلا يمنع من الدخول لأنه غير منتفع به في الصلاة وإنما هو زينة و الأولى انه لا ينظر إليه وأما البوارى التي فرشوها فإن كان لها مالك معين فيحرم الجلوس عليها و إلا فبعد أن أرصدت لمصلحة عامة جاز افتراشها ولكن الورع العدول عنها فإنها محل شبهة وأما السقاية فحكمها ما ذكرناه وليس عن الورع الوضوء و الشرب منها و الدخول إليها إذا كان يخاف فوات الصلاة فيتوضأ وكذا مصانع طريق مكة وأما الرباطات و المدارس فإن كانت رقبة الأرض مغصوبة أو الآجر منقولا من موضع معين يمكن الرد إلى مستحقه فلا رخصة للدخول فيه و إن التبس المالك فقد أرصد لجهة من الخير و الورع اجتنابه ولكن لا يلزم الفسق بدخوله وهذه الأبنية إن أرصدت من خدم السلاطين فالأمر فيها أشد إذ ليس لهم صرف الأموال الضائعة إلى المصالح و لأن الحرام أغلب على أموالهم إذ ليس لهم أخذ مال المصالح وإنما يجوز ذلك للولاة و أرباب الأمر مسألة الأرض المغصوبة إذا جعلت شارعا لم يجز أن يتخطى فيه ألبتة وان لم يكن له مالك معين جاز و الورع العدول إن أمكن فإن كان الشارع مباحا وفوقه ساباط جاز العبور وجاز الجلوس تحت الساباط على وجه لا يحتاج فيه إلى السقف كما يقع فى الشارع لشغل فإذا انتفع بالسقف فى دفع حر الشمس أو المطر أو غيره فهو حرام لأن السقف لا يراد إلا لذلك وهكذا حكم من يدخل مسجدا أو أرضا مناحة سقف أو حوط بغصب فإنه بمجرد التخطى لا يكون منتفعا بالحيطان و السقف إلا إذا كان له فائدة في الحيطان و السقف لحر أو برد تستر عن بصر أو غيره فذلك حرام لأنه انتفاع بالحرام إذا لم يحرم الجلوس على الغصب لما فيه من المماسة بل للانتفاع و الأرض تراد للاستقرار عليها و السقف للاستظلال به فلا فرق بينهما الباب السابع في مسائل متفرقة يكثر مسيس الحاجة إليها وقد سئل عنها في الفتاوى مسألة سئل عن خادم الصوفية يخرج إلى السوق ويجمع طعاما أو نقدا ويشتري به طعاما فمن الذي يحل له أن يأكل منه وهل يختص بالصوفية أم لا أما الصوفية فلا شبهة في حقهم إذا أكلوه وأما غيرهم فيحل لهم إذا أكلوه برضا الخادم ولكن لا يخلو عن شبهة أما الحل فلأن ما يعطي خادم الصوفية إنما يعطي بسبب الصوفية وله أن يطعم غير العيال إذ يبعد أن يقال لم يخرج عن ملك المعطى ولا يتسلط الخادم على الشراء به التصرف فيه لأن ذلك مصير إلى أن المعاطاة لا تكفي وهو ضعيف ثم لا صائر إليه في الصدقات و الهدايا ويبعد أن يقال زال الملك إلى الصوفية الحاضرين الذين هم وقت سؤاله في الخانقاه إذ لا خلاف أن له يطعم منه من يقدم بعدهم ولو ماتوا كلهم أو واحد منهم لا يجب صرف نصيبه إلى وارثه ولا يمكن أن يقال انه وقع لجهة التصوف ولا يتعين له مستحق لأن إزالة الملك إلى الجهة لا توجب تسليط الآحاد على التصرف فإن الداخلين فيه لا ينحصرون بل يدخل فيه من يولد إلى يوم القيامة وإنما يتصرف فيه الولاة و الخادم لا يجوز له أن ينتصب نائبا عن الجهة فلا وجه إلا أن يقال هو ملكه وإنما يطعم الصوفية بوفاء شرط التصوف و المروءة فإن منعهم عنه منعوه عن أن يظهر نفسه في معرض التكفل بهم حتى ينقطع وقفه كما ينقطع عمن مات عياله مسألة سئل عن مال أوصى به للصوفية فمن الذي يجوز أن يصرف إليه فقلت التصوف أمر باطن لا يطلع عليه ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته بل بأمور ظاهرة يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي و الضابط الكلى أن كل من هو بصفة إذا نزل في خانقاه الصوفية لم يكن نزوله فيها واختلاطه بهم منكرا عندهم فهو داخل في غمارهم و التفصيل أن يلاحظ فيه خمس صفات الصلاح و الفقر وزي الصوفية وان لا يكون مشتغلا بحرفة وأن يكون مخالطا لهم بطريق المساكنة في الخانقاه ثم بعض هذه الصفات مما يوجب زوالها زوال الاسم وبعضها ينجبر بالبعض فالفسق يمنع الاستحقاق لأن الصوفي بالجملة عبارة عن رجل من أهل الصلاح بصفة مخصوصة فالذي يظهر فسقه وإن كان على زيهم لا يستحق ما أوصى به للصوفية ولسنا نعتبر فيه الصغائر وأما الحرفة و الاشتغال بالكسب فإنه يمنع هذا الاستحقاق فالدهقان و العامل و التاجر و الصانع في حانوته أو داره و الأجير الذي يخدم بأجرة كل هؤلاء لا يستحقون ما أوصى به للصوفية ولا ينجبر هذا بالزي و المخالطة فأما الوراقة و الخياطة وما يقرب منهما مما يليق بالصوفية تعاطيها فإذا تعاطاها لا في حانوت ولا على جهة اكتساب وحرفة فذلك لا يمنع الاستحقاق وكان ذلك ينجبر بمساكنته إياهم مع بقية الصفات وأما القدرة على الحرف من غير مباشرة فلا تمنع وأما الوعظ و التدريس فلا ينافي اسم التصوف إذا وجدت بقية الخصال من الزي و المساكنة و الفقر إذ لا يتناقض أن يقال صوفي مقرئ وصوفي واعظ وصوفي عالم أو مدرس ويتناقض أن يقال صوفي تاجر وصوفي عامل وأما الفقر فإن زال بغنى مفرط ينسب الرجل إلى الثروة الظاهرة فلا يجوز معه أخذ وصية الصوفية وإن كان له مال ولا يفي دخله بخرجه لم يبطل حقه وكذا إذا كان له مال قاصر عن وجوب الزكاة وان لم يكن له خرج وهذه أمور لا دليل لها إلا العادات وأما المخالطة لهم ومساكنتهم فلها أثر ولكن من لا يخالطهم وهو في داره أو في مسجد على زيهم ومتخلق بأخلاقهم فهو شريك في سهمهم وكأن ترك المخالطة يجبرها ملازمة الزي فإن لم يكن على زيهم ووجد فيه بقية الصفات فلا يستحق إلا إذا كان مساكنا لهم في الرباط فينسحب عليه حكمهم بالتبعية فالمخالطة و الزي ينوب كل واحد منهما عن الآخر و الفقيه الذي ليس على زيهم هذا حكمه فإن كان خارجا لم يعد صوفيا وان كان ساكنا معهم ووجدت بقية الصفات لم يبعد أن ينسحب بالتبعية عليه حكمهم وأما لبس المرقعة من يد شيخ من مشايخهم فلا يشترط ذلك في الاستحقاق وعدمه لا يضره مع وجود الشرائط المذكورة وأما المتأهل المتردد بين الرباط و المسكن فلا يخرج بذلك عن جملتهم مسألة ما وقف على رباط الصوفية وسكانه فالأمر فيه أوسع مما أوصى لهم به لأن معنى الوقف الصرف إلى مصالحهم فلغير الصوفي أن يأكل معهم برضاهم على مائدتهم مرة أو مرتين فإن أمر الأطعمة مبناه على التسامح حتى جاز الانفراد بها في الغنائم المشتركة وللقوال أن يأكل معهم في دعوتهم من ذلك الوقف وكان ذلك من مصالح معايشهم وما أوصى به للصوفية لا يجوز أن يصرف إلى قوال الصوفية بخلاف الوقف وكذلك من أحضروه من العمال و التجار و القضاة و الفقهاء ممن لهم غرض في استمالة قلوبهم يحل لهم الأكل برضاهم فإن الواقف لا يقف إلا معتقدا فيه ما جرت به عادات الصوفية فينزل على العرف ولكن ليس هذا على الدوام فلا يجوز لمن ليس صوفيا أن يسكن معهم على الدوام ويأكل وان رضوا به إذ ليس لهم تغيير شرط الواقف بمشاركة غير جنسهم وأما الفقيه إذا كان على زيهم وأخلاقهم فله النزول عليهم وكونه فقيها لا ينافي كونه صوفيا و الجهل ليس بشرط في التصوف عند من يعرف التصوف ولا يلتفت إلى خرافات بعض الحمقى بقولهم أن العلم حجاب فإن الجهل هو الحجاب وقد ذكرنا تأويل هذه الكلمة في كتاب العلم وان الحجاب هو العلم المذموم دون المحمود وذكرنا المحمود و المذموم وشرحهما وأما الفقيه إذا لم يكن على زيهم وأخلاقهم فلهم منعه من التزول عليهم فإن رضوا بنزوله فيحل له الأكل معهم بطريق التبعية فكان عدم الزي تجبره المساكنة ولكن برضا أهل الزي وهذه أمور تشهد لها العادات وفيها أمور متقابلة لا يخفي أطرافها في النفي و الإثبات ومتشابه أوساطها فمن احترز في مواضع الاشتباه فقد استبرأ لدينه كما نبهنا عليه في أيواب الشبهات مسألة سئل عن الفرق بين الرشوة و الهدية مع أن كل واحد منهما يصدر عن الرضا ولا يخلو عن غرض وقد حرمت إحداهما دون الأخرى فقلت باذل المال لا يبذله قط إلا لغرض ولكن الغرض إما آجل كالثواب وإما عاجل و العاجل إما مال وإما فعل وإعانة على مقصود معين وإما تقرب إلى قلب المهدى إليه بطلب محبته إما للمحبة في عينها وإما للتوصل بالمحبة إلى غرض وراءها فالأقسام الحاصلة من هذه خمسة الأول ما غرضه الثواب في الآخرة وذلك إما أن يكون لكون المصروف إليه محتاجا أو عالما أو منتسبا بنسب ديني أو صالحا في نفسه متدينا فما علم الآخذ أنه يعطاه لحاجته لا يحل له أخذه إن لم يكن محتاجا وما علم انه يعطاه لشرف نسبه لا يحل له أن علم انه كاذب في دعوى النسب وما يعطي لعلمه فلا يحل له أن يأخذه إلا أن يكون في العلم كما يعتقده المعطى فإن كان خيل إليه كمالا في العلم حتى بعثه بذلك على التقرب ولم يكن كاملا لم يحل له وما يعطي لدينه وصلاحه لا يحل له أن يأخذه أن كان فاسقا في الباطن فسقا لو علمه المعطى ما أعطاه وقلما يكون الصالح بحيث لو انكشف باطنه لبقيت القلوب مائلة إليه وإنما ستر الله الجميل هو الذي يحبب الخلق إلى الخلق وكان المتورعون يوكلون في الشراء من لا يعرف أنه وكيلهم حتى لا يتسامحوا في المبيع خيفة من أن يكون ذلك أكلا بالدين فإن ذلك مخطر و التقي خفي لا كالعلم و النسب و الفقر فينبغي أن يجتنب الأخذ بالدين ما أمكن القسم الثاني ما يقصد به في العاجل غرض معين كالفقير يهدي إلى الغني طعما في خلعته فهذه هبة بشرط الثواب لا يخفي حكمها وإنما تحل عند الوفاء بالثواب المطموع فيه وعند وجود شروط العقود الثالث أن يكون المراد إعانة بفعل معين كالمحتاج إلى السلطان يهدي إلى وكيل السلطان وخاصته ومن له مكانة عنده فهذه هدية بشرط ثواب يعرف بقرينة الحال فلينظر في ذلك العمل الذي هو الثواب فإن كان حراما كالسعي في تنجيز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غيره حرم الأخذ وان كان واجبا كدفع ظلم متعين على كل من يقدر عليه أو شهادة متعينة فيحرم عليه ما يأخذه وهي الرشوة التي لا يشك في تحريمها وإن كان مباحا لا واجبا ولا حراما وكان فيه تعب بحيث لو عرف لجاز الاستئجار عليه فما يأخذه حلال معها وفي الغرض وهو جار مجرى الجعالة كقوله أوصل هذه القصة إلى يد فلان أو يد السلطان ولك دينار وكان بحيث يحتاج إلى تعب وعمل متقوم أو قال اقترح على فلان أن يعينني في غرض كذا أو ينعم علي بكذا وافتقر في تنجيز غرضه إلى كلام طويل فذلك جعل كما يأخذه الوكيل بالخصومة بين يدي القاضي فليس بحرام إذا كان لا يسعى في حرام وان كان مقصود يحصل بكلمة لا تعب فيها ولكن تلك الكلمة من ذي الجاه أو تلك الفعلة من ذي الجاه تفيد كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان أو كوضعه قصة بين يدي السلطان فقط فهذا حرام لأنه عوض من الجاه ولم يثبت في الشرع جواز ذلك بل ثبت ما يدل على النهي عنه كما سيأتي في هدايا الملوك وإذا كان لا يجوز العوض عن إسقاط الشفعة و الرد بالعيب ودخول الأغصان في هواه الملك وجملة من الأعراض مع كونها مقصودة فكيف يؤخذ عن الجاه ويقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على كلمة واحدة ينبه بها على دواء ينفرد بمعرفته كواحد ينفرد بالعلم بنبت يقلع البواسير أو غيره فلا يذكره إلا بعوض فإن عمله بالتلفظ غير متقوم كحبة من سمسم فلا يجوز اخذ العوض عليه ولا على علمه إذ ليس ينتقل علمه إلى غيره وإنما يحصل لغيره مثل علمه ويبقي هو عالما به ودون هذا الحاذق في الصناعة كالصيقلى مثلا الذي يزيل اعوجاج السيف أو المرآة بدقة واحدة لحسن معرفته بموضع الخلل ولحذقه بإصابته فقد يزيد بدقة واحدة مال كثير في قيمة السيف و المرآة فهذا لا أرى بأسا بأخذ الأجرة عليه لأن مثل هذه الصناعات يتعب الرجل في تعلمها ليكتسب بها ويخفف عن نفسه كثرة العمل الرابع ما يقصد به المحبة وجلبها من قبل المهدي إليه لا لغرض معين ولكن طلبا للاستئناس وتأكيد للصحبة وتوددا إلى القلوب فذلك مقصود للعقلاء ومندوب إليه في الشرع قال صلى الله عليه وسلم  تهادوا تحابوا حديث تهادوا تحابوا أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وضعفه ابن عدي وعلى الجملة فلا يقصد الإنسان في الغالب أيضا محبة غيره لعين المحبة بل لفائدة في محبته ولكن إذا لم تتعين تلك الفائدة ولم يتمثل في نفسه غرض معين يبعثه في الحال أو المآل سمى ذلك هدية وحل أخذها الخامس أن يطلب التقرب إلى قلبه وتحصيل محبته لا لمحبته ولا للأنس به من حيث انه أنس فقط بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض له ينحصر جنسها وان لم ينحصر عينها وكان لولا جاهه وحشمته لكان لا يهدي إليه فإن كان جاهه لأجل علم أو نسب فالأمر فيه أخف وأخذه مكروه فإن فيه مشابهة الرشوة ولكنها هدية في ظاهرها فإن كان جاهه بولاية تولاها من قضاء أو عمل أو ولاية صدقة أو جباية مال أو غيره من الأعمال السلطانية حتى ولاية الأوقاف مثلا وكان لولا تلك الولاية لكان لا يهدي إليه فهذه رشوة عرضت في معرض الهدية إذ القصد بها فى الحال طلب التقرب واكتساب المحبة ولكن الأمر ينحصر فى جنسه إذ ما يمكن التوصل إليه بالآيات لا يخفى وآية أنه لا يبغى المحبة أنه لو ولى فى الحال غيره لسلم المال إلى ذلك الغير فهذا مما اتفقوا على أن الكراهة فيه شديدة واختلفوا فى كونه حراما والمعنى فيه متعارضا فإنه دائر بين الهدية المحصنة وبين الرشوة المبذوله فى مقابلة جاه فى غرض معين وإذا تعارضت المشابهة القياسية وعضدت الأخبار والآثار أحمدهما تعين الميل إليه وقد دلت الأخبار على تشديد الأمر فى ذلك قال صلى الله عليه وسلم  يأتى على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتل البرىء لتوعظ به العامة حديث يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية والقتل بالموعظة يقتل البرىء ليوعظ به العامة لم أقف له على أصل وسئل ابن مسعود رضى الله عنه عن السحت فقال يقضى الرجل الحاجة فتهدى له الهدية ولعله أراد قضاء الحاجة بكلمة لا تعب فيها أو تبرع بها لا على قصد أجرة فلا يجوز أن يأخذ بعده شيئا في معرض العوض شفع مسروق شفاعة فأهدى إليه المشفوع له جارية فغضب وردها وقال لو علمت ما في قلبك لما تكلمت في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي منها وسئل طاوس عن هدايا السلطان فقال سحت وأخذ عمر رضي الله عنه ربح مال القراض الذي أخذه ولداه من بيت المال وقال إنما أعطيتما لمكانكما مني إذ علم أنهما أعطيا لأجل جاه الولاية وأهدت امرأة أبي عبيدة بن الجراح إلى خاتون ملكة الروم خلوقا فكافأتها بجوهر فأخذه عمر رضي الله عنه فباعه وأعطاها ثمن خلوقها ورد باقيه إلى بيت مال المسلمين وقال جابر وأبو هريرة رضي الله عنهما هدايا الملوك غلول ولما رد عمر بن عبدالعزيز الهدية قيل له كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية فقال كان ذلك له هدية وهو لنا رشوة حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية أخرجه البخاري من حديث عائشة أي كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته ونحن إنما نعطى للولاية وأعظم من ذلك كله ما روى أبو حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث واليا على صدقات الأزد فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك بعض ما معه وقال هذا لكم وهذا لي هدية فقال عليه السلام ألا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ثم قال مالي أستعمل الرجل منكم فيقول هذا لكم وهذا لي هدية ألا جلس في بيت أمه ليهدى له والذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحد شيئا بغير حقه إلا أتى الله يحمله فلا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم هل بلغت حديث أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث واليا إلى صدقات الأزد فلما جاء قال مالكم وهذا هدية لي الحديث متفق وإذا ثبتت هذه التشديدات فالقاضي والولي ينبغي أن يقدر نفسه في بيت أمه وأبيه فما كان يعطى بعد العزل وهو في بيت أمه يجوز له أن يأخذه في ولايته وما يعلم أنه إنما يعطاه لولايته فحرام أخذه وما أشكل عليه في هدايا أصدقائه أنهم هل كانوا يعطونه لو كان معزولا فهو شبهة فليجتنبه تم كتاب الحلال والحرام بحمد الله ومنه وحسن توفيقه والله أعلم.

 

 

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: